الأحد، 23 أغسطس 2026

• لا تتجاوز ما خططت له؛ تعلَّم أن تكبح حماسك عند الانتصار


القاعدة
 47 من كتاب 48 قانون للقوة (قواعد السّطوة) للكاتب روبرت جرين

الحكمة: 

لحظات الانتصار غالباً ما تكون أخطر اللحظات، فحماسة النصر قد تدفعك للغرور والثقة الزائدة وتجعلك تتجاوز الهدف الذي طالما سعيت لتحقيقه. هذا الشطط يخلق لك أعداء كثيرين لا تستطيع أن تهزمهم. لا تجعل النصر يفقدك عقلانيتك لأنك لن تجد بديلاً أفضل من التخطيط الاستراتيجي العاقل والمتأني. حدد الأهداف لنفسك وحين تحققها لا تشتط أو تترك نفسك للغرور.

 انتهاك القاعدة: 

في عام 559 ق. م. استطاع شاب صغير اسمه سايروس أن يحشد جيشاً كبيراً من القبائل الفارسية المتناثرة يحارب به جده أستياجس ملك ميدس، وبسهولة هزم استياجس ونصب نفسه ملكاً على بلاد ميدس وفارس وبدأ تكوين الإمبراطورية الفارسية، وتوالت انتصاراته بسرعة. استطاع سايروس أن يهزم کروسيوس حاکم ليديا وأن يستولي على جزيرة أيونيا وممالك أخرى صغيرة، وزحف على بابل وسحقها، وبعدها أصبح اسمه سايروس الأكبر ملك العالم. 

بعد أن استولى سايروس على ثروات بابل اتجه بنظره إلى الشرق نحو مملكة ماساجيتاي شبه البربرية التي كانت تمتد امتداداً واسعاً على بحر الكاسبيان. كان الماساجيتاي محاربين أشداء تحكمهم الملكة توميريس ولم تكن لديهم ثروات بابل لكن سايروس كان قد عزم على غزوهم على أي حال وأن يوسع إمبراطوريته فوق أراضيهم الشاسعة. كان سايروس يعتقد أنه ليس كالبشر وأنه لا يمكن لأحد هزيمته وأنه لن يجد صعوبة في القضاء على جيوش الماساجيتاي الجبارة. 

في عام 529 ق. م زحف سايروس إلى نهر أراکسس الواسع بوابة الدخول إلى مملكة الماساجيتاي، وحين عسكر على الشاطئ الغربي تلقى رسالة من الملكة توميريس جاء فيها "يا ملك ميدس، ارجع عن هذه المغامرة لأنك لا تثق أن النصر سيكون حليفك في النهاية، احكم شعبك وتقبَّل أن أحكم شعبي في سلام. لكنني أعرف أنك لن تقبل نصيحتي لأن آخر ما تريده هو السلام". كانت توميريس واثقة من قوة جيشها ولم تكن ترغب في تأجيل المعركة الحاسمة ولذلك سحبت جيشها من الشاطئ الشرقي لتسمح لجيش سايروس بعبور النهر آمناً حتى تتم المعركة في الجانب الشرقي إن كان لا يزال راغباً في الحرب. 

وافق سايروس على العبور بجيشه، ولكن بدلاً من الاشتباك مع العدو مباشرة قرر أن يقوم بحيلة. كان يعلم أن الماساجيتاي لا يعرفون الترف، ولذلك وبمجرد أن عبر النهر وأقام معسكره بدأ في إعداد مأدبة عامرة مليئة باللحم والخمور المعتقة والقوية وغير ذلك من الأطباق الشهية، ثم ترك أضعف قواته وابتعد بالآخرين عبر النهر. بسرعة هجمت مفرزة كبيرة من الماساجيتاي وقتلت كل جنود الفرس بعد معركة عنيفة، لكن أغراهم الطعام الذي تركه الفرس وبدأوا في الأكل وشرب الخمور حتى ناموا من التخمة. في الليل عاد الجيش الفارسي إلى المعسكر وقُتل الكثيرين من الجنود وأُسر الباقين ومن بينهم القائد الشاب سبارجابيسيس ابن الملكة توميريس. 

حين علمت الملكة بما حدث أرسلت إلى سايروس تُوَبِّخه على انتزاع النصر بالتحايل وجاء في الرسالة "الآن انصت إلي لأني سأنصحك لصالحك: أعد إلي ابني وارحل عن بلدي واقنع بهزيمة ثلث قوات الماساجيتاي. وإن رفضت أقسم بالشمس إلهتنا أني سأسقيك أكثر بكثير مما تشتهي من الدماء". سخر منها سايروس وقرر أن لا يطلق ابنها وأن يسحق أولئك البرابرة. 

حين رأى سبارجابيسيس أن سايروس لن يطلق سراحه لم يحتمل المذلة وانتحر، وحين وصلت الأنباء لتوميريس عن موت ابنها غمرها الحزن وحشدت كل جنود المملكة وهجمت بشراسة الغضب واشتبكت مع جيش سايروس في حرب عنيفة انتهت بانتصار الماساجيتاي وتمزيق الجيش الفارسي وقتل سايروس نفسه. 

بعد المعركة أخذت توميريس تجوب ساحة القتال بحثاً عن جثة سايروس وحين وجدتها قطعت رأسه ووضعتها في برميل مليء بالدماء البشرية وصرخت "رغم أني انتصرت عليك وعشت بعدك إلا أنك حطمت قلبي بالخداع وقتلت ابني. الآن انظر إلي أُوفي بوعدي وأسقيك ما يملؤك دماً". بعد موت سايروس تحللت الإمبراطورية الفارسية بسرعة. وهكذا أنهى فعل واحد من الغطرسة كل ما حققه سايروس من بطولات. 

التعليق: 

لا شيء يُسكِر الإنسان ولا شيء يعرضه للخطر مثل النصر. 

أقام سايروس مملكته على أنقاض ممالك قديمة. قبله بمائة عام كانت الإمبراطورية الأشورية قد تدمرت بالكامل وسُوِّيَت عاصمتها الرائعة نينوى بالأرض، وكان السبب أن الأشوريين قد تمادوا كثيراً وأخذوا يحاصرون المدن ويخربونها واحدة بعد أخرى وغاب عنهم مغزى النصر وتكاليفه ونشروا أنفسهم على مساحات شاسعة وخلقوا أعداء كثيرين توحدوا ضدهم في النهاية وقضوا عليهم. 

لم يتعلم سايروس الدرس من الأشوريين، فلم يكن يبالي بمشورة الحكماء أو تحذير المتنبئين، ولم يرتدع عن إهانة ملكة. أصابته انتصاراته بالغرور وشَوَّشت تفكيره، وبدلاً من العمل على تعزيز مملكته التي كانت بالفعل شاسعة أخذ يتقدم للأمام. وبدلاً من أن يتعامل مع كل موقف جديد باعتباره مخالفاً لما سبقه أخذ يظن أن كل الحروب سواء وأنها ستأتيه دائماً بنفس النتائج طالما يتبع نفس الوسيلة أي الوحشية والخداع. 

ولتفهم أن في عالم السطوة عليك أن تُعمل العقل دائماً. لا تدع نشوة الانتصار تؤثر عليك وتدفع تحركاتك لأن ذلك يدمرك. حين يتحقق لك انتصار تناء بنفسك وفكِّر وكن حذِراً واكتشف ما لَعِبته الظروف في نجاحك ولا تكرر أبداً نفس الأسلوب، فالتاريخ مليء بأنقاض الإمبراطوريات وجثث القادة الذين لم يتعلموا متى يتوقفوا لترسيخ مكاسبهم. 

مراعاة القاعدة: 

لم يكن هناك في التاريخ وضعٌ أكثر حرجاً وهشاشة من وضع محظية الملك، فلم تكن لها حقوق شرعية تستند إليها إن حدثت مشكلة وكان يحيط بها دائماً الكثيرون من الحاقدين والحاقدات من مجتمع الصفوة الذين يتمنون سقوطها. وأخيراً كانت سطوتها تعتمد على جمالها ولذلك كان سقوطها محتوماً ومؤلماً. 

بدأ لويس الخامس عشر ملك فرنسا يحتفظ بمحظيات رسميات منذ أوائل سنوات حكمه ولم تكن أي منهن تنال هذه الحظوة لأكثر من بضع سنوات. لكن بعد ذلك أتت السيدة دي بوبادور والتي أخبرها متنبئ حين كانت لا تزال في التاسعة من عمرها وكان اسمها حينها جين بواسون أنها ستكون يوماً ما العزيزة لدى الملك، وكان ذلك أشبه بالمستحيل لأن المحظيات كن دائماً من طبقة النبلاء وكانت هي من الطبقة الوسطى، لكن جين آمنت أن قدرها أن تفتن الملك وأصبح ذلك حلمها المسيطر، وبدأت تتعلم كل ما تحتاجه محظية الملك من الموسيقى والرقص والتمثيل وركوب الخيل وتفوقت في كل ذلك. وتزوجت وهي صغيرة من رجل من الطبقة الدنيا من النبلاء وسمح لها ذلك بدخول أفضل المجالس في باريس وهكذا انتشرت الأقاويل عن جمالها، وموهبتها وسحرها وذكائها. 

كانت جين بواسون مقربة من فولتير ومونتسكيو وغيرهما من أفضل العقول في عصرها، ولكن ذلك لم يشغلها عن تحقيق حلمها منذ الطفولة: أي أن تأسر قلب الملك. كان لدى زوجها قصر في الغابات التي كان الملك غالباً ما يذهب إليها للصيد وأخذت تقضي الكثير من وقتها هناك. أخذت تدرس تحركات الملك بعين صقر ورتبت الأمور بحيث "يتصادف" أن تلتقي به مرات أثناء تجولها مرتدية أجمل ثيابها أو راكبة أجمل عرباتها. وبدأ الملك يلتفت إليها ويمنحها الجوائز التي فاز بها في مسابقات الصيد. 

في عام 1744 ماتت دوقة دي شاتورو عشيقة الملك وقتها، وبدأت جين في تكثيف هجومها: أخذت تتواجد في كل مكان يتواجد فيه الملك: في الحفلات التنكرية بالفرساي وفي الأوبرا وفي أي مكان قد يحقق لقاءها به لتظهر له مواهبها الكثيرة من الرقص والغناء والدلال وغيرها. وقع الملك أخيراً في سحرها وفي حفل بالفرساي في سبتمبر 1745 تم تنصيبها محظية رسمية للملك وكانت في الرابعة والعشرين، وتم منحها غرفة في القصر يمكن للملك أن يصل إليها في أي وقت عبر ممر سري، وحين اعترض مجتمع الصفوة على اختيارها رغم أصولها المتدنية منحها الملك لقب مرکيزة، ومن وقتها تم تسميتها السيدة دي بومبادور. 

كان لويس سريع الشعور بالملل، وأدركت السيدة دي بومبادور أن سرّ احتفاظها به أن تسري عنه دائماً، ولذلك بدأت تقيم عروضاً مسرحية متواصلة كانت تقوم ببطولتها في قصر الفرساي، وكانت ترتب لحفلات تنكرية ومسابقات صيد وأي شيء يبعد الملل عن الملك. وأصبحت راعية للفنون وعارضة الأزياء تقتدي بها كل فرنسا، ومع كل نجاح كان أعداؤها في القصر يتكاثرون، ولكنها استطاعت أن تقهرهم بأسلوب لم تعرفه أي محظية قبلها: وهو الأدب الشديد، فكانت تأخذ بقلب كل من يتعجرف عليها لأصلها المتواضع بسحرها ولطفها. الأغرب أنها صادقت الملكة وشجعت لويس على أن يهتم بها وأن يعاملها بلطف. وحتى أفراد الأسرة الملكية الذين كانوا يحسدونها قدموا لها دعمهم، وتتويجاً لمجدها منحها الملك لقب دوقة. وقد امتد تأثيرها إلى السياسة فقد كانت الوزيرة الفعلية غير المعلنة للسياسات الخارجية. 

في عام 1751 وحين كانت السيدة دي بومبادور في ذروة مجدها واجهتها أصعب الأزمات، بعد أن أرهقتها مسؤوليات مكانتها أصبح صعباً عليها أن ترضي الملك في الفراش، وكانت تلك عادة لحظة النهاية لأي محظية، لكن كان لدى السيدة دي بومبادور خطة: شجعت الملك على إنشاء نوع من المواخير على أراضي الفرساي هو البارك أو سيرف كان يمكن للملك أن يتمتع فيه بأجمل نساء المملكة. 

أدركت السيدة دي بومبادور أن سحرها وحكمتها جعلتا الملك لا يستطيع الاستغناء عنها، لذلك لم يكن لديها ما تخشاه من منافسة فتاة في السادسة عشرة لا تملك سطوتها أو حضورها، ولم تكن أيضاً تخشى أن تفقد مكانتها في الفراش لأنها أصبحت أقوى امرأة في فرنسا. ولكي تحافظ على وضعها صادقت الملكة وأصبحتا تذهبان معاً للكنيسة. وعلى الرغم من تآمر الكثيرين ضدها بالبلاط ظل الملك يحتفظ بها لتأثيرها المطمئن عليه. ولم تنسحب من الحياة السياسية إلا بعد ما نالته من نقد شديد على دورها الكارثي في حرب السنوات السبع. 

كانت الحالة الصحية للسيدة دي بومبادور دائماً ضعيفة وماتت في عام 1764 في سن الثالثة والأربعين، واستمرت في حظوتها لفترة عشرين عاماً وهي فترة لم تسبقها إليها محظية، وكتب عنها دوق دي کروي "تحسَّر الجميع عليها لأنها كانت تساعد وتتعطف على كل من يتقرب إليها". 

التعليق: 

كانت المحظية بسبب هشاشة وضعها تصاب بنوع من الشَّرَه بعد أن تأسر قلب الملك، فكانت تعمل على جمع أكبر قدر من المال ليبعد عنها الفاقة بعد سقوطها المحتوم، ولإطالة فترة بقائها كانت تعادي بشراسة كل من يعاديها في البلاط. أي أن وضع المحظية كان يفرض عليها صفات الجشع والانتقام وهذا غالباً ما كان يُسَرِّع من سقوطها، نجحت السيدة دي بومبادور في كل ما فشلت فيه الأخريات فلم تكن تلح أو تطالب، وبدلاً من أن تستخدم سطوتها للتسلط على مجتمع البلاط كانت تعمل على كسب دعمهم. ولم تظهر أبداً أي لفتة جشع أو غطرسة. وحين لم تعد قادرة على الوفاء بدورها في الفراش لم ترتعب من أن تحلّ محلها أخرى بل أعدّت خطة - شجعت الملك على أن يتخذ عشيقات أصغر سناً وكانت تعرف أنه كلما زاد شبابهن وجمالهن قلت فرصتهن في محاكاتها في السحر والثقافة وأن الملك سيملّ من كل واحدة منهن بسرعة. 

النجاح يتلاعب بالعقل بطرق غريبة، فهو يقنعك أنك آمن وأعلى من أن يؤذيك أحد كما يجعلك عدائياً ومنفعلاً إن تحداك منافس، ويُقلِّل من مرونتك في التعامل مع الأحداث، وتظن أن شخصيتك وليست خططك واستراتيجياتك هي التي أكسبتك النجاح. عليك أن تتعلم من السيدة دي بومبادور أن في لحظة النجاح تكون أحوج ما تكون للبراعة والتخطيط لتعزيز قاعدة سطوتك وأن تتفهم ما قدمه لك الحظ والظروف وأن تظل متنبهاً للتغيرات التي قد تؤدي إلى سقوطك. لحظة الانتصار تتطلب منك أن تتحلى ببراعة رجل الصفوة وأن تلتزم أكثر من أي وقت مضى بقواعد السطوة. 

"أخطر اللحظات هي لحظات الانتصار" (نابليون بونابرت، 1769  1821

مفاتيح للسطوة: 

للسطوة إيقاعاتها وأنساقها الخاصة، ومن ينجحون فيها هم من يتحكمون بالأنساق ويغيرونها حسب إرادتهم ويربكون حسابات الآخرين ويفرضون عليهم إيقاعهم. وخلاصة الاستراتيجية هي التحكم فيما سوف يأتي، وتفسد نشوة النصر عليك هذا التحكم بطريقتين. أولاً حين تجد أن نسقاً محدداً قد سبّب لك النجاح تميل إلى تكراره، وتحاول أن تستمر في نفس الاتجاه دون أن تتفكر فيما إذا كان ما يزال يحقق لك أفضل النتائج. ثانياً يؤثر النجاح على تفكيرك ويصيبك بالحماس والشعور بأن لا شيء سيهزمك ويدفعك للقيام بتحركات قوية تقضي على ما حققته من نجاح. 

الدرس هنا بسيط: الأقوياء يغيرون إيقاعهم وأنساقهم ومسارهم ويكيفونها مع متغيرات الموقف ويتعلمون الارتجال، ولا يتركون نشوة الاندفاع تحركهم، بل ينأون بأنفسهم ويتفكرون في خطوتهم التالية، كما لو أن في دمائهم مضاداً يمنع نشوة النصر من الأخذ بعقولهم ويسمح لهم بالتحكم بانفعالاتهم وكبح أنفسهم. في لحظة الانتصار يتوقف هؤلاء للتفكر فيما حدث وفي الدور الذي لعبته الظروف والحظ في نجاحهم. وكما يقولون في تدريبات الفروسية عليك أن تتحكم بنفسك أولاً حتى تستطيع أن تتحكم بالحصان. 

للحظ والظروف دائماً دور في الحصول على السطوة، ذلك محتوم ويضفي الإثارة على الصراع، لكن على عكس ما تتوقع فإن الحظ الحسن أخطر كثيراً من الحظ السيء. الحظ السيء يعلمك الصبر وفن التوقيت وضرورة التأهب للأسوأ أما الحظ الجيد فيخدعك ويغريك بالاعتقاد أن عبقريتك ستنقذك دائماً، سينقلب حظك حتما يوماً ما ويحرمك حسن حظك من التأهب للتعامل مع مثل هذه الظروف. 

يرى مكيافيللي أن هذا هو السبب في سقوط سيزار بورجيا. حقق بورجيا انتصارات كثيرة لأنه كان بالفعل مخططاً استراتيجياً داهية ولكن لسوء حظه كان حظه جيداً فقد كان ابن البابا، وحين ساء حظه بالفعل ومات أبوه لم يكن مستعداً للتعامل مع هذا الموقف فقضى عليه الأعداء الكثيرون الذين تكاثروا في سنوات انتصاره. الحظ الجيد الذي يحقق لك النجاح يتطلب منك أن تكون حذراً لأن عجلة الحظ التي رفعتك سيأتي يوم وتسقطك، لكن إن كنت متأهباً لذلك فسوف تنجو من الدمار. 

من تتحقق لهم جولة من النجاحات قد تصيبهم نفرة ونوع من السعار، وحتى إن استطاعوا أن يسيطروا على أنفسهم غالباً ما يضغط عليهم من تحتهم طلباً للمزيد وقد يدفعونهم للإقدام على تحركات خطرة. عليك أن تمتلك استراتيجية للتعامل مع هؤلاء المتحمسين لأنك إن نصحتهم بالتعقل سيرون في ذلك علامة على ضعفك وضيق أفقك وتقل سطوتك عليهم. 

في عام 436 ق. م. انطلق القائد ورجل الدولة الأثيني بيرکليس بأساطيله عبر البحر الأسود وأشعلت سلسلة الانتصارات السهلة التي تحققت له حماس الأثينيين ورغبتهم في المزيد، وأخذوا يحلمون بغزو مصر واجتياح بلاد فارس والإبحار إلى صقلية. قام بيرکليس من ناحية بالعمل على كبح هذا الحماس بتحذيرهم من مخاطر الغطرسة والغرور، ومن الناحية الأخرى أرضاهم بمعارك صغيرة كان واثقاً من الانتصار فيها حتى لا يحبط فيهم نشوة الانتصار. اتضحت براعة بيركليس في إدارة هذا الموقف بما حدث بعد موته: سيطر المحرضون على الساحة واندفعوا بالأثينيين لغزو صقلية وهكذا دمروا إمبراطوريتهم بحركة واحدة متهورة. 

غالباً ما يتطلب إيقاع السطوة التناوب بين القوة والمكر، فالإفراط في القوة يولد المقاومة والإفراط في المكر يجعل الناس يكتشفونه مهما كان بارعاً. ذات مرة حقق هديوشي القائد العسكري الياباني العظيم (والذي أصبح فيما بعد إمبراطوراً) نصراً كبيراً لصالح وليه شوجن أودا نوبوناجا على جيوش الجنرال الرهيب يوشيموتو وأراد شوجن الاستمرار لسحق عدو آخر قدير لكن هديوشي ذكره بالمثل الياباني القائل: "بعد الانتصار عليك أن تشد أربطة خوذتك (أي أن ترتب أحوالك)". رأى هديوشي أنه يجب على شوجن في تلك اللحظة أن يتحول من القوة إلى المكر والمراوغة وأن يُؤَلِّب أعداءه ضد بعضهم البعض بسلسلة من التحالفات الخادعة، وبذلك يتجنب إثارة مقاومة غير ضرورية ضده إن أظهر الكثير من العدائية والعنف. حين تخرج منتصراً تَوَاضع لعدوك واستدرجه إلى تقبل الهزيمة وإلى عدم فعل شيء ضدك. هذه التغيرات في إيقاع المواجهة سوف تمنحك سطوة هائلة. 

كثيرون ممن يتجاوزون ما تم التخطيط له يفعلون ذلك لإظهار تفانيهم وإخلاصهم لأوليائهم، لكن الإفراط في بذل الجهد قد يجعل وليك يشعر بالتهديد والارتياب منك. في مرات عديدة كان فيليب ملك مقدونيا يُحقِّر ويُهين القائد الذي يحقق له انتصارا خارقاً لأنه كان يرى أن انتصاراً آخر مثل هذا سيحوله إلى منافس وليس تابعاً. حين يكون لك وليٌّ فإن من الحكمة غالباً أن تقتصد في إبراز انتصاراتك وأن تجعل وليّك يشعر دائماً بالمجد وأن لا يشعر معك أبدا بالحرج أو التهديد، ومن الحكمة أيضاً أن تُظهر له الطاعة التامة دائماً كي تنال ثقته. في القرن الرابع ق. م. قام أحد الضباط في جيش الجنرال الصيني وو شي الشهير بقسوته بالانطلاق قبل أن تبدأ المعركة وعاد وهو يحمل بعض رؤوس الأعداء ظناً أن ذلك سيظهر حماسه وكفاءته، ولكن لم يبد أن وو شي قد تأثر بل إنه تنهد وقال بعد أن أمر بقطع رأس الضابط: "كان محارباً جيداً ولكن غير مطيع". 

من اللحظات الأخرى التي قد يحرمك فيها نجاح بسيط من الفرص لتحقيق نجاح أكبر هي حين يرضى عنك وليك أو رئيسك ويمنحك امتيازاً: حينها يكون من الخطر أن تطلب منه المزيد؛ لأن ذلك سيظهرك خائر العزم وأنك تشعر أن هذا الامتياز قد جاءك بالصدفة وليس لأنك تستحقه وأنك تريد أن تنتهز هذه الفرصة لأنها قد لا تعود إليك ثانية. الاستجابة المثلى في أن تتقبل هذا الامتياز شاکراً ثم تصمت، وأن تسعى لجعل الامتيازات اللاحقة تأتي إليك دون أن تطلبها. 

ختاماً فإن لحظة التوقف لها أهمية تأثيرية كبيرة لأن خاتمة الأمور تنطبع في الذهن كعلامة تعجب، ولا توجد لحظة أفضل تأثيراً لاختتام الأقوال والأفعال من لحظة الانتصار إن تماديت بعدها يقل تأثيرك وفي النهاية قد ينتهي بك الأمر إلى الهزيمة والخسران، أو كما يقول المحامون "توقف دائما وأنت منتصر". 

الصورة: إيكاروس يسقط من السماء 

صنع أبوه ديدالوس أجنحة من الشمع تسمح له ولابنه بالطيران للهروب من متاهة مينوتور. فرحة إيكاروس بالهرب وبالإحساس بالطيران جعلته يحلّق أعلى وأعلى إلى أن ذوَّبت الشمس شمع أجنحته فسقط إلى الهاوية. 

اقتباس من معلم: 

على الممالك والجمهوريات أن تقنع بالانتصار لأن رغبتهم في تحقيق المزيد تؤدي عامة للخسارة. غطرسة الانتصار أو الأمل في الانتصار تدفع أصحاب السطوة إلى وصف العدو بأوصاف مهينة وتحقيرية، وذلك غالباً ما يضللهم في أفعالهم كما في أقوالهم، لأنه حين يستحوذ عليهم هذا الأمل الزائف يجعلهم يتجاوزون ما خططوا له ويدفعهم للتضحية بالجيد الذي في متناولهم تطلعاً للأفضل الذي قد لا يكون في مقدرتهم تحقيقه. (نيقولو مكيافيللي، 1469 -1527). 

عكس القاعدة: 

يقول مكيافيللي إن عليك إن خاصمت أحداً إما أن تسحقه تماماً أو تترکه تماماً، لأن نصف الأذى أو التجريح البسيط يجعل من الآخر عدواً لك تنمو مع الوقت في داخله المرارة ويعود لينتقم منك. حين تنتصر على عدو احرص على أن يكون انتصارك عليه تاماً وأن تمحوه من الوجود. ما عليك أن تتجنبه في لحظة الانتصار ليس سحق من هزمتهم بل التقدم لمعاداة آخرين. لا ترحم عدوك ولكن لا تتجاوز لتخلق أعداء جديدين باندفاع الانتصار. 

بعض الأشخاص يبالغون في الحذر بعد الانتصار لأنهم يرون أن ذلك يمنحهم ممتلكات يتوجب عليهم حمايتها. لا تترك حذرك بعد الانتصار يجعلك تتردد أو تفقد الزخم والحماس ولكن عليك فقط أن تحتاط من التهور. من ناحية أخرى يبالغ الناس في تقدير أهمية الزخم؛ لأنك أنت من تصنع النجاح وإن جاء بعده نجاح آخر فأنت أيضاً من تصنعه. أما الإيمان بالزخم فيجعلك خاضعاً لأهوائك وأقل عرضة للتمسك بالتفكير الاستراتيجي وأكثر عرضة لتكرار أساليبك القديمة. دع الزخم إذن لمن ليس لديهم شيء آخر يتكلون عليه.

المصدر: THE 48 LAWS OF POWER, ROBERT GREEN (ترجمة د. هشام الحناوي)

 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق