الجمعة، 28 أغسطس 2026

استفد من جهود الآخرين لكن احتفظ لنفسك بالتقدير

 

القاعدة 7 من كتاب 48 قانون للقوة (قواعد السّطوة) للكاتب روبرت جرين

الحكمة:

استخدم حكمة ومعرفة الآخرين وسعيهم لتقصّي الحقائق لتحقيق مآربك، فذلك لن يوفّر وقتك وجهدك الثمينين فحسب، ولكن سيضفي عليك هالةً إعجازيةً من الكفاءة والسرعة، وسرعان ما يتم نسيان من ساعدوك وتبقى أنت وحدك في الذاكرة. لا تفعل بنفسك ما يمكن أن يفعله لك الآخرون.

انتهاك ومراعاة القاعدة:

كان نيقولا تسلا - وهو عالم صربي - شاباً في عام 1883، وكان يعمل في الفرع الأوروبي لشركة إديسون عبر القارات، وقد أقنعه تشارلز باتشلر، وكان صديقاً شخصياً لإديسون، بأن يبحث له عن مستقبل في أمريكا، وأعطاه خطاب توصية لإديسون، ومن وقتها بدأ تسلا حياةً من الكرب والمحن لم تنته حتى مماته.

حين تعرّف إديسون على تسلا عيّنه فوراً، وأخذ تسلا يعمل ثماني عشرة ساعةً يومياً لابتكار طرق لتطوير مولد كهرباء إديسون البدائي، وفي النهاية قرّر أن يعيد تصميمه كلياً، وقد رأى إديسون أن ذلك عمل ضخم يمكن أن يستمر لسنوات قد تضيع دون فائدة، لكنه أخبر تسلا: «سأمنحك خمسين ألف دولار إن نجحت في هذا الابتكار». عمل تسلا ليلاً ونهاراً، وبعد عام واحد فقط استطاع تحسين المولد تحسيناً كبيراً وجعله يعمل بتحكم آلي، فذهب إلى إديسون يزف إليه الأخبار ويطالبه بالخمسين ألف دولار. فرح إديسون بالتطوير لأن الفضل كان سيعود عليه وعلى شركته، أمّا فيما يختص بالمال فقد قال للعالم الشاب: «تسلا، أنت لم تفهم بعد الدعابة الأمريكية»، ومنحه بدلاً من ذلك علاوةً صغيرةً.

كان تسلا متحمّساً لاستخدام التيار الكهربي المتردد بينما كان إديسون يصر على التيار المستمر، ولم يرفض دعم أبحاث تسلا فحسب، بل فعل كل ما في وسعه لتدميره شخصياً. فتوجه تسلا طالباً دعم قطب الصناعة في بيتسبرج جورج وستنجهاوس، وكان قد أقام شركته الخاصة للكهرباء، فدعم وستنجهاوس أبحاثه دعماً كاملاً، وتعاقد معه على نسبة مما يأتي من المشروع من أرباح في المستقبل. التيار المتردد الذي طوّره تسلا هو الذي ما زال يستخدم إلى وقتنا هذا، لكن بعد أن سجّل حق الاختراع باسمه تقدّم علماء كثيرون يدّعون أنهم من أعطوا تسلا أساس المشروع، وفي وسط هذا اللغط نُسي اسم تسلا ونسبت الجماهير الاختراع إلى وستنجهاوس نفسه.

بعد عام تورّط وستنجهاوس في دعوى استيلاء قدّمها ج. بيبونت مورجان، مما جعله يلغي تعاقد النسبة الذي منحه لتسلا، وبرّر ذلك للعالم الشاب بأن الشركة سوف تفلس إن أعطاه كامل حقوقه، وأقنعه أن يشتري منه حق الاختراع بمبلغ 216000 دولار، وهو مبلغ كبير دون شك، ولكنه أقل بكثير من 12 مليون دولار المستحقة له بمعايير ذلك الزمن. وهكذا سلب الممولون من تسلا المال وحق الاختراع والعرفان عن أهم ابتكار في حياته.

من ناحية أخرى يرتبط اسم جوجليومو ماركوني باختراع الراديو، لكن القليلين هم من يعرفون أن في بثه الأول عبر القناة الإنجليزية عام 1899 استخدم ماركوني اختراعاً مسجلاً باسم تسلا منذ عام 1897، وأن الفضل في هذا البث يعود لأبحاث تسلا. مرةً أخرى لم يحصل تسلا على المال أو التقدير. اخترع تسلا محركاً يعمل بالحث الكهربي ونظام التيار المتردد، وكان «الأب الحقيقي للراديو»، لكن أياً من هذه الاختراعات لم يحمل اسمه، وفي شيخوخته عانى من الفقر حتى مات.

في عام 1917، وكانت خاتمةً لسنوات من الفقر والمعاناة لتسلا، أخبروه أنه سيحصل على ميدالية إديسون من الجمعية الأمريكية لمهندسي الإلكترونيات، فرفض الميدالية قائلاً: «تقدمون لي ميداليةً أثبتها في معطفي وأتخايل بها هزلاً أمام أعضاء جمعيتكم، تزيّنون جسدي وتتركونه يموت جوعاً لأنكم رفضتم الاعتراف بما أنتج عقلي من اختراعات شكّلت أساساً لمعظم ما تقوم عليه جمعيتكم».

التعليق:

يتوهم الكثيرون أن العلماء، لأنهم يتعاملون مع الحقائق، بعيدون عن المنافسات الشخصية الحقيرة التي تنغّص حياة بقية سكان العالم. كان تسلا من أولئك المتوهمين، كان يظن أن العلم لا شأن له بالسياسة، وكان يقر بأنه لا يهتم بالمال أو الشهرة، لكن في شيخوخته رأى أن تجاهله لهذه الأمور هو الذي دمّر أبحاثه العلمية. ولأن اسمه لم يرتبط بأي اختراع، لم يوافق أي مستثمر على أن يرعى أفكاره العديدة، وبينما كان هو يفكر في اختراعات عظيمة من أجل المستقبل كان آخرون ينتحلون أعماله وينسبون المجد لأنفسهم.

كان راغباً في القيام بكل شيء بنفسه، ولكن ذلك أجهده وأفقره.

كان إديسون نقيضاً لتسلا، فلم يكن بالفعل عالماً أو مخترعاً فذّاً، فقد قال ذات مرة إنه لا يحتاج لأن يكون خبيراً في الرياضيات لأنه يستطيع أن يوظّف خبيراً متى أراد. كانت تلك هي المنهجية الأساسية لدى إديسون؛ كان رجل أعمال ودعاية يقتنص الفرص ويتعرّف على صيحات العصر، ثم يوظّف من يبرعون في هذه الأمور ليعملوا من أجله. وكان يسرق من منافسيه إن تطلبه الأمر، لكن اسمه أشهر من اسم تسلا وتنسب إليه اختراعات كثيرة.

الدرس هنا مزدوج: تكريمك على أي اختراع مهم، بل أهم من الاختراع نفسه. عليك أن تؤمّن العرفان لنفسك وتمنع الآخرين من انتحال ثمرة جهدك الشاق، ولتحقيق ذلك عليك أن تتكتّم على ابتكارك إلى أن تتأكد من خلوّ السماء من الطيور الجارحة. الدرس الثاني: تعلّم أن تستفيد من أعمال الآخرين لتطوير مشاريعك، فالوقت ثمين والحياة قصيرة. إن حاولت أن تفعل كل شيء بنفسك فسوف تنهك طاقتك ولا تستطيع أن تواصل حتى النهاية. الأفضل لك أن تحتفظ بقواك وتقتنص جهود الآخرين وتعمل على أن تنسبها لنفسك.

في التجارة والصناعة الجميع يسرقون. كثيراً ما سرقت أنا نفسي، ولكنني أعرف كيف أجيد السرقة. (توماس إديسون، 1874  1931)

مفاتيح للسطوة:

عالم السطوة يحكمه قانون الغابة: هناك من يعيشون على القنص والقتل، وهناك أكثر منهم بكثير (كالضباع والنسور) يعيشون على ما يقتنصه غيرهم. الكائنات من هذا النوع الثاني لا تكون لديها القدرة على ما يتطلبه العمل لصناعة السطوة، لكنهم يتعلّمون في مرحلة مبكرة بأنهم لو تأنّوا وصبروا فإنهم سيجدون كائناً آخر يقوم بهذا العبء عنهم. لا تكن ساذجاً: ففي اللحظة التي تستعبد نفسك فيها لإنجاز مشروع ستجد نسوراً يحومون في السماء مستعدين للتطفل أو حتى لخطف نتاج تعبك، ولن يفيدك الأسف أو أن تترك نفسك لتعتصرك مرارة الظلم كما فعل تسلا.

الأفضل أن تحمي نفسك وأن تشارك في اللعبة، وبمجرد أن تكتسب السطوة تحوّل أنت نفسك إلى نسر، ووفّر على نفسك الوقت والتعب.

على أحد قطبي النقيض في هذه اللعبة يقف المستكشف فاسكو نونيز دي بالبوا كمثال، فقد كان مهووساً باكتشاف مدينة إلدرادو التي كانت تحكي الأساطير أنها مليئة بالكنوز المخبّأة.

في بواكير القرن السادس عشر، وبعد صعاب ومعاناة قرّبته من حافة الموت مرات عديدة، تبيّن له بالأدلة وجود إمبراطورية عظيمة في جنوب المكسيك مكان بيرو الحالية، وإن استطاع أن يهزم الإنكا، سكان هذه الإمبراطورية، ويستولي على ما لديهم من الذهب، فقد يصبح خليفة كورتيز [الذي هزم قبائل الأزتيك في المكسيك لصالح إسبانيا]. كانت المشكلة أنه، حتى لو وجد الإمبراطورية، فقد ترك الأمر ينتشر بين مئات المستكشفين الآخرين. لم يفهم أن نصف اللعبة يكمن في السرّية وفي مراقبة من حوله. بعد سنوات قليلة من اكتشافه مكان إمبراطورية الإنكا دبّر أحد الجنود في جيشه مكيدةً أدت إلى الحكم عليه بقطع رأسه بتهمة خيانة بلده، ثم أكمل ما كان بالبوا يسعى سنوات لاكتشافه.

القطب الآخر النقيض هو الرسام بيتر بول روبنز، والذي وجد في أواخر سنوات عمره أنه مطالب بلوحات أكثر من قدرته على الرسم، فشكّل نظاماً خاصاً: في المرسم الخاص به وظّف عشرات الفنانين المميزين، وجعل أحدهم يتخصص في رسم الثياب والآخر للخلفيات، وهكذا، واستطاع أن يصنع خط إنتاج هائلاً ينتج عدداً كبيراً من اللوحات في وقت واحد. وحين يريد مشترٍ أن يلقي نظرةً على المرسم كان يصرف الفنانين في هذا اليوم، وبينما يراقبه المشتري من الشرفة كان روبنز يرسم بسرعة وطاقة كبيرتين، وينصرف المشتري وهو لا يكاد يصدق براعة هذا الفنان الذي يرسم هذا الكم من التحف في ذلك الوقت القصير.

تلك هي خلاصة القاعدة: دع الآخرين يبذلون الجهد واحصل أنت على التقدير، وسوف يظهرك ذلك صاحب إمكانات لا تصدق. إن كنت من الذين يظنون أن المهم أن تقوم بالعمل بنفسك فلن تستطيع أبداً أن تحقق شيئاً كبيراً، وسوف يصيبك ما أصاب بالبوا وتسلا والكثيرين أمثالهما في هذا العالم. ابحث عن أشخاص يملكون مهارات وإبداعات لا تملكها، ثم وظّفهم واجعل اسمك يبرز فوق أسمائهم، أو ابحث عن طريقة تنتحل بها أعمالهم وتجعلها لك، وسوف يظهرك ذلك عبقرياً.

هناك استخدام آخر يبعدك عن انتحال جهد زملائك: استخدم الماضي، وهو مخزون كبير من المعرفة والحكمة. كان نيوتن يطلق على ذلك «الصعود على أكتاف العمالقة»، وكان يعني بذلك أنه استفاد من إنجازات الآخرين ليقوم باكتشافاته، وكان يعلم أن جزءاً كبيراً من هالة المجد حوله كان مستمداً من قدرته الحادة على تحقيق إلهامات العلماء في العصور القديمة والوسطى وفي عصر النهضة. وكان شكسبير يستعير الحبكة والشخصيات وحتى مقاطع كاملة من الحوار من بلوتارك [المؤرخ اليوناني المعروف في العصور الكلاسيكية] ومن آخرين غيره، لأنه كان يعرف أن أحداً لا يستطيع أن يتفوق على بلوتارك في وصف المشاعر النفسية الخفية والاقتباسات البارعة. وكم من الكتاب استعاروا وانتحلوا بدورهم من شكسبير.

كلنا نعلم أنه لا يكتب إلا القليل من السياسيين اليوم خطبهم الخاصة، فكلماتهم الحقيقية لن تكسبهم صوتاً واحداً في الانتخابات، وما يظهرون به من ذكاء وبلاغة يدينون به لمن يكتب لهم هذه الخطب. ومن ذلك يمكننا أن نرى أن هذه السطوة متاحة للجميع إن تعلّموا استخدام المعرفة المستمدة من الماضي، فسوف يظهرك ذلك عبقرياً حتى ولو لم تملك موهبةً أخرى غير مهارة الاقتباس.

هناك أكوام من المعارف يغطيها التراب لكتاب تعمقوا في طبيعة النفس البشرية، وأساتذة إستراتيجية قدامى، ومؤرخين وصفوا ما يفعله البشر من غباء وحماقات، وكذلك سير ملوك وملكات تعلّموا دروس السطوة بالتجارب المريرة. كل هؤلاء ينتظرون منك أن تعيدهم للحياة وأن تصعد على أكتافهم ليصبح ذكاؤهم ذكاءك ومهارتهم مهارتك. ولن يحكي أي منهم للناس أنك سرقت مواهبهم. لك الاختيار بين أن تكدح في الحياة وترتكب الأخطاء بلا نهاية وتضيّع وقتك وجهدك، أو أن تستفيد من جيوش الماضي هذه لتحقيق مآربك. كان بسمارك يقول: «الحمقى هم من يتعلّمون من خوض التجربة، أمّا أنا فأحب أن أتعلّم من تجارب الآخرين».

الصورة: النسر

النسر من بين كل مخلوقات الغابة يحصل على ما يريده بسهولة بالاستيلاء على الفرائس التي عجزت عن أن تنجو بأنفسها والتي شقي الآخرون لاقتناصها. انتبه للنسور التي تحوم حولك حتى لا تخطف ما جاهدت لتحقيقه. لا تقاتلها، بل كن واحداً منها.

اقتباس من معلم:

هناك الكثير لتتعلمه؛ فالحياة قصيرة ولا تصلح دون معرفة، ولذلك فإن من الوسائل الرائعة أن تكتسب المعرفة من الآخرين. تعب شخص آخر قد يكسبك الشهرة بين الناس بأنك عبقري.(بالتسار جراتسيان، 1601  1658).

عكس القاعدة:

هناك أوقات لا يكون من الحكمة فيها أن تنال التقدير عن عمل الآخرين: إن لم تكن رسّخت سطوتك تماماً سيظهرك ذلك بأنك تزاحم الآخرين على دائرة الضوء. لكي تكتسب العبقرية من استغلال مواهب الآخرين يجب أن يكون وضعك راسخاً، وإلا اتُّهمت بالاحتيال.

عليك أن تعرف متى يكون إشراكك للآخرين في التكريم يخدم مصالحك، والأهم أن لا تكون نهماً للتقدير إن شارك في الأمر وليّ يرأسك. كانت زيارة الرئيس ريتشارد نيكسون لجمهورية الصين الشعبية من أفكاره الخاصة، لكنها لم تكن لتتم دون الدبلوماسية البارعة لهنري كيسنجر، لكن حين أتى الوقت لنيل التقدير ترك كيسنجر بذكاء نصيب الأسد لنيكسون، فلأنه كان يعلم أن التاريخ يكشف الحقائق حرص على أن لا يفسد مكانته بالتكالب على دائرة الضوء. هذه اللعبة كان كيسنجر يديرها بإتقان خبير: فقد كان يتلقّى التقدير عن جهود من أدنى منه ويمنح بسخاء التكريم على جهده الخاص لمن هم أعلى منه. تلك هي الطريقة الأمثل للربح.

المصدر THE 48 LAWS OF POWER, ROBERT GREENE (ترجمة د. هشام الحناوي)

 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق