الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

• أتقن فن الغياب لتزيد تقديرك ومكانتك

القاعدة 16 من كتاب 48 قانون للقوة (قواعد السّطوة) للكاتب روبرت جرين

الحكمة:

السلعة التي تروج بين الناس يقل سعرها، وكلما زاد حضورك وكلامك تبتذل مكانتك وتقل هيبتك. بمجرد أن يتكوّن لدى جماعة رأي حسن عنك، يكون عليك الانسحاب حتى يزيد حديثهم عنك وإعجابهم بك. عليك أن تتعلّم متى تغيب حتى ترتفع قيمتك بندرة حضورك.

مراعاة وانتهاك القاعدة:

كان السير جيلوم دي بالون تروبادوراً [أي فارساً شاعراً] جاب في العصور الوسطى جنوب فرنسا من حصن إلى حصن، ينشد الشعر ويؤدي دور الفارس الأمثل. وفي حصن جافياك التقى بربّة منزل جميلة وأحبها، هي مدام جوليلما دي جوفياك، وأنشد وغنّى لها من شعره، ولعبا معاً الشطرنج، ويوماً بعد يوم وقعت هي أيضاً في حبه.

كان مع جيلوم في ضيافة الحصن صديق هو السير بيير دي بارجاك، وقع هو أيضاً في حب امرأة من جوفياك هي فيرنيتا الفاتنة، وكانت فاتنة بالفعل، ولكن مع حدّة في الطباع.

في أحد الأيام تشاجر بيير وفيرنيتا شجاراً عنيفاً وطردته السيدة، فطلب مساعدة جيلوم لتصفية الأجواء بينه وبينها والحصول على رضاها. كان على جيلوم أن يغادر الحصن لأسابيع لإنجاز أمور، وبعدها تدخّل بسحره وبلاغته وأعاد الود بين بيير وحبيبته. وشعر بيير أن حبه قد تضاعف لها عشر مرات؛ فلا حب أقوى من الذي يأتي بعد الخصام. وقال لجيلوم إنه كلما كان النزاع بينهما يشتد تزداد حلاوة ما يأتي بعده من وصال وعتاب.

كان السير جيلوم يتفاخر، كتروبادور، بأنه عرف كل مباهج الحب وآلامه، وحين سمع ما قاله صديقه رغب هو أيضاً في أن يعرف لذّة الوصل بعد الخصام، فادّعى أنه غاضب غضباً شديداً من السيدة جوليلما، وتوقف عن إرسال الخطابات لها، وترك الحصن وبقي بعيداً حتى في الأعياد وحفلات الصيد، فهيّج ذلك مشاعر جوليلما كثيراً.

بعثت جوليلما بالرسل يسألون جيلوم عمّا يغضبه، لكنه ردّهم حتى يغضبها أكثر ويجبر نفسه لاحقاً على توسّل الوصل منها كما فعل بيير. إلا أن غيابه كان له أثر عكسي: جعل جوليلما تحبه أكثر، وأخذت تلاحقه وظلّت ترسل إليه الخطابات، ولم يكن من المعروف من قبل أن تلاحق سيدة تروبادوراً. وضاق جيلوم بذلك، ورأى أن أفعالها تبتذلها، ولم يعد بعدها واثقاً لا من نجاح خطته ولا حتى من حبه لجوليلما.

أخيراً، وبعد أشهر من هجر جيلوم لها، يئست جوليلما ولم تعد تراسله، وبدأ يتساءل: لعلها غاضبة، لعل الخطة نجحت أخيراً. كان يتمنى أن تكون قد نجحت، فلم يعد يستطيع أن يتحمل؛ كان يريد الوصال، ولذلك ارتدى أفضل ثيابه، وزيّن حصانه بأجمل سرج، ووضع فوق رأسه خوذة رائعة، وانطلق إلى جافياك.

حين عرفت أن حبيبها قد عاد أسرعت إليه، وركعت أمامه، ورفعت حجابها لتقبّله، وطلبت العفو منه عن أي هفوة ربما بدرت منها وأغضبته. يمكننا أن نتخيّل حيرته وتشوشه؛ فقد فشلت خطته فشلاً ذريعاً، فهي لم تغضب ولو قليلاً، بل كشفت عن عمق حبها له، ولم يكن له أن يشعر معها بلذّة الصفو بعد الجفاء.

حين رأى ذلك، ومع تلهّفه على تذوق تلك اللذّة، قرر أن يحاول من جديد: فنهرها بكلمات جارحة وإيماءات تهديد، وبينما كانت تبتعد أقسمت أنها لن تعود إليه أبداً بعد ذلك.

في اليوم التالي ندم التروبادور على ما فعل، وركب حصانه عائداً إلى جافياك، لكن السيدة رفضت أن تستقبله، وأمرت خدمها أن يطاردوه إلى أن يعبر الجسر ويبتعد عن تل الحصن. هرب جيلوم، ولكن حين عاد إلى حجرته انهار وبدأ في البكاء؛ عرف أنه ارتكب خطأ جسيماً، وظل طوال العام التالي يشعر بألم الهجر الذي أخذ يؤجج نيران محبته.

وكتب لها قصيدة من أجمل قصائده جاء فيها: «أغنياتي تصعد إليك صلاة تطلب الرحمة والمغفرة». وكتب إليها الكثير من الخطابات يفسّر لها ما فعل، ويطالبها بأن تعفو عنه وترحمه.

بعد الكثير من التوسّل تذكّرت جوليلما أغانيه الجميلة ووسامته ومهاراته في الرقص والصيد، فشعرت بالحنين إليه يجتاحها من جديد، وعقاباً له على قسوته أمرته أن ينتزع ظفر خنصر يده اليمنى وأن يرسله إليها مع قصيدة تصف عذاباته.

لبّى جيلوم طلبها، واستطاع أخيراً أن يتذوق الإحساس الأسمى؛ وصالاً أحلى بكثير حتى من ذلك الذي تذوقه صديقه بيير.

التعليق:

في محاولته لاكتشاف لذّة الوصل بعد الخصام، اكتشف جيلوم عن غير قصد القاعدة التي تحكم الحضور والغياب. ففي بداية أي علاقة تحتاج إلى أن تؤكد الإحساس بحضورك لدى الطرف الآخر، وإن أبعدت نفسك عن الأنظار في هذه المرحلة المبكرة يكون من السهل نسيانك.

لكن بمجرد أن تتحرك مشاعر من تود وتتبلور بالحب نحوك، فإن الغياب يفيد في تأجيج مشاعرها نحوك ومشاعرك نحوها، وعدم إبداء أسباب للغياب يكون أقوى تأثيراً؛ فحين تغيب يتساءل المحب إن كان قد أخطأ، وفي البعد تتدفق خيالاته وتفيض، ولا تؤدي إثارة الخيال إلا إلى إشعال جذوة المشاعر.

على العكس من ذلك، كلما كانت جوليلما تلاحق جيلوم كان حبه لها يخفت. فكان حضورها المفرط ثقيلاً وأظهرها سهلة ومبتذلة، ولم يترك لخياله الفرصة للتحليق والنمو، فاختنقت مشاعره. وحين توقفت عن مراسلته بدأ حبه في التنفس من جديد وعاد إلى خطته.

الممنوع والنادر يجذب احترامنا وتقديرنا له، وما يثقل علينا بحضوره المقيم يثقل علينا ويجعلنا نزهده ونحتقره. في العصور الوسطى كانت النساء يضعن فرسانهن في اختبارات للحب، وكنّ يكلّفنهم بمطالب شاقة ومطوّلة، ليصنعن لعلاقاتهن نسقاً من الحضور والغياب. والحقيقة أنه لو لم يبتعد جيلوم لأجبرته هي على الابتعاد لتخلق غيابها الخاص. »الغياب يطفئ المشاعر البسيطة ويؤجج المشاعر الكبرى، تماماً كما تطفئ الريح الشمعة وتؤجج النار (لاروشفوكو، 1613  1680).

مراعاة القاعدة:

استطاع الآشوريون لعدة قرون أن يحكموا أجزاء كبيرة من آسيا بقبضة من حديد، لكن في القرن الثامن ق. م. ثارت ضدهم الجموع في ميديا، في شمال غرب إيران الحالية، واستطاع أخيراً شعب ميديا الحصول على الاستقلال. ولكن خوفاً من الخضوع مرة أخرى لحكم طاغية قرروا ألّا يعطوا كل السطوة لرجل واحد، وأسسوا إمارة دون قائد. ودخلت البلاد في الفوضى، وتفتت إلى ممالك صغيرة، وأصبحت كل قرية تحارب ضد أخرى.

في إحدى هذه القرى كان يعيش رجل اسمه ديوسيس، اشتهر بين الناس بالعدل والقدرة على تسوية النزاعات.

في هذا الوقت كان الفساد منتشراً، ولم يكن أحد يثق برفع قضيته إلى المحاكم، وكان الناس يأخذون حقوقهم بالقوة. وحين ذاعت الأخبار عن حكمة ديوسيس واستقامته وعدم تحيّزه لأحد، أصبحت كافة قرى ميديا تحتكم إليه في كافة أنواع القضايا، وأصبح الوسيط الوحيد للعدل في أنحاء البلاد، وعلت سطوته.

في ذروة سطوته شعر ديوسيس فجأة أنه قد فاض به، ولم يعد يرغب في الجلوس على كرسي القضاء ليجري أي محاكمات بين قرية وأخرى، أو أن يحل أي نزاعات بين الأخ وأخيه. تقاعد لأنه رأى أنه يقضي كل وقته في حل مشكلات الآخرين، ولا يجد ما يكفي لمتابعة شؤونه الخاصة.

ومع غيابه المفاجئ دخلت البلاد مرة أخرى في الفوضى، وارتفعت الجريمة، ووصل احتقار الناس للقانون إلى درجة غير مسبوقة. واجتمع الميديون من كافة القرى ليقرروا ما قد يفعلون لمواجهة هذه المحنة.

قال أحد زعماء القبائل: «لن يحتمل أحد أن يعيش في هذه البلاد في ظروفها الحالية، فدعونا نرشّح أحد كبرائنا ليحكم حتى نعيش في ظل حكومة منظمة، بدلاً من أن نخسر مواطنينا جميعاً وسط هذه الفوضى

وهكذا، وعلى الرغم مما عاناه شعب ميديا من الطغيان تحت حكم الآشوريين، قرروا إنشاء إمارة واختيار ملك، وكان الرجل الذي اختاروه بالطبع هو العادل ديوسيس. كان من الصعب إقناعه؛ لأنه كان قد ضاق بحل النزاعات بين القرى، لكن الميديين توسلوا إليه، فبدونه انزلقت البلاد إلى حالة انعدام القانون.

في النهاية وافق ديوسيس، ولكن بعد أن وضع لهم شروطاً. كان عليهم أن يبنوا له قصراً كبيراً يحيطونه بالحراس، وأن تقام له عاصمة يحكم من خلالها، ومنحوه ما طلب.

استقر ديوسيس في قصره وسط عاصمته، تحيط به أسوار تمنع العوام من الوصول إليه، وأسس قواعد لحكمه تمنع الدخول إليه، وكان التواصل معه يتم فقط من خلال حاجب، ولم يكن رجال حاشيته يستطيعون مقابلته إلا مرة كل أسبوع وبعد أن يسمح لهم بذلك.

حكم ديوسيس ثلاثة وخمسين عاماً، توسعت فيها الإمبراطورية الميدية، ووضع أساساً لما أصبحت فيما بعد الإمبراطورية الفارسية التي بناها أحد أحفاد أحفاده، وهو سيروس. وأثناء حكم ديوسيس تحول احترام الشعب له إلى نوع من العبادة؛ فلم ينظروا إليه كإنسان فانٍ، بل سليلاً للآلهة.

التعليق:

كان ديوسيس رجلاً ذا طموح كبير، عرف مبكراً أن البلاد في حاجة إلى حاكم قوي، وأنه هو الرجل الأنسب لهذه المهمة، ورأى أن في بلد تسوده الفوضى تكون السطوة الأكبر للقاضي أو لمن يحكم بينهم بالعدل، ولذلك بدأ مهمته بترسيخ سمعته كرجل عدل لا يخطئ.

في أوج سطوته كقاضٍ أدرك ديوسيس حقيقة قاعدة الحضور والغياب؛ فقد جعلته سهولة الحصول على خدماته رائجاً بين الناس، ففقد التوقير الذي كان يتمتع به من قبل، وأخذ الناس يرون خدماته هبات مجانية. وكانت الطريقة الوحيدة كي يستعيد مهابته وسطوته هي أن ينسحب كلياً ويجعل الميديين يتذوقون الحياة بدونه، وكما توقع عادوا إليه يتوسلون أن يصبح حاكماً لهم.

بمجرد أن أدرك تأثير قاعدة الحضور والغياب، قام بتفعيلها إلى أقصى حد. ففي القصر الذي أنشأه له الشعب لم يكن يستطيع أن يراه سوى عدد قليل من رجال البلاط، وحتى هؤلاء كانوا يرونه نادراً.

وكما كتب المؤرخ القديم هيرودوت: «الخطر من كثرة رؤيته هو أنه كان سيولد فيهم الاستياء والغيرة منه، وبعد ذلك تأتي الفتن والمؤامرات، لكن حين لم يره أحد نمت حوله أسطورة أنه من طبيعة أخرى غير البشر سأل رجل الدرويش: «لماذا لا تأتي لزيارتي كثيراً؟» فأجابه الدرويش: «لأن سؤالك هذا: لماذا لا تأتي لزيارتي كثيراً؟ أحب إليّ من قولك: ما الذي أتى بك إليّ مرة أخرى؟ (الملا جامي، مقتبس في كتاب إدريس شاه «قافلة الأحلام»، 1968).

مفاتيح للسطوة:

كل شيء في العالم يعتمد على الحضور والغياب، فالحضور القوي يجلب إليك الانتباه والسطوة، فتبرز أكثر من المحيطين بك، لكن تأتي حتماً لحظة يؤدي فيها حضورك إلى أثر عكسي، ويؤدي المزيد من ظهورك وكلامك إلى تقليل مكانتك، وتصبح شيئاً معتاداً. ومهما بذلت من جهد للتميز والبروز ستجد احترام الناس لك يخفت بالتدريج.

عليك أن تتعلم أن تنسحب في اللحظة المناسبة قبل أن يرفضك الناس في دخيلة أنفسهم؛ وذلك أشبه بلعبة الظهور والاختفاء.

يمكن فهم هذه القاعدة بوضوح من أمور الحب والإغواء. ففي المراحل الأولى في تكوين علاقة يؤدي عدم المعرفة الكاملة بالحبيب إلى تنبيه الخيال، وتجعل له سحراً خاصاً يفرقه عن كل الرجال، لكن هذا السحر يزول بالاقتراب الذي يقتل الخيال ويفرض الواقع، وحينها يصبح رجلاً ككل الرجال وشخصاً وجوده عادة.

ولهذا كانت نينو دي لنكلو، أشهر محظيات البلاط الفرنسي في القرن السابع عشر، تنصح المحبين بالابتعاد عن أحبائهم لفترة، وقد كتبت ذات مرة أن: «الحب لا يموت من الجوع، ولكن من التخمة

إن تركت نفسك إلى أن يتعامل معك الآخرون كأي شخص عادي يكون الوقت قد تأخر، حيث تكون قد ابتُلعت وهُضمت، لكن يمكنك أن تمنع حدوث ذلك بأن تجعل الطرف الآخر يتعطش إلى حضورك، وأن تجبره على احترامك بالتهديد بإمكانية أن يخسرك إلى الأبد. وعليك إذن أن تتقن فن الحضور والغياب.

حين يموت شخص يتغير كل شيء في نظرة الآخرين له، ويحاط بهالة من الاحترام، ويتذكر الناس نقدهم له وشجارهم معه، ويملأهم ذلك بالندم والشعور بالذنب، ويحنون إلى حضوره الذي لن يعود.

ولكن ليس عليك أن تنتظر حتى تموت؛ فانسحابك لفترة يخلق نوعاً من الموت قبل موتك، وحين تعود يشعرون وكأنك عدت إليهم من عالم الموتى، وسوف يحيط بك جو من الإحساس بالبعث ويرتاحون لرؤيتك. وتلك هي الطريقة التي استطاع بها ديوسيس أن يجعل من نفسه ملكاً.

وصف نابليون قاعدة الحضور والغياب بقوله: «حين يكثر حضوري على مسرح الأحداث يقل تأثير الناس بي

في عصرنا هذا المتخم بالحضور، وبطوفان من الصور التي تفيض حولنا، تؤثر لعبة الانسحاب والغياب تأثيراً أكبر من أي وقت مضى. أصبح من النادر في أيامنا هذه أن يعرف الناس التوقيت المناسب للغياب، ولهذا نشعر بالانبهار بأي شخص يستطيع أن يختفي باختياره. وقد استطاع الروائيان ج. د. سالنجر وتوماس بنشون إنشاء ما يشبه طائفة لها متعصبون بمعرفتهما متى يختفيان عن الساحة.

أحد الجوانب اليومية المعاشة لهذه القاعدة، والتي تبرز مصداقيتها، هو قاعدة الندرة في عالم الاقتصاد والأسواق؛ فحين تسحب سلعة من السوق تزداد قيمتها.

في القرن السابع عشر أرادت الطبقة العليا في هولندا أن تجعل زهرة التيوليب [الخزامى] أكثر من مجرد زهرة جميلة، وأن تكون رمزاً للمكانة الاجتماعية، فجعلوا من الصعب أو حتى المستحيل الحصول عليها، وأطلقوا ما عُرف لاحقاً باسم الهوس بالخزامى، فأصبح ثمن الزهرة أكبر من وزنها ذهباً.

وفي عصرنا الحالي استطاع تاجر الفنون جوزيف دوفين أن يجعل اللوحات التي يبيعها نادرة على قدر ما يستطيع، ولكي يحافظ على أسعارها مرتفعة كان يشتري مجموعات كاملة من المقتنيات ويخزنها في قبو، فأصبحت اللوحات التي يبيعها أكثر من مجرد لوحات، بل رموزاً، وزادت قيمتها من ندرتها.

قال دوفين ذات مرة: «من السهل أن يحصل الكثيرون من الناس على اللوحات حين يكون سعر الواحدة خمسين ألف دولار، لكن حين يكون سعرها ربع مليون فسوف يتطلب الحصول عليها العناء

استفد من قاعدة الندرة في مهاراتك، واجعل ما تقدمه للعالم نادراً صعب المنال، وسوف يرفع ذلك من قيمة ما تقدمه ومن قيمتك.

تأتي دائماً لحظة يبغض فيها الناس من في السلطة ويملّونهم ويحتقرونهم، ومهما أحسنوا القول يغضب الناس منهم؛ لأنهم، دون وعي، يقارنون بين وضعهم الحالي وما كانوا عليه من قبل. هناك فن في توقيت الاعتزال، إن أتقنته تستعيد الاحترام الذي فقدته وتبقي على قدر من سطوتك.

كان أعظم حكام القرن السادس عشر هو شارل الخامس، ملك إسبانيا وإمبراطور الهبسبرج، فكان يحكم في إحدى الفترات إمبراطورية تشمل معظم أوروبا والعالم الجديد. ولكن في عام 1557 تنازل عن الحكم واعتزل إلى دير يوست، وقد اندهشت أوروبا كلها من انسحابه المفاجئ، ورآه عظيماً حتى من كانوا يكرهونه ويرهبونه بشدة، واعتبره البعض قديساً.

وفي وقت أقرب اعتزلت الممثلة الأمريكية جريتا جاربو سنة 1941 في ذروة حب الناس لها وإعجابهم بها، ورأى البعض أن انعزالها قد جاء مبكراً، حيث كانت في منتصف الثلاثينات من عمرها، لكنها بحكمة أرادت أن تترك الساحة بإرادتها بدلاً من أن تنتظر حتى يملّها الجمهور.

إن تركت نفسك حتى يصبح حضورك مبتذلاً تزول عنك الهالة التي صنعتها لنفسك، وإن قلبت الوضع وأصبح حضورك نادراً تزداد قيمتك وتقدير الناس لك.

الصورة: الشمس

نقدّر قيمتها فقط حين تغيب، وكلما طالت أيام المطر يزداد اشتياقنا للشمس، لكن في أيام الصيف تصبح الشمس دائمة الحضور ومزعجة. علّم نفسك أن تتوارى، واجعل الناس يشتاقون لعودتك.

اقتباس من معلم:

»استخدم الغياب لتجني الاحترام والتقدير؛ فالحضور يطفئ الشهرة والغياب يذكيها. والرجل الذي يعتبره الناس أسداً في غيابه يرونه تافهاً ومبتذلاً إن تكرر حضوره. وتفقد المواهب قيمتها حين يعتادها الناس؛ لأنهم سيرون شخصية المبدع الجافة والعادية وليس إبداعاته الشهية. وحتى العبقريات الخارقة تستفيد من الابتعاد ومن حنين الناس إليها؛ لأن ذلك يضيف روعة أخرى إلى روعتها (جراتسيان بالتسار، 1601  1658).

عكس القاعدة:

لا تنطبق هذه القاعدة إلا بعد اكتساب قدر معين من السطوة، فضرورة الانسحاب لا تأتي إلا بعد أن يترسخ حضورك. وغيابك مبكراً لن يزيد من احترام الناس لك، بل يجعلهم ببساطة ينسونك.

حين تدخل إلى مسرح الأحداث لأول مرة عليك أن تخلق لنفسك صورة تميزك، بحيث يتناقلها الناس عنك وتتردد في كل مكان. وقبل أن تتأكد مكانتك يكون غيابك خطراً؛ لأنه لن يؤجج شهرتك، بل سيطفئها.

في الحب والإغواء أيضاً لن يفيدك الغياب إلا بعد أن تكون قد أحطت من تحب بمرآك في كل مكان، حتى يذكّرها كل شيء بك حين تغيب، وحتى لا تستطيع أن تفكر في أي شيء آخر، ولا ترى غيرك في خيالها حين تنفرد بنفسها.

تذكّر أن عليك في البداية أن تجعل حضورك طاغياً؛ لأن وحدها الأشياء التي تؤثر فينا ونراها ونحبها هي التي نفتقدها حين تغيب.

المصدر   THE 48 LAWS OF POWER, ROBERT GREENE   (ترجمة د. هشام الحناوي)

 

 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق