الثلاثاء، 14 أغسطس 2018

• الجن والآلهة في الشعر والأدب العربي


بلغَتْ مكانة الشِعر عند العرب ما لم تبلغه أبداً عند أيٍّ من شعوب الأرض، فلم يكن الاتجاه إليه مجرد نزعة فنية على الهامش، وإنما كان أحد الأوتاد التي انتصبت عليها خيمة الحياة العربية. به أرّخوا لحياتهم ولأطلالهم، رثوا أبطالهم وأجدادهم، وبكوا على حبيباتهم وأصدقائهم وحيواناتهم الوفية، وتقاتلوا بأبياته وعليها.

مفردات البيئة العربية لم تنقطع عن السباق الشِعري، ولم تعقم العقلية الصحراوية أن تُنطِقه على ألسنة الحيوانات والجماد والكائنات الخرافية كالجن والأشباح.
تؤكد الباحثة نهاد توفيق بأطروحتها "الجن في الأدب العربي" المجازة من الجامعة الأمريكية في بيروت، أن مفهوم الجن ترسخ في العقلية العربية قبل الإسلام بمئات السنين، فلقد اعتبروهم مخلوقات "عُليا" يمكنهم التصور في أشكال الإبل والبقر والغنم والبغال والحمير، وهم قادرون على القيام بأعمال خارقة، لكنهم فشلوا في وضع تعريف محدد لها.
فأصبحت الجن "لفظة" يُطلقها كل مَن يمر بموقف روحي غريب، فنالت الكلمة دلالات عِدة، شملت الغول (جنّي جبّار بارع في التنكر، لكنه مهما غيّر شكله تظل رجله كقدمي الحمار)، السعلاة (جنية تظهر للمسافرين وتحاول إغواءهم وقتلهم)، والمارد (الجني القوي القادر على الأفعال الشاقة)، والعفريت (وهو جني ذو رتبة أعلى من المارد وأقل من الشيطان) وغيرها.
الجن حيوان هوائي
يقول ابن سينا: زعم العرب في الجاهلية أن الجن حيوان هوائي من شأنه أن يتشكل بأشكال مختلفة، بينما أوضح ابن إسحق، أن العرب يقولون ما الجن إلا كل ما اجتنى (لا يظهر)، ويضيف الشلبي في كتاب "آكام المرجان"، أن الله جعل الجن تسكن الأرض قبل آدم بألفي عام، وأبوهم سامياً أو سوميا ويقال شوميا - كما هو آدم أبو البشر، وسامياً خلقه الله من مارج من نار، ثم قال له: تمنَّ. فقال: أتمنى أن نَرى ولا نُرى، وأن نغيب في الثرى، ويصير كهلنا شابًا فأُعطي ذلك.
تضيف نهاد: عظّم العرب مواهب الشعراء، وأقروا وجود قُوَى روحية تفضّل الموهوبين وتخصهم دون غيرهم بالنبوغ، وشاع بينهم منذ أقدم العصور توقيرهم للجن لدرجة العبادة مع بقية آلهتهم، وهو أمر خلّده القرآن وعُرف به بنو مليح من خزاعة وبنو يربوع بن حنظلة الذين جعلوا بينها وبين الله نسبًا، حتى اعتبروهم مصدر نبوغ شعرائهم ومنبثق وحيهم.
تقول الطالبة حسناء سعادة في أطروحتها "شخصية الجن والعفاريت بين القرآن والسنة" المجازة من جامعة الجزائر، إن العرب لطالما نسبوا كل ما لا يمكنهم تفسيره إلى الجن، مثل بناء مدينة تدمر عظيمة النقوش والأعمدة، واعتقادهم أن قبيلة جرهم كلهم نتاج زواج تم بين الإنس والجن، وأيضاً الشعر المحبوك نادر الإتيان على مثل شاكلته.
الهَوْبر والمَهْجل
كان الشاعر الجاهلي يستشعر بداخله قوة عجيبة تدفعه لقول ما يعجز عنه غيره، "موهبة" فسّرها في سياق مجتمعه وزمنه بأنها روح اختارته لتُلهمه بكلامٍ موزون ومقفى ليسحر به الناس، فيقول أحدهم:
إني امرؤ تابعني شياطينه آخيته عمري وقد آخانيه
يشرب من قعبي (كأس) وقد سقانيه فالحمد لله الذي أعطانيه
من هنا نشأت ظاهرة "شيطان الشاعر"، والتي تزعم بأن كل واحد فحول أدباء العرب، له "جنّي" مخصوص يُلهمه بالأبيات قبل قولها على الناس، وهي ظاهرة اعتنت بتفاصيلها كتب تاريخ الأدب العربي يقول الفرزدق، إن لأي شاعر شيطانين، يُدعى أحدهما "الهَوْبر" والآخر "الهَوْجل"، من انفرد به الأول جاد شعره وصح كلامه، ومن انفرد به الثاني فسد شعره.
كما تحددت بعض الأماكن التي يفضلون السكنى بها مثل جبال "سواج" و"الضلعين"، وواديان "وبار"، وهي أمة يمنية أهلكها الله كما فعل بعاد وثمود فسكنت الجن أماكنهم وقتلت كل بشري أراد تعميرها بعدهم، و"عبقر" وادٍ على حدود اليمن، نسب العرب إليه كل شيء تعجبوا من حذقه كما يقول الجوهري في "الصحاح"، ومنه اشتُقت كلمة "عبقري".
ولم تكتفِ بذِكر أسماء كل المُلهَمين وإنما أوردت أيضًا ألقاب المُلهِمين؛ لافظ بن لاحظ هو جن امرئ القيس، وهبيد هو قرين عبيد بن الأبرص، وهاذر هو صاحب النابغة الذبياني، ومسحل هو شيطان الأعشى، أما المخبل السعدي فشيطانه يُدعى عمرو، وشنقاق هو جن بشار بن برد، و هاذر بن ماذر هو قرين النابغة الذبياني، أما عبيد بن الأبرص فشيطانه هو هبيد بن الصلادم.
ألزمت العقلية العربية "الشعر" و"الجن" السير معًا في نفس الدرب إلى درجة التماهي في قالب واحد، فحمل الشعراء لقب "كلاب الجن" وسُمي الشعر بـ"رقي الشيطان"، لكن العلاقة بين الطرفين لم تتوقف على اعتبار الجنّي هو السحابة الكائنة خلف الستار لتروي الشعر عبر ألسنة البشر، وإنما تطورت ليحتل الجن موقف الصدارة، ليكون هو بطل القصة وصاحب اللسان، ليرتفع الدور من المُلهم إلى الأديب.
الجني أديباً
ينقل أبو زيد القرشي في كتابه "جمهرة أشعار العرب" حكاية أبي طلحة موسى بن عبدالله الزرودي، أن أباه قابل شيخًا من الجن عند سفح جبل أنشد عليه "طاف الخيال علينا ليلة الوادي من آل سلمي ولم يُلملم بميعادٍ"، فاستغرب الرجل لأن هذا البيت مشهور جداً بنسبته لأحد كبار الشعراء وهو عبيد بن الأبرص، فكشف له الجني أنه "هبيد" العفريت المعنى بإلهام "عبيد"، ثم بعدها تلى عليه أبياتًا من تأليفه الخاص:
أنا ابن الصلادم أدعى هبيد حبوت القوافي قرميّ أسد
عبيداً حبوت بمأثوره وانطلقت بشرًا على غير كد
ولاقي بمدرك رهط الكميت ملاذَا عزيزًا ومجداً وجد
منحناهم الشعر عن قدرة فهل تنكر اليوم هذا معد
ويضيف قصة ثانية عن سبب إسلام سواد بن قارب بسبب جني يأتيه وهو نائم يدعوه للإيمان بنبي تهامة، وفي سبيل ذلك أنشد له الشعر 3 ليال متتالية، قائلا:
عجبت للجن وتبكارها وشدها العيس بأكوارها
تهوى إلى مكة تبغي الهدى ما مؤمنو الجن ككفارها
فارحل إلى الصفوة من هاشم بين روابيها وأحجارها
فلما أصبح ركب ناقته حتى بلغ الرسول وأسلم على يديه، فيما يروي العلاء بن ميمنون الآمدي أن عاصفة أوقعت أبيه ورجل من قريش في جزيرة بالبحر بها " "شجر طوال، وطيور منكرة"، وفيها رأوا شيخًا مستند لشجرة عظيمة، زعم لهما أنه كان يلقي الشعر في نفس الحارث بن مضاض الجرهمي خلال حرب قومه مع خزاعة، ثم سأل عن الرسول فأخبراه أنه مات من 40 عامًا، فحزن بشدة وأنشد:
ولرب راج حيل دون رجائه ومؤمل ذهبت به الآمال
قصة إضافية عن أعرابي أحب أن يقابل أيًّا من شياطين الشعراء وجهًا لوجه فهام في الفيافي ليلاً ونهارًا، حتى بلغ أرضًا لا أنيس فيها إلا شيخًا تآنسا في الكلام حتى بدأ الأخير في إنشاد الشعر قبل أن يكشف له أنه مسحل السكران بن جندل شيطان الأعشى.
الأعشي (أحد كبار الشعراء الجاهليين) كثيرًا ما قرض الشعر في مُلهمه الماورائي، يقول: دعوت خليلي مسحلاً ودعوا له جهنام جدعا للهجين المذمم، ويقول: وما كنت ذا قول ولكن حسبتني إذا مسحل يبري لي القول أنطق. ولم تصل العلاقة بينهما على حد هذا العلاقة الإلهامية، بل تقابلا يومًا وتحدث كلٌّ منهما للآخر.
يقول السيوطي بكتابه "لقط المرجان في أحكام الجن"، إن الأعشي خرج يريد قيس بن معدي بحضرموت لكنه ضل الطريق فظل بأوائل أرض اليمن حتى أصابه مطر، فظل يبحث عن ملجأ حتى عثر على خباء (بيت من وبر) فلما قصده قابل به شيخًا طلب منه أن ينشده.
فقال: رحلت سمية غدوة أحمالها غضب عليك فما تقول بدالها، لم يدعه يُكمل وإنما سأله: من سمية؟ فأجابه الأعشى: لا أعرف، فنادى الشيخ: يا سمية اخرجي، فخرجت جارية وقفت أمامه، وطلب منها أن تُكمل هي القصيدة فأنشدتها من أولها لآخرها لم تخطئ في حرف واحد، وإزاء الحيرة التي اعترت الأعشى أوضح له الشيخ أنه "صاحبه الذي يلقي الشعر على لسانه".
ويضيف، أن أبي عمرو بن علاء (أحد كبار علماء القرآن والنحو) خرج عليه جنيًا أنشد عليه البيت: وإن امرأ دنياه أكبر همه لمستمسك منها بحبل غرور، فأعجبه فنقشه في خاتم لبسه حتى مات.
ويفرد محمد بن داود الظاهري بابًا في كتابه "الزهرة" عما سمع من الأشعار، ولم يظهر قائلها للأبصار، نروي منه أن بشر بن مروان حضَّ رجلاً من بارق على هجاء الشاعر جرير، فأراد الأخير الرد عليه ببيت شطره الأول "يا صاحبي هل الصباح منير"
فلم يزل يردده الليلة نصف بيت ما يحضره غيره لما كاد الفجر حتى سمع هاتفًا يقول
يا صاحبي هل الصباح منير أم هل للوم عواذلي تغيير
يا بشر حق لوجهك التبشير هلا غضبته لنا وأنتَ أمير
وبعد ذلك أكملها جرير من قريحته فأضاف
قد كان حقك أن تقول لبارق يا آل بارق فيم سبّ جرير
أكسحت باستك للفخار وبارق شيخان؛ أعمى مقعد وكسير
وينسب بدر الدين الشبلي في كتابه "غرائب الجن"، إلى عبدالرحمن بن عوف، أنه حكي عن جِنَين احتفلا بميلاد الرسول، فوقف أحدهما على جبل أبي قبيس، والآخر على جبل بالحجون، فقال الذي على الحجون :
فأقسم لا أنثى من الناس أنجبت ولا ولدت أنثى من الناس واحدة
كما ولدت زهرية ذات مفخـر مجنبـة يـوم القبائـل ماجـدة
فقد ولدت خير القبائـل أحمـداً فأكرم بمولود وأكـرم بوالـدة
وقال الذي على جبل أبي قبيس:
ياساكنى البطحاء لاتغلطـوا وميزوا الأمر بعقل مضـى
إن بنلـى زهـرة منسركـم في غابر الدهر وعندي البدى
واحـدة منكـم فهاتـوا لنـا فيمن مضى في الناس أوبقى
واحدة مـن غيركـم مثلهـا جنينها مثل النبـي المتقـى
كما يروي عن عائشة، أنه لحظة وفاة عمر بن اخطاب، وبينما كان جسده مسجّى بينهم إثر طعنة أبي لؤلؤة، سمعوا صوتاً في جانب البيت لا يدرون من أين يجيء، فاعتبروه جنياً:
لبيك على الإسلام من كان باكياً فقد أوشكوا هلكي وما قرب العهد
وأدبرت الدنيا وأدبر خيرها وقد ملها من كان يوقن بالوعد
ويضيف، أن الجن فعلوا المثل لحظة وفاة عثمان، فنعوه بالشعر قائلين:
ليلة للجن إذ يرمون بالصخر الصلاب
ثم قاموا بكرة ينعون صقرًا كالشهاب
زينهم في الحي والمجلس فكاك الرقاب
وأوردت بعض كتب الأدب 3 أبيات "أحجية" إذا قُرأت من اليمين كانت مدحًا ومن اليسار كانت ذماً، ينبسونها جميعاً لشعر الجن، تقول:
طلبوا الذي نالوا فما حُرمـــوا رُفعتْ فما حُطتْ لهـم رُتبُ
وهَبوا ومـا تمّتْ لــهم خُلـقُ سلموا فما أودى بهـم عطَبُ
جلبوا الذي نرضى فما كَسَدوا حُمدتْ لهم شيمُ فما كَسَبوا
وبلغت العلاقة بين الشعراء والجن حدًّا سجّلت عنه الكتب لحالة زواج بين الطائفتين، وهي فِعلة ارتبطت بعمرو بن يربوع الذي تزعم المرويات أن تزوّج من سعلاة وأنجب منها أولادًا، لكنها ثار حنينها لديارها ذات يوم فولّته طائرة وهي تنشده:
أمسك بنيك عمروي إني آبق برق إلى السعالي آلق
الأدب يتدخّل
وتضيف حسناء: أن الأدب لم يفوّت الفرصة بالطبع، وعبّر عن هذه العلاقة المعقدة في أكثر من عمل، أولها هو المقامة الإبليسية، التي سما فيها البديع بخياله الخلاق، وتحاور مع جني في فنون الأدب والشعر، وإنشاده الأشعار لإعطاء الحُكم عليها، وعلى منوالها نسج الكاتب الأندلسي ابن شهيد، رسالته الشهيرة "التوابع والزوابع"، فتصور نفسه يرحل رفقة تابعه الجني زهير بن نمير على متن فرس يسابق الريح، إلى أرض الجن، حيث التقى بتوابع الشعراء والكتاب ويتحاور معهم ويجيزونه.
ومثلها فكرة أبو العلاء المعري وقصته الخيالية، ينتقل فيها بطله إلى الجنة والنار أين يلتقي بعض الشعراء والكتاب والنقاد، فيناقشهم في مختلف المسائل الأدبية والنقدية، ويتعلق الأمر بعمله الخالد "رسالة الغفران"، التي تُرجمت ونقلت إلى الغرب فحثّت دانتي على كتابة "الكوميديا الإلهية"، وملتن على تأليف "الفردوس المفقود".
جنٌّ لا آلهة
يعتبر الجاحظ في كتاب "الحيوان" أن أصل هذا الأمر، أن القوم لما نزلوا بلاد الوحش، عملت فيهم الوحشة، ومن انفرد طال مقامه في البلاد والخلاء، والبعد عن الإنسا، والوحدة لا تقطع أيامهم إلا بالمنى أو بالتفكير، والفكر بما كان من أسباب الوسوسة.
ويقول الرافعي بكتابه تاريخ آداب العرب، إن الإنسان إذا استوحش مثلَ له الشيء الصغير في صورة الكبير، وارتاب وتفرّق ذهنه وانتفضت أخلاطه، فيرى ما لا يُرى، ويسمع ما لا يُسمع، ويتوهم على الشيء الصغير الحقير أنه عظيم جليل، ثم جعلوا ما تصور لهم من ذلك شعرًا تناشدوه.
اختار العرب الشياطين والجان مصادر لإلهامهم وليس ربات جميلات عذارى مثلما فعلت العقلية اليونانية، لأن وظيفة الشعر عند الجاهليين كانت "قتالية" فهو في غالب الأحيان إما يدافع أو يهاجم، يمدح أو يذم، يمدح شيخ قبيلته ويهجو غيره، يفتخر بالمغازي والقتال وحماسة بني قومه ويشكو الهجر والغدر، وكلها مواضيع تتطلب إلهاماً "خشنًا" لا ربة عذراء ناعمة.
تقول نهاد: كنتيجة لارتباط إبداع فحول الشعر بمن يملي عليهم من الجان، كان على الإنتاج "الجني" الذي ورد إلينا أن يكون من النوع الرائع بلغ قمة البلاغة مثلما فعل امرؤ القيس في أوصافه والأعشى في خمرياته والنابغة في مدائحه وجرير في نسيبه والفرزدق في أهاجيه.
ولكننا إذا حللنا دونهم بعشرات الدرجات، ما يدل على أن الشعر المنسوب لهم شعر موضوع على لسانهم يخدم مآرب مختلفة وليس لتلبية داعي الفن في حد ذاته، ولم يبلغ الناحلون مبلغهم، وإنما هم مجرد نظَّامين سبكوا من الكلام في قالب موزون مقفى ووضعوه على لسان خارق ابتغاء غرض معين.
المصدر: أحمد متاريك https://raseef22.com





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق