القاعدة 46من كتاب 48 قانون للقوة (قواعد السّطوة) للكاتب روبرت جرين
الحكمة:
من الخطر أن يراك من حولك متميزاً عليهم، والأخطر هو أن تظهر لهم خالياً من العيوب ونقاط الضعف. الحسد يُوَلِّد في قلوبهم العداوة، ومن الدهاء أن تظهر من آن لآخر عيباً لا يضرّك في شخصيتك أو إمكاناتك حتى تدفع عنك الحسد وتجعل الآخرين يرونك واحداً منهم أي إنساناً له نقائص، فالله والموتى وحدهم هم من لا يخطئون.
انتهاك القاعدة:
في عام 1953 التقى جو أورتون بكينيث هالويل في الكلية الملكية للفنون المسرحية بلندن، وقد التحق كل منهما بالكلية كطالب انتساب، وتعلقا ببعضهما في علاقة عاطفية شاذة، وانتقلا للعيش معاً. كان هالويل في الخامسة والعشرين من عمره وكان أكبر من أورتون بسبع سنوات وكان أكثر منه جرأة وثقة بنفسه، ولكن لم يكن أي منهما يملك موهبة كبيرة في التمثيل، ولذلك قررا بعد أن استقرا في شقة في لندن أن يتشاركا معاً في الكتابة وأن يتخليا عن التمثيل. كان هالويل قد ورث ثروة تكفيهما عن العمل لبضع سنوات، وفي البداية كان هو أيضاً من يضع أفكار القصص والروايات التي يكتبانها معاً، وكان أورتون يطبع على الآلة الكاتبة ما يمليه عليه هالويل ولكنه كان أحياناً يضيف سطوراً من أفكاره الخاصة. وقد جذبت كتاباتهما إعجاب بعض الناشرين، ولكنه كان إعجاباً باهتاً لم يؤد بها إلى نشر أي شيء.
في النهاية نفد مالهم وكان عليهما أن يبحثا عن عمل، وفتُر حماسهما للكتابة معاً، وبدا المستقبل في نظريهما كئيباً.
في عام 1957 بدأ أورتون في الكتابة بمفرده ولكنه لم يجد أسلوبه الخاص إلا بعد خمس سنوات بعد أن تم حبسه هو وهالويل بتهمة تشويه عشرات الكتب من المكتبة (ولعل ذلك لم يكن صدفة أن يجد حينها أورتون نفسه لأنها كانت المرة الأولى التي يبتعدان فيها عن بعضهما البعض في تسع سنوات). خرج أورتون من السجن عازماً على السخرية من المجتمع الإنجليزي في مسرحيات هزلية، وعاد هو وهالويل للعيش معاً، ولكن هذه المرة انعکس دوراهما: فقد كان أورتون هو من يكتب وهالويل هو من يضيف التعليقات والأفكار.
في عام 1964 أنهى أورتون مسرحيته الأولى الترفيه عن السيد سلوان: وقد نجحت المسرحية نجاحاً واسعاً وتلقاها النقاد بالكثير من الترحيب، وانتقل أورتون من نجاح إلى نجاح أكبر في معدل مذهل، وفي عام 1966 حقق نقلة كبيرة بمسرحيته الغنيمة ضاعفت كثيراً من شهرته ومكانته الأدبية. وأصبحت العروض تأتيه من كل جانب، ومنها عرض من فريق البيتلز الشهير الذين طلبوا منه أن يكتب لهم سيناريو لفيلمهم.
كانت كل أمور أورتون في تحسن إلا من حيث علاقته بكينيث هالويل، كانا لا يزالان يعيشان معاً لكن مع كل نجاح لأورتون كانت أحوال هالويل تتدهور. كان يراقب شهرة رفيقه ويشعر بمرارة ومهانة أنه لم يعد أكثر من مساعد للكاتب المسرحي، وأصبح دوره يتضاءل فيما كان يوماً طموحهما المشترك. في عقد 1950 كان يعول أورتون بالمال الذي ورثه والآن يعوله أورتون. وفي الحفلات ومع أصدقائهما المشتركين كان الجميع يتوافدون على أورتون - فقد كان له أسلوب بشوش وكان دائماً متفائلاً. وعلى عكس أورتون الجذاب والوسيم كان هالويل أصلع ومرتبك في الحديث، وكانت طريقته تُنَفِّر الآخرين من الحديث معه.
ظلت الأحوال تتدهور بين الرفيقين ولم يعد أورتون يحتمل مزاجية هالويل وكانت له علاقات شاذة أخرى مع آخرين، وكان يهدد بهجر صديقه، ولكنه كان دائماً ينتهي بالعودة إليه، وحاول أن يساعد صديقه بالعمل کرسام وافتتح له معرضاً ولكنه فشل فشلاً ذريعاً، وأدى ذلك إلى إحساس هالويل بالمزيد من الدونية. وفي مايو من عام 1967 ذهب الرفيقان في إجازة قصيرة إلى طنجة بالمغرب وشعر اورتون وكأن علاقتهما قد تحسَّنت وكان يخشى من أن تنقلب الأيام من جديد ضدهما.
كان هالويل يتظاهر بالسعادة أمام صديقه، ولكن من داخله كان يشعر بالحقد والمرارة، وبعد شهرين ومع أول صباح العاشر من أغسطس عام 1967 وبعد أيام من مساعدته لأورتون في وضع التفاصيل الأخيرة على مسرحيته الهزلية والتي تُعد أروع أعماله "ما رآه الخادم"؛ أنهى کنيث هالويل حياة جو اورتون بضربه ضربات عنيفة بمطرقة على رأسه، وانتحر بعدها بتناول الكثير من الأقراص المنومة، وترك رسالة يقول فيها إذا أردتم أن تفهموا لماذا فعلت هذا عليكم أن تقرأوا مذكرات أورتون.
التعليق:
كان هالويل حريصاً على التظاهر بأن تدهور أحواله ناتج عن اضطراب نفسي، ولكن ما كشفه له أورتون في مذكراته كان الحقيقة: أن السبب الأساسي في اضطراب تصرفاته كان هو الحقد خالصاً ونقياً. وصفت المذكرات التي قرأها هالويل سراً أيامهما معاً حين كانا متساويين يجاهدان لتحقيق الشهرة والنجاح، وبعد أن حقق أورتون النجاح أخذ يصف كآبة هالويل وتعليقاته الفظة في الحفلات وشعوره المتزايد بالدونية. وقد كتب أورتون كل ذلك بتعالٍ يصل إلى حد الازدراء.
بيَّنت المذكرات بوضوح شعور هالويل بالمرارة من نجاح أورتون، والشيء الوحيد الذي كان سيرضيه هو أن يرى فشلاً ولو واحداً لصديقه كأن تفشل إحدى مسرحياته حتى يمكنهما أن يتقاربا معاً للرثاء على حالهما المشترك ما كانا يفعلان قبل ذلك بسنوات، ولكن حين حدث العكس وكانت شعبية أورتون تزداد مع كل عمل يبدعه قرر هالويل أن يفعل الشيء الوحيد الذي يجعلهما متساويين من جديد: قتل أورتون ليساوي بينهما الموت والحقيقة أن انتشار أخبار هذه الجريمة أدى إلى ارتفاع هالويل لمستوى شهرة رفيقه ولكن بعد موتهما.
لم يفهم أورتون تماماً أسباب تدهور أحوال رفيقه، وحين حاول أن يساعده على تطوير نجاحه وبدء مسار جديد فهم هالويل نوايا أورتون على حقيقتها: الإحسان والشعور بالذنب. كان أمام أورتون حل من اثنين للتغلب على هذه المشكلة، كان يمكنه أن يقلل من إظهار نجاحه ويبدي بعض المثالب في تفوقه لكي يقلل من حسد هالويل أو بمجرد أن أدرك طبيعة المشكلة أن يفر من رفيقه كما يفر المرء من الثعبان، وقد كان هالويل بالفعل ثعبان حسد. بمجرد أن تشعر بحسد شخص ضدك فلن يزيده أياً ما تفعله إلا حسداً وفي النهاية ينفتح حقده المتقيح ليؤذيك ويدمرك.
القليلون هم من ينجحون في حياتهم وهذه الأقلية تستثير حسد من حولهم، لكن بمجرد أن يتحقق لك النجاح فإن الأهم هو أن تنتبه للأصدقاء والمعارف الذين تفوقت عليهم وتجاوزتهم وأشعرتهم بدونيتهم وفشلهم، هؤلاء يسيطر عليهم الحسد أو ما يسميه الفيلسوف کير جارد "الإعجاب المرير" ولن تستشعر منهم ذلك لكنه ذات يوم يصيبك إن لم تتخذ حذرك وتتعلم استراتيجيات تجنبه، إما بإخفاء عبقريتك وإظهار أحد نقائصك، أو ضعفك أو مخاوفك أو سوء حظك عامداً أمامهم، أو ببساطة أن تجد لنفسك معارف غيرهم، لكن لا تستهن أبدا بشرور الحسد.
مراعاة القاعدة:
أسست طبقة التجار والحرفيين التي كانت السبب في رخاء فلورنسا في العصور الوسطى جمهورية تحميهم من بطش النبلاء، وجعلوا السلطة لا تدوم لأحد لأكثر من أشهر قليلة وكان ذلك يشعل التنافس على الحكم، ولكنه كان يحميهم من حقارة الطغاة والمتجبرين. عاشت أسرة مديتشي لقرون تحت هذا الحكم حياة متواضعة كصيادلة بسطاء ولم يكونوا يتميزون عن غيرهم من مواطني الطبقة الوسطى، ولم يبدأ بزوغ نجمهم إلا في أواخر القرن الرابع عشر حين حقق جيوفاني دي مديتشي ثروة متواضعة من العمل في الصرافة.
بعد موت جيوفاني تولى ابنه کوزيمو أعمال الأسرة وأظهر موهبة كبيرة في إدارتها فازدهرت أحوالهم وأصبحت أسرة المديتشي من أقوى عائلات الصرافة في أوروبا. لكن كان لهم منافس في فلورنسا؛ فعلى الرغم من الديمقراطية تمكنت أسرة واحدة هم آل البيزي من احتكار السلطة واستطاعوا بواسطة علاقاتهم أن يشغلوا أهم المناصب الحكومية برجالهم. لم يقاوم کوزيمو ذلك، بل ظل يدعم آل البيزي في الخفاء. وفي حين كانت أسرة ألبيزي تظهر وتتباهى بسطوتها أصر کوزيمو أن تظل أسرته في الظل.
لكن في النهاية تضخمت ثروة آل مديتشي وأصبح من الصعب تجاهلهم، وفي عام 1433شعر آل ألبيزي بخطرهم واستخدموا سلطتهم لمحاكمة كوزيمو بتهمة التآمر لقلب النظام الجمهوري، وطالب البعض من آل البيزي بإعدام کوزيمو لكن خشي آخرون أن يؤدي ذلك لاشتعال حرب أهلية وفي النهاية اكتفوا بنفيه من فلورنسا، لم يعارض کوزيمو الحكم ورحل بهدوء لأنه كان يعرف أن من الحكمة أحياناً أن تبتعد وأن تبقى على الهامش لفترة.
في العام التالي أخذ الناس في فلورنسا يشعرون أن آل البيزي يتحركون لفرض طغيانهم، وظل کوزيمو يمارس نفوذه في شئون فلورنسا من منفاه مستفيداً من ثروته، وفي سبتمبر 1434اشتعلت حرب أهلية أدت إلى الإطاحة بال البيزي ونفيهم عن البلاد. بسرعة عاد کوزيمو إلى فلورنسا واستعاد مكانته فيها، ولكن واجهته معضلة صعبة: إن أظهر مساعيه للسطوة کما فعل آل البيزي قد تشتعل المعارضة والحسد ضده وقد يدمر ذلك أعماله وإن بقي على الهامش يبقى هناك خطر أن تصعد فئة أخرى للحكم وتعاقب آل مديتشي على نجاحهم.
حل کوزيمو المشكلة بطريقتين: في الخفاء كان يستخدم ثروته لشراء ولاء أهم المواطنين في المدينة والعمل على تعيينهم في أعلى المناصب في الحكومة، وكان ينتقيهم جميعاً من الشخصيات المرموقة والموثوقة في الطبقة الوسطى حتى لا يكتشف الناس ولاءهم له. وكان يخضع كل من يشكو من تزايد نفوذه السياسي بإرهاقه بالضرائب والعقوبات أو بتجريده من ممتلكاته بالاتفاق مع حلفائه من المصرفيين. وهكذا أصبحت فلورنسا جمهورية بالاسم فقط أما الحقيقة فهي أن كوزيمو كان يسيطر على كل شؤونها.
لكن بينما كان کوزيمو يتآمر سراً لاكتساب السطوة كانت له في العلن صورة مختلفة. كان يجوب الشوارع بملابس متواضعة ولا يصاحبه سوى خادم واحد وكان ينحني بإكبار للحكام والقادة الشعبيين ويركب بغلاً بدلاً من الحصان، ولم يكن يخوض في الشئون الهامة للمدينة رغم أنه كان يتحكم بعلاقاتها الخارجية لأكثر من ثلاثين عاماً، وكان يقدم المال للجمعيات الخيرية ويحافظ على علاقات جيدة مع التجار، وكان يمول المباني العامة الفخمة التي يتباهى بها سكان المدينة. وحين بنى له ولأسرته قصراً بالقرب من فيوسول رفض الزخارف المنمقة التي عرضها عليه برونيلشي واختار التصميم المتواضع الذي صممه متشيبوزو الذي كان رجلاً من أصول متواضعة. كان القصر رمزاً لاستراتيجية كوزيمو- كان في غاية البساطة من الخارج وفي غاية الأناقة والترف من الداخل.
التعليق:
ذات مرة كتب بائع الكتب فزياسيانو دي بيستبشي عن کوزيمو وكان من أصدقائه المقربين "كان إذا عزم على فعل شيء يبذل كل ما يستطيع ليبعد عنه الحسد بأن يجعل الفكرة تأتي من غيره وليس منه هو". ومن الأقوال المأثورة التي كان يكررها کوزيمو "الحسد عشب ضار احرص أن لا ترويه". كان کوزيمو يعرف تأثير الحسد في البيئات الديمقراطية والتنافسية ولذلك كان يتجنب مظاهر التفوق والعظمة، لا يعني ذلك أن عليك أن تكبت تفوقك أو أن الأشخاص متوسطي الإمكانات وحدهم هم من يمكنهم البقاء، بل يعني أن عليك أن تتقن لعبة التحكم بصورتك لدى الناس. يمكنك أن تحمي نفسك بسهولة من حسد الجماهير بأن تظهر لهم أنك تشاركهم طريقتهم وقيمهم وأن تتخذ حلفاء ممن هم أقل منك وأن ترفعهم إلى مراكز السطوة حتى تنال دعمهم حين تحتاجه، وأن لا تتباهى أبداً بثروتك وأن تخفي مدى ما تمنحه لك من سطوة، وأن تتعامل مع الآخرين وكأنهم أعلى منك مقدرة. كان كوزيمو يتقن هذه اللعبة وكان أقرب للمحتالين الكبار في التعامل مع المظاهر، فلم يكن أحد يستطيع أن يقدر سطوته الحقيقية - لأن مظهره المتواضع كان يخفي ذلك.
لا تكن أبداً من السفه لتظن أنك تثير إعجاب الآخرين حين تتباهى بالإمكانات التي تميزك عنهم؛ فإشعار الآخرين بدونيتهم يُوَلِّد لديهم "الإعجاب المرير" أي الحسد الذي يأكل قلوبهم إلى أن يُقَوِّضوا سطوتك بطرق لا يمكنك أن تتخيلها.
"الحسد وحده من بين كل الرذائل وأمراض النفوس لا يستطيع أحد أن يعترف به". (بلوتارك،46 - 120 م ).
مفاتيح للسطوة:
لا يتحمل البشر الإحساس بالدّونية والنقص، وحين نقابل شخصاً يتفوق علينا في المهارة أو الموهبة أو السطوة نشعر غالباً بشيء من الانزعاج والتوتر لأن تفوقه يهدد إحساسنا المتضخم بالذات، ويجعلنا نشعر بأن إمكاناتنا متواضعة وأننا لسنا بالعبقرية التي نظنها في أنفسنا. لا يمكن لهذا الشعور أن يستمر دون أن يُوَلِّد شيئاً من البغض والحسد تجاه الشخص الذي يشعرنا بالدونية، ونقول لأنفسنا أنه لو كان لدينا ما لديه لَكُنّا أسعد حالاً. لكن الحسد لا يسعد صاحبه أبداً ولا يدفعه لبذل الجهد لتحقيق ما حققه الشخص المحسود، كما لا يمكن لصاحبه أن يزيحه عن صدره ويبوح به للآخرين لأن ذلك يجلب عليه احتقار من حوله، كما أن الاعتراف بالحسد يكشف إحساس الشخص بالدونية والنقص. لذلك يظل الحسد دفين الأعماق الدُّنيا من النفس ويخرج في صور غير مباشرة مثل البحث عن شيء تنتقد به المحسود كأن تقول لنفسك ربما كان أذكى مني ولكنه بلا ضمير أو خلق، أو أنه حقق سطوته بالغش والخداع. وإن لم تستطع تشويه سمعته تبالغ في مدحه وإطرائه وتلك طريقة أخرى شائعة للتعبير عن الحسد بطريقة غير مباشرة.
هناك عدة طرق تساعدك في التخلص من المشاعر الخبيثة والمدمرة للحسد. أولاً تَقَبَّل فكرة أن هناك أشخاص يتفوقون عليك في شيء ما، واعترف لنفسك بأنك تحسدهم واجعل هذا الشعور يدفعك لبذل الجهد لتحقيق ما حققوه أو حتى أن تتفوق عليهم يوماً ما. الحسد يُسَمِّم روحك لو تركته يتعمق داخلك لكن لو أخرجته في العمل فيمكنه أن يدفعك لتحقيق أعلى قمم النجاح.
ثانياً؛ حين تتحقق لك السطوة عليك أن تعرف أن من تجاوزتهم وتفوقت عليهم يحسدونك، قد لا يظهرون لك ذلك ولكنه محتوم. لا يخدعك ما يظهرونه لك من ود واقرأ الحسد في تعليقاتهم التي تنتقدك وتسخر منك وفي التشهير بك في غيابك أو في الإفراط في مدحك في حضورك أو في نظرات السخط في أعينهم، وعليك أن تنتبه لذلك لأن نصف مشكلة الحسد هي أنك لا تكتشفه إلا بعد فوات الأوان.
أخيراً عليك أن تعرف أن من يحسدونك سيكيدون لك في الخفاء ويضعون في طريقك عوائق لن تراها أو على الأقل لن تعرف مصدرها، ومن الصعب أن تصدّ هذا النوع من الاعتداء. وحين تكتشف أن الحسد هو مصدر تَرَصُّد شخص ما لك يكون الوقت قد تأخر: فحينها أي شيء تفعله لن يزيد هذا الشخص إلا حقداً تجاهك، من الصعب أن تستأصل الحسد من نفوس الناس إذا استقر داخلهم وأسهل عليك أن تمنعه من البداية. عدم انتباهك لتصرفاتك هو الذي يثير الحسد ضدك، وبمجرد أن تتعرف على التصرفات والخصال التي تثير حسد الآخرين تمنع عن نفسك هذا الخطر الصامت الذي قد يدمرك ببطء.
يرى کير کجارد أن هناك أنماط من الأشخاص يجلبون الحسد لأنفسهم ويقع عليهم الذنب کما يقع على حاسديهم. أحد هذه الأنماط واضح ومعروف: هؤلاء إن أصابتهم نعماء بالصدفة أو بالجهد يجوبون الآفاق يتباهون ويتبجحون، ويجدون سعادة في إشعار الآخرين بالدونية. هذا النمط واضح وميؤوس من إصلاحه، لكن هناك آخرون يستثيرون الحسد دون أن يشعروا أو يقصدوا ومن ضمن هؤلاء من لديهم مواهب طبيعية مبهرة.
كان السير والتر رالي واحداً من أكثر الرجال عبقرية في بلاط إليزابيث ملكة إنجلترا، كان عالماً موهوباً وكتب أشعاراً تعتبر حتى الآن من أجمل ما كتب في عصره کما کان قائداً مبدعاً ورجل مشروعات وقبطاناً عظيما وفوق كل ذلك كان رجل صفوةٍ وسيماً وأنيقاً استطاع بسحره أن يفتن الملكة. المشكلة أنه كان أينما ذهب يجد من يعوق طريقه وفي النهاية خسر مكانته وأُدخل السجن ومات تحت سيف الجلاد.
لم يكن رالي يفهم لماذا يضطهده رجال الصفوة الآخرون، ولم يشك أن سبب ذلك هو إظهاره لمهاراته وخصاله وتعدد مواهبه وتباهيه بها على الجميع لأنه كان يظن أن ذلك يبهر الناس ويحببهم فيه ولم يظن أن ذلك يجلب عليه أعداء يشعرون تجاهه بالدونية والمرارة ويتحينون أي عثرة أو خطأ للكيد له وإيذائه. كانت التهمة التي أدت لإعدامه هي الخيانة العظمى لكن الحسد كان سيجد أي مبرر للقضاء عليه وتدميره.
الحسد الذي جلبه السير رالي على نفسه هو أسوأ أنواع الحسد؛ أي الحسد الذي جلبته عليه مهاراته الطبيعية والتي كان يظن أن من مصلحته أن يظهرها كاملة. يمكن للناس أن يجمعوا المال أو ينالوا السطوة يوماً ما أما الوسامة والذكاء والجاذبية فهي ملكات يولد بها الشخص ولا يمكن لأحد أن يكتسبها إن لم تكن لديه. على الموهوبين أن يعملوا على إخفاء ذكائهم وأن يظهروا للآخرين نقيصة أو اثنتين حتى يمنعوا عنهم الحسد. ومن الخطأ الشائع والساذج أن يظن الناس أن إظهارهم لمواهبهم يخلب قلوب من حولهم في حين أنه لا يجلب لهم في الحقيقة غير الكراهية والحقد.
أخطر اللحظات في عالم السطوة هي لحظة تحقيق نجاح أو ترقية أو انتصار مفاجئ، لأن ذلك بالتأكيد سيثير ضدك حسد رفاقك السابقين.
حين ترقى دي ريتز في عام 1651 من رئيس أساقفة إلى کاردينال كان يعلم تماماً أن الكثيرين من زملائه السابقين يحسدونه، وكان يعرف أن من الحماقة أن ينقطع عنهم ولذلك فعل كل ما يستطيع للتقليل من إظهار موهبته والتأكيد على أن الحظ هو السبب في نجاحه حتى لا يشعر الآخرون بالدونية. ظل يتعامل مع الآخرين بتواضع وإكبار وكأنه لم يحدث شيء يميزه عنهم (رغم أن سطوته كانت أكبر بكثير في موقعه الجديد). وقد كتب ريتز أن هذه التصرفات الحكيمة قد "أتت أُكُلها وقلّلت الحسد الذي كان يختمر ضدي سراً في أعماق القلوب". افعل کا فعل ريتز واظهر أن نجاحك جاء بالتوفيق والحظ حتى يشعر الآخرون أن في استطاعتهم يوماً ما أن يتحقق لهم ما تحقق لك ويقل حسدهم تجاهك، لكن لا تجعلهم يكتشفون أن تواضعك مصطنع لأن ذلك يزيد من حسدهم. عليك أن تتعامل بلطف حقيقي وانفتاح ودود مع زملائك السابقين لأن أي لفتة تَكَلُّف ستجعلهم يشعرون بأنك تتعالى عليهم بسبب مكانتك الجديدة. وتَذَكَّر: أنه حتى مع علو مكانتك لن يفيدك أن تبعد عنك رفاقك السابقين لأن السطوة تتطلب قاعدة دعم راسخة وموسعة يمكن للحسد أن يدمرها لك في صمت.
السلطة السياسية بأي صورها تُوَلِّد الحسد وأفضل طريقة لدفع هذا الحسد هي أن لا تظهر بمظهر الانتهازية والطموح. حين مات إيفان الرهيب كان بوريس جوردون يعرف أنه الوحيد على الساحة القادر على قيادة روسيا، ولكن كان يعرف أيضاً أنه لو أظهر تَعَلُّقه بالمنصب لَأثار ضده حسد البكوات وريبتهم ولذلك رفض التاج عدة مرات وجعل الناس يلِحّون عليه لقبول العرش. واستخدم جورج واشنطن هذه الاستراتيجية بنجاح في البداية برفضه لقيادة الجيش ثم بعد ذلك بإظهار معارضته للترشح للرئاسة الأمريكية وفي المرتين كانت شعبيته تتزايد كثيراً لأن الناس لا يحسدون أحداً على سلطة بدا لهم أنه زاهد فيها.
يقول السياسي والكاتب في عهد إليزابيث السير فرنسيس بيكون أن أفضل سياسة يتبعها رجل السلطة هي أن يستثير لدى الناس نوعاً من التعاطف والشفقة عليه بأن يشعرهم بأن السلطة عبء وتضحية يتحملها من أجلهم. أظهر لهم المشكلات التي تعانيها من أجلهم وستجد حسدهم يتحول إلى دعم وتعاطف. ومن الحيل المماثلة أن تبين لمن حولك أن سلطتك سوف تفيدهم، وأن تفعل ما فعله سيمون الجنرال الأثيني الثري الذي كان ينفق ببذخ في كل المجالات حتى يتغاضى الناس عن نفوذه في سياسات أثينا. أي أنه اشترى الود وأبعد الحسد بماله لكن في النهاية أنقذه ذلك من سخط الشعب ومن النفي عن المدينة.
ابتكر الفنان ج. م. و. تيرنر وسيلة أخرى تبعد عنه حسد زملائه لأنه أدرك أن ذلك هو العائق الأكبر في طريق نجاحه. كانت مهارة تيرنر الخارقة في استخدام الألوان تجعل زملائه يخافون من تعليق لوحاتهم بجوار لوحاته في المعارض، ورأى أن خوفهم هذا سيتحول إلى حسد وفي النهاية سيصعب عليه أن يجد معارض تقبل لوحاته، كان تيرنر يُرضي زملاءه ويكسب ودهم بخفت ألوان لوحاته في بعض الأحيان.
كان جراتسيان ينصح أصحاب السطوة بإظهار نقطة ضعف أو ارتكاب حماقة بسيطة في المواقف الاجتماعية حتى يبعدون عنهم الحسد، ويشتت أذهان الحاقدين ويشفي غليلهم بخطأ لن يضر بدلاً من تركيزهم على الأخطاء الكبيرة. ولتذكر أن الواقع هو ما يهمك ولن يضيرك شيء أن تتظاهر بالتواضع في حين تكون السطوة الحقيقية في يدك. وفي بعض البلدان العربية يفعل الناس ما فعل کوزيمو دي مديتشي بأن لا يظهروا نعماء ثروتهم إلا في داخل بيوتهم، وعليك أن تجعل هذه الحكمة صفة من مفاتنك.
انتبه جيدا للتعبيرات غير المباشرة عن الحسد، فمن يفرط في مدحك لا شك يحسدك وهو إما يضع معايير مرتفعة لا تستطيع أن تلتزم بها وبذلك يحرجك أمام الآخرين أو يستغل المدح لإلهائك عن شحذ خناجره لطعنةٍ يوجهها لك في ظهرك. وكذلك عليك أن تعرف أن من يفرطون في نقدك أو التشهير بك غالباً ما يفعلون ذلك بدافع الحسد فلا تتورط معهم في صراعات تقلل منك ولا يجرحك ما يقولونه. انتقم من هؤلاء الحاسدين جميعاً بتجاهل وجودهم وتفاهاتهم.
لا تحاول أن تساعد أو أن تقدم خدمات لمن يحسدونك لأنهم سوف يرون في ذلك تعالياً عليهم. حين أراد جو أورتون مساعدة رفيقه هالويل في إيجاد معرض لأعماله شعر هالويل بالمزيد من الدونية والحسد، وبمجرد أن ينكشف لك أن الحسد هو سبب تصرفات الآخرين تجاهك فلن يفيدك إلا أن تبتعد عنهم وتتركهم محترقين بالنار التي صنعوها بأنفسهم.
أخيراً عليك أن تتنبه إلى أن بعض البيئات تساعد على توليد الحسد أكثر من غيرها، فتأثير الحسد أكبر بين الرفاق والأنداد الذين يسود بينهم الشعور بالمساواة. ويسود الحسد أيضاً في البيئات الديمقراطية التي تحتقر من يتباهون بسطوتهم. عليك أن تكون حذراً للغاية في تلك البيئات. كانت السلطات تطارد المخرج إنجار برجمان لأنه كان شخصية بارزة في مجتمع لم يكن يحترم كثيراً البارزين، ومن شبه المستحيل في تلك الأحوال أن تتجنب الحسد وكل ما عليك أن تتقبله برضا كقدر لا مفر منه، أو كما قال الكاتب الأمريكي في القرن التاسع عشر) هنري دافيد ثورو "الحسد هو الضريبة التي يجب أن يدفعها المميزون".
الصورة. أعشاب الحدائق.
أنت لا ترويها، ولكنها قد تنتشر حين تروي الزهور، وفجأة تجدها تطول وتُشَوِّه المنظر وتمنع أي شيء جميل من النمو. قبل أن يفوت الأوان، انتق ما ترويه ولا تترك لأعشاب الحسد ما تتغذى عليه.
اقتباس من معلم: اظهر من آن لآخر نقيصةً في شخصيتك لا تضرك، لأن العيب الذي يأخذه الحاسد على الشخص المميز أنه لا عيب له، ولذلك سوف يظل يتفحصك بعين الصقر بحثاً عن العيوب لأن هذا عزاؤه الوحيد. لا تتركه يتخير السم الذي يؤذيك به بل أظهر له زلّة مفتعلة في الذكاء أو الحماسة ترضيه وتبعد عنك أذاه وفي نفس الوقت تحفظ لك مجدك (بالتسار جراتسيان، 1601 – 1658).
عكس القاعدة:
السبب في مراعاة الحرص مع الحاسدين هو أنهم لا يهاجمونك مباشرة، بل يعملون على تدميرك في الخفاء وباستخدام عدد كبير من الطرق غير المباشرة، لكن إن اكتشفوا أنك أيضاً حريص يزيد حسدهم لأنهم يرون في ذلك علامة إضافية على قوتك وتفوقك. وهذا هو السبب الذي يجعل من الأفضل لك أن تعمل على منع الحسد قبل أن يتكون.
بمجرد أن يترسخ الحسد ضدك سواء بخطأ أو بدون خطأ منك يصبح من الأفضل لك أن تستخدم الأسلوب المعاكس تماماً، وبدلاً من أن تعمل على إخفاء تفوقك عليك أن تحرص على أن تظهره لحاسديك وأن تستغل كل تفوق جديد في إزعاجهم وتحرير حياتهم. وإن أصبحت سلطتك فوق الشبهات لن يؤثر فيك حسدهم وهذا أفضل انتقام لأنهم يكونون سجناء أحقادهم ويحترقون بالحسد بينما تستمتع أنت بالحريات التي تمنحها لك السطوة.
ذلك هو ما فعله مايكل أنجلو مع المعماري الحاقد عليه برامانتي الذي أقنع البابا بحرمان مايكل أنجلو من تصميم مقبرته. كان برامانتي يحسد مايكل أنجلو على مواهبه الخارقة وبعد أن استطاع أن يحقق هذا النصر على مايكل أنجلو بحرمانه من تصميم المقبرة أراد أن يؤذيه بشيء آخر فأقنع البابا بتكليف مايكل أنجلو برسم سقف کنيسة السيستين وهو مشروع كان متوقعاً أن يستغرق عشر سنوات لن يستطيع مايكل أنجلو أن ينجز خلالها أياً من منحوتاته الرائعة، كما أن برامانتي كان مقتنعاً بأن مايكل أنجلو أقل موهبة في الرسم عنه في النحت، وبذلك يضعف صورته لدى الناس كفنان خارق کما استطاع أن يضعف صورته لدى البابا.
أدرك مايكل أنجلو هذا الفخ وفكر في الاعتذار لكن كان من الصعب أن يرفض طلب البابا ولذلك وافق دون اعتراض، ولكنه جعل حسد برامانتي دافعاً له لصنع إنجاز كبير. وبالفعل كانت رسومات السيستين أفضل ما أبدعه مايكل أنجلو وكان برامانتي كلما رآها أو سمع عنها يحترق من الغيظ وذلك هو أقوى وأطول انتقام يمكن أن تفعله لحاسد.
المصدر: THE 48 LAWS OF POWER, ROBERT GREEN (ترجمة د. هشام الحناوي)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق