الاثنين، 24 أغسطس 2026

• ساير الأحداث دائمًا ولا تتجمّد في قالب محدّد


 القاعدة 47 من كتاب 48 قانون للقوة (قواعد السّطوة) للكاتب روبرت جرين

الحكمة:

جمودك على أسلوب محدّد يمكّن عدوّك من رؤية تحركاتك وقراءة ما تخطط له، ويسهّل هجومه عليك. خطط لكل شيء مسبقًا حتى ترى الأمور بوضوح، لكن لا تسمح لأعدائك بفهم ما تفعله، بالحفاظ على حراكيتك ومسايرتك للأحداث. ولتعلم أن الواقع لا يكون دائمًا يقينيًا، وأن القوانين تتخذ دائمًا أشكالًا جديدةً. أفضل الطرق لحماية نفسك هي أن تبقى دائمًا كالماء متدفقًا، ولا تتخذ شكلًا محدّدًا. لا تراهن أبدًا على الاستقرار أو دوام الأحوال، لأن كل شيء يتغير.

انتهاك القاعدة:

بحلول نهاية القرن الثامن قبل الميلاد، كانت الدول المدن الإغريقية قد نمت وازدهرت لدرجة جعلت أراضيها لا تكفي لإطعام الأعداد المتزايدة من سكانها، لذلك بدأوا يتوسعون عبر البحر وأنشأوا المستعمرات في آسيا الصغرى وصقلية وإيطاليا، بل حتى في إفريقيا البعيدة. لكن إسبرطة كانت محصورةً بالجبال، ولم يكن لها مرفأ على البحر يسمح لهم بخوض البحار، وكان عليها التوسع باتجاه المدن المحيطة بها. استطاع الإسبرطيون، في حروب ونزاعات عنيفة استمرت أكثر من مائة عام، أن يستولوا على أراض شاسعة وفّرت القوت للمواطنين. لكن هذا الحل أدّى بهم إلى مشكلة أكبر: كيف يمكنهم السيطرة على هذا الامتداد الشاسع من الأراضي، خاصةً وأن عدد سكان الشعوب التي يحكمونها قد تجاوز عشرة أضعاف عددهم؟ وكانوا متأكدين أن هذه الحشود سوف تنتفض يومًا ما للانتقام منهم.

كان الحل المتاح للإسبرطيين للاستقرار والبقاء هو تأسيس مجتمع جاهز دائمًا للحرب، بحيث يجعلهم دائمًا أقوى وأشرس من الشعوب المحيطة بهم.

كان الصبي الإسبرطي، إذا أتمّ السابعة من عمره، يؤخذ من أبويه للالتحاق بمعسكر تدريب يتعلم فيه الحرب واتباع نمط من الحياة الخشنة. كانوا ينامون على فرش من الغاب، ولا يرتدون سوى رداءً واحدًا طوال العام. وكان محرّمًا عليهم دراسة الفنون والموسيقى، وحتى الحرف اللازمة لمعيشتهم لم يكن يمارسها سوى العبيد. كل ما كان يتعلمه الإسبرطي هو مهارات الحرب، وكانوا يتركون الأطفال المشوّهين والضعفاء وحدهم في كهف في الجبال إلى أن يموتوا. وكان ممنوعًا على الإسبرطيين استخدام المال لأنهم رأوا أن الثروة تنمّي في الإنسان الأنانية والشقاق، وتضعف فيه روح القتال. كانت الطريقة الوحيدة التي يمكن للإسبرطي بها أن يكسب لقمة عيشه هي أن يمتلك الأرض التي يزرعها له عبيد مسخّرون لذلك.

أدّى هذا الإخلاص الإسبرطي العميق للحرب إلى أن تكوّنت لديهم أقوى كتائب المشاة في العالم القديم. كانوا يزحفون بتنظيم متقن ويهاجمون بشراسة مرعبة، وكانوا يهزمون جيوشًا تتجاوز عشرة أضعاف عددهم، كما فعلوا مع الفرس في موقعة ثرموبولي. كانت تشكيلة الجنود الإسبرطيين تبثّ الرعب في قلوب أعدائهم لأن صفوفهم كانت تبدو غير قابلة للاختراق. لكن على الرغم من قوة الإسبرطيين في القتال، لم تكن لديهم الرغبة في التوسع المستمر وتكوين إمبراطورية، بل كان كل همّهم هو الدفاع عن الأراضي التي اكتسبوها والدفاع عنها ضد الغزاة. وبدا كأن هذا النظام، الذي أكسب إسبرطة استقرارها وهيبتها، ثابتًا ولن يتغير.

في الوقت الذي كانت ترسّخ فيه إسبرطة ثقافتها العسكرية، كانت تزدهر مدينة دولة أخرى هي أثينا. كان الأثينيون، على عكس الإسبرطيين، يتوسعون في البحار ليس بالأساس لتكوين مستعمرات، ولكن للتجارة. أصبحوا بالفعل تجارًا كبارًا، وانتشرت عملتهم النقدية «عملة البومة» في أنحاء البحر المتوسط. على عكس جمود الإسبرطيين، كان الأثينيون يسايرون الأحداث بإبداع مبهر، ويتكيفون مع المواقف، وينشئون نظمًا اجتماعيةً ويبتكرون فنونًا بسرعات لا تصدق. كان مجتمعهم في تدفّق دائم، وبتنامي سطوتهم أصبحوا يشكّلون تهديدًا للإسبرطيين الذين لم يكونوا يفكرون سوى في الدفاع.

في عام 431 ق.م. اشتعلت الحرب التي كانت تختمر طويلًا بين أثينا وإسبرطة. استمر القتال سبعةً وعشرين عامًا، فازت فيها إسبرطة في النهاية بعد سلسلة من تبدّل النتائج. أصبحت إسبرطة بعدها تحكم إمبراطورية، ولم تعد قادرةً على أن تنحصر داخل قوقعتها، لأن تخلّيها عن مكاسبها كان سيسمح للأثينيين بالاحتشاد والتمرد ضدها من جديد.

بعد الحرب بدأ الأثينيون يتدفقون على إسبرطة، ولأن الإسبرطيين كانوا مدربين على الحرب وليس على السياسة أو الاقتصاد، بدأت تغريهم الأموال وتغيّرت طرق معيشتهم، وبدأت أشكال مفزعة من الفساد تنتشر بين الحكام الذين ترسلهم إسبرطة لحكم ولاياتها البعيدة. فاز الإسبرطيون في الحرب، لكنهم لم يستطيعوا أن يصمدوا أمام تأثير نمط الحياة الأثيني الذي قضى على انضباطهم وعلى حياتهم المتقشفة، في حين استطاع الأثينيون أن يتكيفوا مع الهزيمة ومع خسارتهم للإمبراطورية، وأن يستعيدوا لمدينتهم ازدهارها الثقافي والاقتصادي من جديد.

أخذت إسبرطة، بعد تغيّر ثقافتها، تضعف بالتدريج، وبعد ثلاثين عامًا من فوزهم على الأثينيين خسروا حربًا هامةً مع المدينة الدولة طيبة. وهكذا سقطت فجأةً تلك الدولة الجبارة التي لم يتوقع أحد أن تزول.

التعليق:

في نشوء الكائنات نجد أن الحيوانات التي تتكوّن لها درقة تحميها غالبًا ما تتعرض لكوارث تنتهي بموتها، لأنها تبطئ حركتها وتصعّب عليها الهجوم للحصول على الغذاء، وتجعلها فريسةً سهلةً للحيوانات الضارية سريعة الحركة. أما الحيوانات التي يمكنها أن تراوغ برشاقة، وأن تتحرك في البحر أو السماء، ولا يمكن توقّع تحركاتها، فتكون دائمًا أقوى في المنافسة وأكثر أمنًا بكثير.

حين واجهت إسبرطة مشكلة التحكم في تلك الأعداد الكبيرة من البشر الخاضعين لها، تصرّفوا مثل السلحفاة التي تحمل درقة تحميها من الضواري المحيطة، والتي تضحّي بالرشاقة للحصول على الأمن. استطاع الإسبرطيون أن يحافظوا على الاستقرار لثلاثة قرون، لكن بأي ثمن؟ لم تكن لهم ثقافة خارج الحرب، ولا فنون ترفّه عنهم، وكانوا في قلق دائم للحفاظ على استقرار الوضع الراهن. وبينما كان جيرانهم يتجهون صوب البحر ويسايرون ظروفًا دائمة التغير، كان الإسبرطيون يتقوقعون في نظامهم الخاص. كان النصر يعني بالنسبة لهم حكم المزيد من الأراضي، وهو ما لم يكونوا يرغبونه، أما الهزيمة فكانت تعني انتهاء نظامهم العسكري، وكان هذا أكثر ما يخشونه. كان الثبات وحده يعني لهم الاستقرار، لكن لا شيء في العالم يمكن أن يبقى ثابتًا للأبد؛ فالدرقة أو النظام الذي تصنعه لتحمي به نفسك هو الذي يقضي عليك في النهاية.

لم يستطع جيش أثينا أن يهزم إسبرطة، لكن أموالهم استطاعت ذلك. المال يستطيع أن يتدفق في كل اتجاه دون أن يحدّه شيء، ولا يمكنك أن تتحكم بحركته، فهو فوضوي بطبيعته. على المدى الطويل، حقق المال النصر للأثينيين باختراق النظام الإسبرطي وتذويب درعه الواقي. سمح التدفق والمرونة للأثينيين باتخاذ أشكال جديدة، بينما ظل الإسبرطيون يتجمّدون إلى أن تصدّع بنيانهم.

تلك هي سنّة الأشياء في هذا العالم، وتنطبق على الحيوانات وعلى أفراد البشر وعلى الثقافات. في مواجهة قسوة ومخاطر العالم، تعمل كل الكيانات على حماية نفسها بدرقة أو نظام صارم أو شعائر تهدّئ مخاوفها، ويفيدها ذلك على المدى القصير، ولكن على المدى الطويل يسبّب لها الكوارث. الأشخاص الذين تثقلهم النظم والأساليب الجامدة في التعامل مع أمور حياتهم لا يمكنهم التحرك بسرعة، ولا يسايرون التغيرات ولا يتكيفون معها، ويظل يعيقهم التباطؤ إلى أن ينقرضوا كالديناصورات. تعلّم أن تتحرك بمرونة، وأن تتكيف بسرعة، وإلا التهمتك الوحوش.

أفضل الطرق لتجنب هذا المصير هي أن تساير الأحداث ولا تتجمّد في قالب محدّد، لأن الضواري والوحوش لا تستطيع أن تهاجم ما لا تراه واضحًا ومتجسدًا أمامها.

مراعاة القاعدة:

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وخروج اليابانيين من الصين، التي دخلوها في عام 1937، رأى القوميون الصينيون بقيادة شيانج كاي شك أنه الوقت المناسب للقضاء نهائيًا على الشيوعيين خصومهم الألدّاء. كان القوميون قد اقتربوا من تحقيق هدفهم عام 1935، بعد أن أجبروا الشيوعيين على الزحف الطويل، وهو الانسحاب المرهق الذي قلّل كثيرًا من أعدادهم. على الرغم من تعافي الشيوعيين نسبيًا أثناء الحرب مع اليابان، إلا أنه كان لا يزال في الإمكان هزيمتهم، فلم يكونوا يتحكمون إلا بمناطق نائية في الريف، وكان عتادهم بدائيًا، ولم تكن لديهم خبرات عسكرية، ولا يعرفون طرقًا أخرى غير قتال الجبال، ولم تكن لهم قواعد إلا في بعض المناطق من منشوريا استولوا عليها بعد خروج اليابانيين. خطط شيانج أن يخصّص أفضل قواته لاسترداد كبرى مدن منشوريا واتخاذها قواعد للانتشار إلى المناطق الشمالية الصناعية ليسحق الشيوعيين للأبد، وهكذا كان سقوط منشوريا يعني نهاية الشيوعيين.

سارت الخطة بنجاح كبير في العامين 1945-1946: استولى القوميون بسهولة على مدن منشوريا، لكن ردّ الشيوعيين على ذلك كان محيّرًا للغاية. فمع تقدم القوميين، كان الشيوعيون ينتشرون في الأنحاء النائية والبعيدة من منشوريا، وبدأت وحداتهم الصغيرة تناوش جيوش القوميين وتنصب لهم الكمائن ثم تنسحب دون نمط محدّد، ولم تجتمع هذه الوحدات في مكان واحد أبدًا، وجعل ذلك مهاجمتهم مستحيلةً. كان الشيوعيون يسيطرون على مدينة ثم يتركونها بعد أسابيع قليلة. لم يكونوا جيشًا له اتجاه للتقدم أو قواعد يرتد إليها، بل كانوا ينسابون كالزئبق دون نمط محدّد، فلا يمكن التنبؤ أبدًا بأماكنهم.

فسّر القوميون ما يفعله الشيوعيون بأمرين: الخوف من مواجهة قوات القوميين التي تتفوق عليهم في العدد والعتاد، وعدم خبراتهم في استراتيجيات القتال. وظنوا أن ماو تسي تونج مجرد شاعر وفيلسوف، ولكنه ليس قائدًا محنكًا مثل شيانج، الذي تعلّم فنون الحرب في الغرب ودرس أساليب الكاتب العسكري كارل فون كلوشفيتز وغيره من أساتذة الاستراتيجية.

لكن ظهر بعد فترة المغزى من أسلوب ماو. بعد أن استولى القوميون على المدن وتركوا للشيوعيين الأطراف التي اعتبروها بلا فائدة، بدأ الشيوعيون يستغلون هذه الأطراف الشاسعة لإعداد الهجمات لحصار المدن. وإذا أرسل شيانج جيشًا من مدينة لإنقاذ مدينة أخرى، كانوا يحاصرون جيش الإنقاذ. بدأت قوات شيانج في التفتت إلى وحدات صغيرة منعزلة، وانقطعت خطوط إمداداتهم واتصالاتهم. كان لا يزال لدى القوميين التفوق في القدرات العسكرية، ولكن ما كانت فائدتها طالما لم يعودوا قادرين على التحرك؟

بدأ الهلع يدبّ في قلوب الجنود القوميين؛ ربما كان قادتهم يسخرون من ماو في قواعدهم المريحة، لكنهم جرّبوا مراوغة الشيوعيين في الجبال وهجماتهم التي كانت تتدفق كالماء من كل صوب، فشعروا وكأن أعدادهم بالملايين. جعلهم الخوف يبقون في مدنهم ينتظرون هجمات أعدائهم، وقد لعب الشيوعيون على معنوياتهم أيضًا، وكانوا يطلقون عليهم قذائف من المنشورات تحبطهم وتدعوهم للانسحاب.

أخذ القوميون ينهزمون في قلوبهم، وكانت مدنهم تسقط حتى قبل أن تُهاجَم، وبسرعة أخذت تتساقط بالفعل مدينةً بعد أخرى. في نوفمبر 1948 سلّم القوميون منشوريا للشيوعيين، وكانت ضربةً مهينةً لجيش القوميين المتفوق تقنيًا، والذي أثبت كفاءته في الحرب مع اليابانيين. وفي العام التالي سيطر الشيوعيون على كل أنحاء الصين.

التعليق:

أقرب ألعاب الرقعة إلى استراتيجيات الحرب هما الشطرنج واللعبة الآسيوية جو.

في الشطرنج تكون الرقعة أصغر، والهجمات أسرع، وتأتي المعركة الأساسية بعد عدد أقل من التحركات، ولا يفيدك عادةً الانسحاب أو التضحية بالقطع، لأن الاستراتيجية الأساسية تعتمد على تركيز أكبر عدد من القطع في المناطق الهامة والمركزية من الرقعة. أما جو فأقل تقيّدًا بالأعراف والقواعد، ورقعتها أكبر، حيث تحوي 361 تقاطعًا، أي ستة أضعاف مواقع الشطرنج، وتستخدم فيها أحجار بيضاء وسوداء، لون لكل منافس. توضع الأحجار، 52 لكل لاعب، بالتتابع على التقاطعات، ويكون غرضك في نهاية اللعبة، وبعد وضع كل الأحجار على الرقعة، أن تحاصر وتعزل أكبر عدد من أحجار الخصم.

يمكن أن تستمر لعبة جو، أو لعبة ويكي الصينية، لثلاثمائة حركة، وتكون استراتيجياتها أكثر خفاءً ومرونةً من الشطرنج، وتتقدم ببطء. وكلما زاد تعقيد نسق وضع أحجارك على الرقعة، صعب على الخصم فهم استراتيجيتك. ولا يفيدك في اللعبة أن تجهد نفسك في التنافس على أماكن محدّدة، بل يجب أن يكون تفكيرك في مخطط أوسع، وأن تكون مستعدًا للتضحية بمنطقة معيّنة لتسيطر في النهاية على الرقعة بكاملها. في جو، ما تسعى إليه ليس تحصين المواقع، بل زيادة الحراكية: بالحراكية تعزل خصمك في مناطق صغيرة، ثم تغلق عليه الحصار. والهدف ليس قتل قطع الخصم في هجوم مباشر كما في الشطرنج، بل أن تشلّ حركاته وتهدر تشكيلاته. التفكير في الشطرنج يتحرك إلى الأمام في خط، ويركّز على تحصين المواقع والهجوم، أما في لعبة جو فالتفكير مرن ويتحرك في اتجاهات متعددة، ولا تظهر عدائيتك إلا في نهاية اللعبة؛ فوقتها يستطيع صاحب الاستراتيجية الأفضل أن يحيط بأحجار الخصم ويسقطها بتتابع سريع.

تأثرت الاستراتيجيات العسكرية الصينية بلعبة جو لقرون عديدة، وكان القادة كثيرًا ما يطبقون مبادئها على الحروب. كان ماو تسي تونج مدمنًا على لعبة ويكي، وكانت استراتيجياته متشبعةً بتعاليمها. فمن المفاهيم الأساسية، مثلًا، في لعبة ويكي: أن تستغل حجم الرقعة لتضليل خصمك عن خطتك بنشر قطعك في كل اتجاه.

كتب ماو في إحدى المرات: «على كل صيني أن يشارك في حرب تجميع القطع» ضد القوميين. وزّع قواتك وتحركاتك على طريقة لعبة تجميع الصور حتى لا يعرف خصمك الصورة الكاملة لما تفعله؛ عندئذ سيكون أمامه خياران: فإما أن يظل يترقبك ويطاردك، أو يفعل كما فعل شيانج كاي شك، ويهزأ بك ويعتبرك فاشلًا ولا يحمي نفسه منك. وإن ركّز قواته في مناطق محدّدة كما تنصح الاستراتيجيات الغربية، فسيكون كالبطة العرجاء التي تنتظر شباك الصياد. طريقة ويكي في الحرب هي أن تحاصر عقل عدوّك، وتتلاعب بذهنه، وتشتته، وتضعف معنوياته بالدعاية وتكتيكات الاستفزاز. كانت استراتيجية الشيوعيين هي عدم وضع قواتهم وتحركاتهم في أي قالب محدّد يمكن لأعدائهم توقعه، وكان ذلك يرهب خصومهم ويكسر معنوياتهم.

الشطرنج خطي ومباشر، أما لعبة جو فأقرب إلى استراتيجيات معارك العالم الواقعي، التي تمارس أغلب صراعاتها في الخفاء وعلى مناطق شاسعة لا ترتبط ببعضها البعض مباشرةً. استراتيجيات جو مجرّدة ومتشعبة، ولا تنحصر في زمان أو مكان، ولا توجد مكتملةً إلا في عقل المخطط الاستراتيجي. في هذا النوع المتدفق من الحرب، تصبح للحركة قيمة أكبر من المواقع، وبسرعتك ورشاقتك تجعل من المستحيل على الخصم أن يقرأ تحركاتك، وعدم فهمه لك لا يسمح له بوضع استراتيجية لهزيمتك. بدلًا من التركيز على الأماكن، يسعى هذا النوع من الحرب غير المباشرة إلى الانتشار والاستفادة من تفكك العالم الواقعي. عليك أن تكون هائمًا كالبخار، ولا تمنح خصومك أي شيء صلب يهاجمونه، وراقبهم وهم ينهكون أنفسهم في تتبعك ومطاردتك والتعامل مع مراوغتك. وحدها مسايرة الأحداث وعدم الجمود في قالب معيّن هي التي تفاجئ أعداءك وتضلّلهم، وحين يصلون أخيرًا إلى فهم ما تفعله يكون الأوان قد فات لإيقافك.

إن أردت أن تقاتلنا فلن تجدنا، وحين نريد أن نقاتلك لا نترك لك الفرصة للهرب، ونضربك الضربة القاسمة... ونزيلك من الوجود... حين يتقدم العدو ننسحب، وحين يعسكر نناوشه، وحين يتعب نهاجمه، وحين ينسحب نطارده.

ماو تسي تونج 1893 - 1976

مفاتيح للسطوة:

يتميّز البشر بابتكارهم الدائم للصيغ والأعراف، ونادرًا ما يعبّر الناس عن مشاعرهم مباشرةً، بل يضعونها في صياغات معيّنة من اللغة أو ممارسات يقبلها المجتمع. ولا نستطيع أن ننقل للآخرين مشاعرنا دون هذه الصياغات والأعراف.

لكن الأعراف تتغير باستمرار، ولا تعبّر الأزياء ولا أساليب التعامل وغيرها من الظواهر الاجتماعية إلا عن مزاج عصرها. الناس يغيّرون باستمرار الأعراف التي ورثوها عن آبائهم، وهذا التغير يوحي بالحيوية والنشاط، وما لا يتغير ويتجمّد في قوالب محدّدة يوحي لنا بالموت ويولّد لدينا الرغبة في تدميره. ويظهر ذلك بوضوح لدى الشباب: فميلهم الجارف للتمرد على الأعراف التي يفرضها عليهم المجتمع، وافتقادهم للإحساس بالهوية، يجعلهم يبذلون جهودًا لتعديل شخصياتهم ويجربون مختلف الأقنعة والأساليب للتعبير عن أنفسهم. وحيويتهم هذه هي المحرك الأساسي للتغيير الدائم لأعراف وأساليب التعاملات في المجتمع.

أصحاب السطوة غالبًا ما يظهرون في شبابهم قدرات إبداعية هائلة في ابتكار واقع جديد له أعراف اجتماعية مختلفة، ويكافئهم مجتمعهم المتعطش للتجديد بمنحهم السطوة. لكن غالبًا ما تتعقد الأمور لاحقًا، حين يكبر هؤلاء ويميلون إلى الجمود والحفاظ على ما تحقق لهم، ويتخلون عن حلمهم بالتجديد، وتتيبّس هوياتهم، ويميلون إلى مجاراة السائد. ويجعلهم تيبّسهم عرضةً للإيذاء؛ يتوقع الآخرون تحركاتهم، ويملّون بقاءهم الطويل على الساحة، ويقول الناس لهم: ارحلوا عنا وأخلوا الساحة لآخرين غيركم، أكثر شبابًا وفتوةً، نشعر معهم بالأمل والارتياح. تجمّد أصحاب السطوة في قوالب الماضي يجعل استمرارهم هزليًا، كالثمار اليانعة التي آن لها أن تسقط.

لا تستمر السطوة إلا حين تكون مرنةً. عدم الجمود لا يعني فقدان الهيئة؛ فلا يمكن لأي شيء أن يكون بلا هيئة. المرونة المقصودة هي أن تكون السطوة كالماء أو الزئبق، تتخذ هيئة ما يحيط بها. تغيير أصحاب السطوة المستمر لأساليبهم يجعل من الصعب على خصومهم فهم تحركاتهم أو توقعها، حتى لا يجدوا أشياء محدّدة يهاجمونها. وذلك هو التهيؤ الأمثل للسطوة: أن تكون مراوغةً ورشيقةً، ويصعب توقع تحركاتها، مثل عطارد رب الزئبق [عند الرومان القدماء]، الذي يتخذ أي شكل يريده ليخدع ويدمّر من يشاء في جبل الأولمب (جبل الآلهة).

الإبداع البشري يتطور تدريجيًا نحو التجريد والخيال، ويبتعد عن المادية والتجسد. يظهر ذلك بوضوح في الفن الذي اكتشف، في القرن العشرين، بلاغة التجريد والجمال الفلسفي. ويظهر هذا الاتجاه أيضًا في السياسة؛ فقد ابتعدت السياسة بمرور الوقت عن الاستخدام الفج للعنف والقهر، وأصبحت أكثر تعقيدًا والتفافًا وذهنيةً [استراتيجيةً]. واتخذت الحرب والاستراتيجيات العسكرية مسارًا مشابهًا. في البداية، كانت الحروب تعني حشد القوات وتنظيمها في تشكيلات محكمة على الأرض. على اليابسة تكون الاستراتيجية ثنائية الأبعاد، تهتم باحتلال المواقع. لكن مع التطور أخذت القوى التاريخية الكبرى تتجه نحو البحر للتجارة والاستعمار، ولكي تحمي هذه المصالح تعلمت القتال في البحار. تتطلب حروب البحر كثيرًا من المرونة والإبداع والتفكير المجرّد، لأنه في البحر لا تجدي التشكيلات الثابتة، لأن الأرض بطبيعتها سائلة وتتغير الصفوف باستمرار. ويتميّز قادة البحرية بقدرتهم على التكيف مع ساحات قتال غير محدّدة، وتكمن مهارتهم في تشويش الأعداء بابتكار تشكيلات مجرّدة يصعب فهمها أو توقعها. أي إن حروب البحار أضافت إلى العسكرية البعد الثالث: العقل والخيال.

على اليابسة أيضًا حققت حرب العصابات هذا التجريد، ولعل ت.إ. لورنس هو أول مخطط عسكري معاصر ينظر إلى هذا النوع من الحروب ويضعه موضع التنفيذ. وقد أثّرت أفكاره في ماو تسي تونج، الذي رأى فيها نموذجًا غربيًا بارعًا للعبة ويكي. كان لورنس يحارب مع العرب لتحرير أراضيهم من الأتراك، وكانت فكرته أن يتماهى العرب مع الصحراء الشاسعة، فلا يظهرون أنفسهم ولا يتجمعون في مكان واحد حتى لا يهاجمهم الأتراك. حين كان الأتراك يشنّون هجماتهم للقضاء على هذا الجيش السراب، كانت قواتهم تضعف من نشرها على قطاع واسع ومن إنهاك تحركها المستمر من مكان إلى آخر. كان الأتراك يتفوقون على العرب في آلتهم العسكرية، لكن العرب تحكموا بالمبادرة باستخدام لعبة الكر والفر، ولم يعطوا لأعدائهم أبدًا شيئًا يصوّبون عليه، وفي النهاية تحطّمت معنويات الأتراك. وقد علّق لورنس في كتاباته عن ذلك: "معظم الحروب تعتمد على الكر والاشتباك، أما حربنا فتعتمد على الفرار والمراوغة. لقد هزمنا أعداءنا بصمت الصحراء المخيف، ولم نظهر لهم أنفسنا أبدًا حتى لا يهاجمونا".

تلك هي الاستراتيجية في أروع صورها: أصبحت حروب الاشتباك مكلفةً وخطيرةً، أما الالتفاف والمراوغة فيحققان لك الكثير دون أن تبذل إلا أقل القليل. كل ما تبذله هو أن تتخيل طرقًا لبعثرة تحركاتك حتى تشتت خصمك، وأن تتفهم طرق تفكيره ونقاط ضعفه النفسية حتى تقوّض تحركاته. ولا شيء أفضل لتغيظ به خصومك وتشوش تفكيرهم من أن تتحلّى بالمرونة ومسايرة الأحداث، ولا تجمّد نفسك في نسق محدّد. وفي عالمنا الذي يتزايد فيه الاعتماد على حروب المراوغة والفرار، أصبحت للمرونة قيمة مصيرية.

أهم المتطلبات النفسية للمرونة هي ألا تتعامل مع الأمور وكأنها تمسّك شخصيًا، وألا تلجأ أبدًا إلى الدفاعية والتبرير. حين تتصرف بدفاعية، تبيّن لخصمك أنك تتأثر نفسيًا، وهذا يجعله يقرأ شخصيتك ويعرف كيف يستثيرك، وستجده يضرب على هذا الوتر مرارًا وتكرارًا. درّب نفسك على ألا تأخذ أي أمر على محمل شخصي، حتى لا يمتطيك أعداؤك ويحركونك من نقاط تأثرك. كن كالكرة الزلقة التي يصعب الإمساك بها؛ فلا تكشف لأحد ما الذي يخيفك أو يغريك أو يغضبك، لأن هذه نقاط ضعف تمكّن الآخرين من استدراجك. اجعل وجهك بلا تعبير محدّد، لأن ذلك سيشوّش ويغيظ من يحاول أن يكيد لك من خصومك أو زملائك.

أحد الذين عُرفوا باستخدام هذا الأسلوب هو قطب المال جيمس روتشيلد. كان روتشيلد اليهودي الألماني يعيش في باريس، المدينة التي لم تكن تثق بالأجانب أو ترحب بهم [خاصةً إن كانوا يهودًا]. لم يكن روتشيلد يأخذ أي هجوم عليه باعتباره إهانةً أو تجريحًا شخصيًا، كما أنه كان يكيّف نفسه مع أي تغير في المناخ السياسي. وقد عاصر الاستعادة المتشددة للملكية على يد لويس الثامن عشر، والحكم البورجوازي للويس فيليب، والثورة الديمقراطية في 1848، والصعود المفاجئ للويس نابليون وتتويجه إمبراطورًا في عام 1852. تعامل روتشيلد مع كل هذه التغيرات واندمج معها، ولم يكن ينفر من نظرة الناس إليه باعتباره انتهازيًا اشترى سطوته بماله وليس بسياساته. في هذا القرن الذي حقق فيه روتشيلد ذروة ازدهاره بالتلون مع التغيرات، انهارت الأسر الكبيرة فاحشة الثراء بسبب جمودها وتمسكها بالأساليب التي ورثتها عن الماضي في مواجهة رياح التغير الكثيرة التي ميّزت هذه الفترة.

عبر التاريخ، كان أكثر من تميّز بهذا الأسلوب المرن والفضفاض في الحكم هن الملكات اللاتي حكمن بمفردهن. تختلف الملكة في وضعها كثيرًا عن الملك؛ فلأنها امرأة، يتشكك صفوتها ورعاياها كثيرًا في قدرتها على الحكم وفي قوة شخصيتها. وإن مالت لطرف في صراع فكري، يفسّر الناس ذلك بأنها تتعلق عاطفيًا بهذا الطرف. وإن كبتت مشاعرها وتصرّفت بسلطوية كالرجال، تنال المزيد من النقد والاستهزاء. وسواء بسبب طبيعتهن كنساء أو بسبب الظروف التي كن يتعرضن لها، كانت الملكات يتخذن أسلوبًا فضفاضًا في الحكم، وهو أسلوب كان يثبت في النهاية أنه أكثر قوةً وجدارةً من أساليب الرجال الحازمة والمباشرة.

من أشهر الملكات اللاتي حكمن بهذا الأسلوب إليزابيث ملكة إنجلترا، وكاترين العظمى إمبراطورة روسيا. استطاعت إليزابيث أن تتخذ مسارًا محايدًا في الحرب التي دارت بين الكاثوليك والبروتستانت، وتجنبت أي تحالف يورطها ويورط بلادها مع أي من الطرفين، لأن ذلك كان سيضر بمصالح البلاد كثيرًا. واستطاعت أن تحافظ على السلام والاستقرار إلى أن أصبحت قادرةً على الحرب. كان حكم إليزابيث من أكثر فترات الحكم في التاريخ مجدًا وازدهارًا بسبب قدرتها المذهلة على المرونة ومسايرة الأحداث.

اتخذت كاترين العظمى أيضًا أسلوبًا ارتجاليًا في الحكم. ففي عام 1762، وحين انفردت بحكم روسيا بعد أن عزلت زوجها الإمبراطور بيتر الثاني، لم يكن أحد يتوقع أن تتمكن من الاستمرار في الحكم؛ فلم يكن لديها تصور واضح أو فلسفة أو فكر تستمد منه سياساتها. إلا أنها استطاعت، رغم كونها أجنبيةً [فقد كانت ألمانيةً في الأصل]، أن تتفهم مزاج الشعب الروسي وتغيراته عبر السنوات. وكانت تقول: «لكي يحكم المرء جيدًا، عليه أن يقنع رعاياه أنهم هم الذين يريدون ما يأمرهم أن يفعلوه». ولكي تحقق ذلك، كانت كاترين دائمًا تستقرئ رغبات شعبها، وتستبق التعامل مع عنادهم ومقاومتهم، واستطاعت بعدم استخدامها أبدًا للقهر والإجبار في فرض أي أمر أن تحدث في روسيا إصلاحات كبيرةً في وقت قصير للغاية.

ظهر هذا الأسلوب الأنثوي الفضفاض في الحكم كوسيلة للنجاة والازدهار في خضم الظروف الصعبة، ولكنه أسلوب فتن كل من عاصروه، لأنه كان حكمًا سلسًا لا يشعر الرعايا بالإجبار أو الخضوع لفكر من يحكمهم. وأدّى عدم الانحياز إلى جانب معيّن إلى سهولة تأليب الأعداء على بعضهم البعض. قد يبدو الحكام المتصلبون أقوياء، ولكن جمودهم يرهق رعاياهم ويدفعهم في النهاية إلى إيجاد الوسيلة لإقصائهم عن مسرح الأحداث. أما الحكام المرنون فيتلقون الكثير من النقد، ولكنهم يستمرون، وفي النهاية يقتدي بهم الشعب ويلين مثلهم للريح ويساير الأحداث.

أسلوب الاختراق لجني السطوة قد يعرّضك لمصاعب وإحباطات، ولكنه يجعلك تفوز في النهاية، كما استطاع الأثينيون بمالهم وثقافتهم أن يخترقوا المجتمع الإسبرطي وينتصروا عليه بعد هزيمة. حين تجد نفسك في صراع مع شخص قوي ومتصلب، اتركه يحقق نصرًا مؤقتًا، وأظهر خضوعك لتفوقه، ثم اعمل على التسلل ببطء إلى أعماق نفسه بالمسايرة والمرونة لتزيل عنه القلق والتحفظ تجاهك. ولتعرف أن المتصلبين يكونون دائمًا أقوياء في الرد على الضربات المباشرة، وضعفاء في مقاومة الاختراق والتسلل. ولكي تفوز في هذه الاستراتيجية، عليك أن تتلون ظاهريًا كالحرباء بلون عدوك، ومن الباطن تعمل على تقويضه وتحطيم سطوته.

ظل اليابانيون، لقرون عديدة، منفتحين على الأجانب ويرحبون باستيعاب ثقافتهم ونفوذهم بينهم. وقد كتب عن ذلك القس جياو رودريجيز، الذي زار اليابان في عام ١٥٧٧ وأقام فيها لسنوات: «إن المرء ليصيبه الذهول حين يرى استعداد اليابانيين لمسايرة وتقليد كل ما هو برتغالي». كان اليابانيون يرتدون مثل البرتغاليين، ويضعون مثلهم المسابح حول أعناقهم والصلبان حول أعجازهم. قد يظهر من ذلك أن اليابانيين شعب ضعيف وثقافتهم هشة، إلا أن هذه المرونة قد أنقذت اليابانيين من التعرض للغزو الذي يفرض عليهم الثقافة الأجنبية بالقوة. كانت مرونة اليابانيين ومسايرتهم للمتغيرات ترضي كبرياء البرتغاليين وغيرهم من الغربيين، وتشعرهم بأن اليابانيين يقلدونهم لأنهم يملكون الثقافة الأرقى. ولكن الحقيقة أن اليابانيين كانوا يتعاملون مع الثقافات الوافدة باعتبارها صيحات يرتديها المرء لفترة ثم يخلعها. في العمق كانت الثقافة اليابانية تنمو وتزدهر، ولو أظهر اليابانيون الجمود والعناد لتعرضوا لآلام الغزو التي تعرض لها الصينيون. وتلك هي قدرة المرونة وعدم الجمود؛ فهي لا تستثير عداء المتجبرين ولا تمنحهم مبررًا للاعتداء.

يبيّن لنا تطور ونشوء الكائنات أن الضخامة غالبًا ما تكون مقدمةً للانقراض؛ فالكائنات الضخمة تكون قليلة الحركة، وتحتاج للبقاء إلى الكثير من الغذاء. والأغبياء من يظنون أن الضخامة هي السطوة، وأن الحجم هو الذي يحدّد القوة.

في عام 438 ق.م. قام سيركسيس، ملك الفرس، بغزو اليونان معتقدًا أنه سيستولي عليها بسهولة في هجمة واحدة سريعة؛ فقد كان لديه أكبر جيش تم حشده في العصور القديمة لغزوة واحدة، وقدّر المؤرخ هيرودوت عددهم بخمسة ملايين محارب. كانت خطة الفرس تقضي ببناء جسر عبر الدردنيل لسحق الإغريق [اليونانيين] من البر، بينما يضرب الأسطول الفارسي الهائل سفنهم في مراسيها ليسد عليهم طرق الفرار إلى البحر. كانت الخطة تبدو بسيطةً وذات نتائج مؤكدة، ولكن حين كان سيركسيس يحشد الجيش للغزو، حذّره مستشاره أرتابانوس من هفوة خطيرة: «أكبر قوتين في العالم تقفان ضدك». فضحك سيركسيس وتساءل: أيّ قوى تلك التي تستطيع أن تقف في وجه جيشه العملاق؟ فأجابه أرتابانوس: «سأخبرك عنهما. إنهما البر والبحر». لم تكن هناك موانئ تكفي لاستيعاب سفن سيركسيس، وكذلك كان امتداد الزحف يطيل خطوط الإمدادات ويزيد من كلفة إطعام هذه الأعداد الهائلة من الجنود.

رأى سيركسيس أن هذه النصائح سببها جبن مستشاره، ولذلك تجاهلها وأتمّ الغزو. لكن كما توقّع أرتابانوس، أهلكت الظروف المناخية الصعبة معظم الأسطول الفارسي، والذي لم يجد لضخامته ميناءً يحتمي به. وعلى البر كان جيشهم يدمّر كل ما يقف في طريقه، ولم يجدوا ما يقتاتون به بعد أن خرّبوا المخازن والمحاصيل. كما أدّت ضخامة جحافلهم إلى بطء حركتهم وسهولة تعرضهم للضربات، ومارس عليهم اليونانيون كل أنواع الخداع والمناورة لتشويش تحركاتهم. انتهت الحرب بهزيمة كارثية للفرس على يد التحالف اليوناني، وأصبحت درسًا لكل من يظن أن الحجم يغني عن الحراكية: المرونة وسرعة الحركة هما الاستراتيجيتان الصحيحتان اللتان تنتصران دائمًا، وضخامة العدو هي التي تسهّل العمل على انهياره.

تزداد حاجتك إلى المرونة بتقدمك في العمر، لأن الناس في كبرهم يميلون إلى الجمود والتمسك بالطرق التي اعتادوا عليها، وتصبح أفعالهم مكشوفةً ومتوقعةً، وتلك أولى علامات التدهور. لأن جمود أفعالك وتوقع الناس لها يجعلك تبدو في عيونهم مضحكًا وهزليًا. قد يبدو لك أن السخرية والاستهزاء أشكال مخففة من الاعتداء، ولكنها في الحقيقة أسلحة ناجعة تقوّض في النهاية سطوتك، لأن من لا يحترمك يتجرأ عليك، والجرأة تجعل حتى من أتفه الكائنات وحوشًا.

في نهايات القرن الثامن عشر، أصبح البلاط الفرنسي، متمثلًا في شخص ماري أنطوانيت، عقيمًا وجامدًا، وأصبح عامة الفرنسيين يرونه حفريةً هزليةً من زمن قديم. كان هذا الاستهزاء بالمؤسسة الملكية الفرنسية، التي استمرت لقرون، نذيرًا يرمز إلى تخلّي الشعب عنها. ولم يكن رد لويس السادس عشر وماري أنطوانيت على هذا الاستهزاء المتزايد إلا بالمزيد من التمسك بالماضي، وكان في ذلك إسراع نحو نهايتهما الدموية تحت نصل المقصلة. وفي 1630 ارتكب تشارلز الأول، ملك إنجلترا، خطأً مماثلًا في التعامل مع المد الديمقراطي المطالب بالتغيير؛ قام بحل البرلمان، وجعل مراسيم البلاط أكثر شكلانيةً وتمسكًا بالماضي وابتعادًا عن الناس، وكان يهدف من ذلك إلى أن يستعيد النمط القديم من الحكم الملكي وتنفيذ كل إجراءاته البالية. وقد زاد ذلك من إصرار المنادين بالديمقراطية، وفي النهاية أدّى جمود تشارلز وعدم مسايرته للأحداث إلى اشتعال الحرب الأهلية التي انتهت بقطع رأسه تحت سيف الجلاد.

تقدمك في العمر يتطلب منك المزيد من التخلي عن الماضي، وأن تحرص على ألا يتجمّد أسلوبك ويتحول إلى حفرية هزلية. الحل، بالطبع، ليس في أن تقلد الشباب في أزيائهم وتصرفاتهم، لأن ذلك سيظهرك أكثر هزليةً من الجمود، ولكن أن تساير الأحداث وتنفتح دائمًا على الجديد، وأن تستعد حتى للحظة التي تفسح فيها المجال لصعود الجيل الشاب. أما الجمود والتمسك بالقديم فسوف يجعلك تبدو كجثة تسير في كفنها.

المرونة أسلوب استراتيجي يمكّنك من المراوغة التكتيكية، ويجهد أعداءك في محاولة فهم تحركاتك، ويجعلهم يقومون بخطوات تكشف لك استراتيجيتهم. وهذا يضعهم في الموقف الأضعف، ويجعل المبادرة في يدك، ولا يبقى لهم دائمًا إلا رد الفعل. كما تحبط المراوغة أي محاولة يقوم بها الآخرون للتجسس عليك أو للتعرف على إمكاناتك الحقيقية. ولكن تذكّر أن المرونة ومسايرة التغيرات ليستا مجرد مجاراة سلبية للأحداث أو تقبل قدري لما يأتي به الزمن، وليس القصد منهما أن تحصل على الطمأنينة والسلام الداخلي، بل هما وسيلة لزيادة سطوتك.

أخيرًا، فإن التكيف مع المواقف الجديدة يعني أن يكون لك رأيك المستقل، وألا تخضع للنصائح التي يمليها عليك الآخرون، وألا تقلد خبرات من سبقوك، ولا تهتم بالكتب التي تحدد لك ما عليك أن تفعله أو أقصى ما يمكنك أن تحققه. قال نابليون ذات مرة: «إن القواعد التي نشأت للتعامل مع واقع قديم لا تصلح للتعامل مع واقع جديد». معنى ذلك أن عليك أن تقيّم بنفسك كل موقف، لأن اعتمادك على آراء الآخرين يجمّدك في قالب ليس من صنعك، وتوقيرك المفرط لحكمة وخبرات الآخرين يقلل من حكمتك وخبراتك أنت. تعامل مع الماضي بقسوة، خاصةً ماضيك أنت، ولا تستجب للأحكام والأفكار التي يمليها عليك من حولك.

الصورة: عطارد الزئبق

الرسول المجنّح، رب التجارة وراعي اللصوص والمقامرين وغيرهم ممن يحتالون بخفة حركاتهم. يوم ولد اخترع عطارد القيثارة، وفي الليل سرق ماشية أبوللو. يستطيع أن يجوب العالم بسرعة ويتخذ أي شكل يريده. وهو مثل الزئبق، المعدن اللدن الذي يسمّى باسمه، يرمز للمراوغة والانفلات. وهاتان هما سطوتا المرونة والمسايرة.

اقتباس من معلّم: هكذا فإن أفضل شكل للتنظيم هو أن تظل مرنًا ومسايرًا للتغيرات، فطرق النصر لا تتكرر، بل تتغير باستمرار... القوة العسكرية ليست لها تشكيلة ثابتة، كما أن الماء ليس له هيئة دائمة؛ والقدرة على التكيف وتغيير الأسلوب مجاراةً للخصم هي ما نسميه العبقرية.
(صن تسو، القرن الرابع ق.م).

عكس القاعدة:

استخدامك للمساحة والاتساع لنشر تحركاتك وخلق نمط مبهم ومجرّد لا يعني أن تتخلى عن تركيز قدراتك حين يتطلب الموقف منك ذلك. المرونة والانفلات يجهدان عدوك في مطاردتك، ويشتتان قدراته الذهنية والمادية. لكن حين يحين الوقت لتضرب عدوك، اجعل ضرباتك قويةً ومركزةً. تلك هي الطريقة التي فاز بها ماو على القوميين؛ كان يشتت قواتهم إلى وحدات صغيرة منعزلة، يسهل عليه أن يسحقها بهجمات قوية، أي إن التفوق في النهاية كان لقاعدة التركيز.

حين تستخدم قاعدة المرونة والانفلات، عليك أن تستخدمها بوعي، متفكرًا في استراتيجيتك طويلة الأمد. وحين يحين وقت الهجوم وتحدّد له نمطًا معيّنًا، احرص على أن تجعله هجومًا مركزًا وسريعًا وقويًا [أي أن تستطيع بسرعة أن تعكس القاعدة]، وافعل كما قال ماو: "حين نريد أن نقاتلك، لا نترك لك الفرصة للهرب".

المصدر: THE 48 LAWS OF POWER, ROBERT GREEN (ترجمة د. هشام الحناوي)

 

 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق