الخميس، 27 أغسطس 2026

• الفت إليك الأنظار بأي ثمن

 

القاعدة 6 من كتاب 48 قانون للقوة (قواعد السّطوة) للكاتب روبرت جرين

الحكمة:

تقدر الأشياء بمظهرها، ولا أحد يهتم بما لا يراه. لا تكن نكرةً وسط الجموع حتى لا يتجاهلك الناس. أبرز نفسك واختلف عن الآخرين، والفت إليك الأنظار بإظهار المكانة أو الحيوية أو الغموض حتى لا تضيع وسط الجموع المائعة والخجولة.

الجزء الأول: اجعل اسمك مرتبطاً في أذهان الناس بالإثارة والفضائح:

اجذب الانتباه بصنع صورة لنفسك لا تُنسى أو حتى مثيرة للجدل، افتعل فضيحةً أو افعل أي شيء آخر يجعلك تبدو أسطورياً ومختلفاً عن الأشخاص العاديين. لا تشغل بالك بطبيعة ما يجذب الناس لك، لأن الشهرة مهما كان نوعها تجلب السطوة، وأفضل لك أن يشهر الناس بك ويهاجموك من أن يتجاهلوك.

مراعاة القاعدة:

بدأ ب. ت. بارنوم، رائد الاستعراض في أمريكا في القرن العشرين، حياته المهنية مساعداً لصاحب سيرك هو آرون تيرنر. في عام 1836 توقف السيرك في أنابوليس بولاية ميرلاند للقيام بسلسلة من العروض. في صباح يوم الافتتاح تجول بارنوم في المدينة مرتدياً بذلةً سوداء جديدة، وبدأ الناس في اتباعه. صاح شخص من الجمع بأن بارنوم هو الكاهن إفرايم ك. أفري الذي اشتهر بارتكابه جريمة قتل وبرأته المحكمة، لكن ظل معظم الأمريكيين مقتنعين بأنه القاتل. مزقت الجموع بذلة بارنوم، وكانوا متحفزين لقتله. بعد توسلات عديدة أقنعهم بارنوم أن يتبعوه إلى السيرك، وهناك تعرفوا على هويته الحقيقية.

بمجرد أن وصلوا إلى السيرك عرفوا أن المسألة لم تكن إلا دعابةً تمثيليةً، وأن آرون تيرنر نفسه هو الذي روّج الإشاعة بأن بارنوم هو أفري. تفرقت الجموع، لكن بارنوم، الذي كان على وشك أن يهدر دمه، لم يجد في الأمر متعةً، وأراد أن يعرف السبب الذي جعل رئيسه يقوم بهذه الخدعة. أجابه تيرنر: «إن المسألة كانت لصالحنا جميعاً، فأنت تعلم أن كل ما تحتاجه للنجاح هو جذب الانتباه»، وبالفعل أخذ الجميع يتحدثون عن هذه الدعابة وامتلأ السيرك بالجمهور هذه الليلة وفي كل الليالي التي بقوا فيها في أنابوليس. يومها تعلم بارنوم درساً لم يكن لينساه أبداً.

أول إنجازات بارنوم كان المتحف الأمريكي في نيويورك، وكان عبارةً عن مجموعة من التحف. في أحد الأيام استعطفه شحاذ في الطريق، لكن بدلاً من أن يمنحه المال قرر بارنوم أن يوظفه، فعاد به إلى المتحف وأعطاه خمسة قوالب من الطوب، وأخبره أن يسير ببطء لعدة مربعات سكنية، وأن يضع قالباً معيناً على جانب الطريق بحيث يفصل بين كل منها عدد محدد من المربعات السكنية، وأن يبقي قالباً واحداً في يده. وكان عليه عند عودته أن يستبدل القوالب الموضوعة بدءاً بالقالب الذي في يده، وفي أثناء ذلك عليه أن يتقن العد ولا يجيب على أسئلة أحد. وعند عودته إلى المتحف كان عليه أن يدخل من الباب، ثم يتجول في أنحاء المتحف، ثم يغادر من الباب الخلفي، ثم يعيد نفس الرحلة من جديد.

في الجولة الأولى للرجل شاهد المئات من المارة تحركاته الغريبة، وبعد الجولة الرابعة تجمعت حوله الحشود متسائلين عما يفعل. وفي كل مرة كان يدخل المتحف كان يتبعه أشخاص يشترون تذاكر الدخول حتى يتمكنوا من متابعته. كان الكثيرون منهم تشغلهم مقتنيات المتحف ويبقون لرؤيتها. في نهاية اليوم الأول جذب الرجل ألف شخص إلى المتحف، وبعد أيام قليلة أمرته الشرطة أن يوقف جولاته لأن الجموع كانت تعيق حركة المرور. توقف الرجل، لكن الآلاف من سكان نيويورك كانوا قد زاروا المتحف، والكثيرون منهم صاروا من زبائن بارنوم.

كان بارنوم يضع فريقاً موسيقياً على إحدى الشرفات المطلة على الشارع تحت لوحة كتب عليها «موسيقى مجانية للملايين»، وتعجب سكان نيويورك من هذا الكرم وتجمعوا ليسمعوا المعزوفات المجانية، لكن حرص بارنوم على أن يستأجر أسوأ العازفين. بعد أن تبدأ الفرقة في تلقي الاعتراضات كان الناس يسرعون لشراء التذاكر لدخول المتحف هرباً من الموسيقى السيئة ومن ضجيج جمهور المعترضين.

من أول الغرائب التي عرضها بارنوم بأنحاء أمريكا جويس هيث، وهي امرأة ادعى بارنوم أن عمرها 161 عاماً وأنها كانت من العبيد وكانت مربية جورج واشنطن. بعد أشهر بدأ جمهور المشاهدين في التضاؤل، فأرسل بارنوم خطاباً من مجهول إلى الصحافة مدعياً بأن هيث ليست سوى خدعة متقنة، وكتب: «جويس هيث ليست بشراً، ولكنها إنسان آلي مصنوع من عظام الحوت ومطاط وزنبركات عديدة». أثار ذلك شغف من لم يهتموا من قبل برؤيتها، وعاد من رأوها لرؤيتها ثانيةً للتحقق من شائعة أنها إنسان آلي.

عام 1842 اشترى بارنوم جثةً ادعى البعض أنها لعروس البحر. كان للجثة جسم سمكة ورأس قرد، وكانت الرأس تتصل بإتقان بباقي الجسم - كانت حقاً أعجوبةً. بعد التحري تبين لبارنوم أن هذا الكائن قد تم تجميعه بحرفية في اليابان، لكن الشائعة كانت مدويةً.

على أية حال، قام بارنوم بنشر مقالات في الصحف حول اصطياد عروس بحر في جزيرة فوجي باليابان، وأرسل رسوماً لعرائس البحر وعرض الجثة التي لديه بالمتحف. انتشر الجدل بأنحاء البلاد حول حقيقة وجود مثل هذه الكائنات. قبل هذه الحملة التي شنها بارنوم لم يكن أحد ليهتم أو حتى يعرف عن عرائس البحر، لكن أصبح بعدها الجميع يتكلمون عنهن كما لو كن حقيقةً. توجهت الجماهير بأعداد غفيرة إلى المتحف لرؤية عروس فوجي وللاستماع إلى الجدل الدائر حولها.

بعد ذلك بسنوات جال بارنوم بأنحاء أوروبا مصطحباً الجنرال توم ثامب، وهو قزم من كونيكتيكت في الخامسة من العمر، ادعى بارنوم أنه صبي إنجليزي في الحادية عشرة، وكان بارنوم قد دربه على القيام بحركات كثيرة مبهرة. جذب بارنوم الأنظار بأوروبا حتى إن الملكة فيكتوريا - وكانت رمزاً للرزانة - استدعته وطلبت منه أن يقدم عرضاً خاصاً لها مع قزمه الموهوب في قصر باكنجهام. سخرت الصحافة البريطانية من بارنوم، لكنه كان قد نال الشرف الملكي لتسلية فيكتوريا واحتراماً ظلت تكنه له بعد ذلك.

التعليق:

فهم بارنوم حقيقةً جوهريةً حول جذب الانتباه: بمجرد أن تلتفت إليك أعين الناس تحظى بمكانة خاصة. كان تحقيق الربح لدى بارنوم يعني جذب المزيد من الحشود، وقد كتب لاحقاً أن «كل حشد له بطانة من الفضة». تميل الحشود أن تتصرف معاً ككتلة واحدة متصلة، فإن توقف شخص عن الانتباه للشحاذ الذي يضع قوالب الطوب في الشارع سيحل محله آخرون ينجذبون للحشد كما تنجذب برادة الحديد للمغناطيس، وبلمسة بسيطة يمكنك أن تدخلهم إلى متحفك أو إلى مشاهدة العرض الذي تقدمه. لكي تجذب الحشود عليك أن تفعل شيئاً مختلفاً أو غريباً، فالجموع تنجذب للأمور غير المعتادة والمحيرة، وبمجرد أن تجذب إليك الانتباه لا تفلته أبداً؛ لأنه لو اتجه لغيرك فإنه يتركك. كان بارنوم حريصاً دائماً على شد الانتباه إليه وإبعاده عن منافسيه، لأنه كان يعطي لهذه السلعة القيمة قدرها.

في بدايات طريقك إلى القمة عليك أن تبذل كل طاقتك لجذب الانتباه، ولا يهمك نوعية ما يجذب لك الشهرة. كان بارنوم لا يتقدم أبداً بشكاوى مهما ساء ما يكتب عن عروضه أو مهما أدى فضح خدعه إلى تشويه سمعته الشخصية. الحقيقة أن كل ما كان يحرص عليه لو تجاوزت صحيفة ما الحدود في نقده هو أن يدعو الكاتب إلى افتتاح أحد العروض ويجلسه في مقعد مميز، بل كان حتى يرسل مقالات تنتقد وتتهجم على أعماله كي يظل اسمه متداولاً في الصحف. كان بارنوم يرى أن جذب الانتباه، سواء إيجابياً أو سلبياً، هو سر نجاحه. المصير الأسوأ لأي رجل يطلب الشهرة والمجد، وبالتأكيد السطوة، هو أن يتجاهله الناس.

لو حدث واشترك أحد رجال الحاشية في عرض جماهيري مثل المثاقفة... فعليه أن يتأكد من أناقة ملبسه ومن جمال الزركشة في سرج حصانه ومن إبداع الشعارات والرسوم التي تضمن له جذب أعين المشاهدين كما يجذب المغناطيس الحديد. (بالداسار كاستليوني، 1478  1529).

مفاتيح للسطوة:

التألق على كل من حولك هو مهارة لا يولد أحد وهو يتقنها، لذا عليك أن تتعلم كيف تضمن جذب الانتباه إليك كما يجذب المغناطيس الحديد. في بداية مسارك المهني عليك أن تربط سمعتك واسمك بخصلة أو مظهر يميزك عن الآخرين. قد يكون هذا المظهر أسلوباً مميزاً في الملبس أو ملمحاً في الشخصية يعجب الناس ويجعلهم يتحدثون عنك. بمجرد أن يترسخ هذا التصور يصبح لك مكان في سماء الشهرة تصنع فيه نجوميتك.

من الأخطاء الشائعة أن تظن أن عليك أن تجعل الناس لا يختلفون حول هذا المظهر وأن هجوم بعضهم عليك يسيء إليك. لا شيء أبعد عن الحقيقة من هذا الاعتقاد. لكي تتجنب أن تكون مجرد زوبعة في فنجان، وكي لا يخطف أحد شهرتك، عليك ألا تفرق بين الأنواع المختلفة من جذب الانتباه، فكلها تعمل في النهاية لصالحك. فكما رأينا كان بارنوم يتقبل الهجوم على شخصه ولم يشعر أبداً أن عليه أن يدافع عن نفسه، وكان ينشر بين الناس عمداً فكرة أنه دجال.

كانت حاشية لويس الرابع عشر تضم المميزين من الكتاب والرسامين والنساء فائقات الجمال، وكذلك رجالاً ونساءً غايةً في النبل والأخلاق، لكن أحداً لم يبرز ويشغل حديث الجميع كما برز دوق لوزون. كان الدوق قصيراً بل قزماً تقريباً، وكان يتصرف بكل أشكال الغطرسة والغرور؛ فقد ضاجع عشيقة الملك وأهان، ليس أفراد الحاشية وحدهم، وإنما الملك نفسه، لكن كان لويس متسلياً بغرابة أطوار الدوق لدرجة جعلته لا يتحمل البلاط دون حضوره. كان الأمر بسيطاً: كانت غرابة شخصية الدوق تجذب إليه الانتباه، وبمجرد أن افتتن الناس به كانوا يسعون بكل الوسائل إلى أن يحظوا بصحبته.

يحتاج المجتمع إلى رموز تتجاوز قصر الحياة؛ إلى أشخاص يبرزون فوق المعتاد والشائع، لذلك لا تخشَ من خصالك التي تفرقك عن الآخرين وتجذب إليك الانتباه، ولا من اختلاف الناس في آرائهم حولك أو حتى من الفضائح. فالأفضل لك أن تُهاجَم أو حتى تُشوَّه سمعتك على أن يتجاهلك الناس. كل المهن تحكمها هذه القاعدة، فكل مهنة تحتاج إلى مسحة من الاستعراض.

كان العالم العظيم توماس إديسون يعرف أنه لكي يجني المال عليه أن يسعى بكل السبل للإبقاء على جذب انتباه الجماهير إليه. كانت طريقة عرض الاختراعات وإبرازها للجمهور على نفس القدر من الأهمية لديه كالاختراعات نفسها.

كان إديسون يعرض اكتشافاته حول الكهرباء بتجارب تخطف الأبصار، وكان يتحدث عن اختراعات مستقبلية كانت تبدو وقتها من الخيال - مثل الإنسان الآلي والآلات التي يمكنها أن تصور الأفكار فوتوغرافياً. لم يكن يهدر وقته في مثل هذه الاختراعات، بل كان يقصد بها أن تحفز الجماهير للحديث عنه، وقد فعل كل ما يستطيع ليحصل على المزيد من الانتباه عن أكبر منافسيه نيقولا تسلا، والذي ربما كان أكثر عبقرية من إديسون ولكنه كان أقل منه شهرةً بكثير. في عام 1915 انتشرت شائعة بأن إديسون وتسلا سوف يقتسمان جائزة نوبل للفيزياء في هذا العام، لكنها ذهبت عنهما إلى عالمين إنجليزيين، وقد عرف لاحقاً أن اللجنة توجهت بالفعل إلى إديسون، لكنه خذلهم ورفض اقتسام الجائزة مع تسلا. كانت شهرة إديسون وقتها تفوق شهرة تسلا، ورأى أن الأجدى له أن يتنازل عن شرف التكريم من أن يسمح لمنافسه بالشهرة التي قد يمنحها له اقتسام الجائزة.

إن وجدت نفسك في وضع متدنٍ لا يسمح لك بجذب الانتباه إليك، فالطريقة المثلى هي أن تهاجم أبرز وأشهر وأقوى شخص تجده أمامك. حين أراد بيترو آرتينو - وكان خادماً شاباً في أوائل القرن السادس عشر - أن يبرز في كتابة الشعر، نشر سلسلةً من القصائد التي تتهكم بالبابا وبولعه بأحد الأفيال المدللة، وبسرعة التفتت إليه الجماهير. التهكم على أشخاص في موقع السلطة يكون له نفس التأثير، لكن عليك أن تقتصد في استخدام هذه الطريقة بعد أن تحظى بالشهرة لأن تأثيرها يصبح هزيلاً.

بمجرد أن تُسلَّط عليك أضواء الشهرة عليك دائماً أن تجدّدها بمواءمة أسلوبك في جذب الانتباه إليك، لأنك إن لم تفعل فسوف تمل منك الجماهير وتنتقل عنك إلى نجم جديد. ويعتبر ذلك مباراةً تتطلب الحذر والإبداع المستمرين. حرص بابلو بيكاسو على ألا يختفي أبداً في الظل، فإن وجد أن اسمه أصبح مرتبطاً بأسلوب معين في الرسم كان يفاجئ الجماهير بأسلوب يخالف كل توقعاتهم، وكان يرى أن من الأفضل له أن يبتكر شيئاً قبيحاً ومزعجاً من أن يألف المشاهدون أعماله. عليك أن تفهم أن الناس يشعرون بالتفوق على أي شخص يمكنهم توقع تصرفاته، وإن بينت لهم أن مقود الأمر في يدك بمخالفتك لكل توقعاتهم فسوف تنال احترامهم وتمسك بزمام انتباههم المنفلت.

الصورة: دائرة الضوء في المسرح

حين يحيط هذا البريق بأحد الممثلين يمنحه حضوراً أسمى، تتجه إليه كل الأعين. ولا مكان إلا لممثل واحد في كل مرة تحت هذا الشعاع النحيل لدائرة الضوء، فافعل كل ما تستطيع كي تظل دائماً في بؤرة الضوء. اجعل أفعالك وكلماتك بارزةً وجذابةً أو حتى مخزيةً حتى يبقى الضوء مسلطاً عليك، بينما يبقى الممثلون الآخرون ساكنين في الظل.

اقتباس من معلم:

»كن متألقاً وظاهراً للجميع... فمن لا يحظى بالظهور كأنما لم يولد قط... الضوء هو الذي يعطي لكل الكائنات قدرتها على إشعاع وجودها. والاستعراض يمحو الفراغات ويغطي على النقائص ويمنح كل شيء حياةً أخرى، خاصةً إن كانت تدعمه جدارة حقيقية«. (بالتسار جراتسيان، 1601  1658).

الجزء الثاني: اصطنع لنفسك هالة من الغموض والرهبة:

في عالم أصبح فيه كل شيء مبتذلاً وعادياً تبقى للأشياء المبهمة جاذبيتها. لا تجعل أبداً من السهل معرفة ما تفعل أو ما تنوي أن تفعل، ولا تظهر كل أوراق اللعب التي في يديك. فالغموض يضفي على حضورك جلالاً ويدفع الآخرين للتخمين - فالكل سيراقبك ليعرف خطوتك التالية. استخدم الغموض للأخذ بألباب الناس وغوايتهم أو حتى ترهيبهم.

مراعاة القاعدة:

عام 1905 انتشرت الشائعات في أنحاء باريس عن فتاة شرقية ترقص في بيت خاص مستترةً بحجاب تخلعه تدريجياً أثناء الرقص. كتب صحفي محلي رأى رقصها: «أنت امرأة من الشرق الأقصى منعمة بالعطر والحلي تعرض بعضاً من حياة الشرق النابضة والثرية وتقدمها للمجتمعات المترفة في مدن أوروبا». بعد وقت قليل أصبح الناس جميعاً يعرفون اسم هذه الراقصة: ماتا هاري.

في وقت مبكر من ذلك العام كان الناس يجتمعون في قاعة مليئة بالتماثيل والتحف الهندية، بينما كانت تعزف فرقة موسيقية ألحاناً مستوحاةً من التراثين الهندي والجاوي. بعد ترك الجمهور فترات من الانتظار والتلهف كانت ماتا هاري تظهر فجأة في زيها الأخاذ: كانت ترتدي صداراً [سوتياناً] أبيض من القطن مطرزاً بجواهر هندية، ومعلقةً حول خصرها أشرطة مغطاة بالجواهر تثبت إزاراً يكشف أكثر مما يستر، يلتف بين الأساور إلى أعلى ذراعيها. كانت ماتا هاري ترقص بطريقة لم يشهدها أحد من قبل في فرنسا؛ كان جسدها يتمايل في نشوة الوجد. كانت تقول لجمهورها إن رقصاتها مستوحاة من الأساطير والحكايات الشعبية في الهند وجزيرة جاوة. تنافس صفوة القوم في باريس على نيل الدعوات للحضور إلى القاعة، وأتى إليها السفراء من البلاد البعيدة حيث راجت الإشاعات بأن ماتا هاري ترقص عاريةً رقصات صوفيةً.

كان الناس راغبين في معرفة المزيد عن حياة ماتا هاري، وقد أخبرت الصحافة أنها هولندية الأصل تربت في جزيرة جاوة. كانت تحكي لهم عن الذكريات التي عاشتها في الهند، وأنها تعلمت هناك الرقص الهندوسي، وقالت لهم كيف أن النساء في الهند يجدن الرماية والفروسية وماهرات في الرياضيات ويتحدثن في الفلسفة. في صيف عام 1905، وعلى الرغم من أنه لم يلتق بها إلا القليلون، كان اسم ماتا هاري يتردد على كل شفاه في باريس.

كانت القصة حول نشأة ماتا هاري تتخذ تفاصيل جديدة مع كل لقاء صحفي معها: نشأت في الهند وكانت أم جدتها أميرةً من جاوة وعاشت في جزيرة سومطرة، حيث كانت تقضي أوقاتها «تركب الخيل والمسدس في يدها تخاطر بحياتها». لم يكن أحد متيقناً من أي شيء عنها، ولم يهتم الصحفيون بالاختلافات التي تحكيها حول نشأتها، كانوا يقارنونها بالربة الهندية التي كتب بودلير عنها - وبأي شيء كان يصنعه خيالهم حول هذه المرأة الغامضة الآتية من الشرق.

في أغسطس 1905 أقامت عرضها الأول أمام عامة الجماهير، وأدى تدافع الجموع الراغبة في رؤيتها ليلة الافتتاح إلى الصخب والاضطراب، فقد أصبحت حينها رمزاً ثقافياً وظهرت كثيرات يقلدنها. كتبت عنها إحدى التغطيات الصحفية: «تجسد ماتا هاري كل شاعرية الهند بغموضها الساحر وعنفوانها وجمالها الفتان». علقت صحيفة أخرى: «لو كانت الهند تملك مثل هذه الكنوز المبهرة فلسوف يهاجر كل الرجال في فرنسا إلى شواطئ نهر الجانجا (في شمال الهند)».

ذاعت شهرة ماتا هاري ورقصاتها الدينية إلى أبعد من باريس، فقد تم دعوتها في برلين وفينا وميلانو. وقد رقصت في السنوات القليلة التالية في أنحاء أوروبا وخالطت أرقى الطبقات فيها، وكان دخلها يحقق لها استقلالاً نادراً ما كانت تتمتع به امرأة في هذا العصر، لكن في نهاية الحرب العالمية الأولى تم اعتقالها ومحاكمتها وإعدامها كجاسوسة ألمانية، ولم يتم معرفة حقيقتها إلا في المحكمة: لم تكن ماتا هاري من جاوة أو من الهند ولم تعش في الشرق، بل لم يكن في دمها أي قطرة شرقية. كان اسمها الحقيقي مارجريتا زيل، وقد أتت من مقاطعة فريزلاند الشمالية الباردة والمتبلدة في هولندا.

التعليق:

لم تكن مرجريتا زيل حين أتت إلى باريس عام 1905 تملك من المال سوى نصف فرنك، وكانت مجرد واحدة من آلاف الفتيات الجميلات اللاتي يتدفقن إلى باريس كل عام ليعملن كعارضات لدى الرسامين أو راقصات في النوادي الليلية أو مؤديات في استعراضات الفولي بيرجير، ثم بعد سنوات تُستبدل بهن حتماً فتيات أصغر سناً، وينتهي بهن الأمر غالباً عاهرات في الشوارع أو يعدن نادمات إلى المدن التي أتين منها.

كانت طموحات زيل أعلى من ذلك. لم تكن لديها خبرة في الرقص ولم تعمل من قبل في مسرح، لكن في طفولتها كانت تسافر مع أسرتها ورأت رقصات محلية في جاوة وسومطرة. وقد تبين لمرجريتا بوضوح أن الأهم في أدائها ليس الرقص نفسه ولا حتى جمال وجهها وقوام جسدها، بل في قدرتها على أن تشيع حولها جواً من الغموض والسحر. لم يكن الغموض الذي صنعته لنفسها ينحصر في الرقص أو الملبس أو في الحكايات التي كانت تقصها أو الأكاذيب التي لا تنتهي حول نشأتها، بل كان غموضاً تغلف به كل ما تفعله. فلم يكن بمقدورك التأكد من أي شيء يخصها، فقد كانت دائمة التغير، ودائماً تفاجئ الجمهور بأزياء جديدة ورقصات جديدة وحكايات جديدة. كانت هذه الحالة من الغموض ترغّب الجمهور في معرفة المزيد عنها وتجعله يتشوق لمعرفة خطوتها التالية. لم تكن ماتا هاري أجمل من باقي الفتيات اللاتي أتين إلى باريس ولم تكن مميزةً في الرقص. كان ما يميزها عن جموع مثيلاتها وجذب إليها الجماهير ومنحها الشهرة والثروة هو غموضها. افتتن الناس بغموضها لأنه يحفزهم لتفسيرات لا تنتهي. فلا يمكن الإمساك بأي شيء غامض، وكل ما لا يمكن اقتناصه أو استهلاكه يمنح السطوة.

مفاتيح للسطوة:

كان العالم في الماضي مليئاً بأشياء مجهولة ومروعة - كالأمراض والكوارث وتبدل الطغاة وغموض الموت نفسه. كل ما لم نفهمه كنا نتصوره كأساطير وسحر، لكن في القرن الماضي وبمعونة العلم والعقلانية استطعنا أن نضيء هذه الظلمات، فما كان من قبل غامضاً وعصياً أصبح الآن معتاداً ومألوفاً. لكن لهذا التنوير ثمن: في عالم أصبح فيه كل شيء مبتذلاً بعد أن اعتصر كل ما فيه من غموض وأساطير، أصبحنا نميل إلى أن نصنع أسراراً وألغازاً محيرةً من أناس أو أشياء لا يمكننا تفسيرها أو حصرها أو استهلاكها.

تلك هي قدرة الغموض: فهو يحفزنا إلى التفسير ويستثير خيالنا ويفتننا للاعتقاد بأنه يحوي سراً مدهشاً. أصبح عالمنا معتاداً ومبتذلاً ويمكننا توقع ما فيه ومن فيه لدرجة تجعلنا دائماً تقريباً نسلط الضوء على كل ما يبدو غامضاً ونندفع لتأمله.

لا تظن أنك لكي تنال هالة الغموض عليك أن تكون عظيماً أو مدهشاً، فالغموض الخفي المضفور في تصرفاتك اليومية له قدرة أكبر على نيل افتتان الناس بك وانجذابهم إليك. لا تنس: معظم الناس تسهل قراءتهم كالكتاب المفتوح، فهم لا يتحكمون بكلماتهم أو صورتهم ولا يصعب توقع تصرفاتهم، ولتعرف أنه بالتحفظ والصمت والإدلاء أحياناً بعبارات ملتبسة وتعمد الظهور بمظهر عدم الاتساق والتصرف بغرابة بطرق لطيفة وخفية يمكنك أن تشيع حولك هالةً من الغموض، وسوف يضخم الناس من حولك هذه الحالة بمحاولاتهم المستمرة لفهمك.

يعرف الفنانون والمحتالون العلاقة بين الغموض وجذب الانتباه. أجاد الكونت فيكتور لوستيج - وكان يعد أميراً للمحتالين - هذه اللعبة إلى حد الإتقان، فكان دائماً يقوم بتصرفات تبدو مختلفةً أو خاليةً من المعنى. فكان يذهب إلى الفندق في سيارة فارهة يقودها سائق ياباني، وكان ذلك غريباً ومختلفاً لأن أحداً في بلاده لم ير سائقاً يابانياً من قبل. كان لوستيج يرتدي أفخم الملابس، لكنه دائماً ما كان يحرّف شيئاً ما - كميدالية أو زهرة أو ياقة الرسغ - عن موضعه المعتاد، على الأقل لعصره. لم يكن ذلك يبدو كفقدان للذوق السليم، بل غريباً وملفتاً. وفي الفندق كان يتلقى تلغرافاً كل ساعة يرسلها له سائقه الياباني - وهي تلغرافات كان يمزقها متظاهراً باللامبالاة، والحقيقة أنها كانت تلغرافات مزيفةً وفارغةً. كان يجلس في غرفة الطعام فاتحاً كتاباً كبيراً وملفتاً ويبتسم للمارين، لكن يبقى متحفظاً ومنعزلاً. خلال أيام قليلة كان جميع من في الفندق يتملكهم الفضول للتعرف على هذا الرجل الغريب.

كان هذا الاهتمام يتيح للوستيج خداع ضحاياه، فكانوا يتوسلون لنيل ثقته واهتمامه، وكانوا يرغبون في أن يراهم الناس بصحبة هذا الثري الغامض، وكانت سطوة هذا الغموض تلهيهم عن ملاحظة أنهم يُخدعون وتُسلب منهم أموالهم.

هذا الجو من الغموض يتيح لمتوسطي القدرات أن تظهر عليهم سمات الذكاء والحكمة، وهو الذي سمح لامرأة عادية في الذكاء والجمال مثل ماتا هاري أن تبدو كنجمة أسطورية ويبدو رقصها قدسياً. وهذا الغموض يسمح لأعمال الرسامين أن تأخذ بألباب الناس فور رؤيتها، وهي حيلة استخدمها مارسيل دوشان ببراعة، وهي حيلة يسهل تنفيذها: لا تكثر من التحدث للمشاهدين عن عملك، فقط حفزهم وأغرهم بتعليقات جذابة بل وحتى متناقضة، ثم تنحَّ عن الحوار ودع الآخرين يصيغون المعنى لعملك ولتعليقاتك.

الأشخاص الغامضون يضعون الآخرين في مرتبة أدنى نوعاً ما بجعلهم ينشغلون بالتفسير، كما يبثون فيهم الخوف والرهبة التي تحيط بأي شيء مجهول أو محير. القادة العظام جميعاً يعرفون أن هالة الغموض تجذب إليهم الانتباه وتثير الخوف فيمن حولهم. كان ماو تسي تونج مثلاً يعطي لنفسه صورةً مبهمةً ولم يكن يخشى أن يبدو متناقضاً أو غير متسق - فقد كان تناقض أفعاله وكلماته يعنيان أن له السطوة دائماً، ولم يشعر أحد - حتى زوجته - أنه يفهمه، ولهذا كان يبدو أسطورياً، وكان ذلك يستدعي إصغاء الجماهير وانتباههم المستمرين له، بل وتحمسهم لمعرفة خطواته التالية.

إن كان وضعك الاجتماعي يمنعك من أن تظهر غامضاً تماماً فاحرص على الأقل ألا تبدو مقروءاً تماماً، فمن آن لآخر عليك أن تخالف ما يتوقعه الناس منك، فذلك يضع من حولك في موقف دفاع ويجذب إليك الانتباه الذي يمنحك السطوة، كما أن الحيرة والألغاز، إن أتقنت صنعها، يمكنها أن تبث الرعب في قلوب أعدائك.

في حرب قرطاجة الثانية (219 - 202 ق. م) كان القائد العظيم هانيبال يدمر ما يمر به في زحفه نحو روما، وقد كان معروفاً بالمكر والدهاء.

بقيادته كان جيش قرطاجة قد استطاع بالتحايل أن يتفوق دائماً على جيش روما الأكبر عدداً، لكن في إحدى المرات ارتكب جنود الاستكشاف لديه خطأً فادحاً وأدوا بجنوده إلى الزحف وسط المستنقعات مبتعدين عن شاطئ البحر، وحصن الرومان مسالك الجبال التي تؤدي إلى داخل البلاد، وشعر فابيوس بالنشوة من أن هانيبال قد وقع أخيراً في هذا الفخ. خصص فابيوس أفضل حراسه لسد مسالك الجبال وأعد خطةً لتدمير قوات هانيبال، لكن في منتصف الليل نظر الحراس للأسفل فرأوا مشهداً محيراً: كانت كتلة ضخمة من الضوء تتجه صعوداً إلى قمة الجبل، آلاف وآلاف من الأضواء. إن كان هذا جيش هانيبال فإن ذلك يعني أنه قد تضاعف مئة مرة.

احتد الحراس في الجدال لفهم ما يحدث: هل هذه تعزيزات أتت من البحر؟ هل هي قوات كانت متخفيةً في المنطقة؟ هل هم أشباح؟ لم يجدوا أي تفسير منطقي.

بينما كانوا يراقبون اندلعت النيران في كل أنحاء الجبل، وسمعوا ضجةً هائلةً آتيةً من أسفل الجبل كما لو كانت صادرةً عن النفخ في مليون بوق. اعتقد الحراس أنها الأشباح، وعلى الرغم من أنهم كانوا الأكثر شجاعةً وحكمةً في الجيش الروماني إلا أنهم لم يستطيعوا كبح أنفسهم عن الخوف والفرار متخلين عن مواقعهم.

في اليوم التالي هرب هانيبال من المستنقعات، لكن ما هي الحيلة التي قام بها؟ هل استعان حقاً بالأشباح؟ الحقيقة هي أنه ثبت أغصان أشجار في قرون آلاف الثيران التي كانوا يصطحبونها معهم لحمل أثقالهم، ثم أشعلوا هذه الأغصان فبدت كأنها نيران يحملها أعداد هائلة من الجنود صاعدين إلى الجبل، وعندما احترقت الأغصان ووصلت النيران إلى أجساد الثيران أخذت تتخبط هائجةً في كل اتجاه مشعلةً النيران في أنحاء الجبل. كان نجاح هذا الابتكار لا يكمن في الأضواء أو اشتعال الجبل أو في الضجة التي حدثت، بل في أن هانيبال بلبل عقول الحراس بلغز محير بث في قلوبهم الرعب، وهو لغز لم يستطيعوا تفسيره من مكانهم في أعلى الجبل، ولو استطاعوا ذلك لكانوا قد ثبتوا في مواقعهم.

إن وجدت نفسك محاصراً ويائساً في الدفاع عن نفسك عليك أن تجرب شيئاً بسيطاً: قم بتصرف يصعب تفسيره أو فهمه، تخير تصرفاً بسيطاً لكن نفذه بطريقة تبلبل خصمك؛ طريقة تسمح بالعديد من التفسيرات الممكنة وتخفي نواياك الحقيقية. لا تقتصر على جعل تصرفك غير متوقع - وإن كان هذا الأسلوب قد ينجح كما في القاعدة 17 - بل افعل كما فعل هانيبال بأن تبتدع مشهداً يصعب قراءته، فيرى الآخرون أن تهورك وجنونك ليس ممنهجاً وليس له إيقاع أو منطق أو تفسير محدد. لو فعلت هذا لاستطعت أن تبث الخوف والرجفة لدى الحراس وتجعلهم يتخلون عن مواقعهم. يمكنك أن تسمي هذا الأسلوب «جنون هاملت المصطنع»، لأن هاملت استطاع في مسرح شكسبير أن يستخدم هذا التكتيك ببراعة لترهيب كلوديوس زوج أمه بأن أحاط تصرفاته بهالة الغموض، فهذه الحالة تظهر قواك أكبر وسطوتك أخطر.

الصورة: الراقصة في الحجاب

الحجاب يغطي الراقصة. ما يظهره يثير وما يخفيه يولد الشغف. ذلك هو جوهر الغموض.

اقتباس من معلم:

»إن لم تبح نفسك للآخرين فإنهم سيسعون لأن يفهموك... أضف لمسةً من الغموض على كل شيء، فهذا الغموض هو الذي يضفي عليك المهابة. وحين تفسر شيئاً لا تكن واضحاً تماماً... بهذه الطريقة تقلد الحكمة الإلهية التي تجعل الناس يتساءلون ويتفكرون فيما سوف تأتي به الأقدار« (بالتسار جراتسيان، 1601  1658).

عكس القاعدة:

في مقتبل صعودك نحو القمة عليك أن تجذب الانتباه بأي ثمن، لكن حين ترتقي مناصب أعلى كيّف نفسك حسب المرحلة، لا تظهر للناس أبداً بطريقة واحدة. الغموض يصنع الأعاجيب لمن يرغبون في إضفاء هالة من السطوة حول أنفسهم ويرغبون في أن يلاحظهم الآخرون، لكن يجب استخدامه بعقلانية وتحكم.

بالغت ماتا هاري في أكاذيبها، فعلى الرغم من أن اتهامها بالتجسس كان باطلاً إلا أنه كان منطقياً وقتها لأن أكاذيبها أظهرتها مريبةً ومجرمةً. لا تترك غموضك يجعل الناس تدريجياً يرونك محتالاً، فلتجعل غموضك يبدو كلعبة مرحة وبريئة، وحين تجد أنه قد تجاوز الحد يتوجب عليك أن تكبحه.

هناك أوقات لا يصح فيها جذب الانتباه إليك، حيث يكون عليك أن تتجنب الشهرة والفضائح، فلا يجب أبداً أن تهدد شهرتك أو تتحدى شهرة من هم أعلى منك إن كانوا راسخين في مواقعهم، فلن يظهرك ذلك دنيئاً فحسب بل تافهاً أيضاً. أتقن فن توقيت متى تجذب الانتباه إليك ومتى تبعده عنك.

كانت لولا مونتيز بارعةً في فن جذب الانتباه، وقد استطاعت أن ترتقي من نشأتها كأيرلندية من الطبقة الوسطى لتصبح حبيبة فرانز ليست، الموسيقار الشهير، وبعدها أصبحت المستشارة السياسية للملك لودفيج من بافاريا وعشيقته. لكن في آخر الأمر فقدت قدرتها على تقدير الأمور.

في سنة 1850 أجريت التحضيرات في لندن لعرض مسرحية ماكبث لشكسبير بطولة أعظم ممثل في عصره، شارلز جون كين. كان الحضور يضم كافة الشخصيات الشهيرة في المجتمع الإنجليزي، وسرت الشائعات بظهور الملكة فيكتوريا والأمير ألبرت تحيةً للجماهير. كان العرف وقتها يفرض أن يتخذ الجميع مقاعدهم قبل وصول الملكة، فتحضر الجماهير قبلها، وحين تدخل مقصورتها الملكية يقفون تحيةً لها. وقف الثنائي الملكي برهةً ثم انحنيا تحيةً للجمهور، ثم جلس الجميع وأظلمت القاعة. فجأة التفتت العيون لمقصورة مقابلة لمقصورة الملكة، وظهرت في الظلال امرأة متخذةً مقعدها بعد الملكة. كانت لولا مونتيز تلف رأسها بعصابة مرصعة بالماس ورداء طويل من الفرو حول كتفيها. اندهش الجمهور حين سقط الرداء وظهرت عباءة من المخمل القرمزي قصيرة الرقبة، وتوجهوا بأنظارهم إلى المقصورة الملكية، فتبين لهم أن الثنائي الملكي يتجنبان عامدَيْن النظر إلى مقصورة لولا، فحذوا حذوهما وتجاهل الجميع لولا طوال ما تبقى من السهرة.

وفيما بعد لم يعد أحد في الوسط الراقي يجرؤ أن يُشاهَد بصحبتها، فقد انعكس اتجاه قوى المغناطيس وأصبحت ضدها، وأخذ الناس يفرون منها وانتهى مستقبلها في بريطانيا.

لا تظهر أبداً جشعاً للفت الأنظار، لأن ذلك يظهرك مهزوزاً ويبعد عنك السطوة، ولتعلم أن هناك أوقاتاً يكون الأصلح لك أن تبتعد عن مركز الانتباه. فحين تكون في حضرة ملك أو ملكة أو من في قدرهما انحنِ وانسحب إلى الظلال ولا تنافسهم أبداً.

المصدر THE 48 LAWS OF POWER, ROBERT GREENE (ترجمة د. هشام الحناوي)





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق