الأربعاء، 26 أغسطس 2026

• اقتصد دائماً في كلامك

 القاعدة 4 من كتاب 48 قانون للقوة (قواعد السّطوة) للكاتب روبرت جرين

الحكمة:

كثرة الكلام تضيع هيبتك وتظهرك أقل عزماً، وحتى الكلام التافه سيبدو أكثر وقاراً وتأثيراً إن كان مقتضباً وغير محدد ومفتوحاً على كل التفسيرات. وأصحاب السطوة يؤثرون في الناس ويرهبونهم بإيجاز كلامهم. وكلما تكلّمت أكثر زاد احتمال أن تقول شيئاً تافهاً أو غبياً.

انتهاك القاعدة:

كان جنايوس ماركيوس الشهير باسم كوريولانوس بطلاً عسكرياً عظيماً في روما القديمة، استطاع في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد أن يحقق انتصارات كبيرة في معارك هامة، كما أنقذ روما من الدمار مرات عديدة، ولأنه كان قد قضى الشطر الأكبر من حياته في ساحات المعارك، لم يكن الكثيرون في روما يعرفونه شخصياً، مما جعل منه أسطورةً حيةً.

في عام 454 ق. م قرّر كوريولانوس أن يستغل مكانته العسكرية في ميدان السياسة، وأن يرشّح نفسه للانتخاب كقنصل، وكان هذا أرفع منصب في روما. كان المرشح لهذا المنصب يلقي في بداية السباق الانتخابي خطاباً للجمهور. حين ظهر كوريولانوس أمام الجماهير بدأ بعرض عشرات الندوب التي أصابته طوال سبعة عشر عاماً من القتال من أجل روما، بعدها لم يستمع الكثيرون إلى الخطبة المطولة التي ألقاها؛ كانت الندوب وحدها، كدليل حي على شجاعته وإخلاصه للوطن، كافيةً لتحريك دموع الناس وأسر قلوبهم، وبدا أن انتخاب كوريولانوس للمنصب قد بات مؤكداً.

لكن حين جاء يوم الاقتراع انضم كوريولانوس مباشرةً إلى الموكب المكوّن من مجلس الشيوخ والنبلاء. انزعجت الجموع من هذه الثقة المتغطرسة، بالذات في يوم الانتخاب.

خطب كوريولانوس في الناس مرةً أخرى، لكن هذه المرة كان كلامه موجهاً في أغلبه للنبلاء والأغنياء الذين جاء بصحبتهم. كانت كلماته متخمةً بالغطرسة والخيلاء، معلناً ثقته التامة في الفوز بالانتخابات ومتباهياً بإنجازاته في المعارك، وألقى دعابات سمجة لا تروق إلا للسادة، وكال الاتهامات الغاضبة لخصومه، مبشّراً بالثراء الواسع الذي سوف يجلبه لروما. هذه المرة كان الناس يصغون: لم يدركوا من قبل أن في داخل هذا الجندي الأسطورة شخصاً متبجحاً ودنيئاً.

انتشرت أخبار خطبة كوريولانوس الثانية بسرعة في أرجاء روما، وتحول عنه الناس وعزموا على ألا يفوز في الانتخابات. انهزم كوريولانوس وعاد إلى أرض المعارك، وفي داخله شعور بالمرارة، وأقسم على الانتقام من العوام الذين خذلوه.

بعدها بأسابيع وصلت إلى روما سفينة حبوب، وكان الشيوخ متأهبين لتوزيعها بين جميع سكان المدينة، لكن في لحظة التنفيذ جاء كوريولانوس إلى قاعة مجلس الشيوخ وخاطبهم محتجاً بأن التوزيع سيضر بالمصالح العليا لروما، واستطاع بالفعل أن يشكّك في جدوى التوزيع، ولم يقف عند هذا الحد، بل شكّك في مبدأ الديمقراطية ذاته، ودافع عن التخلص من نواب الشعب والمدافعين عن حقوق العوام، ودعاهم إلى جعل الحكم في يد النبلاء.

حين وصلت أخبار تلك الخطبة إلى أسماع الناس فاق غضبهم كل الحدود، وتم إرسال مندوبين إلى مجلس الشيوخ يطالبون بأن يعتذر كوريولانوس، لكنه رفض. اندلعت المظاهرات والشغب في كل مكان بالمدينة، فصوّت الشيوخ بتوزيع الحبوب خوفاً من عقاب الشعب. رضي المندوبون، لكن غضب الناس لم يهدأ، وظلوا يطالبون بأن يخاطبهم كوريولانوس ويعتذر لهم، وسوف يسمحون له بالعودة إلى أرض المعركة إن أبدى ندمه واحتفظ بآرائه لنفسه.

خطب كوريولانوس مرةً أخيرةً في الناس، فاستمعوا إليه في استغراق، صامتين. بدأ كوريولانوس بطيئاً وناعماً، ولكن مع مرور الوقت كانت كلماته تزداد فظاظةً وغلظةً، وبدأ من جديد في السب والإهانات. كان في صوته غطرسة، وفي تعبيراته ازدراء، وكان غضب الناس يستعر أكثر فأكثر مع كل كلمة يقولها، وأخيراً صاحوا فيه لإسكاته وأنزلوه عن المنبر.

تشاور ممثلو الشعب وحكموا على كوريولانوس بالموت، وأمروا الحكام أن يأخذوه فوراً ويلقوه من فوق صخرة تاربيان. أيّدت الجموع الغاضبة هذا القرار، لكن تدخل النبلاء وتم تخفيف الحكم إلى السجن المؤبد. حين عرف الناس أن بطل روما العسكري لن يعود إلى المدينة بعدها أبداً، احتفلوا في الشوارع احتفالات لم تشهدها روما من قبل، حتى عند انتصارها على عدو خارجي.

التعليق:

قبل أن يدخل كوريولانوس معترك السياسة كان اسمه يستثير الرهبة والإعجاب في قلوب الناس.

كانت إنجازاته في الحروب تظهره رجلاً عظيماً في شجاعته، ولأن الجموع لم تكن تعرف عن شخصه الكثير، فقد أحاطوا اسمه بكل هالات المجد الأسطورية، لكن في اللحظة التي ظهر فيها أمام الجمهور زال عنه السحر والعظمة؛ كان يثرثر ويتبجّح كأي جندي مبتذل. أهان الناس وهاجمهم كما لو كان يشعر من داخله بالخور والتهديد. كان الفارق بين الواقع والأسطورة صادماً لكل من آمنوا به، وكلما تحدّث أكثر كانت سطوته تقل على الناس؛ فالشخص الذي لا يستطيع أن يتحكّم بكلماته لا يستطيع أن يتحكّم بنفسه، ولا يستحق احترام الناس.

لو كان كلام كوريولانوس أقل، لم يكن الناس ليشعروا بازدرائه لهم، وما كان لهم أن يعرفوا أفكاره الحقيقية، وكان سيحتفظ بهالة المجد الأسطورية. كان سينتخب كقنصل، وحينها كان يمكنه العمل على تحقيق أهدافه المعادية للديمقراطية، لكن اللسان هو الفرس الجامح الذي لا يستطيع معظم الناس لجمه، فهو يحرر نفسه من مقوده مراراً، وإن لم تروّضه سينطلق ويدمرك. ولتعلم أن السطوة لا تأتي لمن يهدرون كنوزهم من الكلمات.

عند اكتمال القمر يفتح المحار صدفته، وعندها يسرع حيوان السرطان ويضع حجراً ليمنعها من الانغلاق ثانيةً، ويصبح المحار وجبةً له. ذلك هو مصير كل من يفتح فمه أكثر من اللازم ويضع نفسه تحت رحمة المستمع. (ليوناردو دافنشي 1452-1519).

مراعاة القاعدة:

في بلاط الملك لويس الرابع عشر، كان النبلاء والوزراء يقضون الأيام والليالي يناقشون شؤون الدولة، يتشاورون ويجادلون ويعقدون اتفاقات ويفسخون أخرى، ثم يعاودون الجدال إلى أن تأتي اللحظة المناسبة: يتم اختيار اثنين منهم لتمثيل وجهات النظر المتعارضة أمام لويس نفسه، والذي سوف يقرر ماذا يختار. بعد اختيار الأشخاص يكون على الجميع المزيد من المناقشة: كيف يمكنهما صياغة كلامهما؟ ما الذي يزعج لويس وما الذي يسره؟ وما هو الموعد والمكان المناسبان في قصر الفرساي للالتقاء به؟ وما تعبيرات الوجه التي عليهما اتخاذها حين يقابلانه؟

وأخيراً، وبعد إقرار كل ذلك، تأتي اللحظة الحاسمة. يقترب الرجلان من لويس - وكانت دائماً مسألةً حرجةً - وحين ينولان إصغاءه يكون عليهما طرح المسألة الراهنة، ويشرحان له كل الخيارات المتاحة بالتفصيل. ينصت لويس صامتاً، وعلى وجهه نظرة محيرة، وأخيراً، وبعد أن ينهي كل منهما كلامه ويسألان الملك عن رأيه، ينظر إليهما قائلاً: «سوف نرى»، ويمضي عنهما.

بعدها لا يسمع الوزراء ولا رجال البلاط كلمةً أخرى من الملك حول هذا الموضوع - فقط يرون النتائج بعدها بأسابيع، بعد أن يتخذ قراره وينفذه، ولا يشغل نفسه باستشارتهم في الموضوع مرةً أخرى.

التعليق:

كان لويس الرابع عشر شحيحاً في كلماته، ومن التعليقات التي اشتهر بها «أنا الدولة»، وهو تعليق مختصر وبليغ ونادراً ما نجد مثله. ومن أكثر تعليقاته تكراراً «سوف نرى»، وهو تعليق كان يرد به على أغلب أنواع المطالب والتساؤلات.

لم يكن لويس دائماً على هذا الحال، فقد كان معروفاً في شبابه بكثرة الكلام، وكان فرحاً ببلاغته في الحديث. فرضت قلة الكلام نفسها عليه كقناع يربك كل من هم تحت إمرته. لم يكن أحد يستطيع أن يعرف رأيه أو أي موقف سيتخذه، ولا ما يريد سماعه حتى يقوله له. كلما زاد حديث رجال الصفوة مع لويس، كان يتبين له ما في داخل نفوسهم، وهي معلومات كان يستخدمها ضدهم ببراعة في الوقت المناسب.

كان صمت لويس يرهب من حوله ويخضعهم له، وكان من أسس سطوته. وكما كتب القديس سيمون: «لم يكن أحد يقارن به في بيع كلماته وابتساماته، بل وحتى نظراته. كان كل شيء لدى لويس قيماً لأنه كان يعطيه قيمة. وكانت مهابته وجلالته تترسخ من شح كلماته».

من الأخطر على الوزير أن يتفوه بالحماقات من أن يرتكبها (الكاردينال دي ريتز 1613-1679).  

مفاتيح للسطوة:

السطوة بالأساس لعبة مظاهر، وحين تقتصد في كلامك تظهر حتماً أقوى من حقيقتك. الصمت يجهد الآخرين، لأن الناس بطبيعتهم يميلون لتفسير وفهم من يتعاملون معه، وحين تقلل من كلامك لا يمكنهم الاختراق لمعرفة مقاصدك. إجاباتك المقتضبة وصمتك يوتّرانهم ويجعلانهم في موقف الدفاع، ويبدأون في طرح التفسيرات عنك، وكل ذلك يمنحك معلومات عنهم وعن نقاط ضعفهم. وحين ينصرفون عنك يشعرون وكأنك استلبت منهم شيئاً، ويراجعون كل كلمة قلتها. هذا التركيز المفرط عليك يمنحك هالةً من السطوة والاقتدار.

الاقتصاد في الكلام ليس حكراً على السادة والملوك، بل إنه يمنحك هالةً من العمق والوقار في أي مجال من مجالات الحياة. أدرك الرسام آندي وارهول في شبابه أن الناس بصفة عامة لا يفعلون ما تطلبه منهم بالكلمات، بل إن ذلك قد يجعلهم يمتنعون عن تحقيق مطالبك لمجرد التعالي والعناد. قال وارهول مرةً لأحد أصدقائه: «لقد تعلمت أن الرجل يكون أقوى حين يصمت».

في كبره استخدم آندي وارهول هذه الاستراتيجية بنجاح كبير، وكان يدرّب نفسه في المقابلات على التحدث بكلمات مبهمة. كان يقول شيئاً غامضاً ويجعل السائل يجهد ذهنه ليفسر ما يقول، ظناً منه أن هذه العبارات الفارغة من المعنى تخفي شيئاً عميقاً. وكان نادراً ما يتحدث عن عمله، بل كان يترك للآخرين التفسير، وأدلى بأنه قد تعلم هذه التقنية من سيد الغموض مارسيل دوشان، وهو فنان آخر من فناني القرن العشرين الذين تعلموا أن قلة كلامهم عن أعمالهم تجعل الناس يتكلمون عنها أكثر، ويرفع ذلك من قيمتها.

الاقتصاد في الكلام يمنح أفعالك وكلماتك جلالاً وسطوةً، ويقلل من تعرّضك لقول شيء يهدد مكانتك أو حتى حياتك. في عام 1825، ومباشرةً بعد أن اعتلى نيقولاس الأول عرش روسيا، اندلع تمرد يقوده الليبراليون يطالبون بتحديث روسيا لتلحق مؤسساتها المدنية والصناعية بباقي أوروبا. بوحشية سحق نيقولاس التمرد (المعروف بثورة الديسمبريين)، وحكم بالإعدام على أحد قادة الليبراليين، هو كوندراتي ريليف. يوم الإعدام وقف ريليف على خشبة الإعدام والحبل ملتف حول عنقه، وانفتحت خشبة الإعدام [الطبلية] وتدلى ريليف، لكن لحظتها انقطع الحبل وأسقطه على الأرض. في هذا الزمن كانت أحداث من هذا النوع تعني تدخل العناية الإلهية، وكانت العادة أن يتم العفو عن الشخص الذي نجا بهذه الطريقة.

حين وقف ريليف على قدميه مجروحاً ومتسخاً، لكن واثقاً من نجاته، قال في الجموع: «أرأيتم أن روسيا لا تقدر أن تصنع شيئاً جيداً، حتى الحبال».

وصلت الرسالة بسرعة إلى قصر الشتاء تخبر القيصر بفشل عملية الشنق، فاغتاظ من هذه المفاجأة، ولكنه بدأ في توقيع العفو، لكن فجأة توقف وسأل: «هل قال ريليف شيئاً بعد المعجزة التي حدثت له؟» فأجاب الرسول: «نعم سيدي، لقد قال إن في روسيا لا يعرفون أن يصنعوا شيئاً، حتى الحبال».

حين سمع القيصر ذلك قال: «عندئذ علينا أن نثبت له عكس ما يقول»، ومزق العفو، وفي اليوم التالي أعيد شنق ريليف، وفي هذه المرة لم ينقطع الحبل.

تعلّم هذا الدرس: الكلمات التي تخرج من فمك لا يمكنك أن تعيدها إليه، لذلك أطبق عليها بإحكام، وحاذر خاصةً من السخرية؛ فما تشعر به من نشوة قصيرة من قولك كلمات لاذعة لا تساوي ما تدفعه فيها من ثمن بعد ذلك.

الصورة: متنبئات ديلفي

حين كان الزائر يسأل متنبئة ديلفي كانت تنبس بكلمات قليلة مبهمة توحي بالأهمية والمهابة. لم يكن أحد يعصي كلمات متنبئات ديلفي لأنه كان يشعر أن لها السطوة على الحياة والموت.

اقتباس من معلم:

لا تحرّك لسانك قبل أن يتكلم من هم أقل منك، إن أطلت الصمت يسرعون في الكلام، وبهذا تقرأ نواياهم الحقيقية... إن عرف الوزراء ما تميل إليه نفس الحاكم فسوف يستغلون كل فرصة لنيل المزيد والمزيد منه. (هان فاي تسو - حكيم صيني - القرن الثالث قبل الميلاد).

عكس القاعدة:

هناك أوقات لا يكون من الحكمة فيها أن تصمت، خاصةً عند التعامل مع رؤسائك؛ فالصمت قد يولّد لديهم الشك والخوف منك، وأي تعليق مبهم أو غامض قد يفتح عليك تفسيرات وردود فعل لست مستعداً لمواجهتها، ولذا عليك أن تكون حذراً وألا تستخدم طريقة الصمت والاقتصاد في الكلام إلا في المواقف الملائمة. أحياناً يكون من الحكمة أن تكون كمهرج القصر الذي يدّعي الحماقة وهو يعلم أنه أذكى من الملك، فالمهرج يتكلم ويضحك ويسلي، ولا يظن فيه أحد شيئاً آخر غير الحماقة.

كما أن الكلمات قد تعمل أحياناً كساتر دخان يخفي أي خدعة تقوم بها. جذبك لآذان المنصتين يشتت انتباههم ويلهيهم، وكلما تكلّمت أكثر قلّ تشككهم بك، فالناس لا يرون في الثرثارين الخبث والتلاعب، بل السذاجة والخرق، وهذا عكس سياسة الصمت التي يتبعها أصحاب السلطة والنفوذ: تكلّم أكثر فتبدو أضعف وأقل ذكاءً من حقيقتك، وحينها يسهل عليك أن تمارس ما تريد من المكر والخداع.

المصدر THE 48 LAWS OF POWER, ROBERT GREENE (ترجمة د. هشام الحناوي)

 

 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق