الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

• لا تثق كثيراً في أصدقائك وتعلّم أن تستفيد من أعدائك


القاعدة 2 من كتاب 48 قانون للقوة (قواعد السّطوة) للكاتب روبرت جرين

الحكمة:

احذر الأصدقاء، لأنهم أول من يخونك بدافع الحسد، كما أن الصداقة تفسد ولاءهم وتجعلهم يتسلّطون عليك. لكن إن وظّفت من كان يوماً عدوّك، فإنه سيسعى إلى أن يثبت لك جدارته وولاءه، وسيكون أوفى من الأصدقاء. الحق أن أذى الصديق دائماً أشدّ وأخطر بكثير من أذى العدو، وعليك، إن لم تجد لك عدوّاً، أن تصطنع عدوّاً.

انتهاك القاعدة:

في منتصف القرن التاسع الميلادي، اعتلى عرش الإمبراطورية البيزنطية شاب اسمه مايكل الثالث، خليفةً لأمه الإمبراطورة تيودورا، التي أطيح بها وحُكم عليها بالنفي إلى أحد الأديرة بعد أن قُتل عشيقها تيوكتيتوس. كان على رأس مؤامرة عزل تيودورا وتنصيب مايكل بارداس، عم مايكل، وكان رجلاً داهيةً وطموحاً. كان مايكل شاباً عديم الخبرة، محاطاً بالمتآمرين والقتلة والانتهازيين، وكان في حاجة، في مثل هذه الظروف الخطرة، إلى أحد يثق به ليعينه مستشاراً، فاتجه بفكره إلى باسيليوس، صديقه الحميم. لم تكن لدى باسيليوس أي فكرة عن الحكم أو السياسة، فلم يكن وقتها سوى المسؤول عن حظائر الخيول الملكية، لكنه كان قد أثبت حبه وإخلاصه لمايكل في مناسبات عديدة.

كان مايكل قد التقى باسيليوس قبل ذلك بسنوات أثناء زيارته لحظائر الخيل. حينها فرّ أحد الخيول البرية وهاجم مايكل. تدخل باسيليوس، وكان وقتها شاباً يعمل سائساً في الحظائر الريفية بمقدونية، وأنقذ حياة مايكل. أعجب مايكل بقوة وشجاعة هذا السائس الشاب، فرفعه فوراً من حضيضه كمدرب للخيل، وعيّنه رئيساً للإسطبلات الملكية، وأرسله إلى أرقى المدارس في بيزنطة. وبسرعة أصبح هذا الريفي الخامل رجل صفوة مثقفاً ومتأنقاً.

حين اعتلى مايكل العرش، لم ير أحداً يمكن أن يأتمنه على مهام الحاجب والمستشار أنسب من هذا الشاب الذي يدين له بكل شيء.

تم تدريب باسيليوس على متطلبات الوظيفة، وأحبه مايكل كأخ له، وتجاهل نصيحة من أشاروا عليه بتعيين بارداس الداهية الأكفأ للمهمة، فلم يكن يثق ولا يطمئن إلا إلى صديقه الصدوق.

تعلّم باسيليوس جيداً، وأخذ ينصح الإمبراطور في كل شؤون الدولة. المشكلة الوحيدة كانت المال؛ فلم يكن باسيليوس يشبع منه أبداً، فمعايشته لبذخ حياة القصور البيزنطية جعلته متعطشاً لخيلاء السطوة. ضاعف مايكل راتبه مرتين ثم ثلاثاً، وكرّمه كنبيل، وتخلى له عن محظيته الخاصة يودوكسيا إنجرينا. كان مايكل يسعى إلى إرضاء مستشاره وصديقه الحميم بأي ثمن، لكن كل ذلك لم يشبع باسيليوس أو يرضِ طموحه؛ فالمشكلات الحقيقية كانت لا تزال تختمر.

كان بارداس قائداً للجيوش، وبدأ باسيليوس يقنع مايكل بأن عمه يطمح إلى المزيد، وأن مؤامرته لتنصيبه إمبراطوراً لم تكن إلا لرغبة منه في التحكم بابن أخيه، حتى يستطيع أن يتآمر من جديد ويتخلص من مايكل ويتوج نفسه إمبراطوراً. وظل يحقن سمومه في أذن مايكل حتى وافق على اغتيال عمه. أثناء أحد سباقات الخيل، اقترب باسيليوس من بارداس وطعنه طعنات قاتلة وسط الزحام. بعدها بقليل، طلب باسيليوس أن يخلف بارداس في قيادة الجيش حتى يتمكن من فرض الاستقرار على المملكة وردع التمرد، وقد حقق له مايكل ما طلب.

بمرور الوقت، كانت ثروة باسيليوس وسطوته قد تضخمتا كثيراً. وبعد بضع سنوات، مرّ مايكل بضائقة مالية بسبب إسرافه وتبذيره، وطلب أن يرد له باسيليوس بعض الأموال التي كان يقترضها منه طوال فترة صداقتهما. كانت صدمةً كبيرةً لمايكل أن يرفض باسيليوس طلبه بنظرة تمتلئ بالوقاحة، فأدرك فجأةً حجم المأزق الذي صنعه لنفسه؛ فمن كان سائساً للحظائر أصبح يمتلك الآن مالاً وحلفاء في الجيش ومجلس الشيوخ، وفي الإجمال سطوةً أكبر مما يمتلكها الإمبراطور نفسه.

بعدها بأسابيع، استيقظ مايكل ليلاً ليجد نفسه محاطاً بالجنود، بينما باسيليوس يراقبهم وهم يطعنونه حتى أردوه قتيلاً. نصّب باسيليوس نفسه إمبراطوراً، وطاف بحصانه شوارع بيزنطة ممسكاً برأس الرجل الذي أحسن إليه واتخذه صديقاً حميماً، وكان الرأس مثبتاً على طرف رمح.

التعليق:

علّق مايكل الثالث مستقبله على الظن بتقدير باسيليوس لمعروفه وإحسانه واعترافه بهما. من المؤكد أن باسيليوس كان يخدمه بإخلاص لأنه كان مديناً له بثروته وتعليمه ومنصبه، لكن بمجرد أن شعر بطعم السطوة أصابه الشره للمزيد. كان على مايكل أن يلبي كل مطالبه كي يحتفظ برضاه ومحبته، ولم يدرك فداحة الخطأ الذي ارتكبه إلا في اليوم المصيري الذي واجه فيه النظرة الوقحة والمهينة على وجه باسيليوس.

يومها عرف مايكل أنه قد صنع وحشاً؛ أذاق الرجل نشوة السطوة وغذّاها بتحقيق كل مطالبه. وحين ثقل على نفس باسيليوس ما ناله من إحسان، فعل ما يفعله معظم الناس في مثل هذا الموقف: أنكر أن يكون ما ناله تفضلاً، بل حقوقاً اكتسبها بجدارته.

لحظة أدرك مايكل الحقيقة، كان لا يزال لديه القدرة على إنقاذ نفسه، لكن الصداقة والحب يعميان كل إنسان عن مصالحه. لا أحد قد يتصور صديقه خائناً، وظل مايكل لا يتصور ذلك حتى اليوم الذي انتهى فيه ورأسه معلّقاً فوق رمح.

اللهم احمني من أصدقائي، أما أعدائي فأنا كفيل بهم. (فولتير، 1694  1778)

مراعاة القاعدة:

بعد سقوط سلالة هان، سنة 222 ميلادية، ظل التاريخ الصيني لقرون يشهد نسقاً واحداً متكرراً من الانقلابات الدموية العنيفة، واحداً بعد الآخر. كان رجال الجيش يتآمرون لقتل الإمبراطور الضعيف، ليحل محله على عرش التنين الصيني قائد عسكري قوي. بعدها يتوج القائد نفسه إمبراطوراً ويبدأ سلالةً حاكمةً جديدةً، وليضمن نجاته يقتل أنداده من القادة العسكريين. وبعد سنوات يتكرر النمط ذاته؛ يصعد قادة جدد ينقلبون ضده ويغتالونه هو أو من يخلفه من أبنائه. كان عليك، لتكون إمبراطوراً في الصين، أن تقبل أن تظل وحدك محاطاً بحشود من الأعداء؛ فقد كان وضع الإمبراطور أقل الأوضاع سطوةً وأماناً في المملكة.

سنة 959 ميلادية، تم تتويج القائد شاو کوانج إمبراطوراً باسم صانج. كان يعرف مخاطر تعرضه للقتل خلال عام أو عامين، وأخذ يفكر في كيفية كسر هذا النسق من التآمر والانقلابات. وجاء قراره سريعاً بعد تتويجه؛ إذ أعد مأدبةً للاحتفال بالسلالة الجديدة دعا إليها القادة الأكثر سطوة في الجيش.

بعد أن تجرعوا الكثير من الخمر، أمر بصرف الحراس والجميع فيما عدا الجنرالات، الذين خشوا أن ينقض عليهم الإمبراطور ويقتلهم جميعاً. إلا أنه خاطبهم قائلاً: «إن يومي بكامله مليء بالخوف، ولا أشعر بالسعادة، لا على مائدتي ولا في فراشي. فمن منكم لا يرغب في العرش؟ لا أشك في ولائكم، لكن إن سنحت لأحدكم الفرصة أن ينزع عني هذا الرداء الإمبراطوري الأصفر ويأخذه لنفسه، فمن المؤكد أنه لن يرفضه».

بدأ الجنرالات يرتعدون من الخوف والسكر معاً، وأقسموا بولائهم وبراءتهم من هذه النوايا. لكن لم تكن لدى صانج نية لقتلهم، بل قال لهم: «أليس هناك حياة أفضل من أن يقضي الإنسان أيامه وادعاً، يحظى بالغنى والتكريم؟ من يريد منكم أن يتخلى عن منصبه سأمنحه ممتلكات ومنزلاً راقياً، يتمتع فيه بالغناء وملاطفة الجواري الحسان».

أدرك الجنرالات المذهولون أن صانج يمنحهم الغنى والأمان بدلاً من حياة القلق والكفاح. في اليوم التالي، قدم الجنرالات جميعاً استقالاتهم، وتقاعدوا كنبلاء للتمتع بالممتلكات التي منحها لهم صانج.

بضربة واحدة، استطاع صانج أن يحيل زمرة الذئاب «الصديقة» الذين يعرف أنهم قد يخونونه في أي لحظة إلى حملان وادعة بعيدة عن أي سطوة.

في السنوات التالية، استمر صانج في حملته لترسيخ حكمه. وفي عام 971 ميلادية، استسلم له الملك ليو من أسرة هان الجنوبية بعد سنوات من التمرد. لدهشة ليو، منحه صانج لقباً في البلاط الإمبراطوري، ودعاه إلى قصره لشرب الأنخاب احتفالاً بصداقتهما الجديدة. حين تناول ليو الكأس التي قدمها له صانج، تردد وخشي أن تكون مسمومة، وصاح قائلاً: «جرائم خادمك تستحق جزاء الموت بالتأكيد، لكني أتوسل إلى جلالتكم أن تعفوا عني، وتعفوني من شرب هذه الكأس». ضحك الإمبراطور صانج، وأخذ الكأس من ليو وشربها. لم يكن هناك سم، ومن يومها أصبح ليو الصديق الأكثر ثقةً وولاءً لصانج.

في هذه الفترة كانت الصين مفتتةً إلى ممالك صغيرة، وحين انهزم شيان شو، ملك إحدى هذه الممالك، نصح الوزراء صانج أن يسجن هذا المتمرد، وأتوا بوثائق تثبت أنه ما زال يتآمر لقتل الإمبراطور. لكن حين أتى شيان شو لزيارة صانج، لم يسجنه، بل أكرمه وأحسن استقباله، وأعطاه صندوقاً طلب منه أن يفتحه حين يصل إلى منتصف طريق عودته. حين فتح شيان شو الصندوق، وجد كل المستندات التي تثبت تآمره. علم أن صانج كان يعرف كل خطط الاغتيال، ومع ذلك عفا عنه. وقد تأثر بهذا الكرم، وأصبح هو أيضاً من ولاة صانج المخلصين.

التعليق:

يشبّه أحد الأمثال الصينية الأصدقاء بأنياب وأسنان الحيوان المفترس: إن لم تحذرها ستجدها تنهش لحمك. كان الإمبراطور صانج يعرف أن هذه الأنياب تترصد له بعد أن استولى على العرش، فقد كان «أصدقاؤه» بالجيش على استعداد لمضغه كاللحم، وإن نجا منهم فسيتعشى به «أصدقاؤه» في الحكومة.

أنهى صانج روابطه مع الأصدقاء، وأبعدهم عنه برشوة الجنرالات بممتلكات رائعة. وتلك كانت طريقةً أفضل كثيراً لإضعاف تأثيرهم من قتلهم، الذي كان سيحفز الجنرالات الآخرين على الأخذ بالثأر منه. كذلك لم يختر له وزراء من «المتودّدين»، لأن ذلك كان سينهي حياته كما كان يحدث عادةً بوضعهم السم في شرابه.

بدلاً من الاتكال على الأصدقاء، استفاد صانج من أعدائه؛ فبينما يظل الصديق يتوقع المزيد والمزيد من الحظوة ويضطرب قلبه بالحسد، لم يكن هؤلاء الأعداء يتوقعون منه شيئاً، ومنحهم كل شيء. الرجل الذي يُعفى من الموت بالمقصلة يكون على استعداد لأن يذهب إلى نهاية الأرض لصالح الرجل الذي عفا عنه ورد له حياته. مع الوقت، أصبح هؤلاء الأعداء أصدقاء صانج الموثوقين.

في النهاية، استطاع صانج أن يحطم النسق القديم من الانقلابات والعنف والحرب الأهلية، واستطاعت سلالته أن تحكم الصين لثلاثمائة عام.

في خطاب لإبراهام لنكولن في ذروة الحرب الأهلية، ولما وصف الجنوبيين بأنهم «إخواننا من البشر أخطؤوا»، وبخته عجوز لعدم وصفهم بالأعداء الذين لا يمكن الصلح معهم، والذين عليه أن يمحقهم، فأجابها: «ولكن، سيدتي، أوليس جعلي الأعداء أصدقاء محقاً لأعدائي؟»

مفاتيح للسطوة:

من الطبيعي أن ترغب في توظيف أصدقائك حين تكون في حاجة إلى من يعينك؛ فالعالم مكان موحش، والأصدقاء يخففون من وحشته، كما أنك تعرفهم، وقد تتساءل: لماذا تستعين بغرباء حين يكون لديك أصدقاؤك؟

المشكلة أنك لا تعرف أصدقاءك بالقدر الذي تظنه؛ فالأصدقاء غالباً ما يتظاهرون باتفاقهم على الأمور لتجنب الخلافات، ويخفون خصالهم البغيضة حتى لا يغضب أحدهم من الآخر، ويبالغون في الضحك على دعابات بعضهم البعض. ولأن الصراحة غالباً ما تضعف الصداقة، فليس من السهل أبداً أن نعرف المشاعر الحقيقية لأصدقائنا. فأصدقاؤك قد يقولون إنهم يحبون شعرك، أو يعشقون موسيقاك، أو ينبهرون بذوقك في انتقاء الملابس، وقد يعنون ذلك أحياناً، لكنهم في الغالب يقولونه لإرضائك.

حين تقوم بتوظيف صديق، تكتشف تدريجياً الخصال التي كان يخفيها، وستعجب حين تجد أن عطفك وأفضالك عليه هي أكثر ما يفسد الأمور بينكما؛ فكل إنسان يجب أن يفتخر بأنه حقق نجاحه بجدارته، ولا أحد يحب، في داخله، أن يمنّ عليه صديقه بمركزه ومكانته. هناك مسحة من التعالي في توظيف صديقك تجعله يشعر في أعماقه بالتجريح والمرارة، وسيزداد بالتدريج تعبيره عن هذه المرارة في تصرفات تتسم بالصراحة الفجة، أو بالاستياء، أو حتى بالحسد وكراهية نجاحك. وقبل أن تدرك حقيقة ما يحدث، ستكون صداقتكما قد انتهت. وإن حاولت أن تستعيدها بمنحه المزيد من الهدايا أو الأفضال، فلن تجد منه إلا المزيد والمزيد من الجحود والنكران.

جحود وغدر الأصدقاء معروفان منذ زمن طويل، ونعجب أن الناس لا يزالون غافلين عن هذه المخاطر. وستكتشف أن حذرك في التعامل مع أصدقائك، وعدم توقع العرفان والإخلاص منهم، يمكّنك من الاحتفاظ بصداقتهم وباحترامهم وتقديرهم لك.

مشكلة توظيف الأصدقاء أنها تقلل حتى من سطوتك، فالأصدقاء نادراً ما يكونون أكفأ من ينجز لك أعمالك. عليك، بصفة عامة، أن تقدّر الكفاءة والبراعة أكثر من الصداقة. كان بين يدي مايكل الثالث، وقريباً منه، رجل قادر على إدارة الأمور لصالحه وعلى حمايته من الموت غدراً؛ ذلك الرجل هو بارداس.

كل مواقف العمل تتطلب قدراً من الجفاء بين الناس؛ فالعمل يتطلب الإنجاز وليس الود، والتودد، سواء كان صادقاً أم كاذباً، يعكّر هذا الجفاء العملي. أحد المفاتيح الهامة للسطوة هو أن تعرف من يفيد مصالحك في كل موقف، وأن تحتفظ بالأصدقاء للصداقة، وأن تستعين لإنجاز أعمالك بالمهرة والأكفاء.

من ناحية أخرى، أعداؤك منجم من الذهب عليك أن تستغله. في عام 1807، حين أدرك تاليران، وزير خارجية نابليون، أن الإمبراطور يقود فرنسا نحو الهلاك، كان عليه أن يفعل شيئاً. ولكنه كان يعرف مخاطر التآمر ضد الإمبراطور، وكان يحتاج شريكاً يثق به. وبالطبع لم يكن من الغباء بحيث يستأمن أصدقاءه على هذا السر. اختار بدلاً منهم جوزيف فوشيه، رئيس الشرطة السرية، عدوه اللدود الذي تآمر ذات مرة لاغتياله.

كان يعرف أن عداوتهما القديمة ستجعل من ذلك فرصةً للتصالح، كما أنه لا يدين بشيء لفوشيه، بل كان على فوشيه أن يثبت لتاليران حسن نواياه، ومثل هذا الدافع يجعل من تتعامل معه يحرك الجبال لكسب ودك. أخيراً، كان يعلم أن علاقته بفوشيه تقوم على المصالح المتبادلة، ولا تعكرها المشاعر الشخصية.

أثبت الاختبار براعته، فعلى الرغم من أن المؤامرة لم تنجح في الإطاحة بنابليون، إلا أن تآمر هذين الرجلين القويين أضعف مكانة الإمبراطور وأطلق معارضةً قويةً ضده. ومنذ ذلك اليوم أثمرت العلاقة بين تاليران وفوشيه عن تحالف فعّال قوّى شوكتيهما كثيراً. في الوقت المناسب، عليك أن تدع السيف الذي بينك وبين عدوك، وأن تستدرجه ليعمل لصالحك.

وكما قال إبراهام لنكولن، يمكنك أن تمحق عداء عدوك بأن تجعله صديقاً. في عام 1971، أثناء حرب فيتنام، تعرض هنري كيسنجر لمحاولة فاشلة لاختطافه، وكان من بين المتورطين رجال دين ناشطون ضد الحرب، هم الإخوة بريجان وأربعة قساوسة كاثوليك وأربع راهبات. في السر، ودون إطلاع الشرطة السرية أو وزارة العدل، رتّب كيسنجر اجتماعاً صباحياً مع ثلاثة من المتهمين. وقد تأثر ضيوفه كثيراً حين أخبرهم أنه ينوي إخراج كل الجنود الأمريكيين من فيتنام بحلول منتصف سنة 1972. وفي الختام قدموا إليه الشكر والهدايا، وظل أحدهم صديقاً له لسنوات يعاوده فيها بالزيارة.

لم تكن تلك حادثةً منفردةً في مسار كيسنجر؛ فقد كان معروفاً أن من سياسته العمل مع من يختلفون معه، وكان زملاؤه يرددون أنهم يرون أنه يتفاهم مع أعدائه بشكل أفضل من تفاهمه مع أصدقائه.

وجود الأعداء يفيدك حتى إن لم تحولهم إلى أصدقاء أو حلفاء. فبدون الصراع (ودفع الله الناس بعضهم ببعض)، تتراخى الهمم وتتكاسل الأذهان، أما وجود الأعداء فيجعلك دائماً يقظاً ومتأهباً.

كان ماو تسي تونج يرى في الصراع وسيلته لاكتساب السطوة. في عام 1937، حين احتل اليابانيون الصين، توقفت الحرب الأهلية التي كانت تدور بين الشيوعيين بقيادة ماو وأعدائهم من القوميين.

اقترح بعض القادة الشيوعيين أن يتركوا القوميين يحاربون اليابانيين الأقوياء، وأن يستفيدوا هم من الوقت في التعافي وحشد الأنصار. رفض ماو هذا الرأي، لأنه كان يعرف أن اليابانيين سينهزمون في النهاية، لأنهم لن يستطيعوا أن يحتلوا بلداً متسعاً كالصين لفترة طويلة. وإن ظل الشيوعيون خاملين بلا قتال لهذه السنوات، فسيصيبهم الفتور والتراخي، ولن يتمكنوا من استئناف الصراع مع القوميين. كانت مواجهة عدو قوي كاليابان ستوحد الجيش المهلهل للشيوعيين وتدرّبهم على تركيز ضرباتهم. وافق القادة على خطة ماو، وحين انسحب اليابانيون لاحقاً كانت لدى الشيوعيين الخبرة القتالية الكافية لهزيمة القوميين.

في مرحلة متأخرة، تقدم دبلوماسي ياباني باعتذار إلى ماو عن غزو بلاده للصين، فقاطعه ماو: «أوليس الأنسب لي أن أشكرك؟» وشرح للزائر أنه بدون عدو كفؤ لا يمكن لأي كيان، سواء كان فرداً أو جماعةً، أن يقوى ويرسخ مكانته.

كانت استراتيجية ماو في الصراع المستمر تقوم على ثلاثة عناصر أساسية. أولاً، ألا تدخل صراعاً أو نزاعاً مع أحد إلا إن كنت واثقاً من الانتصار في النهاية، كما كان ماو واثقاً من أن اليابانيين سوف ينهزمون بعد حين. ثانياً، إن لم يكن لك عدو واضح ومعلن، فتخيّر عدوّاً ملائماً، أو حتى اجعل من أحد أصدقائك عدوّاً. وقد استخدم ماو هذه التقنية كثيراً طوال مساره السياسي. ثالثاً، أن تستخدم صراعك مع أعدائك لعرض مبادئك وأهدافك على الجمهور، وأن تظهره لهم على أنه صراع الخير ضد الشر.

وقد شجع ماو على خصومة الصين مع الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة؛ وبدون هذه الخصومة لم يكن الشعب الصيني سيعرف تحديداً ما تعنيه الشيوعية الصينية، فخوض الصراع مع أعداء تختارهم يعرض أهدافك ومبادئك للناس بوضوح أبلغ من أي كلمات.

لا تجعل وجود الأعداء يحبطك أو يحط من عزيمتك، فأداؤك مع وجود خصم أو اثنين تعرفهما جيداً يكون أفضل من التعامل مع أعداء حقيقيين لا تعرف من أين يأتونك. رجل السطوة لا يخشى الصراع، ويستفيد من أعدائه في نشر صورة عن نفسه كمحارب ثابت الجأش يمكن الاعتماد عليه في مواقف الحيرة والتشكك.

الصورة: أنياب الغدر والجحود

أنت تعرف بالقطع ما قد يحدث لك إن وضعت إصبعك في فم الأسد، ولذلك فاحذر من فعل ذلك. لكن مع أصدقائك لا يكون لديك مثل هذا الحذر، وإن وظفتهم يفترسونك حيّاً بالغدر والجحود.

اقتباس من معلم:

»تعلّم كيف تجعل أعداءك يعملون لصالحك، تماماً كما تستخدم السيف للدفاع عنك بإمساكه من مقبضه، وليس من نصله الجارح. الحكيم يستفيد من أعدائه أكثر مما يستفيد الأحمق من أصدقائه». (بالتسار جراتسيان، 1601  1658)

عكس القاعدة:

على الرغم من أنه من الأفضل عامةً ألا تخلط بين الصداقة والعمل، هناك أوقات يفيدك فيها توظيف الصديق أكثر من الاستعانة بالعدو. كل رجل سطوة، مثلاً، يضطر أحياناً إلى القيام بأعمال قذرة، وليحافظ على مظهره يفضّل عامةً أن يستعين بآخرين ليقوموا عنه بهذه الأعمال. والأصدقاء غالباً هم خير من يقوم بهذا الدور، لأن مشاعرهم نحوك تجعلهم مستعدين للمخاطرة.

وإذا فشلت مخططاتك وافتضحت أساليبك لأي سبب، سيسهل عليك استخدام أحد أولئك الأصدقاء ككبش فداء. كانت «التضحية بالأعزاء» من الخدع المعروفة التي يستخدمها الملوك والحكام، حيث كانوا يحملون أصدقاءهم المقربين وزر أخطائهم، لأن العوام لم يكونوا ليصدقوا أن الحاكم سيدبّر عمداً التضحية بصديقه لهذا الغرض. من المؤكد أن اللعب بهذه الورقة يفقدك صديقك للأبد، لذا فمن الأفضل أن تترك هذا الدور لشخص مقرب، ولكن ليس حميماً تماماً.

أخيراً، فإن مشكلة العمل مع الأصدقاء أنه يشوّش الحدود والمسافات المطلوبة لإنجاز الأعمال، لكن إن كان الشريكان يدركان المخاطر فإن الصديق غالباً ما يعمل بكفاءة كبيرة. لكن لا تغفل أبداً عن أي علامة تدل على ظهور المشاعر البغيضة بينكما، كالحسد والجحود، ولا تنس أن لا شيء ثابت في عالم السطوة، وحتى أخلص الأصدقاء قد يصبح ألد أعدائك يوماً ما.

المصدر: THE 48 LAWS OF POWER, ROBERT GREEN (ترجمة د. هشام الحناوي)





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق