القاعدة 17 من كتاب 48 قانون للقوة (قواعد السّطوة) للكاتب روبرت جرين
الحكمة:
الناس تحكمهم العادة، ويحبون أن يألفوا أفعال من حولهم؛ لأن ذلك يعطيهم الإحساس بالسيطرة والتحكّم. بلبلهم وشوّش عنهم نواياك بتصرفات مباغتة وغير مفهومة؛ لأن ذلك سوف يجهدهم في تفسير تحركاتك، ويبث فيهم الخوف والرهبة.
مراعاة القاعدة:
في مايو 1972 ظل بطل الشطرنج بوريس سباسكي ينتظر في قلق غريمه بوبي فيشر في ريكيافيك بأيسلندا، وكان مقرراً أن يتنافس الرجلان في نهائي بطولة العالم للشطرنج، لكن فيشر لم يحضر في الوقت المقرّر، وتم تأجيل المباراة. كان فيشر يعترض على القيمة المالية للجائزة وطريقة توزيع المال وظروف إقامة المباريات في أيسلندا، وكان يلمّح إلى أنه قد ينسحب في أي وقت.
حاول سباسكي أن يتحلّى بالصبر، وشعر قادته في روسيا أن فيشر يهينه، وطلبوا منه الانسحاب. لكن سباسكي كان يرغب في إقامة المباراة، وكان يعلم أنه يستطيع تدمير فيشر، ولن يبعده شيء عن تحقيق أكبر انتصار في حياته. قال سباسكي لأحد رفاقه: «قد تضيع كل جهودنا هباءً، لكن ما باليد حيلة؛ إن جاء فيشر نلعب، وإن لم يأتِ لا نلعب. فالرجل الذي يرغب في الانتحار تكون المبادرة دائماً في يده».
وصل فيشر أخيراً إلى ريكيافيك، لكنه استمرّ في الشكوى؛ فلم تعجبه القاعة التي تجري فيها المباراة، وانتقد الإضاءة وأصوات الكاميرات وحتى المقاعد التي كان سيجلس عليها هو وسباسكي. وحينئذ أخذ السوفييت المبادرة وهددوا بسحب رجلهم.
نجحت الخدعة؛ فبعد أسابيع من الانتظار والمفاوضات الطويلة والمستفزّة وافق فيشر على اللعب، فاستراح الجميع، وأولهم سباسكي. لكن في وقت الافتتاح الرسمي وصل متأخراً جداً، وفي يوم بداية أول مباراة في «بطولة القرن» أتى متأخراً مرة أخرى. لكن هذه المرة كان لو تأخر عن وقت معين سيخسر تلك المباراة الأولى.
وتساءل الناس: ماذا يفعل؟ هل يتلاعب بمشاعرهم؟ هل هو خائف من سباسكي؟ بدا للجميع أن هذا الشاب القادم من بروكلين لديه حالة رهيبة من الاضطراب العصبي. لكن في الساعة 5:09 ظهر فيشر، قبل إلغاء المباراة بدقيقة واحدة.
تُعَدّ المباراة الأولى في بطولة الشطرنج مصيرية؛ لأنها تحدّد إيقاع المباريات التالية، وغالباً ما تتميز بصراع بطيء وهادئ يحضّر فيه كل طرف نفسه للحرب، ويحاول أن يستقرئ استراتيجيات الخصم. لكن هذه المباراة كانت من نوع مختلف؛ فقد قام فيشر بنقلة سيئة للغاية في مرحلة مبكرة، لعلها الأسوأ في تاريخه. وحين حاصره سباسكي، قاتل بشراسة وجهد، لكن بدا للمشاهدين أنه استسلم. ثم فجأة قام بنقلة جريئة جعلت الحضور يهمهم في القاعة. صدمت هذه النقلة سباسكي، لكنه استعاد تركيزه واستطاع الفوز بالمباراة.
لم يكن أحد يعرف ما الذي يفعله فيشر: هل خسر عامداً؟ هل هو مضطرب أو مجنون، كما يرى البعض؟
بعد خسارته للمباراة الأولى أخذت شكاوى فيشر تتعالى من القاعة والكاميرات ومن كل شيء، وتأخر من جديد في المباراة الثانية. وهذه المرة كان المنظمون قد فاض بهم، وتم إعلان خسارة فيشر. وهكذا أصبح مهزوماً بمباراتين مقابل لا شيء، وهو وضع لم ينتصر أحد بعده أبداً في أي بطولة شطرنج.
بدا واضحاً أن فيشر مضطرب، لكن في المباراة الثالثة، كما يذكر كل من حضرها، كانت نظراته حادة، وهي نظرات أزعجت سباسكي. وعلى الرغم من الوضع الحرج الذي وضع نفسه فيه كان يبدو واثقاً. وقام بخطأ فادح كما في المباراة الأولى، لكن هذه المرة كانت حالة الثقة التي كان عليها فيشر قد جعلت سباسكي يتشمّم رائحة فخ. ولم يستطع، رغم شكوكه، أن يتبيّن طبيعة هذا الفخ، وقبل أن يعرف كان فيشر قد فاجأه وهزمه وفاز بالمباراة.
الحقيقة أن تكتيكات فيشر غير التقليدية قد أفقدت غريمه توازنه. وفي نهاية المباراة قفز فيشر وخرج بسرعة، وقال لرفاقه وهو يعتصر قبضته: «إنني أسحقه دون رحمة».
في المباريات التالية قام فيشر بنقلات لم يقم بها أبداً من قبل، وغريبة عن أسلوبه، وكان سباسكي هذه المرة هو الذي يرتكب الأخطاء الفادحة والحمقاء. وبعد أن خسر المباراة السادسة أجهش في البكاء، وقال أحد أساتذة الشطرنج لاحقاً: «بعدها أصبح سباسكي يخشى العودة إلى روسيا».
بعد المباراة الثامنة أعلن سباسكي أنه يعرف ماذا يحدث: ذلك أن فيشر ينوّمه تنويماً مغناطيسياً، وقرّر ألّا ينظر إلى عيني فيشر، لكنه ظل يخسر.
في المباراة الرابعة عشرة جمع سباسكي فريق المنظمين، وأعلن أن هناك محاولات للسيطرة على عقله، وتساءل إن كان شراب البرتقال الذي يُعطى لهم أثناء المباراة يحوي مخدراً، أو أن مواد كيميائية تُطلق في الجو. وبعدها خاطب الجمهور، ومنهم فريق فيشر، بأنهم يضعون شيئاً في المقاعد يشوّش على عقله. وتنبّهت المخابرات الروسية إلى أن سباسكي كان يحرج السوفييت بتصرفاته.
تم أخذ المقاعد وتصويرها بالأشعة، وتم عمل تحليل كيميائي، ولم يتبيّن وجود شيء مريب. وكان كل ما وجدوه ذبابتين ميتتين في إحدى وحدات الإضاءة. بدأ سباسكي يعاني من الهلاوس، وحاول إكمال المباراة، لكن حالته العقلية كانت تتدهور. وفي النهاية استسلم، ولم يتعافَ بسهولة من هذه الهزيمة.
التعليق:
في مباريات سابقة بين سباسكي وفيشر لم يحقق فيشر نتائج جيدة؛ فقد كانت لدى سباسكي قدرة خارقة على قراءة استراتيجية خصمه واستخدامها ضده. وكان مرناً وصبوراً وقادراً على بناء هجمات ليس لسبع نقلات قادمة فقط، بل لسبعين. وكان يهزم فيشر في كل لقاء بينهما لأنه كان يرى أبعد بكثير منه.
ولأنه كان مختصاً بعلم النفس، كان لا يفقد رباطة جأشه أبداً. وقد قال عنه أحد الأساتذة: «إنه لم يكن يبحث فقط عن أفضل النقلات، ولكن عن النقلة التي توتر خصمه».
عرف فيشر في النهاية أن ذلك هو أحد المفاتيح الأساسية لنجاح سباسكي؛ فقد كان يلعب بتوقعه لك ويهزمك بطريقة لعبك نفسها. وما فعله فيشر في مباريات البطولة أنه جعل المبادرة في يده وشوّش تفكير سباسكي. فقد كان للانتظار المستمر تأثير على عقل سباسكي، إلا أن الأكثر تأثيراً كان الأخطاء الفادحة التي كان يرتكبها فيشر عمداً، وظهوره كأن ليست له استراتيجية واضحة.
الحقيقة أنه كان يفعل كل ما يستطيع ليعقّد نسق تصرفاته، حتى لو أدى ذلك إلى الهزيمة في المباراة الأولى وخسارة المباراة الثانية.
الشطرنج يحوي الجوهر المركّز للحياة: أولاً، أن عليك لكي تفوز أن تتحلّى بقدر كبير من الصبر وبُعد النظر؛ وثانياً، لأن اللعبة تقوم على الأنساق، أي على تتبّع طرق اللعب السابقة للخصم لتوقّع ما سوف يلعبه في المباريات التالية.
وخصمك أيضاً يحلّل الأنساق التي تتبعها في اللعب ويستخدمها لتوقّع تحركاتك التالية. وحين تخالف توقعاته لا يكون لديه شيء يبني عليه هجماته ضدك، وبذلك تجعل لنفسك الأفضلية. في الشطرنج، كما في الحياة، حين لا يستطيع الناس توقّع أفعالك تصيبهم الرهبة، فينتظرون ما تفعله في حيرة وارتباك.
»الحياة في البلاط خطيرة ومرهقة، كلعبة شطرنج تتطلب منك تحريك القطع والتشكيلات، وأن تضع خطة وتتبعها وتتفقّد خطط خصومك وتحركاتهم؛ لكن يكون من الأفضل أحياناً أن تخاطر وأن تلعب أكثر النقلات جموحاً ومخالفة للتوقع.» (جان دي لا برويير، 1645 – 1696).
مفاتيح للسطوة:
لا شيء يرهب الناس أكثر من الأمور المباغتة وغير المتوقعة، وهذا ما يجعلنا نفزع من الزلازل والأعاصير؛ لأننا لا نعلم متى تعصف بنا، وإن ضربنا أحدها نظل نتوقع في فزع حدوث أخرى. ويؤثر فينا السلوك الإنساني غير المتوقع بالطريقة نفسها، لكن بدرجة أقل.
الحيوانات تتصرف بطرق ثابتة، ولذلك يسهل علينا توقّع تصرفاتها واصطيادها. والإنسان هو الكائن الوحيد القادر على أن يغيّر أنساق سلوكه ويحسّنها بإرادته، وعلى أن يتغلب على ضغط العادات والروتين. إلا أن القليلين من الناس يدركون قيمة هذه القدرة، ويفضل الكثيرون راحة الروتين ويستسلمون لطبيعتهم الحيوانية التي تجبرهم على تكرار أفعالهم القهرية دون تغيير؛ لأن ذلك لا يتطلب منهم جهداً، ولأنهم يظنون خطأ أنهم إن لم يزعجوا أحداً فسوف يتركهم الآخرون في حالهم.
عليك أن تعلم أن أهل السطوة يبثّون الرهبة فيمن حولهم بتعمّد استفزازهم وتوتيرهم، حتى تبقى المبادرة في أيديهم. عليك أن تضرب أحياناً دون إنذار أو مقدمات لتجعل الآخرين يرتجفون؛ فقد كان ذلك من الأدوات التي استخدمها أصحاب السطوة لقرون.
كان فيليبو ماريا، الدوق الأخير من أسرة فيسكونتي في ميلانو، يتعمد أن يخالف توقعات الجميع منه. فقد كان يغدق فجأة على أحد رجال البلاط بالاهتمام والرعاية، حتى يظن الرجل أنه سيترقّى إلى منصب أعلى، وحينها يبدأ فيليبو في التعامل معه بأقصى درجات الاحتقار.
وقد تؤدي حيرة الرجل إلى الابتعاد عن البلاط، وحينها يستدعيه الدوق ويبدأ في الإحسان إليه مرة أخرى. بهذه الخبرة المضاعفة يظن الرجل أن رغبته في الترقّي أصبحت ظاهرة ومستفزّة للدوق، فيبدأ في تهذيب سلوكه ويتصرف كما لو أنه لم يعد يتوقع أن ينال هذا الشرف، فينهره الدوق ويوبخه على عدم طموحه ويبعده عنه من جديد.
كان سر التعامل مع فيليبو بسيطاً: لا تفترض أنك تعرف ما يريد، أو تحاول تخمين ما يسرّه، ولا تُقحم إرادتك في قراراته؛ بل استسلم لإرادته ثم انتظر ما يحدث. سمحت تلك الحيرة التي يبثها في الآخرين لحكم فيليبو بأن يزدهر ويتسم بالأمن والسلام، ولم يجرؤ أحد على تحدّيه.
مخالفة التوقعات غالباً ما تكون تكتيكاً أساسياً لدى السادة وأولي الأمر، إلا أنه يمكن للمقهورين أن يستخدموها أيضاً بنجاح كبير. فإن وجدت نفسك محاصراً ويتكالب عليك آخرون أقوى منك، فعليك أن تقوم بتصرفات تخالف توقعاتهم، وسيجعلهم ذلك يرتبكون إلى درجة تبعدهم عنك، أو تجعلهم يرتكبون حماقات تكتيكية.
في ربيع عام 1862، وأثناء الحرب الأهلية الأمريكية، كان الجنرال ستونوول جاكسون، ومعه 4,600 من جنود الكونفدرالية، يخوض حملة ضد قوات الاتحاد الأكبر منه عدداً في وادي شيناندواه. وفي هذا الأثناء كانت قوة تعدادها 90,000 جندي اتحادي تتحرك من واشنطن تحت قيادة الجنرال جورج برينتون ماكليلان لمحاصرة ريتشموند بولاية فرجينيا، عاصمة الكونفدرالية.
حينها أخذ جاكسون، لأسابيع من بدء الحملة، يقود جنوده مبتعداً عن الوادي ثم يعود إليه مرة بعد مرة.
لم يكن لتحركاته أي معنى، وبدأ الاتحاديون يتساءلون: هل يستعد لمساندة الدفاع عن المدينة؟ هل ينوي الزحف إلى واشنطن بعد أن تركها ماكليلان دون حماية؟ هل كان يتجه شمالاً لإحداث المزيد من الفوضى والدمار؟ لم يعرف أحد ما الذي يجعله يتحرك هكذا في دوائر.
جعلت تحركات جاكسون غير المبررة جنرالات الاتحاد يبطئون زحفهم نحو ريتشموند حتى يتبيّنوا ما الذي كان مقدماً عليه، وفي هذه الأثناء كانت قوات الجنوب تجمع التعزيزات الكافية للدفاع عن المدينة، وتحولت المعركة من فرصة كانت ستسمح للاتحاد بسحق قوات الكونفدرالية إلى مأزق.
وكان جاكسون يستخدم هذا التكتيك كثيراً حين يواجه قوات تتفوق عليه عددياً، وكان يقول: «أربك عدوك وفاجئه وضلله على قدر ما تستطيع... فهذه التكتيكات تفوز في كل مرة، وباستخدام هذه الطريقة يمكن لجيش صغير أن يدمّر جيشاً كبيراً».
لا تنطبق هذه القاعدة على الحرب فقط، بل حتى على شؤون الحياة اليومية. فالناس يحاولون دائماً أن يقرؤوا الدوافع وراء أفعالك، وأن يتوقعوا تصرفاتك، وأن يستخدموا هذه التوقعات ضد مصالحك. وعليك أن تقوم بتصرفات لا يمكن توقّعها، وسوف يضعهم ذلك في موقف صعب؛ لأن عدم فهمهم لك يفقدهم الثقة في تصرفاتهم نحوك، وفي هذه الحالة يصبح من السهل ترهيبهم.
قال بابلو بيكاسو ذات مرة: «أفضل الحسابات هي ألّا تحسب. فبعد أن تحقق مستوى معيناً من الشهرة والتقدير يتوقع الناس أن كل ما تفعله مخطط وينم عن الذكاء، وحينها يصبح من الغباء أن تخطط لخطواتك مقدماً بدقة مفرطة؛ والأفضل لك أن تتصرف بوحي اللحظة».
ظل بيكاسو يتعامل لفترة مع تاجر الأعمال الفنية بول روزنبرج، وكان يسمح له في البداية بتحقيق هامش أرباح كبير في بيع لوحاته، ثم فجأة ودون أسباب قال له بيكاسو إنه لن يدعه يبيع أياً من لوحاته مرة أخرى.
ووصف بيكاسو ما حدث بعد ذلك: «ظل روزنبرج مشغولاً ليومين يبحث عن السبب، وتساءل إن كنت أنوي التعامل مع تاجر آخر. كنت أقضي وقتي أعمل وأنام، بينما كان روزنبرج مؤرّقاً في تخيل الأسباب. ثم عاد إليّ وأعصابه تحترق وقال لي: صديقي العزيز، إنك لم تكن لتقطع معاملاتنا إن كنت أدفع لك مبلغاً أعلى بكثير ثمناً للوحاتك بدلاً من الثمن الذي اعتدت أن أدفعه لك، أليس كذلك؟».
مخالفة التوقعات لا تشكّل فقط سلاح ترهيب؛ فتعقيد نسق تصرفاتك يجذب انتباه الآخرين إليك واهتمامهم بك، ويجعلهم يتحدثون عنك، وينسبون إلى تصرفاتك دوافع وتفسيرات لا تمت بصلة إلى الحقيقة، ولكن ذلك يبقيك دائماً في أذهانهم.
الخلاصة هي أنه كلما بدوت اعتباطياً في تصرفاتك ازداد ما تجنيه من احترام وتقدير؛ فالخانعون وحدهم هم من يتصرفون حسب توقعات الآخرين.
الصورة: الإعصار
ريح لا يمكن توقّعها، تُحدث تغيّرات مفاجئة في الضغط والاتجاه والسرعة، ولا توجد دفاعات توقفها؛ ولذلك تثير الأعاصير فينا الفزع والارتباك.
اقتباس من معلم:
»الحاكم الحاذق يكون غامضاً في تصرفاته، فيبدو وكأنه لا يستقر على رأي واحد، ويصعب تفسير مقاصده بحيث لا يستطيع أحد أن يعترضه، ويجعله ذلك ينعم بالراحة في عليائه، في حين يرتعد وزراؤه تحت قدميه». (هان فاي تسو، فيلسوف صيني، القرن الثالث ق. م).
عكس القاعدة:
أحياناً تكون مراعاتك للتوقعات من صالحك؛ فاتخاذك نسقاً يعتاده الآخرون ويرتاحون له يغريهم بالتغافل عنك؛ لأن كل ما قد يدبرونه لك يعتمد على أفكارهم المسبقة عنك.
ويمكن أن يفيدك ذلك بعدة طرق: فهو أولاً يمنحك ساتر دخان وواجهة مقبولة من الآخرين تسمح لك بخداعهم؛ وثانياً، يسمح لك توقّع الآخرين لتصرفاتك بأن تقوم، في حالات استثنائية، بمخالفة طريقتك المعتادة لتوتّر خصمك بشدة تجعله يسقط حتى قبل أن تمسه.
في عام1974 كانت الترتيبات معدّة لأن يتنافس محمد علي وجورج فورمان في بطولة العالم للوزن الثقيل، وكان الجميع متيقنين مما سوف يحدث: كان جورج فورمان القوي سيسعى للفوز بالضربة القاضية، بينما كانت خطة علي، كما اعتاد الناس، أن يظل يتراقص حول الحلبة حتى يجهد خصمه. فقد كان ذلك نسق علي في القتال الذي لم يغيّره طوال سنوات.
لكن استمرار هذا النسق كان سيمنح التفوق لفورمان؛ لأنه، عاجلاً أو آجلاً، سيحاصر علي ويتلقى منه علي الضربة القاضية. إلا أن علي، أستاذ الاستراتيجيات، كانت لديه خطة أخرى؛ فقد صرّح في مؤتمر صحفي قبل اللقاء الكبير بأنه سيغيّر أسلوبه ويضرب فورمان ضربة قاضية. لم يصدق أحد ذلك للحظة، ولا حتى فورمان، ورأوا أن ذلك سيكون انتحاراً لعلي، وظنوا أنه يستهزئ كعادته.
لدهشة الجميع نفّذ علي ما قاله. وبينما كان فورمان ينتظر منه أن يتراقص على الحلبة، توجّه إليه علي ووجّه إليه لكمات قوية. لقد خذل استراتيجية خصمه تماماً. ثم، حين بدأ فورمان يهاجمه، تراجع علي إلى الحبال وترك فورمان يطلق لكماته بعنف، بينما كان يتلقاها ويحمي نفسه ويردّ بلكمات مضادة.
وفي حيرته وارتباكه أخذ فورمان ينهك نفسه، يطلق اللكمات عشوائياً ويتلقى معها المزيد من اللكمات المضادة. وفي النهاية وجّه إليه علي لكمة قوية أسقطته أرضاً.
إن تعوّد الناس على توقّع أن سلوك الأشخاص لن يتغير عن تصرفاتهم السابقة هو الذي جعل فورمان لا يفكر في أن علي سيغيّر أسلوبه، رغم تصريحه للجميع بذلك. دخل فورمان، إذن، الفخ الذي قيل له إنه سوف يدخله.
تحذير: قد تعمل مخالفتك للتوقع ضد مصالحك، خاصة إن طبقتها مع أوليائك. فهناك أوقات عليك أن تشعر فيها الآخرين بالراحة والاطمئنان إليك، لا أن توترهم. كما أن المبالغة في مخالفتك للتوقعات قد تظهرك متردداً أو حتى مضطرباً نفسياً. الأنساق تتحكم بالناس، ومخالفتك لها ترهبهم وتحيرهم، لكن عليك أن تستخدم هذه المباغتات بحكمة.
المصدر THE 48 LAWS OF POWER, ROBERT GREENE (ترجمة د. هشام الحناوي)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق