الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

• اسحق عدوك تماماً

القاعدة 15 من كتاب 48 قانون للقوة (قواعد السّطوة) للكاتب روبرت جرين

الحكمة:

عرف القادة العظام منذ عهد موسى أن العدو الذي يُخشى جانبه يجب أن يُسحق تماماً، وأحياناً لم يتعلّموا هذه الحقيقة إلا بالطريقة الصعبة. فإذا بقيت جمرة واحدة مشتعلة، مهما خَفَت وهجها، فلا بد أن تندلع منها النار من جديد. وما تخسره حين تتوقف في منتصف الطريق يفوق ما قد تخسره بالقضاء التام على عدوك؛ فالعدو سوف يتعافى ويعود طالباً الانتقام. اسحقه، لا في جسده فحسب، بل في روحه أيضاً.

انتهاك القاعدة:

ليس هناك في التاريخ الصيني صراع أشهر من ذلك الذي كان بين هسيانج يو وليو بانج؛ فقد بدأ هذان القائدان العسكريان حياتهما المهنية صديقين يحاربان في الجبهة نفسها. كان هسيانج يو من أصول عريقة، وكان قويّاً وشديداً، وكانت تنتابه نوبات من الغضب والعنف، وكان فظّ الدعابة، لكنه كان محارباً قديراً يقاتل في مقدمة صفوف جنده. أمّا ليو بانج فكانت نشأته ريفية، ولم يكن جنديّاً خالصاً، بل كان يفضّل الخمر والنساء على القتال. والحقيقة أنه كان نذلاً أكثر منه محارباً، إلا أنه كان مخادعاً وقديراً في التعرّف على أفضل المخططين الاستراتيجيين، وكان يقرّبهم إليه وينصت إلى نصائحهم، وذلك هو الذي سمح له بالترقّي في مراتب الجيش.

في عام 208 ق. م. أرسل ملك تشو جيشين هائلين لإخضاع مملكة شين القوية. اتجه أحد الجيشين إلى الشمال بقيادة القائد سونج يي، يليه في القيادة هسيانج يو، وكان الجيش الثاني يتجه مباشرة نحو شين بقيادة ليو بانج. وكان الهدف هو الوصول إلى العاصمة الرائعة للمملكة، هسين يانج. ولم يكن هسيانج يو، العنيف والمتسرّع، يحتمل مجرد التفكير في أن يصل ليو بانج قبله إلى العاصمة هسين يانج، فربما يجعله ذلك قائداً على الجيش بأكمله.

في إحدى المراحل تباطأ القائد الأعلى للجيش الشمالي، سونج يي، في إرسال قواته إلى المعركة، فدخل إليه هسيانج واتهمه بخيانة المملكة، وقطع رأسه، وتفرّد بقيادة الجيش وحده. ودون أن ينتظر الأوامر ترك الجبهة الشمالية وزحف مباشرة نحو هسين يانج. وكان متيقّناً أنه محارب وقائد أفضل من ليو بانج، ولكن لدهشته استطاع ليو بانج، الذي كان يقود جيشاً أصغر وأسرع، أن يصل إلى هسين يانج قبله.

كان لدى هسيانج مستشار هو فان تسنج، حذّره قائلاً: «لم يكن هذا القائد الريفي ليو بانج يشتهي غير المال والنساء، ولكن منذ أن أتى إلى العاصمة لم تعد هذه الأمور تشغله؛ إنه يطمح إلى ما هو أبعد«.

ألحّ فان تسنج على هسيانج أن يقتل غريمه قبل أن يفوت الأوان، ونصح الجنرال أن يدعو ذلك الريفي المخادع إلى مأدبة يقيمها خارج هسين يانج، وفي وسط الاحتفال وأثناء رقصة السيوف الشهيرة يُقطع رأسه. وتم بالفعل إرسال الدعوة، ووقع ليو في الفخ وحضر المأدبة، لكن هسيانج تردّد في السماح برقصة السيوف، وفي اللحظة التي أعطى فيها إشارته كان ليو بانج قد استشعر المكيدة واستطاع أن يهرب.

امتعض فان تسنج حين رأى هسيانج يفسد الخطة، وقال: «يا للقرف! لم يكن عليّ أن أشرك ساذجاً مثلك في خطة. سوف ترى ليو بانج يستولي على إمبراطوريتك ويتخذنا جميعاً أسرى«.

بسرعة أدرك هسيانج خطأه، وزحف نحو هسين يانج عازماً هذه المرة على الحصول على رأس خصمه، ولكن ليو بانج لم يكن يدخل معركة حين تكون فرصته للانتصار قليلة، فابتعد عن المدينة. واستولى هسيانج على المدينة، وقتل الأمير الصغير لمملكة شين، ثم دكّ المدينة وسوّاها بالأرض.

أصبح ليو ألدّ أعداء هسيانج، وأخذ هسيانج يطارده لعدة شهور إلى أن حاصره أخيراً في مدينة محصنة. وبسبب نقص المؤن وتشتّت الجيش، ناشده ليو إقرار السلام.

قام فان تسنج بتحذير هسيانج مرة أخرى: «اسحقه الآن. إن تركته يهرب ثانية فستندم لاحقاً». لكن هسيانج اختار أن يكون رحيماً معه، وطلب إحضاره حيّاً إلى تشو، وكان يريد أن يعترف به صديقه السابق وليّاً وسيداً له. لكن ثبت أن رأي فان كان صحيحاً، واستطاع ليو استغلال مفاوضات الاستسلام كتمويه للهرب مع جيش صغير.

تعجّب هسيانج من نفسه لأنه ترك غريمه يفرّ مرة أخرى، واستعد من جديد لملاحقته، ولكن هذه المرة بشراسة جعلته يبدو كمن فقد عقله. وفي الطريق أسر والد ليو في معركة، وأخذه معه إلى أن وجد ليو، وصاح فيه: «استسلم الآن، وإلا أسقطت أباك في ماء يغلي«.

فردّ ليو: «ولكننا أخوان بالقسم، وأبي هو أبوك؛ وإن كنت مصرّاً على أن تغلي أباك، فابعث لي بكوب من الحساء«.

فتراجع هسيانج عن حماقته، واستمر القتال.

بعد ذلك بأسابيع، وفي ذروة المطاردة، حاصر هسيانج قوات ليو بإحكام، واستطاع ليو بحيلة خاطفة أن يحاصر حامية هسيانج الخاصة. وللمرة الأولى انقلبت الأحوال. هذه المرة كان هسيانج هو الذي ينشد السلام، فألحّ مستشارو ليو عليه أن يدمّر هسيانج ويسحق جيشه دون رحمة، وقالوا له إن أطلقه فسوف يعود إليه مرة أخرى.

وافق ليو على رأي مستشاريه، واصطنع هدنة مزيفة ليغري هسيانج بتقليل دفاعاته، ثم ذبح معظم جيشه تقريباً. واستطاع هسيانج أن يهرب وحيداً على قدميه، وكان يعرف أن ليو قد خصّص مكافأة لمن يأتي برأسه، فتقدم إلى مجموعة من جنوده السابقين والمنهكين وقال لهم ما معناه: «أعلم أن ليو قد خصّص ذهباً ومكانة لمن يأتي برأسي؛ سأمنحكم هذه الهدية». ثم نحر عنقه بيده ومات.

التعليق:

أثبت هسيانج يو صلابته في مناسبات عديدة، ولم يكن يتردّد إلا نادراً في الإطاحة بخصم إن رأى أن ذلك يخدم مصالحه. لكنه تصرّف بشكل مختلف مع ليو بانج. فقد كان يقدّر غريمه، ولم يرغب في هزيمته بالخديعة، بل أراد أن يثبت تفوّقه عليه في ميدان المعركة.

حتى إن ليو المخادع استطاع أن يجعل هسيانج يتردّد في القضاء عليه، بسبب نوع من التعاطف القاتل مع الرجل الذي كان يوماً صديقه ورفيق سلاحه. لكن في اللحظة التي أعلن فيها هسيانج بوضوح أنه يريد الإطاحة بليو، وفشل في حسم أمره، كان قد حفر قبره بنفسه. ولم يعانِ ليو من هذا التردّد حين انقلبت الأقدار لصالحه.

هذا هو مصيرنا جميعاً إن تعاطفنا مع أعدائنا واتخذنا بهم شفقة أو أملاً في التصالح معهم، وإن جعلنا ذلك نتردّد في التخلص منهم؛ فلن يؤدي ذلك إلا إلى تقوية خوفهم منّا وكرههم لنا. حين تتساهل مع أعداء هزمتهم، وأهنت عزتهم، تكون كمن يربي ثعابين الكراهية التي تقوى يوماً بعد يوم لتلدغك.

ويصدق ذلك أيضاً على الصديق الذي يتحول إلى عدو. القاعدة في الصراعات المميتة تنص على أنه لا مكان للتصالح؛ فطرف واحد ينتصر، ولا يكون الانتصار انتصاراً إلا إن كان شاملاً.

تعلّم ليو هذا الدرس جيداً. فبعد أن هزم هسيانج يو أكمل هذا الريفي مشواره ليصبح القائد الأعلى لجيوش تشو، وسحق عدوه التالي، ملك تشو ووليّه السابق، وتوّج نفسه إمبراطوراً. وهزم كل من وقف في طريقه، وأخذ مكانه في التاريخ كواحد من أعظم حكام الصين، واتخذ لنفسه اسم هان كاو تسو، مؤسس سلالة هان الحاكمة. »من يريد الإنجاز عليه أن يتخلى عن الرحمة«. (كونيليا، فيلسوف هندي، القرن الثالث ق. م.).

مراعاة القاعدة:

ولدت وو تشاو في عام 625 ميلادية، وكانت ابنة دوق، ولأنها كانت فاتنة وجميلة ضُمّت إلى حريم الإمبراطور تاي تسونج.

كان الحريم الإمبراطوري مكاناً خطراً، مليئاً بمحظيات يتنافسن على احتلال المكانة الأقرب لدى الإمبراطور. استطاعت وو، بجمالها وشخصيتها القوية، أن تفوز بهذه المعركة سريعاً، لكنها كانت تعرف أن الإمبراطور، ككل رجال السطوة، تتملكه الأهواء والنزوات، وأنه من السهل استبدالها؛ ولذلك كانت تضع المستقبل دائماً نصب عينيها.

استطاعت وو أن تغوي كاو تسونج، ابن الإمبراطور الداعر، في الفرصة الوحيدة التي كان يمكنها أن تلتقي به فيها وحدهما: حين كان يتبول في الحمّام الملكي. ولكن، على الرغم من ذلك، حين مات الإمبراطور أخذت تعاني مصير كل زوجات ومحظيات الإمبراطور الراحل؛ وهو مصير كانت تحكمه الأعراف والقوانين التي تقضي بأن تحلق رأسها وتنضم إلى الدير لما تبقى من حياتها.

ظلت وو تخطط للهرب من الدير، واتصلت سرّاً بالإمبراطور الجديد وصادقت زوجته، الإمبراطورة، واستطاعت أن تحصل على مرسوم ملكي غير مسبوق يسمح لها بأن تعود إلى القصر وتنضم إلى الحريم. وظلت تتزلف إلى الإمبراطورة على الرغم من أنها كانت تضاجع زوجها. ولم تمنعها الإمبراطورة عن ذلك لأنها كانت في حاجة إلى أن تأتي للإمبراطور بوريث للعرش، وكان وضعها حرجاً، فرأت في وو الخليلة التي قد تخلّصها من هذا المأزق.

في عام 654 رزقت وو تشاو بطفلة. وفي أحد الأيام أتت الإمبراطورة لزيارتها، وبعد أن خرجت قامت وو بخنق طفلتها الوليدة. وحين اكتُشفت الجريمة اتجهت الشكوك فوراً نحو الإمبراطورة التي كانت في موقع الجريمة قبل حدوثها بلحظات، وكان الجميع يعرف طبيعتها الغيورة. وكان ذلك بالضبط ما خططت له وو.

وبعد ذلك بوقت قصير وُجّه الاتهام إلى الإمبراطورة بالقتل، وأُعدمت، وتم تتويج وو تشاو إمبراطورة مكانها. وكان زوجها الجديد مدمناً للملذات، فتخلى لها سعيداً عن شؤون الحكم.

على الرغم من سطوتها الكبيرة، لم تشعر وو أبداً بالأمان؛ فقد كان الأعداء حولها في كل مكان، ولم تتخل عن حراسها في أي لحظة. وفي عامها الواحد والأربعين بدأت تخشى أن تحتل ابنة أخيها الجميلة والشابة مكانتها المفضلة لدى الإمبراطور، ولذلك قتلتها بوضع السم في طعامها.

وفي عام 675 سُمّم ابنها الذي كان يُعَدّ الوريث الشرعي للعرش. أمّا الابن التالي في السن، وكان غير شرعي لكنه أصبح وليّاً للعهد، فقد نُفي بعد ذلك بقليل بتهم ملفّقة.

وحين مات الإمبراطور في عام 683 استطاعت وو أن تجعل أصغر أبنائها وأضعفهم شخصية يتولى العرش، وظلت هي الحاكمة الفعلية من خلفه.

في السنوات الخمس التالية حدثت محاولات انقلاب لا تُحصى في القصر، وفشلت جميعاً، وتم إعدام جميع المتآمرين. وبحلول عام 688 لم يبق أحد ينازع وو السلطة. وأعلنت أنها من سلالة إلهية للبوذا، وفي عام 690 تحققت أخيراً كل أحلامها، وأطلق عليها لقب »الإمبراطور المقدس والإلهي للصين.«

أصبحت وو إمبراطوراً لأنه لم يتبق حرفيّاً أحد من السلالة السابقة يستطيع تولي الحكم، وهكذا حكمت دون منازع لأكثر من عقد في سلام نسبي. وفي عام 705، وكانت في الثمانين من عمرها، أُجبرت على التنازل عن العرش.

التعليق:

كل من عرف الإمبراطورة وو كان ينبهر بطاقتها وذكائها. وفي تلك العصور كان آخر ما يمكن أن تحلم به امرأة طموحة هو أن تقضي بضع سنوات في الحريم الإمبراطوري، ثم تقضي ما تبقى من حياتها في الدير.

لم تتصرف وو بسذاجة في أي مرحلة من صعودها التدريجي والمبهر نحو القمة. كانت تعلم أن أي تردّد أو لحظة ضعف ستقضي عليها، وكانت كلما انتهت من منافس ظهر لها منافس جديد. وكان حلها لهذه المشكلة بسيطاً: إمّا أن تقضي عليهم أو يقضوا هم عليها.

كان كل من سبقها من الأباطرة يفعل الشيء نفسه، ولكن كان عليها، كامرأة لا حق لها في السلطة، أن تقوم بهذا الأمر دون أي رحمة.

كان حكم الإمبراطورة وو لخمسة وأربعين عاماً، وهي واحدة من أطول فترات الحكم في تاريخ الصين. وعلى الرغم من معرفة الصينيين بتاريخها الدموي، ظلوا ينظرون إليها كواحدة من أكثر حكام الصين قدرة وكفاءة.

حين كان رجل الدولة والقائد العسكري الإسباني رامون ماريا نارفايز (1800 - 1868) على فراش الموت، سأله الواعظ: «هلا عفوتم عن أعدائكم جميعاً يا صاحب السعادة؟.«

فأجاب نارفايز: «ليس عليّ أن أعفو عنهم، لأنني قتلتهم جميعاً.«

مفاتيح للسطوة:

ليس من المصادفة أن يأتي المثالان اللذان يصوران هذه القاعدة من الصين؛ فالتاريخ الصيني مليء بقصص أعداء تُركوا أحياء، ثم عادوا لينتقموا ممن تساهلوا معهم.

كانت العقيدة الاستراتيجية الأساسية لصن تسو في القرن الرابع ق. م. في كتابه فن الحربهي: «اسحق أعداءك.« والمغزى وراء ذلك بسيط: أعداؤك يتمنون لك الشر، وليس هناك شيء أحب إليهم من التخلص منك. وإن حاربتهم ثم توقفت في منتصف الطريق، أو حتى بعد أن قطعت ثلاثة أرباعه، بسبب الرحمة أو الرغبة في التصالح معهم، فإنك لا تفعل سوى أن تشدّ من عزمهم وتزيد مرارتهم تجاهك، فيعودون للانتقام منك في يوم ما.

قد تراهم في مرحلة ما يعاملونك بود، ولكن سبب ذلك أنك هزمتهم وأنه ليس أمامهم خيار سوى الانتظار حتى تأتي اللحظة المناسبة.

الحل هو ألا تأخذك رحمة بأعدائك؛ اسحقهم ولا تُبق لهم شيئاً، كما أنهم يريدون أن يسحقوك. ففي النهاية لن تحظى بالأمن أو السلام من عدو يخشاك إلا بعد أن تحرمه القدرة على إيذائك من جديد.

عرف ماو تسي تونج أهمية هذه القاعدة بعد أن قرأ كتاب فن الحرب قراءة متعمقة. في عام 1934 لجأ ماو، ومعه نحو 75,000 جندي مسلحين تسليحاً خفيفاً، إلى منطقة جبلية نائية في غرب الصين هرباً من جيش شيانج كاي شيك الذي كان يتفوق عليهم كثيراً، وقد أطلق على هذا التحرك منذ ذلك الحين اسم «الزحف الطويل«.

كان شيانج عازماً على التخلص نهائيّاً من الشيوعيين، وبعد سنوات قليلة لم يتبق لدى ماو سوى نحو 10,000 جندي. وفي عام 1937، حين بدأ الاحتلال الياباني للصين، ظن شيانج أن الشيوعيين لم يعودوا يشكلون تهديداً، فتوقف عن مطاردتهم وركز على اليابانيين.

وبعد نحو عشرة أعوام تعافت قوة الشيوعيين من جديد، لتسحق جيش شيانج. نسي شيانج القاعدة القديمة التي تقضي بسحق العدو، لكن ماو لم ينسها، فلاحق جيش شيانج إلى أن فرّ إلى تايوان، ولم يعد لنظامه وجود في البر الصيني.

حكمة سحق العدو مذكورة أيضاً في الكتاب المقدس، ولعل أول من طبقها، بحسب الرواية التي يستشهد بها المؤلف، هو النبي موسى عليه السلام؛ إذ أمره الرب بأن يعبر البحر الأحمر لينجو قومه، ثم عاد الماء فأغرق جيش فرعون الذي كان يطاردهم. وحين عاد من جبل سيناء بألواح الوصايا ووجد الناس يعبدون العجل الذهبي، عاقب بشدة من ارتكب هذا الإثم. وقبيل دخول الأرض الموعودة أوصى أتباعه، بحسب النص الذي يستشهد به المؤلف، بألا يتركوا لأعدائهم فرصة للعودة إلى القتال.

النصر الشامل هو عماد الحرب الحديثة، وقد وصفه كارل فون كلاوزفيتز، الفيلسوف الأكبر للحرب، عند تحليله لحروب نابليون. وكان يرى أن الاعتبار الأهم يجب أن يكون للإبادة السريعة والمباشرة لقوات العدو، وأنه بمجرد تحقيق نصر كبير لا ينبغي الحديث عن هدنة أو التقاط للأنفاس، بل متابعة العدو والاستيلاء على عاصمته ومهاجمة احتياطياته وكل ما قد يمنحه فرصة لاستعادة قوته.

والسبب في ذلك أنه بعد انتهاء الحرب تبدأ المفاوضات وتقسيم الأراضي، وإن كان انتصارك جزئيّاً فقد تخسر في المفاوضات ما كسبته في الحرب.

الحل بسيط: لا تترك لأعدائك خيارات يستخدمونها ضدك. فالهدف من السطوة هو التحكم التام بخصومك وإخضاعهم لإرادتك، ولا تستطيع تحمّل تكاليف التوقف في منتصف الطريق. وإن لم تترك لهم مجالاً للمناورة فلن يكون أمامهم إلا الاستجابة لشروطك.

وتتجاوز تطبيقات هذه القاعدة ميدان الحرب؛ فالمفاوضات قد تلتهم انتصارك إن أعطيت خصمك ما يكفي من الأوراق ليعيد ترتيب موقفه. فلا تترك لمن هزمته فرصة ليحوّل هزيمته إلى مصدر قوة جديدة.

واعلم أنك في سعيك للسطوة ستثير عداوات وتكتسب خصوماً. وستجد أشخاصاً لن تستطيع أن تكسبهم إلى صفك، وسيظلون أعداء مهما فعلت. وأيّاً كان ما سببته لهم من آلام أو جروح، عامداً أو غير عامد، فلا تعتبر الأمر شخصيّاً؛ لكن انتبه إلى أنه قد لا يكون هناك مجال للسلام الحقيقي معهم ما دمت لا تزال تمثل تهديداً لمصالحهم.

وتأكد من أنك إن تركت لهم حرية الحركة فقد يعودون حين تسنح الفرصة. والانتظار حتى يكشفوا أوراقهم حماقة؛ وكما أدركت الإمبراطورة وو، يكون الأوان عندئذ قد فات.

كن واقعيّاً: بوجود هؤلاء الأعداء حولك لن تشعر أبداً بالأمان. وتذكّر دروس التاريخ، ولا تتوقف في منتصف الطريق.

المسألة بالطبع ليست في القتل، بل في الإبعاد والإضعاف وتجريد الخصم من القدرة على إلحاق الضرر بك. فإذا أنهكت قوى عدوك وأبعدته نهائيّاً عن مراكز السطوة، فلن يشكل خطراً عليك، ولن يكون لديه أمل كبير في التعافي وإقحام نفسه من جديد لإيذائك.

وإن لم يمكنك إبعاد عدوك، فعليك على الأقل أن تنتبه لمؤامراته ضدك، وألا يخدعك أي ادعاء للود والصداقة يظهره لك. سلاحك في مثل هذه المواقف هو الحذر، وإن لم تستطع إبعاده فوراً فانتظر الوقت المناسب الذي يمكنك فيه تحييد خطره حتى لا يهدد سطوتك.

الصورة: الثعبان

الثعبان الذي تطؤه بقدمك ولا يموت يعود إليك ليلدغك بسمّ مضاعف. والعدو الذي تهزمه ثم تتركه قادراً على العودة يشبه الثعبان الجريح الذي تتركه حيّاً؛ فمع الوقت يتعافى ويشتد سمّه.

اقتباس من معلم:

»ولتعلم أنه يجب في التعامل مع الرجال إمّا أن تتودد إليهم أو أن تمحق قدرتهم على إيذائك؛ لأن الناس ينتقمون من الأضرار الصغيرة، ولا يستطيعون الانتقام إذا جُرّدوا تماماً من القدرة على ذلك. لذلك، إن أردت أن تصيب أحداً، فتأكد من أن الضرر الذي تحدثه لن يسمح له بالعودة للثأر«. (نيقولو مكيافيللي، 1469  1527).

عكس القاعدة:

لا ينبغي عكس هذه القاعدة إلا في أندر الأحوال، لكن قد يكون الأفضل لك أحياناً، إن استطعت، أن تترك أعداءك يدمّرون أنفسهم بأنفسهم بدلاً من أن تدمرهم أنت بيديك.

ففي الحرب مثلاً يعلم كل قائد أنك حين تحاصر جيشاً وتسد أمامه جميع منافذ الهرب فإنه يقاتل بأشرس ما يستطيع. ولذلك يكون من الأفضل أحياناً أن تترك له طريقاً للانسحاب، فيهلك نفسه أثناء الفرار، وتنهار معنوياته أكثر مما لو قاتل حتى النهاية في مكانه.

وحين تحاصر شخصاً ولا تبقي له أملاً في استعادة موقعه، يمكنك أحياناً أن تتركه يصبح سبب سقوطه بنفسه، فتصل إلى النتيجة نفسها من دون أن تتحمل أنت تبعات إسقاطه مباشرة.

وأخيراً، فإن سحق الأعداء قد يخلّف مرارة تستمر سنوات وتهيئهم للثأر. وكان لمعاهدة فرساي هذا التأثير في الألمان، ويرى البعض أن الأفضل على المدى الطويل هو الترفق بالأعداء.

لكن المشكلة أن الرفق يحمل خطراً آخر: فقد يعيد إلى عدوك قوته ويمنحه فرصة جديدة للتحرك. ولذلك تقتضي الحكمة، في معظم الحالات، ألا تترك خصمك في وضع يمكنه من العودة إلى تهديدك. وإن خطط للانتقام بعد سنوات، فلا تتخل عن حذرك منه، وإذا عاد خطراً عليك فحيّد خطره من جديد.

المصدر   THE 48 LAWS OF POWER, ROBERT GREENE   (ترجمة د. هشام الحناوي)

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق