الخميس، 1 يناير 2026

• جرِّد عدوك وأفقده اتزانه باستراتيجية المرآة (القانون 44)

القاعدة 44 من كتاب 48 قانون للقوة (قواعد السّطوة) للكاتب روبرت جرين

الحكمة: 

المرايا تعكس الواقع، ولكنها أيضاً تُشوِّهه ولذلك فهي أدوات بارعة للمكر والخداع. استراتيجية المرآة هي أن تحاكي أفعال الآخرين لتُشوِّشهم وتُرهبهم وتُفقدهم تَفكيرهم المتزن أو لتَفتنهم وتُشعرهم بأنك تفهم ما في أعماق نفوسهم أو لتُلقنهم درساً يجعلهم يتذوقون مما جَنَت أيديهم. استراتيجية المرآة من الاستراتيجيات الفعالة للغاية والتي لا يفلت من سطوتها إلا القليلون. 

تأثيرات المرآة، تصنيف تمهيدي: 

المرايا خادعة. حين ننظر في المرآة لا نرى غالباً إلا الصورة التي تريحنا وترضينا، ولا نحب أن ندقق حتى لا نرى التجاعيد والعيوب، لكن لو ركزنا مليّاً سنرى أنفسنا کما يرانا الآخرون أي كأشخاص مثلنا مثل غيرنا. هذا الشعور سيفزعك لأنه سيجعلك ترى نفسك من الخارج دون الروح والأفكار والمشاعر التي تميزك عن غيرك أي أنك سترى نفسك كشيء وليس ذات. 

استراتيجية المرآة هي أن نُحوِّل أنفسنا لما يشبه المرآة التي يرى فيها الناس صورتهم التي تفزعهم أو تفتنهم. في هذه الاستراتيجية قد نُقلِّد أفعال الآخرين وتحركاتهم ونرسم لهم صورة لأنفسهم هزلية وخالية من الروح لنربكهم ونفقدهم أعصابهم. وقد نقوم بالأمر بطريقة مغايرة بحيث يرون فينا رغباتهم وتمنياتهم وذلك يغريهم ويجردهم من دفاعاتهم، وهذا هو التأثير النرجسي للمرايا. وفي الحالتين سيعمل تأثير المرآة على إفقاد الآخرين لتوازنهم سواء بالغضب أو الافتتان، وفي هذه اللحظة ستتاح لك القدرة على أن تتلاعب بهم أو تغريهم لما تريد. وهذا التأثير سطوة كبيرة لأنه يتعامل مع أكثر المشاعر عمقاً وبدائية لدى الإنسان. 

في عالم السطوة هناك أربعة تأثيرات أساسية لاستراتيجية المرآة. 

التأثير المحيّد. تصف الأسطورة الإغريقية أنه كان لميدوسا جوردون شعر من الأفاعي ولسان بارز وأنياب ضخمة ووجه شديد القبح بحيث يحول كل من يراه من الخوف إلى حجر، لكن استطاع البطل برسيوس أن يذبحها بأن صقل درعه البرونز وحوله إلى مرآة حتى يمكنه التسلل إليها ويقطع رأسها دون أن ينظر إليها مباشرة، تحول الدرع في الإسطورة إلى مرآة لكن المرآة نفسها كانت تعمل كدرع: فقد جعلت ميدوسا لا ترى إلا انعكاس أفعالها، ولم تر برسيوس ينسل من خلف الستار ليقضي عليها. 

وتلك هي خلاصة التأثير المحيّد: حين تفعل ما يفعله عدوك وتتبع تحركاته بأدق ما تستطيع لن يتمكن من إدراك مقاصدك - لأن مرآتك ستُعميه عن تحركاتك، ولأن أي استراتيجية للتعامل مع الخصم تعتمد على ردود فعله الحقيقية التي تكشف عن أسلوبه وتمكن من توقع تحركاته القادمة، وسوف تحرمه من فعل ذلك معك إن كنت تقلد تحركاته. لهذا التأثير أثر ساخر ومستفز، وكلنا يذكر ما كان يحدث في طفولتنا حين كان أحدهم يقلد حركاتنا كأنه مرآة لنا، وكيف كنا نغضب ونرغب في ضربه. الكبار أيضا يؤدون هذه اللعبة، ولكن بطريقة خفية، فيمكنك أن تُربِك عدوك وتفقده أعصابه بأن تخفي إستراتيجيتك بالتصرف وكأنك مرآة لأفعاله، وفي السر تدفعه إلى كمين لا يراه أو أن توقعه في الفخ الذي أُعِدَّ لك. 

تستخدم هذه الطريقة في الإستراتيجيات العسكرية منذ أيام صن تسو، وفي عصرنا الحالي كثيراً ما تستخدم في الحملات الانتخابية، وتفيدك أيضاً في المواقف التي لا يكون لك فيها استراتيجية محددة. وتلك هي مرآة المحارب 

هناك استخدام معكوس للتأثير المُحيَّد هو استراتيجية الظل: أن تكون كالظل الذي يعكس كل حركة يقوم بها خصمك دون أن يراك. استخدامك لاستراتيجية الظل يمكنك من جمع المعلومات التي سوف تفيدك لاحقاً في تحييد استراتيجياتهم وإحباط كل خطوة يقومون بها. واستراتيجية الظل فعالة لأن تتبعك لتحركات الآخرين يمنحك فهما عميقاً لعاداتهم وأساليبهم، وهي الاستراتيجية المفضلة لدى المحققين والجواسيس. 

التأثير النرجسي. تحكي الأسطورة أن الأمير الإغريقي نرجس عشق صورته حين رآها منعكسة على ماء البحيرة. لم يكن يعرف أنها صورته وحين عرف أدرك أنه لن ينال أبداً من يحب، فأغرق نفسه ومات من اليأس والحزن. لدينا جميعاً نفس المشكلة لأننا نحب أنفسنا بعمق، ولكنه حبٌّ محبط لا يشبع أبداً فلا يمكننا أن ننال من نحب لأن لا وجود له خارجنا، التأثير النرجسي يلعب على هذه النرجسية التي لا يخلو منها أحد: بأن تنظر في أعماق الآخرين وتتعرف على أعمق رغباتهم وقيمهم وأذواقهم ومشاعرهم وتجعلهم يرونها فيك وكأنك صورة لأنفسهم تجسدت خارجهم. قدرتك على أن تتقمص ما في داخل أنفس الآخرين يمنحك سطوة كبيرة عليهم تصل بهم إلى درجة العشق. 

تلك ببساطة هي القدرة على محاكاة الآخرين ليس جسدياً، ولكن نفسياً، وهي سطوة هائلة لأنها تروي الشعور الطفولي غير المشبع لعشق الذات. في العادة يغرقنا الناس بطوفان من خبراتهم وأذواقهم هم، ولا يبذلون أي جهد لرؤية الأمور بعيوننا نحن، وذلك شيء مزعج، ولكنه يتيح لك فرصاً: إن جعلت الآخر يشعر أنك تفهمه بتقمصك لمشاعره الدفينة فسوف يتجرد من دفاعاته ولا يستطيع أن يقاومك ببساطة لأن الإنسان لا يجد نفسه في شخص آخر إلا نادراً. لا يستطيع أحد أن يقاوم هذا الشعور بالتجانس مع شخص آخر خارجه حتى وإن شعر أنك تصطنع ذلك لمصالحك ومن أجل خداعه. 

التأثير النرجسي يصنع المعجزات سواء في العلاقات الاجتماعية أو في العمل، وهو مرآة المُغوي ورجل الصفوة. 

التأثير الأخلاقي. حين يظلمك الناس لن يفيدك أن تجادلهم أو تعاتبهم لأن ذلك لن يؤدي بهم إلا إلى المزيد من التبرير والعناد. وكما قال جراتسيان «الحقائق غالباً ما تُرى ونادراً ما تُسمع»، والتأثير الأخلاقي للمرايا هو أفضل طريقة تظهر بها ما تريد للآخرين بالأفعال لا بالأقوال، ويمكنك أن تعلمهم درساً يجعلهم يتذوقون مما جَنَت أيديهم. 

التأثير الأخلاقي هو أن تقلد الآخرين فيما فعلوه ضدك بالضبط حتى تعلمهم بطريقة لن ينسوها مدى الألم والإيذاء الذي يسببه سلوكهم، أي أن تعمل كمرآة تظهر لهم الصفات التي عليهم أن يخجلوا منها في أنفسهم وتريهم مدى حماقتهم وهمجيتهم. أغلب من يستخدمون هذه الطريقة هم المربون والمختصون النفسيون وغيرهم ممن عليهم التعامل مع السلوكيات السيئة واللاشعورية، وتلك هي مرآة المعلم، لكن سواء أساء لك الناس أم لم يسيئوا سيفيدك كثيراً أن تتعلم كيف تعكس للآخرين سلوكهم بطريقة تشعرهم بالإحراج والندم. 

تأثير التوهم. المرايا خادعة تماماً، وحين تنظر إليها يبدو وكأنك تنظر للعالم الواقعي رغم أنك لا تنظر إلا إلى لوح من الزجاج لا يعكس الصور على حقيقتها فكل شيء يبدو في المرايا معكوساً. في رواية كارل لويس أليس في بلاد العجائب حين دخلت أليس إلى عالم المرآة وجدت كل شيء يتحرك في عكس الاتجاه وليس ظاهرياً فقط.

تأثير التوهم هو أن تتصنع تقليداً متقناً لشخص أو مكان أو شيء بحيث يظنه الآخرون وكأنه الشيء الحقيقي، وتلك هي التقنية التي يستخدمها المحتالون لخداع الناس، ولها تطبيقات أخرى في كل المجالات التي تحتاج إلى التمويه والتنكر. وتلك هي مرآة المخادع. 

مراعاة القاعدة 1:

في فبراير من عام 1815 استطاع الإمبراطور نابليون أن يهرب من جزيرة إلبا التي سجنته فيها قوات التحالف الأوروبية، وبعدها عاد في زحف زلزل الأمة الفرنسية وحشد معه جنودا ومواطنين من كل الطبقات لملاحقة الملك لويس الثامن عشر الذي حلَّ محله وأنزله عن العرش. وفي مارس وبعد أن استعاد السلطة كان عليه أن يواجه حقيقة أن الموقف قد تغير كثيراً في فرنسا عن السابق فقد تعرضت البلاد للكثير من الخراب ولم يعد له حلفاء من أي من دول أوروبا، وتخلى عنه أو ترك البلاد أهم وزرائه وأكثرهم ولاء له ولم يتبق من النظام القديم إلا رجل واحد هو جوزيف فوشيه وزير الشرطة. 

كان نابليون يعتمد على فوشيه اعتمادا تاماً للقيام بالجانب القذر من سياساته ولكنه لم يكن قادراً على تفهم الرجل. كان نابليون يحتفظ بكتيبة من الجواسيس يتلصّص بهم على أنشطة وزرائه ليتمكن دائماً من السيطرة عليهم، ولكن أحداً لم يكن يأتيه بإخبار عن فوشيه. وكان حين يتهمه بتدبير شيء لم يكن فوشيه يعترض أو يغضب أو يأخذ الأمر وكأنه إهانة لشخصه بل كان ينصت ويبتسم ويكيف نفسه مع متطلبات اللحظة كالحرباء التي تغير لون جلدها. كان نابليون يستمتع بذلك في البداية، ولكن مع الوقت أخذ يحبطه بعد أن أَعيَته الحِيَل للتعامل مع هذا الرجل المراوغ، وبعد أن عاد إلى الحكم كان مجبراً على إعادة تعيين فوشيه وزيرا للشرطة لأنه كان قد طرد باقي وزرائه المميزين.

بعد أسابيع من حكم نابليون أخبره جواسيسه أن فوشيه يتصل سراً بوزراء دول أخرى من أوروبا من بينهم مترنيخ النمساوي (الذي قاد التحالف ضد نابليون)، وأراد أن يعرف قبل فوات الأوان إن كان وزيره الأهم يخونه مع الأعداء. لم يواجه فوشيه مباشرة بما لديه من معلومات لأنه كان يعرف أن الرجل أكثر مراوغة من الثعالب ولذلك كان عليه أن يتأكد بالدليل. 

جاءه الدليل في إبريل حين تمكنت الشرطة الخاصة من القبض على سيد من فيينا أتى إلى باريس لنقل معلومات إلى فوشيه، وواجهة نابليون وهدده بأن يطلق النار عليه إن لم يعترف فانهار الرجل واعترف أنه أعطى لفوشيه رسالة من مترنيخ مكتوبة بحبر سري تخبره عن اجتماع غير معلن للعملاء السريين سيقام في بازل. رتّب نابليون لأن يتسلل أحد عملائه إلى الاجتماع وإن وجد أن فوشيه يخطط لخيانته فسوف يعتقله متلبساً ويشنقه. 

انتظر نابليون بشغف عودة العميل بالأخبار واندهش حين أخبره العميل أنه لم يسمع شيئاً يدين فوشيه بالتآمر، بل أن العملاء الآخرين اتهموا فوشيه بأنه كان يخدعهم لصالح نابليون طوال الوقت، ولم يصدق نابليون أياً من ذلك للحظة وشعر أن فوشيه قد استطاع أن يخدعه مرة أخرى. 

في الصباح التالي توجه فوشيه لزيارة نابليون، وقال له "بالمناسبة سيدي، لم أخبرك من قبل أن مترنيخ قد أرسل لي خطابا من عدة أيام ولكن المَشاغل أنستني كما أن المبعوث غفل أن يعطيني المسحوق اللازم لإظهار المكتوب وهذا هو الخطاب بين يديكم"، كان نابليون متأكداً من أن فوشيه يهزأ به فصاح به غاضبا "أنت خائن يا فوشيه... يجب على أن آمر بشنقك". وظل يُعَنِّف وزيره ولكن لم يستطع أن يطرده دون دليل، أظهر فوشية اندهاشه لما يقوله له الإمبراطور ولكن من داخله كان يبتسم ساخراً لأنه طوال الوقت كان يلعب باستراتيجية المرآة. 

التعليق: 

كان فوشيه يعلم لسنوات أن نابليون يحكم سيطرته على من حوله بالتجسس عليهم ليلاً ونهاراً، ونجا هو من هذه اللعبة بأن جعل جواسيسه يتجسسون على جواسيس نابليون وبذلك استطاع أن يُحَيِّد أي فعل قد يتخذه نابليون ضده. وفي اجتماع بازل تقدم خطوة بأن أفسد على نابليون كل اللعبة التي يلعبها معه فدبر الأمور بحيث يبدو وكأنه عميل مزدوج يخلص ولاؤه لوليه. 

اكتسب فوشيه سطوته وحافظ عليها في فترة من الاضطراب الشديد بقدرته على تقمُّص صورة من حوله، فأثناء الثورة كان متشدداً يعقوبيا وبعد فترة الإرهاب (التي أطلقها اليعقوبيون) أصبح جمهورياً معتدلاً وأثناء حكم نابليون أصبح إمبريالياً متزمتاً منحه نابليون وساماً ولقب دوق أو ترانو. وحين كان نابليون يستعمل سلاح إيجاد ما قد يفسد صورة الآخرين كان فوشيه حريصاً على أن يعرف ما قد يفسد صورة نابليون وجميع من حوله. وقد مكَّنه تجسسه من أن يتوقع خطط الإمبراطور وأحلامه ويتقمص مشاعره حتى دون أن يبوح له بها، وكذلك فإن تدرعه باستراتيجية المرآة قد مكَّنه أيضاً من التخطيط لحركات هجومية دون أن يمسك به متلبسا أبداً. 

تلك هي سطوة أن تكون مرآة لمن حولك، فأولاً ستعطي الآخرين إحساساً بأنك تشاركهم أفكارهم وأهدافهم. ثانياً إن كانوا يرتابون أن لك دوافع خفية فإن محاكاتك لهم ستعمل كدرع يمنعهم من رؤية إستراتيجيتك، وأخيراً فإنك ستدفعهم إلى الغضب والتحير لأن محاكاتك لهم تفقدهم المبادرة والقدرة على توجيه الضربات المؤثرة وتعيي حيلهم معك، ويمكنك أيضاً من اختيار التوقيت المناسب لإرباكهم وذلك طريق آخر للحصول على السطوة. كما أن مجرد محاكاة الآخرين سيوفر لك الوقت والطاقة الذهنية لإعداد استراتيجيتك الخاصة. 

مراعاة القاعدة 2:

 من فترة مبكرة أتقن القائد العسكري ورجل الدولة الطموح الأثيني السيبيادس (450_404 ق. م) أسلوباً كان مصدراً لما اكتسبه من سطوة، حيث تعلم في كل مقابلة مع الأخرين أن يتعرف على مزاجهم وأذواقهم وأن يصيغ كلماته وأفعاله بحرص لتعبر عن أعمق أمنياتهم، وكان يفتنهم بإشعارهم أن قيمهم وأفكارهم تعلو عن قيم وأفكار من عداهم. وكان غرضه أن يُجسِّد لهم ما في دخيلة أنفسهم وأن يُشعرهم بأنه وسيلتهم لتحقيق أحلامهم، ويندر أن يقاوم أي إنسان هذا السحر. 

أول من وقع تحت سحر ألسيبيادس هو الفيلسوف سقراط. الحقيقة أن حياة السيبيادس المسرفة وغير الملتزمة كانت النقيض التام لتعاليم سقراط عن البساطة والاستقامة، لكن حين كان يلتقي بسقراط كان يتقمص رزانته فيأكل بتقشف ويمشي معه لا يتحدثان إلا في الحكمة والفضائل. لم يكن سقراط ساذجاً فقد كان يعرف عن الحياة الأخرى لألسيبيادس، لكن ذلك قد أغراه بنشوة الاعتقاد أنه وحده من يهدي هذا الرجل إلى الفضيلة. تجسيد السيبيادس لسطوة الفضيلة جعل سقراط من أكبر المتحمسين والمؤيدين له، بل أن الفيلسوف المُسِنّ قد خاطر بحياته ذات مرة لينقذ ألسيبيادس الشاب في إحدى المعارك. 

كان الأثينيون يعتبرون ألسيبيادس خطيبهم المفوه حيث كانت لديه قدرة عجيبة على أن يخاطب الناس على قدر عقولهم وأن يحرك فيهم أعمق آمالهم. وألقى بأعظم خطبه تأييداً للحرب مع صقلية التي كان يظن أنها ستأتي لأثينا بالثروة وإليه بالمجد. كانت خطبته تعبر عن رغبة الشباب في تحقيق بطولاتهم الخاصة بدلاً من الاكتفاء بالتفاخر ببطولات من سبقوهم، ولكنه كان يصيغها أيضاً لتُحرك حنين الشيوخ لسنوات المجد التي عاشوها حين قاد الأثينيون كل بلاد الإغريق لمحاربة الفرس وانتصروا عليهم وعادوا ليؤسسوا إمبراطوريتهم. حرك السيبيادس رغبات الأثينيين جميعاً لغزو صقلية فأعدوا الحملة واختاروه قائداً عليها. 

لكن أثناء التوجه للغزو اختلق بعض الأثينيين اتهامات ضد ألسيبيادس بأنه دنّس بعض أوثانهم، وعرف بمساعي خصومه للحكم بإعدامه بعد عودته للوطن، لذلك وفي اللحظة الأخيرة فرَّ من الأسطول الأثيني وتوجّه إلى إسبارطة ألدّ أعداء أثينا، رحب الإسبارطيون بانضمام هذا القائد العظيم إلى صفوفهم لكنهم كانوا حذرين منه بسبب سمعته، فكان معروفاً عن ألسيبيادس حبه للترف بينها كان الإسبارطيون شعباً متقشفاً وكانوا يخافون أن يفسد أخلاق شبابهم. وحين أتى إليهم ألسيبيادس فوجئوا برجل غير الذي سمعوا عنه: وجدوه مثلهم أشعث الشعر ويستحم بالماء البارد ويأكل الخبز الخشن والمرق الأسود ويرتدي ملابس بسيطة. شعر الإسبارطيون بأن ألسيبيادس قد انضم إليهم لأنه رأى أن طريقتهم في الحياة أمثل من طريقة الأثينيين، ولذلك أكرموه ووقعوا تحت سحره وأصبحت له سطوة كبيرة عندهم. إلا أن ألسيبيادس لم يكن من النوع الذي يستطيع أن يتحكم بنفسه طويلاً فأغوى زوجة الملك وحملت منه وحين شاع الأمر كان عليه أن يفر من جديد لينجو بحياته. 

هذه المرة انحاز ألسيبيادس للفُرس فتحول أسلوبه بسرعة من خشونة الإسبارطيين إلى الانغماس التام في بذخ الحياة الفارسية، وشعر الفرس بالفخر أن يونانياً في مكانة ألسيبيادس يُفضّل ثقافتهم على ثقافته الأصلية فأغدقوا عليه بالتكريم والأراضي والسطوة وبمجرد أن أغوتهم المرآة أصبح من الصعب عليهم أن يروا أن خلف هذا الدرع من التظاهر كان ألسيبيادس يقوم بدور العميل المزدوج فكان في السر يساعد الأثينيين في حربهم ضد إسبارطة وبذلك استعاد حب أبناء مدينته التي كان يشتاق لأن يعود إليها، والذين استقبلوه بالفعل بالترحاب عام 408 ق. م. 

التعليق: 

في فترة مبكرة من مساره السياسي اكتشف ألسيبيادس حقيقة غيرت أسلوبه في التعامل مع السطوة: كانت له شخصية متوقدة وقوية لكن وجد أنه حين يجادل عن أفكاره بقوة كان يكسب تأييد القليلين ويخسر الكثيرين، وأن السر في الهيمنة على الكثيرين لا يكون بفرض ميولك على الآخرين بل بالقدرة على التلون بميولهم كالحرباء، وبمجرد أن تنطلي الحيلة على الناس يكون من السهل عليه أن يمارس عليهم كل أنواع المكر والخداع دون أن يتنبهوا له. 

عليك أن تفهم: أن الجميع يحيطون أنفسهم بمحاراتهم الخاصة من النرجسية وحين تحاول أن تفرض ذاتك عليهم تزيد مقاومتهم ويتكون حاجز بينهم وبينك. لكن حين تعكس لهم صورتهم كالمرآة تغريهم حالة من النشوة النرجسية: فيشعرون أنهم ينظرون لتوأم روحهم، توأم صنعتَه أنت عامداً لتغويهم وحينها ستكون لك سطوة هائلة عليهم. 

لكن عليك أن تحذر من مخاطر الاستخدام المنفلت لإستراتيجية المرآة: كان الناس يشعرون في حضور ألسيبيادس بأن ذاتهم أكبر وكأنها قد أضيفت إليها ذات جديدة، ولكن في غيابه كانوا يشعرون بالخواء والتضاؤل، وحين ظهر لهم أن ذاته يمكن أن تكون مرآة للكثيرين غيرهم لم يشعروا بالضالة فحسب بل بالغضب من خيانته لهم. أدى استخدام ألسيبيادس المفرط لإستراتيجية المرآة إلى إحساس شعوب بكاملها بأنه خانها واستغلها، ولذلك كان عليه أن يهرب دائماً من مكان لآخر، لكن غضب الإسبارطيين منه كان قوياً لدرجة أنهم تتبعوه وقتلوه في النهاية. كان على ألسيبيادس أن يكون أكثر حرصاً وانتقاء في استخدامه للمرآة. 

مراعاة القاعدة 3: 

في عام 1652 انتقلت البارونة مانشيني مع بناتها من روما إلى باريس لتحظى بنفوذ أخيها الكاردينال مازارين رئيس وزراء فرنسا. استطاعت أربع بنات من الخمس أن يخلبن رجال البلاط بجمالهن وخفة ظلهن، وأصبحن مدعوات دائماً إلى أهم مراسيم وحفلات البلاط وأطلق عليهن المازارينات نسبة إلى خالهن مازارين. 

ابنة واحدة لم يكن لها مثل هذا الحظ وهي ماري مانشيني لأنها كانت لا تملك جمال ولباقة أخواتها، وكانت المازارينات وأمها بل وحتى خالها لا يحبونها لأنهم كانوا يرون فيها إساءة لصورة العائلة وطلبن منها أن تنضم للدير حتى يتخلصن من حرج حضورها معهن ولكنها رفضت. أخلصت نفسها للدراسة وتعلمت اللاتينية واليونانية وأتقنت الفرنسية ودربت مهاراتها الموسيقية، ومن خلال المرات القليلة التي سمحت لها الأسرة أن تحضر حفلات القصر تعلمت أن تتقن فن الإصغاء لتقييم الناس والتعرف على أعمق رغباتهم. وفي عام 1607 رأت ملك المستقبل لويس الرابع عشر (كان لويس وقتها في السابعة عشر وماري في الثامنة عشر)، وقررت ماري حينها أن تكبد أخواتها وأمها وخالها بأن تجد الطريقة التي توقع بها هذا الشاب في حبها، وكان ذلك مستحيلاً على فتاة متواضعة الجمال مثل ماري. لكنها درست لويس بعمق ورأت أنه لا يهتم بتفاهة أخواتها ويحتقر الآراء السياسية التافهة التي كانت تدور حوله في البلاط، وأدركت أن له طبيعة حالمة- فكان يقرأ روايات المغامرات ويصرّ أن يكون على رأس جيوشه أثناء المعارك، وكان لديه شغف عميق لتحقيق المجد ولم تكن حفلات البلاط تشبع له هذا الشغف لأنه كان يراها مبتذلة وسطحية ومملة. 

رأت ماري أن المفتاح لقلب لويس هو أن تكون المرآة التي تعكس أحلامه وتطلعاته للمجد والبطولة. في البداية أغرقت نفسها في قراءة الروايات والأشعار والمسرحيات البطولية التي كانت تعرف أن الملك يقرأها بنهم. وحين بدأ لويس في حوارات معها أحس أنها تتكلم بها في داخله وأن كلامها يمس أعماقه - فهي لم تكن تتكلم كباقي الفتيات عن الأزياء أو النميمة بل عن الحب النبيل وبطولات الفرسان العظام ومآثر الملوك والأبطال الراحلين. شعر لويس أنها تروي تعطشه للمجد وتغذي فيه صورة الملك المهيب التي يريدها لنفسه. 

بمرور الوقت شعر لويس المعروف لاحقاً باسم الملك الشمس أنه يحب آخر فتاة كان يتوقع البلاط أن تلفت انتباهه. الأغرب بالنسبة لأم ماري وأخواتها أن لويس لم يعد يستغني عن وجودها وأخذ يلاحقها في كل مكان ويأخذها معه في حملاته العسكرية لتراه وهو يزحف إلى المعارك، بل أنه وعدها أنه سيتزوجها لتكون ملكة المستقبل. 

لكن مازارين لم يكن ليسمح للملك أن يتزوج ابنة أخيه التي لن تجلب لفرنسا أي تحالفات دبلوماسية أو روابط ملكية، وكان عليه أن يتزوج أميرة من إسبانيا أو النمسا. وفي عام 1658 رضخ لويس للضغوط ووافق على فسخ أول حب عميق في حياته، لكنه ظل حتى النهاية نادماً ويعترف بأنه لم يجب أحداً أبداً كحبه لماري مانشيني.

التعليق:

أجادت ماري مانشيني لعبة الغواية مع لويس الرابع عشر: في البداية انسحبت لتدرس فريستها دون أن يلاحظها، ويفشل الكثير من الإغواء بسبب تجاهل هذه الخطوة لأن الحماس الزائد يغري الشخص بالتقدم. لكن لكي ينجح الإغواء يجب أن تتراجع وتلاحظ وتفهم طبيعة الشخص المقصود. استطاعت ماري بدراستها للملك أن تعرف ما يميزه عن الآخرين من حبه للمثل العليا وروحه التواقة للبطولة واحتقاره للألاعيب السياسية التافهة. كانت الخطوة الثانية لماري هي أن تجعل من نفسها المرآة التي يرى فيها تطلعاته العميقة والتي تريه ما يمكنه أن يكون ملكاً أقرب للأسطورة.

 حققت إستراتيجية المرآة التي استخدمتها ماري وظائف عديدة: فقد أرضت كبرياء لويس لأنه حين كان يلتقي بها كان يشعر وكأنه ينظر لصورته عن نفسه التي لم يرها أحد آخر، وكذلك لأن ماري لم تكن تجسد صورة أحد آخر غيره وكأنها لم تولد إلا له: كان لويس محاطاً برجال الصفوة وكان يعرف أنهم قد يغدرون به ويخونونه في أي لحظة، ولذلك أثر فيه كثيراً اهتمام ماري المتفاني بشخصه. أخيراً استطاعت ماري باستراتيجية المرآة أن تصنع للويس صورة عليه أن يسعي لتحقيقها: أي فارس العصور الوسطى الذي يجمع بين الرومانسية والطموح؛ المُثل والسطوة، وليس هناك نشوة أكبر من أن ترى في عين إنسان آخر صورة مثالية لنفسك. الحقيقة أن ماري هي التي صنعت صورة الملك الشمس، وكان لويس يعترف بالدور الذي لعبته ماري في صياغة تلك الصورة المشرقة التي عرفها الناس عنه. 

سر نجاح مرآة الغواية هي أنه حين يرى الشخص من خلالك أعمق رغباته وتطلعاته يعرف أنك لا تراه کما يراه الآخرون فرداً من آلاف الأفراد، بل تهتم به كشخص له روح تميزه، عليك أولاً أن تتعرف على ما يميز الشخص ثم تعكس له ذلك بكلماتك وتصرفاتك، وحين تغذي له أحلام السطوة والمجد بتجسيدك لمثله لن يستطيع بعدها أن يقاومك. 

مراعاة القاعدة 4: 

في روسيا في عام 1538 فقد إيفان الرابع (الذي اشتهر لاحقا باسم إيفان الرهيب) أمه هيلينا وأصبح يتيما وكان عمره وقتها لا يتجاوز الثامنة، وظل لخمس سنوات يراقب طبقة البكوات الأميرية يضطهدون الناس ويرهقونهم. كان البكوات يسخرون من إيفان بوضع التاج على رأسه والصوجان في يديه ويجلسونه على العرش تتدلى ساقاه من حافة المقعد ويضحكون ثم يتقاذفونه بينهم في الهواء حتى يشعر كم هو ضيئل وعاجز أمامهم. 

حين بلغ إيفان الثالثة عشر قام بجرأة بتدبير اغتيال قائد البكوات وتولى العرش، وظل لعقود يسعى للحد من سطوة البكوات ومن تدخلهم في الحكم لكنهم ظلوا يقاومون. في عام 1575 أُرهق إيفان من محاولاته اليائسة لتحديث روسيا وهزيمة أعدائها ومن تذمر الجماهير المستمر من الحروب الخارجية التي لا تنتهي وشكواهم من جبروت وقسوة البكوات، ومن معارضة وزرائه له في كل قرار. في النهاية فاض به الكيل ولم يعد يحتمل، وفي عام 1564 تخلى عن العرش لفترة مؤقتة مجبِراً رعاياه أن يطلبوا منه العودة للسلطة لحفظ النظام، وعندها خطا باستراتيجيته خطوة أخرى. 

وضع إيفان بديلاً له على العرش قائدا عسكرياً هو سيميون بكبولاتوفيتش وكان حديث العهد باعتناق المسيحية وكان قبلها تترياً، وكان الروس يحتقرون التتار ويعتبرونهم كفاراً أدني منهم مرتبة وكانت توليته للعرش إهانة من إيفان لرعاياه. انتقل سيميون إلى قصر الكريملين بينما انتقل إيفان إلى قرية خارج موسكو وأمر الروس جميعاً ومنهم البكوات أن يطيعوا حاكمهم الجديد وكان يزور القصر الملكي أحياناً يجلس بين البكوات وينحني طاعة وإجلالاً لسيميون ويناشده بتواضع أن يأمر له ببعض الهبات. 

ظهر من البداية أن سيميون ليس أكثر من بديل، كان يرتدي ويتصرف مثل إيفان لكن لم تكن له سلطة حقيقية لأنه لم يكن أحد سيطيعه. رأى البكوات المسنّون أن ما يحدث صورة منسوخة لما كانوا يفعلونه بإيفان وهو طفل حين كانوا يستهزأون به بوضعه فوق العرش ليصنعوا مشهداً هزلياً له كملك ألعوبة، هو اليوم الذي يهزأ بهم بأن وضع على العرش ملكا ألعوبة هو سيميون. 

ظل إيفان يحمل للشعب الروسي مرآة سيميون، وهي مرآة كانت تقول لهم: جعلتم مني قيصراً بلا سلطة بكثرة شكواكم وعصيانكم ولذلك سأمنحكم القيصر الذي بلا سلطة. هزأتم بي واليوم أهزأ بكم بأن جعلت من روسيا سخرية العالم. وفي عام 1577 ذهب البكوات مرة أخرى يستجدون إيفان لأن يعود للعرش ووافق ولكنه عاد كقيصر حقيقي إلى آخر حياته، واختفي سيميون واختفى معه تآمر وشكوى وتطاول رعاياه. 

التعليق: 

في عام 1564 حصل إيفان على السلطة المطلقة بعد أن هدَّد بالتنحي عن العرش، لكن سلطاته أخذت في التآكل تدريجياً حين بدأت كافة قطاعات المجتمع من البكوات والكنيسة والوزراء في التنافس للحصول على مزيد من السلطات. أنهكت البلاد من الحروب الخارجية ومن الصراعات الداخلية، وكانت أي محاولة يقوم بها إيفان لضبط الأمور يقابلها الآخرون بالاستهزاء، وأصبحت روسيا كمدرسة للمشاغبين التي يسخر فيها الطلاب علانية من معلمهم، وكان إن اشتكي أو اعترض لا يلقي منهم إلا الجحود والرفض. كان عليه أن يعلمهم درساً ويجعلهم يتذوقون ما جنت أيديهم وكان سيميون بكبولاتوفيتش هو المرآة التي ردت إليهم ما كانوا يفعلون. 

تعلم الروس الدرس بعد عامين تعرّض فيها العرش للسخرية والاحتقار، وأصبحوا يتشوقون لأن يعود قيصرهم الحقيقي وأن يمنحوه ما يتطلبه منصبه من التوقير والاحترام. وظل إيفان إلى وفاته في تآلف تام مع رعاياه. 

ولتعلم أن الناس مقيدون بما اعتادوا عليه، وحين تتذمر من تبلدهم وجلافتهم قد يظهرون أنهم يتفهمون ما تقول ولكن من داخلهم يبقون كما هم بل قد تزيد مقاومتهم لك الغرض من السطوة دائماً هو أن تقلِّل مقاومة الناس لك، ولكي تحقق ذلك تحتاج إلى الحيلة وأحد هذه الحيل هو أن تلقنهم بعض الدروس أحياناً. 

عليك بدلاً من وعظ الناس بالكلام أن تصنع مرآة لسلوكهم، لأن ذلك يضعهم أمام خيارين: إما إن يتجاهلوك أو أن يراجعوا سلوكهم. حتى لو تجاهلوك تكون قد وضعت داخلهم البذرة التي تثمر لك بمرور الوقت ما تريد منهم، وحين تضع مرآة لسلوك الآخرين لا تتردد أبداً أن تضيف إليها مسحة من السخرية والمبالغة کما فعل إيفان حين وضع تتري على العرش - فذلك كالبهارات التي تضاف إلى الحساء فهو يستثيرهم وينبههم إلى سذاجة أفعالهم. 

مراعاة القاعدة 5: 

كان رائد العلاج النفسي د. ميلتون ه. اريكسون كثيراً ما يلجأ إلى تعليم مرضاه دروساً مؤثرة بطرق غير مباشرة بالاستفادة من استراتيجية المرآة. كان يضرب مثلا لمرضاه ويجعلهم يتعرفون على الحقيقة بأنفسهم وحينها تقل مقاومتهم للتغير. فمثلاً كان حين يعالج زوجين يعانيان من اضطراب في علاقتها الجنسية لم تكن الطرق التقليدية للعلاج كالشرح والمواجهة بالأسباب تؤدي في أغلب الأحوال إلا إلى زيادة مقاومتها للتغير وتعميق الخلاف بينها. بدلاً عن ذلك كان د. إريكسون يحدِّثها في أشياء أخرى عادية ليجد المثال الذي يجسد طبيعة الاختلاف بينهما. 

أثناء الجلسة كان د. إريكسون يترك الزوجين يتحدثان عن عاداتهما في الأكل مثلاً خاصة أثناء العشاء: كانت الزوجة تقول أنها تُفضِّل التمهُّل أي أن تبدأ بالشراب مع بعض المشهيات وبعدها تنتقل ببطء ورقي نحو الوجبة الأساسية، بينما كان الزوج يتضايق من ذلك ويرغب في الوصول مباشرة إلى الوجبة الرئيسية وكان يجب أن تكون دسمة. باستمرار الزوجين في الحديث يدركان أن ذلك يماثل ما يحدث بينهما في الفراش، وحين يصلان لهذا الإدراك يغير د. إريكسون موضوع الحديث ليتجنب الحديث عن شكواهما الأصلية. 

كان الزوجان بعد الجلسة يظنان أن الطبيب يحاول أن يتعرف عليهما أكثر وأنه سيدخل في مناقشة مشكلتهما مباشرة في الجلسة القادمة، ولكن قبل أن ينهي اريكسون جلسته الأولى يطلب من الزوجين إعداد عشائين منفصلين بينهما أيام، في الأول تتحقق للزوجة رغبتها في العشاء البطيء وفي الثاني يحصل الزوج على الطبق الرئيسي بسرعة، ودون أن يشعرا يجد الزوجان مرآة لمشكلتها، ومن خلال هذه المرآة يصلان بنفسيهما إلى العلاقة التي ترضيهما معاً، وغالبا ما ينهيان الأمسية کما يرجو الطبيب بأن يعكسا في الفراش ما حدث بينهما من اتفاق في تناول العشاء وفي تعامله مع المشكلات الأصعب والأشد مثل الخيالات التي يصنعها الفصاميون ويعيشون داخلها، كان د. إريكسون يبحث عن الطريقة التي يدخل بها هذه الخيالات ويحرك المرضى من داخلها. في إحدى المرات كان يعالج نزيل مستشفى يؤمن بأنه المسيح - كان يغطي جسده بملاءة من الجوخ ويتحدث بالأمثال المبهمة ويطلق على الطاقم الطبي والمرضى الآخرين وابلاً من اللعنات المسيحية. لم تنجح أي معالجات أو أدوية في شفائه إلى أن جاءه د. اريكسون ذات يوم وقال له "أنت إذن تجيد النجارة"، ووافقه على ذلك لأن المسيح كان يعمل نجاراً، وبدأ د. إريكسون يطلب منه مباشرة أن يصنع أرفف كتب وأدوات أخرى مفيدة دون أن يطلب منه أن يخلع عنه رداء المسيح. في الأسابيع التالية أخذ المريض ينشغل بالعمل عن الخيالات وأدى ذلك إلى تغيرات نفسية هامة: لم تختف الخيالات ولكنها لم تعد تسيطر على سلوك المريض تماماً وسمح له ذلك بأن يمارس دوراً إيجابياً داخل مجتمعه. 

التعليق: 

يعتمد التواصل على الاستعارات والرموز وذلك هو أساس اللغة. الإستعارات مرايا تعبر عن الواقع بوضوح وعمق يتخطى كثيراً الوصف المباشر، وحين يتمسك الآخرون بالجمود والعناد فلن تؤدي النصيحة الصريحة إلا إلى زيادة مقاومتهم للتغير. 

تحدث هذه المقاومة بشكل واضح حين تعمل على تغيير سلوك الآخرين خاصة في موضوع حساس مثل طريقة ممارستهم للحب، لكن يمكنك أن تُحدِث لديهم تغييرات أكبر بكثير إن ضربتَ لهم مثالاً أو مرآة رمزية تحاكي موقفهم ومن خلاله ترشدهم إلى الواقع وطرق التغيير، كان المسيح نفسه يعرف أن الأمثال هي أفضل الطرق لتلقين الناس دروساً لأنها تسمح لهم بإدراك الحقائق بأنفسهم. 

حين تتعامل مع الأشخاص الغارقين في الخيالات والأوهام (والذين ليسوا بالضرورة مرضى) لا تحاول أبداً أن تدفعهم إلى الواقع بتمزيق أحلامهم، بل عليك أن تدخل إلى عالمهم وتعمل من داخله وتلتزم بقواعدهم في التفكير ومن خلال ذلك تقودهم برفق إلى عالم الواقع بعيداً عن مرايا الأوهام. 

مراعاة القاعدة 6: 

ذات مرة كان أستاذ طقوس الشاي الياباني العظيم في القرن السابع عشر تاکينو شو يمر بمنزل ورأى رجلا يروي الأزهار بالقرب من بوابة المدخل، فجذبه شيئان في هذا المشهد الأول الطريقة الرشيقة التي كان يروي الشاب بها أزهاره، والثاني هو الجمال الخلاب للأزهار المتفتحة التي تنتشر في المكان. وقف شو وقدم نفسه للرجل وعرف أن اسمه صن نو ريكيو، وأراد أن يبقي معه لكن ارتباطات أخرى مسبقة منعته من ذلك، لكن أثناء رحيله دعاه ريكيو لتناول الشاي معه في الصباح التالي فوافق شو مُرَحِّباً. 

حين فتح شو بوابة الحديقة انزعج لعدم رؤيته لأي من الأزهار التي لم يسمح له الوقت في اليوم السابق بتأملها والتي كانت السبب الأساسي لزيارته، وفكر أن يغادر ولكنه تراجع وقرر أن يدخل ليرى حُجرة الشاي لدى صن نو ريكيو. توقف مندهشاً عند دخوله المنزل حيث رأي مزهرية تتدلى من السقف داخلها زهرة واحدة متفتحة كانت الأجمل في الحديقة. بطريقة ما قرأ ريكيو أفكار ضيفه وبلفتة واحدة بليغة نقل لضيفه أنها يتفاهمان جيداً. 

استطاع ريكيو أن يكون أشهر أستاذ شاي لكل العصور بسبب قدرته المميزة على التوافق مع أفكار ضيوفه وسحرهم باستباق رغباتهم. 

ذات يوم تلقي ريكيو دعوة لزيارة ياماشينا هشيجوان وكان من المحبين لطقوس الشاي وكان أيضاً رجلاً يعشق الدعابة. حين وصل إلى منزل هشيجوان رأى البوابة مغلقة ففتحها بحثاً عن مضيفه، وفي الناحية الأخرى من الحديقة رأي حفرة مغطاة بعناية بالخرق والتراب فعرف أن هشيجوان أعد له فخاً للدعابة، فاتجه مباشرة نحو الحفرة وتلوثت ملابسه متظاهراً بأنه وقع في الفخ. 

تظاهر هشيجوان بأنه قد فزع مما حدث وخرج مسرعاً وأشار إلى ريكيو إلى مكان حمام أُعِدَّ مسبقاً لسبب لم يفسره، وبعد أن اغتسل لحق ريکيو بهشيجوان في حفل شاي استمتع به الطرفان بشدة وأخذا يتضاحكان على الموقف الذي حدث. بعد فترة قال ريكيو لصديق أنه كان يعرف بفخ هشيجوان "لكن لأن من الجميل أن يحرص المرء على ما يسعد مضيفه اخترت أن أقع عامداً في الحفرة حتى ينجح اللقاء بيننا، حفلات الشاي ليست تذللاً، ولكنها لا تنجح إن لم يجمع بين الضيف والمضيف الود والتفاهم".

التعليق: 

لم يكن صن نو ريكيو ساحراً ولا متنبئاً بل كان يجيد قراءة الآخرين وملاحظة التلميحات الدقيقة التي تكشف عن رغباتهم الدفينة ثم يحقق لهم هذه الرغبات. 

على الرغم من أن شو لم يحدثه أبداً عن إعجابه بأزهار حديقته إلا أن ريكيو قرأ ذلك من نظراته، وإن كان تحقيق رغبات مضيفه تعني الوقوع في حفرة فلا يتردد عن فعل ذلك، وكانت سطوته نابعة من استخدامه البارع لمرآة رجل الصفوة والتي أظهرته قديراً في سبر أغوار الناس واکتشاف ما في داخل نفوسهم. 

تعلَّم أن توظِّف مرآة رجل الصفوة لأنها ستعود عليك بسطوة كبيرة. اقرأ أعين الناس وتتبع تلميحاتها لأن العيون مقياس للبهجة والألم أدق من أي كلات. لاحظ التفاصيل وتذكرها كالملابس ونوعية الأصدقاء والتعليقات العفوية لأنها تظهر لك الرغبات والأمنيات التي قليلاً ما تتحقق للشخص، ثم اخلط كل ذلك معاً وغربله لتكتشف ما تحت السطح وتكون للآخرين المرآة التي تعكس لهم أنفسهم التي لا يبوحون بها. مفتاح تلك السطوة هي أن الآخر لم يطلب منك أن تُقَدِّره ولم يذكر لك إعجابه بأزهارك، وحين تحقق تلك الرغبات التي لم يبح بها تُشعِره بسعادة غامرة لأن التواصل دون كلمات يشعر الشخص بأنك تفهمه وتهتم به. ولتذكر أن لا أحد يستطيع أن يقاوم مرآة رجل الصفوة. 

مراعاة القاعدة 7:

كان الفتى الأصفر وايل المحتال الشهير يستخدم مرآة المخادع لإنجاح حِيَله التي لم تكن تخلو من العبقرية. أجرأ هذه الحيل حين أقنع الجماهير بإعادة افتتاح البنك التجاري في مونيس بولاية إنديانا الأمريكية. ذات يوم قرأ وايل عن نقل مكاتب البنك التجاري عن مقرها القديم في مونيس فرأى في ذلك فرصة لن تتكرر. 

استأجر وايل مبنى البنك وكان لا يزال يحتفظ ببعض التجهيزات ومنها نوافذ الصرافة واشترى أكياس للنقود طُبِع عليها أسماً مزيفاً وملأها بأسلاك غسيل ورتبها خلف نوافذ الصرافة وأتي بقصاصات من الورق مغطاة من الخارج بأوراق مالية لتبدو وكأنها رزم نقدية، وأستأجر مقامرين وداعرات وغيرهم من الخارجين على القانون ليقوموا بأدوار الموظفين والعملاء بل أنه جعل قاطع طريق يقوم بدور حارس.

ادّعي وائل أنه سمسار لاستثمارات يقدمها البنك وأتاح له ذلك أن يبحث عن ضحاياه بين الأثرياء. كان يأتي بضحيته إلى البنك ويطلب من أحد الموظفين، أن يقابل مدير البنك فيرد عليهما الموظف بأن ينتظرا، ويضفي ذلك واقعية على المشهد لأن ذلك ما يحدث دوماً حين تطلب مقابلة مدراء البنوك. أثناء انتظارهما يشتعل البنك بالنشاط حيث تتحرك الداعرات والمقامرون هنا وهناك يضعون أو يسحبون إيداعات يقدمون حلواناً للحارس المزيف. بعد أن ينخدع الضحية بهذه النسخة المحاكية للواقع بإتقان يضع مطمئناً إيداعا بقيمة 50000 دولار. 

بمرور السنوات کرّر وايل نفس الاحتيال مع عدة مؤسسات تم إخلاء مبانيها من بينها نادٍ لليخوت ومكتب سمسرة ونادٍ للقمار بزبائنه لا يختلف أبداً عن النوادي الحقيقية. 

التعليق: 

تقليد الواقع يوفر إمكانية كبيرة للخداع؛ فالزي المناسب واللهجة المتقنة والتفاصيل الدقيقة تجعل من الصعب اكتشاف الخدعة لأن الناس لديهم دوافع قوية للتصديق؛ فغريزتهم تجعلهم يصدقون المظاهر ولا يبحثون عن حقيقة الأشياء لأن من الجهد أن يتشكك المرء في كل ما يراه. ونحن بالعادة لا نفرق بين الأصالة والتقليد المتقن وتلك السذاجة هي التي يستغلها المحتالون والمخادعون. 

في لعبة الخداع تكون الانطباعات الأولى هي الأهم، وإن لم يرتاب فيك الناس من أول نظرة فالأغلب أنهم لن يرتابوا فيك بعد ذلك أبداً، ويصبح أسهل عليك أن تخدعهم بالمزيد من المظاهر والتقليد. وتذكَّر أن عليك دائماً أن تلاحظ مظاهر الأشياء في عالمك المحيط وأن تُتقن تقليدها، وأن تُغيِّر عاداتك في الملبس والأسلوب لتعكس الصورة التي تريدها، وأن تكون كالنباتات المفترسة التي تبدو للحشرات التي تفترسها على نفس صورة باقي نباتات حقلها. 

اقتباس من معلم: هدف أي عملية عسكرية هي أن تفهم وتضلل نوايا العدو... تَعرَّف أولاً على ما هو مُقدِم عليه واعمل على أن تتوقع كل خطواته مسبقاً، وحافظ على جاهزيتك وتحورك مع تحركاته... في البدء تظهر لعدوك كالعروس حتى يفتح لك بابه ثم تكون كالأرنب البري حتى لا يستطيع أن يُخرجك. (صن تسو، القرن الرابع ق. م.).

الصورة: درع برسيوس 

مصقول كالمرآة تعكس الصور فلا تراك ميدوسا وإنما ترى صورتها المخيفة ترتد إليها. خلف هذه المرآة تخادع وتسخر منها وتغضبها وتخرجها عن شعورها وبضربة واحدة تطيح برأسها وهي غافلة. 

تحذير: احذر من تناسخ المواقف: تمنحك المرايا قدرات كبيرة ولكنها أيضاً قد تُعَرِّضك لمآزق خطرة. أهم هذه المآزق هو تناسخ المواقف - أي المواقف التي تكون مشابهة كثيراً لمواقف سابقة في المظهر الخارجي والتي تجد نفسك فيها دون أن تعرف ما يحدث بينما يرى الآخرون الصورة كاملة ويقارنون بينك وبين من كان قبلك في الموقف المشابه. ستظلمك المقارنة في أغلب الأحوال بأن تقلل من قدرك وتظهرك أضعف من سابقك أو تحمل إليك عيوبه وأخطاءه. 

في عام 1864 انتقل الموسيقار ريتشارد فاجنر ليعيش في ميونخ في ضيافة لودفيج الثاني ملك بافاريا الذي كان يسميه البعض الملك البجعة ويسميه آخرون الملك المجنون. كان لودفيج من أكبر المحبين لفاجنر وأكثرهم سخاء في رعايته، وقد أصابت شدة هذا التأييد فاجنر بالغرور وجعلته بعد أن استقر في ميونيخ يقول ويفعل ما يريد. 

سكن فاجنر في منزل مترف اشتراه له الملك، وهو منزل كان يشبه كثيراً المنزل الذي اشتراه جد الملك لودفيج الأول للمحظية الشهيرة لولا مونتيز والتي سَبَّبت له أزمة انتهت بتنازله عن العرش. حذَّر الناس فاجنر من أن مقارنة الناس له بلولا ستورثه نفس مصيرها ولكنه لم يهتم وكان يقول «أنا لست لولا مونتيز». بسرعة بدأ الناس يتذمرون من الإكراميات والأموال التي تسرف على فاجنر والذي أخذوا يسمونه «لولا الثانية» أو «لوليتا». ودون أن يشعر بدأ فاجنر يخطو نفس الخطوات التي خطتها لولا- فأخذ ينفق الأموال ببذخ ويتدخل في شئون بعيدة عن الموسيقى بل أصبح يخوض في السياسة ويقترح على الملك في التعيينات الوزارية. وكان حب لودفيج الثاني لفاجنر مسرفاً لدرجة لا تليق بملك تماماً كما كان حب جده لودفيج الأول للولا مونتيز. 

في النهاية تقدم الوزراء بخطاب للملك: «جلالتكم عند مفترق طرق وعليكم أن تختاروا إما حب واحترام شعبكم المخلص أو "صداقة"، ريتشارد فاجنر»، وفي ديسمبر 1895 طلب لودفيج بأدب من صديقه أن يغادر البلاد وأن لا يعود إليها أبداً، وهكذا جعل فاجنر نفسه دون أن يقصد صورة منسوخة من لولا مونتيز وبمجرد أن تكوَّنت لدى الناس هذه الصورة أخذ البافاريون يطرحون عليه ذكرياتهم عن تلك المرآة البغيضة ولم يعد بمقدوره بعدها أن يبعد عنه هذه الانطباعات. 

اهرب من مواقف التناسخ هروبك من الطاعون، وإلا لن تكون لك سيطرة على الصور والذكريات التي يطرحها الناس عليك، وما يخرج عن سيطرتك يعرضك للخطر، حتى لو كان من سبقك قد ترك ذكرى طيبة فسوف تعاني أيضاً في محاولة الوفاء بما يتوقعه الناس منك بسبب هذه الذكرى، ولن تستطيع لأن الذكري دائماً أقوى من الحاضر، وإن رأيت أن الناس يربطونك بذكرى معينة فابذل كل ما تستطيع لتبعد عنك هذه الذكرى وتحطم لهم تلك الصورة المنسوخة. 

المصدر: THE 48 LAWS OF POWER, ROBERT GREEN (ترجمة د. هشام الحناوي)

 

 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق