الأربعاء، 26 أغسطس 2026

• استعن على تحقيق أهدافك بإخفاء مقاصدك

 

القاعدة 3 من كتاب 48 قانون للقوة (قواعد السّطوة) للكاتب روبرت جرين

الحكمة:

تكتّم على مقاصد أفعالك لتربك وتحيّر من حولك، وتمنعهم من الكيد أو الاستعداد لك. شجّعهم على الخطأ في تفسير تحرّكاتك. اتركهم في الظلام حتى إذا أدركوا ما أنت مقدم عليه، يكون الأوان قد فات على إيذائك أو تعطيلك.

الجزء الأول: ضلّل الناس بعيداً عن مقاصدك الحقيقية بالتظاهر بأنك ترغب في شيء آخر

إن اكتشف الناس خدعك ومكائدك، تخسر كل شيء؛ فلا تمنحهم أبداً الفرصة لمعرفة ما أنت مقدم عليه. ضلّل أنوفهم عن تشمّم مقاصدك الحقيقية بالتظاهر بالصدق، وبالتلميحات المتعارضة، وبأنك تسعى لشيء آخر غير الذي تريده. فالناس بطبيعتهم لا يفرّقون بين الزائف والحقيقي، وتظاهرك برغبتك في شيء آخر يعميهم عن الذي تريده حقاً.

انتهاك القاعدة:

ظلّت نينو دي لنكلو، أشهر محظيات البلاط الفرنسي، لعدّة أسابيع تصغي باهتمام إلى المركيز دي سيفينيه، يحكي لها عن مساعيه للإيقاع بكونتيسة شابة تتسم بالجمال، لكن مع حدّة في الطباع. كانت نينو وقتها في الثانية والستين، وكانت أكثر من خبيرة في شؤون العشق، بينما كان المركيز غرّاً في الثانية والعشرين. كان وسيماً وجريئاً، لكنه كان ساذجاً وبلا حيلة في شؤون الحب.

في البداية، كانت نينو تضحك على ما يرويه المركيز لها من الأخطاء التي يرتكبها في التقرب من الكونتيسة، لكنها سأمت في النهاية لأنها لم تكن قادرة على احتمال الخيبة والفشل في أي مجال، وعلى الأخص في إغواء النساء، فقرّرت أن تحتضن هذا الشاب وتعلّمه أسرار العشق والغواية. أولاً، كان عليها أن تبيّن له أن هذه الأمور تشبه الحرب، وأن هذه الكونتيسة مثل حصن عليه أن يحاصره ويستولي عليه بحرص قائد عسكري يخطّط لكل خطوة وينتبه، عند تنفيذها، لأدق التفاصيل.

علّمت نينو المركيز أن عليه، في البداية، أن يتقرّب من الكونتيسة بشيء من البرود والتحفّظ، وأن يتعامل معها في المرة القادمة التي ينفرد بها كصديق يثق بها، وليس كحبيب يطلب ودها. فذلك يشتّت ذهنها عن مراده الحقيقي، ويمنعها من النظر إليه وكأنه أحد أسرى هواها، ويجعلها تفكر أنه قد لا يريد منها بالفعل إلا الصداقة.

بمجرد أن لعبت الحيرة برأس الكونتيسة حول ما يريده المركيز من اهتمامه بها، كانت الخطوة التالية في خطة نينو هي أن يبدأ في إشعال غيرتها. أشارت عليه، عند ذهابه إلى أحد الاحتفالات الكبرى بباريس، والتي كان سيلتقي فيها بالكونتيسة، أن يصطحب معه شابة جميلة لها صديقات لسن أقل منها جمالاً، بحيث لا تراه الكونتيسة إلا محاطاً بأجمل نساء باريس. لم يشعل ذلك غيرة الكونتيسة فحسب، بل جعلها تراه مرغوباً من الأخريات.

ولم تكن نينو قادرة على إفهام المركيز الحكمة من ذلك، لكنها شرحت له بصبر أن المرأة تحب أن ترى رجلها مرغوباً من النساء، ليس فقط لأن ذلك يرفع من قيمته، بل لأنه يجعلها تشعر أنها استطاعت أن تخطفه من بين براثن الأخريات.

وفي هذه المرحلة، وبعد أن تملّك التعلّق والغيرة من قلب الكونتيسة، جاء دور التلاعب بمشاعرها. حسب تعليمات نينو، بدأ المركيز يغيب عن الحفلات التي تتوقع الكونتيسة حضوره إليها، ويحضر فجأة المجالس التي لم يكن يرتادها ويعرف أن الكونتيسة تتردّد عليها باستمرار. كان المغزى من كل ذلك هو إرباك مشاعرها، وذلك شرط أساسي لنجاح الإغواء.

استغرق تنفيذ هذه الحركات عدة أسابيع، كانت نينو تراقب فيها أداء المركيز. ومن خلال شبكة من الجواسيس، عرفت أن الكونتيسة بدأت تطيل الضحك على دعاباته والإصغاء لحكاياته، وتطرح الأسئلة عنه فجأة في المناسبات الاجتماعية إذا لم يحضر، وترمقه مطوّلاً إذا حضر. تأكّدت نينو أن الكونتيسة قد استسلمت للسحر، وأنه ما لم تحدث مفاجآت، لن يتطلب الأمر أكثر من شهر إلى شهرين حتى يسقط الحصن.

بعد أيام، كان المركيز مع الكونتيسة وحدهما في بيتها. فجأة تحوّل المركيز إلى شخص آخر؛ تجاهل تعليمات نينو، وأخذ يتصرّف بشغف، واحتضن يدي الكونتيسة بين يديه، وأخبرها عن مدى حبه لها. ارتبكت الكونتيسة، وهو رد الفعل الذي لم يكن المركيز يتوقعه منها، وتصرفت بتحفّظ وأدب، وأخذت طوال السهرة تتجنّب نظراته إليها، واستأذنت لتنصرف، ولم تودعه عند رحيله. وفي زياراته التالية، أمرت الخدم أن يخبروه أنها ليست بالمنزل. وحين التقيا أخيراً، شعر الاثنان بثقل اللقاء وعدم ارتياح أي منهما للآخر؛ فقد أفسد السحر.

التعليق:

كانت نينو دي لنكلو تعرف كل شيء عن فنون الحب، فقد كانت في شبابها عشيقة لأعظم الكتاب والمفكرين والسياسيين في عصرها، رجال من أمثال روشفوكو وموليير وروتشيلو. كان الإغواء بالنسبة لها مباراة يجب أن تتقن بالتدريب والمهارة، وحين تقدّم بها العمر وذاع صيتها، كانت أهم الأسر في فرنسا ترسل أبناءها إليها لتعلّمهم أسرار العشق وفنونه.

عرفت نينو أن الرجال يختلفون في أشياء كثيرة عن النساء، لكن في الإغواء يجمعهم نفس الشعور؛ ففي أعماق سريرتهم غالباً ما يعرفون أنهم يساقون للإغواء، ولكنهم يسلّمون أنفسهم له استمتاعاً بالشعور بأنه يتم استدراجهم، ويشعرون بلذة الاستسلام وترك أنفسهم لشخص آخر يتجول بهم في مدن العشق الغريبة.

لكن الإغواء يعتمد على الإيحاء، ويفسده التصريح والكلام المباشر، ويتطلب منك أن تضلّل من تريد بعيداً عن نواياك الحقيقية. ولكي تدفع من تريد إلى الاستسلام لك، عليك أن تربكها بالطريقة الملائمة؛ بأن تجعل تلميحاتك تحتمل أكثر من معنى، وتظهر وكأنك معجب بامرأة أخرى، ثم توحي لمن تريدها بأنها تعجبك، ثم تعاملها من جديد بتحفظ، وهكذا مراراً. هذه الطريقة لا تربك فقط، وإنما تثير أيضاً.

تخيل الأمر من منظور الكونتيسة. بعد تحركات قليلة قام بها المركيز، أحست أنه يتلاعب بها بطريقة ما، ولكن اللعبة أعجبتها. لم تكن تعرف إلى أين سينتهي بها الأمر، لكنها كانت تحب أن يطول. كانت تحركاته تأسرها، وكانت كل حركة تثير شغفها انتظاراً للحركة التالية. كانت حتى تستمتع بغيرتها وارتباكها، لأن المشاعر تكون أحياناً أفضل من ملل الأمان الذي تمنحه الوحدة. ربما أدركت أن هدف المركيز، في النهاية، هو ما يبتغيه معظم الرجال، لكنها كانت راغبة في الانتظار والترقب، ورأت أنه ربما لو انتظرت كفايةً لم تكن لتستاء مما قد يفعله بها.

لكن حين باح المركيز بالكلمة القاتلة «الحب»، تغيّر كل شيء. لم يعد الأمر مباراةً لها تحركات، بل أصبح مجرّد بوح فجّ بالمشاعر. وانكشف لها بوضوح أنه كان يغويها، فجعلها ذلك ترى كل ما كان يفعله في ضوء جديد، وما كان يبدو من قبل سحراً وأخّاذاً أصبح الآن قبحاً وتآمراً. شعرت الكونتيسة بالإحباط والامتهان، وانغلق بينها وبينه الباب الذي لم يعد من الممكن أن ينفتح له مرة أخرى.

لا تجعل أحداً يكتشف أنك تخادع. رغم أن لا أحد يستطيع، في زماننا هذا، أن يعيش دون أن يخدع، لكن اجعل أكبر مكرك في أن تخفي كل ما قد يكشف للآخرين مكرك. بالتسار جراتسيان (1601  1658).

مراعاة القاعدة:

كان عام 1805 عاماً مصيرياً في حياة أوتو فون بسمارك الشاب. كان في الخامسة والثلاثين، وكان نائباً في البرلمان البروسي. كانت أهم مواضيع الساعة وقتها هي توحيد الولايات الألمانية العديدة، ومنها بروسيا، التي تفتّت إليها القومية الألمانية، وكذلك الحرب ضد النمسا، الجارة القوية في الجنوب، والتي كانت تسعى لإبقاء الألمان ضعفاء وعاجزين، بل وكانت تهدد بالتدخل لو أقدمت الولايات الألمانية على الوحدة.

كان الأمير وليام، وليّ عرش بروسيا، يؤيد الحرب، وكان البرلمان يتفق معه وعلى استعداد لدعم أي حشد وتحريك للكتائب. الوحيد الذي كان يعارض الحرب هو الملك فردريك وليام الرابع، ومعه وزراؤه، فقد كانوا يفضلون استرضاء النمساويين الأقوياء.

طوال تاريخه السياسي، كان بسمارك وفيّاً ومتحمّساً لجعل بروسيا قوية وذات سطوة، وكان يحلم بتوحيد ألمانيا ضد النمسا وإهانة تلك الدولة التي أبقت على ألمانيا مفتتة. وكرجل قضى ما سبق من حياته في العسكرية، كان يرى في الحرب الشرف والكرامة.

كذلك فإن بسمارك هو الرجل الذي قال بعد ذلك بسنوات: «إن قضايا العصر لا تحلّ بالخطب والشعارات، لكن بالحديد والنار«.

على الرغم من حماسه الوطني وحبه للمجد العسكري، ألقى بسمارك خطبةً في البرلمان في ذروة التحمّس للحرب أثارت دهشة كل من سمعوها؛ جاء فيها: «اللعنة على كل من يشعل حرباً دون سبب يبرّر الخسائر التي تبقى بعد انتهائها. بعد الحرب تتغير النظرة للأمور، فهل ستجد لديك من الشجاعة ما يكفي لتبريرها لمزارع يؤلمه الخراب الذي حل بمزرعته، أو لرجل أصابته الحرب وأقعدته، أو لأب خسر فيها أبناءه«؟

لم يكتف بسمارك بالهجوم على من يتحمسون للحرب، بل الأغرب أنه أثنى على النمسا ودافع عن أفعالها. كان هذا ضد كل ما يؤيده ويؤمن به، وجاءت النتائج فورية؛ فقد تحيّر النواب الآخرون حين رأوا بسمارك يناهض الحرب، وتراجع الكثيرون عن تصويتهم، وفاز حزب الملك وألغي قرار الحرب.

بعد أسابيع من الخطاب الشهير، وامتناناً منه على تأييد بسمارك للسلام، عيّنه الملك وزيراً، وبعد سنوات قليلة أصبح رئيساً لوزراء بروسيا. ومن موقعه هذا، قاد بلاده وملكه المحب للسلام إلى الحرب ضد النمسا، وسحق هيمنتها الإمبراطورية، وأسس دولةً ألمانيةً قويةً تقودها بروسيا.

التعليق:

قام بسمارك، قبل أن يلقي خطابه في عام 1805، بحسابات عديدة. فأولاً رأى أن العسكرية البروسية غير مؤهّلة للحرب، لأنها لم يتم تحديثها كالجيوش الأوروبية الأخرى، وكان واثقاً أن النمسا ستفوز في هذه الحرب فوزاً سهلاً ومحتوماً ستكون له عواقب وخيمة في المستقبل.

ثانياً، كانت خسارة الحرب ستؤدي، إن دعمها بسمارك، إلى تحطيم مستقبله السياسي. كان الملك وأتباعه يؤيدون السلام، وكان بسمارك يريد السطوة، وكان الحل هو أن يضلّل الآخرين بدعمه لقضية يرفضها، وأن يقول أشياء كان ليسخر منها لو قالها أحد غيره؛ أي إنه خدع بلداً بكامله.

بسبب خطابه عيّنه الملك وزيراً، وهو المنصب الذي صعد به سريعاً إلى رئاسة الوزارة، ومنحه السطوة التي مكّنته من تقوية الجيش البروسي وتحقيق ما كان يرغب فيه طوال حياته العملية، وهو إهانة النمسا وتوحيد ألمانيا بقيادة بروسيا.

كان بسمارك حقاً من أمهر السياسيين في كل العصور، وكان بارعاً في الاستراتيجية والمكر. لم يكتشف أحد ما كان يريده حقاً في هذه القضية. لو كان قد أعلن عن نواياه الحقيقية، محتجاً بتأجيل القتال إلى مرحلة تالية، لما كان لينتصر لرأيه، لأن معظم البروسيين كانوا راغبين في القتال فوراً لاعتقادهم، خطأً، أن جيشهم أقوى من جيش النمسا. ولو تزلّف للملك بأنه سيؤيد السلام على أن يجعله وزيراً، لما كان ليفوز بهذا أيضاً، لأن الملك كان سيشك في إخلاصه وأمانته.

حين تعامل بسمارك بمكر وتضليل شديدين، استطاع خداع الجميع، وأخفى أهدافه وحقق كل ما أراد. وتلك هي السطوة التي يمنحها لك كتمان نواياك عن الآخرين.

مفاتيح للسطوة:

معظم الناس كتب مفتوحة؛ يفضون بما يشعرون به، ويعبرون عن آرائهم في كل مناسبة، ويظهرون دائماً خططهم ونواياهم، وهم يفعلون ذلك لأسباب عديدة.

أولاً، لأن من السهل دائماً أن تنساق للرغبة في الحديث عن مشاعرك ونواياك حول المستقبل؛ والأصعب هو أن تراقب لسانك وتتحكّم فيما تقول.

ثانياً، لأن الكثيرين يظنون أن صراحتهم وعفويتهم تكسبهم قلوب الآخرين وتظهر لهم طبائعهم الطيبة، وهذا تضليل خطير، لأن الصراحة تشبه سكيناً ثلمةً تدمي أكثر مما تقطع. الصراحة تجرح الناس، ومن الحكمة أن تسمع الناس ما يحبون سماعه، وليس ما تظنه أو تستشعره من حقائق فجة وقبيحة تؤذيهم.

الأهم من ذلك أن الصراحة والعفوية تجعلانك واضحاً ومقروءاً للآخرين، ويستحيل بعدها أن تجني منهم الاحترام والهيبة، وهما شرطان لا يمكن من دونهما لأي شخص أن يكتسب السطوة.

إن كنت ترغب في السطوة، فتخلَّ عن الصراحة وتدرّب على فن كتمان نواياك. إن أتقنت هذا الفن، ستكون لك دائماً اليد العليا. السر في نجاح الكتمان يكمن في حقيقة بسيطة عن الطبيعة البشرية؛ فغريزتنا تفرض علينا أن نصدّق المظاهر، ولا يمكن لنا أن نمضي في حياتنا إن كنا نتشكك في كل ما نراه، والارتياب المستمر من أن المظاهر تخفي أموراً أخرى يجهدنا ويرعبنا.

هذه الحقيقة تجعل إخفاء النوايا أمراً سهلاً. أظهر للآخرين أنك تريد شيئاً معيناً، وسوف يصدّقون ما يرونه، وبمجرد أن يركّزوا أعينهم على هذا الطعم، لن يتبين لهم ما الذي تسعى إليه حقاً. في الإغواء، اجعل تلميحاتك متناقضة بإظهار الرغبة واللامبالاة معاً. هذا لن يضلّل من ترغبها عن غرضك الحقيقي فحسب، بل سوف يشعل رغبتها في أن تمتلكك.

من تكتيكات التضليل التي غالباً ما تنجح أن تظهر وكأنك تؤيد فكرةً أو قضيةً تناقض ما ترغب به حقاً. فعل بسمارك ذلك بنجاح كبير في خطبة عام 1805. سوف يظن كثيرون أنك غيرت ولاءاتك، لأنه من غير المعتاد أن يتنكّر الشخص بهذا البرود لشيء يؤمن به في أعماقه، مثل القيم والآراء.

وينطبق نفس المنطق على كل الأشياء التي تستخدمها كطعم بإظهار رغبة زائفة نحوها. أظهر وكأنك ترغب في شيء لا يعنيك في الواقع ويخفي مسارك الحقيقي، وسوف تجد أعداءك يركزون عليه ويرتكبون كل أنواع الأخطاء في حساباتهم وتوقعاتهم.

أثناء الصراع على خلافة إسبانيا سنة 1711، كان الدوق مارلبورو، قائد الجيش الإنجليزي، يرغب بشكل ملح في تحطيم قلعة فرنسية لأنها كانت تحمي طريقاً حيوياً للتوغل داخل فرنسا. ولكنه كان يعرف أنه لو دمر هذه القلعة، فإن الفرنسيين سيعرفون أنه يريد التوغل عبر هذا الطريق. ولذلك، وبدلاً من تدميرها، اكتفى الدوق بالاستيلاء عليها وترك بعض الجنود ليظن الفرنسيون أنه يريد الاحتفاظ بها لغرض في نفسه.

هاجم الفرنسيون القلعة، وتركها الدوق تسقط في أيديهم، وبمجرد أن استعادوها قاموا بتدميرها خوفاً من أن الدوق يريدها لسبب هام. بعد أن زالت القلعة، بقي الطريق دون حماية، واستطاع الدوق الزحف بسهولة إلى داخل فرنسا.

استخدم هذا التكتيك بالطريقة التالية: أخفِ نواياك، ليس بالكتمان، والذي سوف يظهرك غامضاً ويشكك الناس بك، بل بالحديث كثيراً عن رغباتك وأهدافك، لكن ليست الحقيقية. حينها سوف تصطاد ثلاثة عصافير بحجر واحد: سيراك الناس ودوداً ومنفتحاً وأهلاً للثقة، وتخفي نواياك الحقيقية، وتجعل أعداءك يجهدون أنفسهم في مطاردة الأوهام.

من الوسائل الأخرى الفعالة لتضليل الآخرين عن نواياك الحقيقية المصارحة الزائفة؛ فالناس يخلطون بين المصارحة والصدق. ولتتذكر أن غريزتهم تجعلهم يثقون فيما يظهر لهم، ولأنهم يحبون الصدق ويودون أن يروا الصدق فيمن حولهم، لذا يندر أن تجدهم يتشككون بك أو يتفحصون أفعالك.

فإظهارك لاقتناعك بما تقول يجعل لكلماتك تأثيراً قوياً. تلك هي الطريقة التي استطاع بها ياجو أن يدمّر عطيل؛ فاقتناع عطيل بمشاعر ياجو نحوه جعله ينخدع بمصارحته الزائفة بالشك في خيانة ديدمونة.

إلا أنه علينا، بالطبع، أن نحذر من المبالغة في المصارحة، لأنها وسيلة هشة؛ فظهورك مفرطاً في التعاطف يشكك الآخرين فيك. كن معتدلاً وقابلاً للتصديق، وإلا سينكشف خداعك ويرتد عليك.

كي تجعل المصارحة الزائفة سلاحاً فعالاً تخفي به نواياك، ناصر المصارحة والصدق ودافع عنهما كقيمتين اجتماعيتين هامتين، وانشر ذلك بين الناس على قدر ما تستطيع، وأكّد تحمسك لهما بأحاديث تمس القلب، على أن تكون بالطبع تافهةً ولا تفشي سرك.

كان تاليران، وزير نابليون، مشهوراً بكسب ثقة الناس بالبوح بأشياء تبدو أسراراً، فهذه الثقة الزائفة بالآخرين تعمل كطعم يجعلهم يمنحونك ثقتهم الحقيقية.

تذكر أن أفضل الماكرين هم من يبذلون كل جهدهم لإخفاء خداعهم؛ فهم يزرعون الصدق في جانب ليحصدوا ما يريدون من عدم الصدق في جوانب أخرى. فالصدق مجرد سلاح إضافي في ترسانة مكرهم.

الجزء الثاني: استخدم ستائر الدخان لإخفاء مقاصدك

الخداع والمكر هما أهم استراتيجيات السطوة، لكن لكي تتقن الخداع عليك أن تستخدم ستائر الدخان التي تضلّل الناس عن مقاصدك الحقيقية. من أبرع الطرق لوضع ستائر الدخان استخدام تعبيرات وجه المقامر الباردة والمحايدة، والتي تصعب قراءتها. استخدامك للتعبيرات المحايدة والمألوفة يطمئن الآخرين ويستدرجهم إلى الفخ الذي أعددته لهم.

مراعاة القاعدة:

في عام 1910، صفّى السيد سام جيزيل أعماله وحصل على ما يقرب من المليون دولار ثمناً لمخازنه ومقتنياتها، وبدأ يباشر إدارة ممتلكاته العديدة فيما يشبه التقاعد، لكن من داخله كان لا يزال يشعر بالحنين لأيامه الخوالي حين كان يعقد الصفقات.

في أحد الأيام زاره شاب يدعى جوزيف وايل ليشتري شقة عرضها جيزيل للبيع. بيّن له جيزيل الشروط: الثمن 8000 دولار، منها 2000 دولار دفعةً مقدّمةً. وافق وايل، ولكنه عاد في اليوم التالي وعرض أن يدفع المبلغ كاملاً نقداً إن انتظره جيزيل بضعة أيام يتمّم فيها صفقةً يجريها.

لم يكن رجل أعمال ماهر مثل جيزيل ليتجاهل، حتى في تقاعده، ماهية الصفقة التي تحقق مبلغاً كهذا، 150000 دولار بمعايير اليوم، في مثل ذلك الوقت القصير. بدا وايل متردّداً في إخباره، وحاول تغيير الموضوع، لكن جيزيل أصرّ أن يعرف. أخيراً، وبعد أن أكّد عليه وايل ألا يخبر أحداً آخر، حكى له القصة التالية.

كان عم وايل يعمل سكرتيراً لمجموعة من المموّلين يمتلكون ملايين الدولارات، وقد اشترى هؤلاء المموّلون ضيعةً للصيد في ميتشجان قبل عشر سنوات بسعر رخيص. ولأنهم لم يستعملوها منذ سنوات، قرّروا بيعها، وطلبوا من عم وايل أن يحصل لهم على أي سعر فيها.

ولأسباب معقولة شرحها وايل لجيزيل، كان العم يحمل منذ سنوات حقداً وضغينةً ضد هؤلاء الأثرياء، وكانت تلك فرصته للانتقام منهم. قرّر العم أن يبيع الضيعة بسعر رخيص، وليكن 35000 دولار، لرجل ما كان دور وايل أن يختاره. ولم يكن المموّلون الأثرياء ليهتموا بمثل هذا السعر الرخيص، ويمكن للرجل المختار أن يبيع الضيعة بعد ذلك بسعرها الحقيقي، أي حوالي 155000 دولار، على أن يقسم وايل والعم والرجل الثالث الأرباح بينهم. كان كل شيء قانونياً، ولسبب مقبول، وهو انتقام عم وايل العادل من الأثرياء الذين أجحفوا بحقه.

أنصت جيزيل، وطلب أن يكون هو المشتري المختار. بدا وايل متردّداً في أن يشركه، ولكن جيزيل لم يتراجع؛ ففكرة الربح الكبير دون مخاطرة جعلته يتمسّك بالفرصة. شرح له وايل أنه سيكون عليه أن يحضر مبلغ 35000 دولار لإتمام البيع، فأخبره جيزيل المليونير أنه لن يصعب عليه توفير هذا المبلغ.

رضخ وايل ووافق على ترتيب لقاء يجمعه وجيزيل والعم والمموّلين في بلدة جاليسبرج بولاية إلينوي.

في القطار، التقى جيزيل بالعم، وبدا له شخصاً نافذاً، وتناقشا معاً في الأعمال. أحضر وايل رجلاً آخر متدلّي البطن نوعاً ما، اسمه جورج جروس. قال وايل لجيزيل إنه كان يعمل مدرّباً للملاكمة، وإن جروس كان أحد المتدرّبين الواعدين، وإنه دعاه معهما ليعرف إن كان ما زال محتفظاً بلياقته البدنية.

لم يكن لجروس مظهر الملاكم الذي يبشّر بالنجاح؛ فقد كان أشيب الشعر وأكرش البطن، لكن جيزيل كان من الحماس لإتمام الصفقة لدرجة أنه لم ينتبه إلى الترهّل في بنية الرجل.

ما إن وصلوا إلى جاليسبرج حتى ذهب وايل وعمه لإحضار المموّلين، بينما انتظر جيزيل في حجرة الفندق مع جروس، الذي بادر بارتداء لباس الملاكمة. أخذ جيزيل يراقبه دون اهتمام، لكنه لاحظ تحشرج أنفاس الملاكم بعد تدريبات قصيرة، إلا أن أداءه عامّةً لم يكن سيئاً تماماً.

بعد ساعة، عاد وايل وعمه مع المموّلين، الذين بدا عليهم سيماء الهيبة والوقار، وكانوا يرتدون سترات غالية الثمن. نجح الاجتماع، ووافق المموّلون على بيع الضيعة لجيزيل، الذي توجه بدوره إلى بنك محلي لإبراق تحويل مبلغ 35000 دولار المطلوبة.

استراح المموّلون بعد أن أتموا هذه الصفقة الصغيرة، وبدأوا في الحديث عن الأعمال الكبرى، وذكروا اسم ج. ب. مورجان وكأنهم يعرفون الرجل شخصياً. وفجأة لاحظ أحدهم الملاكم عند أحد أركان الحجرة، وشرح لهم وايل ما يفعله الرجل هناك.

قال أحد المموّلين إنه هو أيضاً يرعى ملاكماً وذكر اسمه، فضحك وايل وقال إن ملاكمه يستطيع أن يسحق رجله بسهولة. وتصاعدت حدة المناقشة وتحولت إلى شجار، وفي حماس اللحظة تحدّاه وايل لترتيب مباراة ملاكمة على رهان. فوافق المموّلون وغادروا لإعداد رجلهم وإحضاره للقتال في اليوم التالي.

ما إن غادر المموّلون حتى صرخ العم في وايل وعنّفه، قائلاً إن ليس معهم المال للرهان، وإنه حين يعرف المموّلون أنهم خدعوا سيفصلونه من عمله. اعتذر وايل عن تهوّره وعن وضعهم في مثل هذا الموقف، ولكن كانت لديه خطة؛ فقد كان يعرف الملاكم الآخر، ويمكنهم، بدفع رشوة صغيرة له، أن يفوزوا بالقتال وبالرهان.

سأل العم: «ومن أين يأتون بمال الرهان؟ فبدونه سينتهي أمرهم». كان جيزيل قد سمع ما يكفي، ورغبةً منه في عدم إفساد الصفقة، قدم مبلغ 35000 دولار نقداً كجزء من الرهان، وفكر أنه حتى لو خسر هذا المبلغ، فيمكنه الإبراق طلباً لمبلغ جديد دون أن يكون خاسراً بعد بيع الضيعة.

شكره وايل والعم، فإضافة 15000 دولار من عندهما إلى 35000 دولار من جيزيل تغطّي مبلغ الرهان. في المساء، أخذ جيزيل يراقب الملاكمين يتدربان على المباراة المفتعلة، وكان ذهنه منتشياً بالنصر الذي سوف يحققه من مباراة الملاكمة ومن بيع الضيعة.

تم إجراء المباراة في صالة رياضية في اليوم التالي، وتم وضع أموال الرهان في صندوق مؤمّن، وكان كل شيء يتم حسب ما خطّطوا له في الفندق. بدا على وجوه المموّلين استياؤهم من السوء الذي يقاتل به مقاتلهم، بينما كان جيزيل منشغلاً بالأموال السهلة التي سوف يجنيها.

لكن فجأةً أصابت ضربة فك جروس، وأوقعته أرضاً، وسال الدم من فمه، ثم سعل مرةً وسكت. قام أحد المموّلين، وكان من قبل يعمل طبيباً، بفحص نبض جروس وعرف أنه قد مات. فزع المموّلون، وكان على الجميع أن يهربوا بسرعة قبل أن تأتي الشرطة وتتهمهم بالمشاركة في ارتكاب جريمة القتل.

بسرعة عاد جيزيل خائفاً إلى شيكاغو، تاركاً المبلغ الذي دفعه، مسروراً بأنه لا يعدو ثمناً صغيراً لنجاته من العقاب على ارتكاب جناية، ولم تعد لديه أي رغبة في رؤية وايل والآخرين مرة أخرى.

بعد أن رحل جيزيل، نهض جروس. كان الدم الذي تدفق من فمه يخرج من كيس يخبّئه تحت أشداقه، يحوي دم دجاجة مخلوطاً بماء دافئ. كان الذي دبّر الأمر هو وايل، المشهور باسم «الفتى الأصفر»، وهو من أبرع المحتالين في التاريخ. اقتسم وايل مبلغ 35000 دولار مع العم والملاكمين والمموّلين، وكلهم شركاؤه في الاحتيال. كان مكسباً وفيراً مقابل أيام قليلة من العمل.

التعليق:

كان وايل قد اختار جيزيل كالمغفّل الملائم لعمليتهم قبل تنفيذها بفترة طويلة، ورأى من البداية أن استخدام ملاكم من حثالة الملاكمين هو الخدعة التي يمكنه بها أخذ المال من جيزيل بسرعة وحسم. ولكنه كان يعلم أنه لو حاول إثارة اهتمامه مباشرةً بمباراة الملاكمة، فإنه كان سيفشل فشلاً ذريعاً. كان عليه أن يخفي نواياه تحت ستار من الدخان، وكان الستار في هذه الحالة هو صفقة بيع الضيعة.

في حجرة الفندق وأثناء التدريب، كان عقل جيزيل مستغرقاً في التفكير في الصفقة الوشيكة والمال السهل، وفي فرحته بالتعامل مع رجال بهذا الثراء. فوّت عليه شروده أن يلاحظ أن جروس يفتقد اللياقة البدنية، وهو في أحسن الأوصاف كهل. هذا التشتيت هو ما تفعله ستائر الدخان، وقد بلغ تشتيت جيزيل ذروته حين أوهموه بموت الملاكم، وفي هذا التشوش كان مهيّأً لينسى كل شيء عن ماله.

تعلّم من الفتى الأصفر أن تعبيرات الوجه المألوفة والمعتادة هي أفضل ستائر دخان. اقترب من هدفك بطرح فكرة تبدو عادية، مثل صفقة عمل أو مغامرة مالية، وسوف يتشتّت ذهن من تخادع وتزول عنه شكوكه، وسوف ينقاد معك إن أخذته برفق عبر المسار المنزلق الذي في نهايته سيكون فريسةً سهلةً لمكيدتك.

مراعاة القاعدة 2:

في منتصف 1920، بدأ أمراء الحرب الأقوياء في إثيوبيا يدركون أن شاباً من أصول نبيلة، اسمه هيلا سيلاسي ويدعى أيضاً راس تافاري، سيتفوق عليهم جميعاً عمّا قريب، ويعلن نفسه قائداً عليهم، ويوحّد البلد لأول مرة منذ عقود.

لم يعرف غالبية منافسي سيلاسي كيف استطاع هذا الرجل الرقيق والهادئ أن تكون له هذه السطوة، لكن في عام 1927 استطاع سيلاسي بالفعل أن يسيطر على أمراء الحرب واحداً بعد آخر، وأن يدخل العاصمة أديس أبابا، وينال تأييد الجماهير والقادة، وتم تنصيبه حاكماً.

أسرع بعض القادة في الإذعان، وتردد آخرون، لكن واحداً فقط هو الذي تجرأ على أن يتحدى سيلاسي تحدياً كاملاً وصريحاً. هذا الرجل هو ديجازماخ بالشا من سيدامو. كان بالشا محارباً قوياً ورجلاً شديداً، ورأى الحاكم الجديد ضعيفاً وغير جدير بالحكم، وقرر أن يبقى مستقلاً وبعيداً عن العاصمة.

في النهاية، طلب سيلاسي، بطريقته الرقيقة والحازمة، من بالشا أن يأتي إليه. قرر بالشا أن يطيع، لكن كان في خلده أن يقلب الأمور على من يراه منتحلاً لعرش إثيوبيا. سيأتي إلى أديس أبابا بتوقيته الخاص بصحبة 10000 مقاتل، وهي قوة لا تكفي للدفاع عنه فحسب، بل للبدء بحرب أهلية. عسكر بقواته في واد على بعد ثلاثة أميال من العاصمة، وانتظر كما ينتظر الملوك؛ وكان على سيلاسي أن يأتي إليه.

أرسل سيلاسي مبعوثين يدعون بالشا إلى مأدبة أقامها على شرف حضوره، ولكن بالشا لم يكن ساذجاً، وكان يعرف أن ملوك إثيوبيا وقادتها كثيراً ما كانوا يستخدمون المآدب كمائن؛ فبمجرد أن يذهب الخمر بعقله، يمكن لسيلاسي أن يقبض عليه أو يقتله.

أرسل بالشا بموافقته على حضور المأدبة، لكن بشرط أن يحضر معه 600 رجل من أفضل الجنود لديه، مسلّحين ومستعدين للدفاع عنه وعن أنفسهم. تعجب بالشا أن يأتي رد سيلاسي بالموافقة، وبأدب شديد، بأنه سيكون من الشرف له أن يستضيف هؤلاء المحاربين.

في الطريق، شدّد بالشا على المحاربين ألا يشربوا الخمر وأن يبقوا يقظين. وحين وصلوا القصر، كان سيلاسي في استقبالهم، وداهن بالشا وعامله كما لو كان في حاجة إلى تأييده وتعاونه.

لكن بالشا لم يترك نفسه ينخدع بهذا الإغواء، وحذّر سيلاسي من أن الجنود لديهم أوامر بمهاجمة العاصمة إن لم يعد إليهم بالشا قبل منتصف الليل. بدا سيلاسي كما لو كان مصدوماً من تشكك بالشا في نواياه.

أثناء المأدبة، وحين أتى وقت عزف الأناشيد التقليدية التي تمجّد قادة إثيوبيا، طلب سيلاسي من الفرقة ألا تعزف إلا الأناشيد التي تمجّد قائد سيدامو. فشعر بالشا أن سيلاسي خائف وعاجز عن مواجهته، وأحس بأنه هو من سيبدأ بالهجوم في الأيام القادمة.

قبل الغروب، عاد بالشا وجنوده إلى المعسكر وسط الهتافات وإطلاق النار للتوديع. ألقى نظرةً على العاصمة خلفه، وأعدّ خطته للهجوم، وتخيّل جنوده يجوسون في شوارع المدينة منتصرين، وفكر في أن سيلاسي سيلقى مصيره الذي يستحقه، سواء بالسجن أو الموت.

لكن حين عاد بالشا إلى معسكره رأى شيئاً مروّعاً؛ فلم ير خيام جنوده التي كانت تغطي الأفق. لم ير إلا دخاناً ورماد نيران تنطفئ، وتساءل: أي سحر شيطاني هو الذي فعل هذا؟

روى أحد الشهود لبالشا ما حدث. فأثناء توجه بالشا إلى المأدبة، جاء جيش كبير يقوده أحد الموالين لسيلاسي، وتسلّل إلى المعسكر من طريق لا يعرفه بالشا. لكن هذا الجيش لم يقاتل؛ فقد كان سيلاسي يعرف أنه لو سمع بالشا بضجيج المعركة، لهاجم برجاله الستمائة وعاد لقيادة قواته.

بدلاً من هذا، زوّد سيلاسي جنوده بسلال مملوءة بالذهب والمال، وحاصر جيش بالشا، واشترى كل قطعة سلاح من الجنود، وكان من السهل ترهيب الذين رفضوا. في ساعات قليلة، تم نزع سلاح جنود بالشا وتشتيتهم في كل اتجاه.

مدركاً ما يحيط به من مخاطر، قرر بالشا أن يتجه جنوباً بمن معه من الجنود لحشد قوات جديدة، لكن الجيش الذي نزع سلاح قواته قطع عليه الطريق. كان الاختيار الآخر الذي أمامه هو الاتجاه إلى العاصمة، لكن سيلاسي كان قد أعد جيشاً هائلاً للدفاع عنها.

لأول مرة في حياته، استسلم بالشا، ومن أجل التكفير عن خطاياه من الكبر والجشع، وافق على الالتحاق بالدير.

التعليق:

طوال الفترة الممتدة لحكم سيلاسي، لم يستطع أحد أن يضع تصوراً لطبيعته الحقيقية. كان الإثيوبيون يحبون من قائدهم أن يكون شديداً، لكن سيلاسي كان يرتدي دوماً قناع الرجل اللطيف المحب للسلام. ومع ذلك، استمر أطول من أي من القادة الأشداء، ولأنه لم يفقد الصبر أبداً أو يخرج عن شعوره، كان يستطيع دائماً أن يغري ضحاياه بابتسامات عذبة، ويسحرهم باللطف والتذلّل قبل أن يضرب ضربته.

في حالة بالشا، استطاع سيلاسي أن يتلاعب بحذر الرجل من أن تكون المأدبة كميناً، وكانت بالفعل كميناً، لكن ليس كما تخيّله بالشا. طريقة سيلاسي في إزالة مخاوف بالشا، بأن سمح له بإحضار حرسه الخاص إلى المأدبة، وبإعطائه الحظوة في التكريم، وجعله يشعر بأنه المسيطر على مقاليد الأمور، عملت كستار كثيف من الدخان أخفى حقيقة ما يحدث على بعد ثلاثة أميال من العاصمة.

تذكّر أن المرتابين والمتشكّكين هم أسهل من يمكن خداعهم؛ فكسبك لثقتهم في ناحية يمنحك ستاراً من الدخان يعميهم، ويسمح لك بالتسلّل وكيل الضربات المميتة لهم في نواح أخرى. ومن آليات التضليل البارعة أن تأتي ببادرة تثبت صدقك وحسن نواياك واستعدادك للتعاون، وكذلك التصرف بطريقة تشعر من تتعامل معه بتفوقه عليك. »لا تستهن بقدرة تافاري (هيلا سيلاسي) فهو يتسلّل كالفأر ويضرب كالأسد (كلمات بالشا الأخيرة قبل أن يلتحق بالدير).

مفاتيح للسطوة:

إن كنت تحسب أن المخادعين هم من يضلّلون الناس بالكلام المزخرف والحكايات المؤثرة، فأنت مخطئ تماماً. المخادعون الحقيقيون يتكلمون ويتصرفون بطريقة مألوفة ومعتادة، لأنهم يعلمون أن المبالغة تولد الشك والريبة، ولذلك يخفّفون ضرباتهم بواجهة بريئة لا تلفت الأنظار إلى مقاصدهم.

كانت الواجهة المعتادة في استدراج وايل لجيزيل هي عقد صفقة تجارية، أما في الحالة الإثيوبية فكانت الواجهة التي استخدمها سيلاسي هي إظهار التذلّل، وهو بالضبط ما كان يتوقعه بالشا من أمير حرب ضعيف.

بمجرد أن يطمئن خصمك للواجهة المألوفة، فلن يلاحظ أي خداع تحيكه له. والسبب في ذلك حقيقة بسيطة، وهي أن الناس لا يستطيعون التركيز في أكثر من شيء في وقت واحد، ويصعب عليهم أن يتخيلوا أن الشخص الوديع والمسالم الذي يتعاملون معه يمكنه أن يدبّر لهم شيئاً في الخفاء.

وكلما كانت ستائر الدخان أقرب إلى المألوف، زاد نجاحها في إخفاء مقاصدك. في الجزء الأول من القاعدة تحدثنا عن تضليل الآخرين بالافتعال المتعمد لشيء يلهيهم عن مقاصدك؛ أما في ستائر الدخان فإنك تطمئنهم حتى يدخلوا الشرك بأنفسهم. هذا التأثير المطمئن هو الذي يجعل ستائر الدخان من الطرق المثلى للخداع.

أبسط شكل من ستائر الدخان يأتي من استخدام تعبيرات الوجه التي تصعب قراءتها، والتي يمكنك أن تخفي بها كل أنواع التلاعب. وقد أتقن هذا السلاح أكثر الرجال سطوةً في التاريخ.

كان يقال إن أحداً لم يكن يستطيع قراءة تعبيرات وجه فرانكلين د. روزفلت، وكان البارون جيمس روتشيلد يتدرّب طوال حياته على إخفاء آرائه وأفكاره خلف ابتسامات باردة ونظرات فارغة من المعنى. وقال ستاندال عن تاليران إنه لم يكن له وجه، بل مقياس لتغيّرات المناخ.

وكان كيسنجر يأخذ بقلوب خصومه في التفاوض بصوته الرتيب ونظراته المحايدة وتكراره المستمرّ للتفاصيل، وحين كانت أعينهم تلمع بالتأثر، متخلين عن تحفظهم، كان يصدمهم فجأة بقائمة مطالبه الجريئة.

وقد جاء في أحد كتب تعليم المقامرة: «أثناء اللعب، لا يغيّر المقامر الجيد تعبيرات وجهه كأنه ممثل، بل يتدرّب ليتقن تعبيراً يصعب على الآخرين قراءته، لأن ذلك يحبط خصومه ويشوّشهم ويمنحه البراح للتركيز».

ستائر الدخان مفهوم مرن، ويمكن ممارسته بطرق ومستويات عديدة، لكنها تقوم جميعاً على مبدأ نفسي واحد، وهو تضليل الآخرين وتشتيت انتباههم عن غرضك الحقيقي.

من أكثر طرق ستائر الدخان فعاليةً القيام بأفعال وتلميحات تدل على النبل، لأن الناس يحبون أن يقنعوا أنفسهم بأن هذا النبل صادق وحقيقي، لأن ذلك يمتّعهم ويرضيهم ويجعلهم ينسون أن هذا النبل قد يكون مفتعلاً وخادعاً.

واجهت جوزيف دوفين، تاجر المقتنيات الفنية، مشكلةً رهيبةً ذات مرة، وهي أن أصحاب الملايين الذين كانوا يشترون منه لم تعد لديهم مساحات فارغة على الجدران يعلّقون عليها اللوحات، وكذلك ارتفعت ضريبة توريث اللوحات، ممّا جعلهم يتوقفون عن الشراء.

كان الحل هو إنشاء متحف قومي للفنون في واشنطن العاصمة، وقد ساعد دوفين كثيراً في إنشائه عام 1937 بأن شجّع المليونير أندرو ميلون على التبرع بمقتنياته للمتحف. كانت الدعوة للتبرع لإنشاء المتحف القومي هي الواجهة المتقنة التي جعلت دوفين، بضربة واحدة، يجنّب عملاءه الضرائب، ويحرّر مساحات على جدرانهم تسمح لهم بشراء لوحات جديدة، ويقلّل من عدد اللوحات المعروضة في السوق، وبذلك يستمر الارتفاع في أسعارها، وأخيراً يمكّن المانحين من الظهور بمظهر المحسنين المحبين للخير العام.

من طرق ستائر الدخان الأخرى أن تجعل لتحركاتك نسقاً محدّداً، بحيث يتوقع خصمك أن تستمر في التصرف على نفس المنوال في تحركاتك التالية. تعتمد هذه الحيلة على حقيقة نفسية، وهي أن أفعال الناس تميل إلى التكرار في نسق معين، أو على الأقل يتوقعون ذلك من بعضهم بعضاً.

في عام 1878، أسس جاي جولد، وكان من بارونات العصابات، شركةً بدأت تهدّد احتكار شركة ويسترن يونيون لأعمال التلغراف. قرّر المشرفون على ويسترن يونيون شراء شركة جولد بمبلغ كبير، لكنهم رأوا أن ذلك خير لهم لأنه سيخلّصهم من منافس مزعج.

بعد بضعة أشهر، عاد جولد للمنافسة من جديد، شاكياً أنهم لم يدفعوا له جيداً، وأنشأ شركةً ثانيةً لمنافسة ويسترن يونيون. ومن جديد اشترت ويسترن يونيون الشركة وأسكتته بالمال. ثم تكرّر الأمر للمرة الثالثة، لكن في هذه المرة كان جولد قاصداً النحر؛ بدأ صراعاً دامياً للاستيلاء على ويسترن يونيون، واستطاع بالفعل أن يسيطر عليها سيطرةً تامةً.

اتبع جولد نسقاً ضلّل به مديري الشركة وجعلهم يظنون أن غرضه هو الحصول على عرض مغرٍ لبيع شركاته، وبمجرد أن دفعوا له واطمأنوا، لم يلاحظوا أنه يلعب لهدف أكبر. للنسق هذه القدرة على خداع الآخرين، لأنه يجعلهم يتوقعون منك عكس ما تقصد إليه في الحقيقة.

من نقاط الضعف النفسية الأخرى التي يمكن أن تؤسس عليها ستائر الدخان ميل الناس للانخداع بالمظاهر، والظن بأن من يتصرف وكأنه واحد منهم يكون بالفعل مخلصاً لهم. هذه العادة تجعل الامتزاج التام بالناس من الواجهات الفعالة للغاية.

وتحقيق ذلك سهل: أن تخالط من حولك، وكلما زاد امتزاجك بهم قلّ شك الآخرين فيك. اكتُشف في وقت متأخر أن عدداً كبيراً من موظفي الخدمة المدنية في بريطانيا كانوا يرسلون أسراراً إلى السوفييت طوال فترة الحرب الباردة في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، ولم يتم اكتشافهم طيلة هذه السنوات لأنهم كانوا ظاهرياً شباباً لطفاء تعلموا في أفضل المدارس والجامعات. وبصفة عامة، فإنه كلما أتقنت الامتزاج، ازداد تمكّنك من إخفاء مقاصدك.

تذكّر أن الأمر يتطلّب منك صبراً وتواضعاً لتتمكّن من إخفاء صفاتك البارزة والمتألّقة وارتداء قناع معتم لا يشفّ عن حقيقتك. ولا يحزنك أن يحرمك هذا القناع الرمادي من انبهار الناس بحيويتك ومواهبك، لأن أغلب ما يظهرك بمظهر السطوة ويجذب الناس إليك هو عدم قدرتهم على قراءتك.

الصورة: جلد الضأن

الضأن شديد الطيبة والوداعة؛ لا يغدر ولا يخدع أبداً. حين يرتدي الثعلب جلد الضأن، يمكنه أن يتجول بحرية في حظيرة الدجاج.

اقتباس من معلم:

»هل سمعت أبداً عن قائد يعلن خططه للعدو قبل أن يهاجمه؟ عليك أنت أيضاً أن تخفي مقاصدك وتموّه تحركاتك، ولا تكشف مقاصدك إلا بعد أن يصبح من الصعب مقاومتها، أي عند نهاية المعركة. تأكد من النصر قبل أن تعلن الحرب. كن كرجال الحرب الذين لا تُفهم مخططاتهم سوى في البلاد التي يكونون قد دخلوها فاتحين«(نينو دي لنكلو، 1623 – 1706).

عكس القاعدة:

لا يمكن لستائر الدخان، أو تضليل الناس بإظهار السعي لغير ما تريد، أو بإظهار الإخلاص الزائف، أو أي وسيلة أخرى لتشتيت الانتباه، أن تنجح في إخفاء مقاصدك إن كنت مشهوراً بالخداع.

فحين يتقدّم بك العمر وتُعرف حكاياتك، يكون من الصعب عليك أن تخفي طبيعة خداعك؛ فالكل سيعرف أنك ماكر، وإن ظللت تلعب دور الساذج سيعتبرونك منافقاً، وسوف تجد ذلك يحدّ كثيراً من قدرتك على المناورة. الأفضل لك في هذه الحالات أن تعترف وتلعب دور المحتال الصريح، وأفضل من ذلك أن تلعب دور المحتال التائب، لأن ذلك لن يكسبك الاحترام فحسب، ولكنه سيسمح لك بالاستمرار في استراتيجيات المناورة.

حين تقدّم العمر بأمير الخداع في القرن التاسع عشر، ب. ت. بارنوم، تعلّم ألا ينكر سمعته كمخادع كبير. في إحدى المرات نظّم بارنوم مسابقةً لصيد الجاموس في نيوجيرسي، وذكر أن الجاموس هندي وبعضه مستورد، وجاء في الإعلان أن المسابقة والصيد حقيقيان. ولكن تبيّن فيما بعد أن المسألة كلها خداع، لدرجة جعلت الجمهور، بدلاً من الغضب والمطالبة باسترداد مالهم، يجدون في الأمر طرفةً استمتعوا بها استمتاعاً كبيراً.

كانوا يعلمون أن بارنوم لا يتوقف عن الخداع، وكان ذلك سر نجاحه، وهو ما جعلهم يحبونه. تعلّم بارنوم من ذلك ألا يخفي وسائله، بل إنه أفشى للجميع كل ما قام به من خداع في سيرته الذاتية المنشورة.

وكما كتب الفيلسوف كيركجارد: «إن الناس يحبون من يخدعهم«.

ختاماً، نقول إنه على الرغم من أن الحكمة تقضي بتضليل الناس عن مقاصدك بواجهة محايدة لا يمكن قراءتها، فإن الواجهات الملوّنة والحيوية تكون أحياناً التكتيك الأفضل للتضليل.

كان المشعوذون الكبار في أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر يستخدمون الترفيه والتسلية لخداع الجماهير؛ فكانوا يبهرونهم باستعراضات رائعة تجعلهم لا يستطيعون أن يتنبّهوا للنوايا الحقيقية لهؤلاء المشعوذين.

كان المشعوذ البارع يطوف المدينة في مركبة حالكة السواد تجرّها خيول سوداء، وكان يصحبه مهرّجون يمشون على الحبال، بينما محتالون آخرون، بارعون في الترفيه والإثارة، يستدرجون الناس إلى شراء ما معهم من ترياقات زائفة. كان المشعوذون يظهرون وكأن الترفيه عن الناس هو شاغلهم، ولكن شاغلهم الحقيقي كان بيع ما معهم من ترياق وإكسيرات زائفة.

الترفيه والتسلية هما حقاً من الوسائل الممتازة لإخفاء النوايا، لكن لا يمكن استخدامهما إلى الأبد. ففي النهاية يملّ الجمهور ويتشكّك، ثم يكتشف الخدعة.

وبالفعل، كان على المشعوذين أن يتنقّلوا من مدينة إلى أخرى قبل أن ينتشر بين الناس أن الترياق كذب لا يجدي وأن العروض خدعة، في حين نجد أن الأشخاص الأقوياء الذين يستخدمون واجهةً رماديةً محايدةً، مثل تاليران وروتشيلد وسيلاسي، يستطيعون استخدام خداعهم في نفس المكان طوال حياتهم، ولا تضعف حيلهم، ونادراً ما يتشكك بهم الآخرون.

لذا عليك أن تحذر من ستائر الدخان الملونة، وألا تستخدمها إلا حين تتطلّبها الظروف.

المصدر THE 48 LAWS OF POWER, ROBERT GREENE (ترجمة د. هشام الحناوي)

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق