القاعدة 19 من كتاب 48 قانون للقوة (قواعد السّطوة) للكاتب روبرت جرين
الحكمة:
العالم مليء بأنواع مختلفة من البشر، ولا تظن أن الجميع سيردّون على استراتيجياتك بالطريقة نفسها. هناك أشخاص إن خدعتهم أو تلاعبت بهم فسوف يقضون ما تبقّى من حياتهم يسعون للانتقام منك؛ فهم ذئاب في جلود حملان. أحسن اختيار فرائسك وخصومك حتى لا تضع يدك في جحر ثعبان.
الخصوم والسذّج والفرائس: تصنيف تمهيدي
في طريقك نحو السطوة ستقابل أنماطاً كثيرةً من الخصوم والسذّج والفرائس. النموذج الأعلى لفنون السطوة هو القدرة على أن تفرّق بين الذئاب والحملان، وبين الثعالب والأرانب، وبين الصقور والنسور. إن استطعت ذلك فلن تحتاج إلى أن تضغط كثيراً على أحد كي تحقق النجاح. لكن إن تعاملت عشوائياً مع من تقابل فستقضي ما تبقّى من حياتك في حسرة دائمة؛ هذا إن طالت حياتك بما يكفي.
معرفتك بأصناف الناس والتعامل معهم حسب هذه المعرفة يُعتبران من المطالب المصيرية للنجاح. فيما يلي ذكر لأخطر خمسة أنماط ممن قد تستدرجهم في غابات السطوة، كما وصفهم قديماً المحتالون الكبار وغيرهم ممن يجيدون قراءة الناس.
المتغطرس أو المتكبّر
على عكس ما قد يظهر لك في بداية التعامل مع هذا الشخص، فإنه يصبح شديد الخطورة إن رأى شيئاً يجرح كبرياءه الحسّاس؛ فأي شيء يظنه استهزاءً به قد يرد عليه بعنف شديد. وقد تسأل نفسك: «أنا لم أقصد إلا كذا أو كذا، كما أننا كنا جميعاً نتمازح...». لا يهم كل ما قد تقوله له؛ فليس هناك منطق في ردود فعل هذا الشخص، فلا تضيع وقتك معه في التفسيرات.
في أي وقت إن رأيت لدى من تتعامل معه مبالغةً في الحساسية أو الكبرياء، ابتعد عنه، وأيّاً كان ما ترجوه منه فإنه لا يستحق المخاطرة.
الخائر دائماً
هذا النمط من الناس قريب من النمط المتكبّر، ولكنه أقل إظهاراً للعنف، ويصعب أن تتعرف عليه بسرعة. هذا النوع تكون شخصيته هشّةً ولا يثق في ذاته، وإن أحس أن أحداً يخدعه أو يهاجمه يلتهب إحساسه بالتجريح، ويبدأ في مهاجمتك بضربات خفية تقوى تدريجياً قبل أن تلاحظها.
وإن رأيت أنك قد خدعت أو آذيت مثل هذا الشخص، فعليك أن تبتعد عنه لفترة طويلة؛ لأنك لو بقيت قريباً منه فسوف يظل يستنزفك إلى أن يقضي عليك.
المرتاب
هذا النمط هو تنويع آخر للنمطين السابقين، وهو الذي قد يتحول في المستقبل إلى ستالين جديد. يرى في أفعال من حوله ما يريد أن يراه، وغالباً ما يكون ما يراه هو افتراض أسوأ النوايا والظن بأن الجميع يحاول إيذاءه.
الحقيقة أن المرتاب هو أقل الأنماط الثلاثة المذكورة خطراً؛ فلأنه مضطرب اضطراباً حقيقياً يكون من السهل خداعه، تماماً كما كان المحيطون بستالين يخدعونه دائماً. فيمكنك التلاعب بطبيعته المتشككة لتحوّله عنك إلى أناس آخرين، لكن إن رأيت أنك أصبحت هدفاً لشكوكه فعليك أن تراقبه وتنتبه لنفسك.
الثعبان الذي لا ينسى ثأره
إن آذيت أو خدعت رجلاً من هذا النمط، فإنه لن يظهر لك أي رد فعل غاضب، بل يحسب وينتظر، وحين تأتي اللحظة التي يقلب فيها الأوضاع لصالحه ستجده ينفذ انتقامه بهدوء ومهارة ودون رحمة.
يمكنك أن تتعرف على هذا الشخص من حساباته وبراعته في كافة نواحي الحياة، وهو عادةً بارد ولا يتأثر بمشاعر الآخرين. عليك أن تحذر من أن تجرح هذا الثعبان، وإن حدث وآذيته فعليك إما أن تدمّره تماماً أو تبتعد عنه تماماً.
الشخص البسيط المتبلّد
ربما انتصبت أذناك كالنمر المفترس لاصطياد تلك الضحية المغرية، لكن هذا الرجل أصعب كثيراً على الخداع مما تعتقد. الوقوع ضحيةً للخداع يتطلب بعض الذكاء والخيال لدى الضحية، كي يجعلها تحلم بالربح الذي سوف تجنيه، ولكن الرجل المتبلّد لن يلتقط الطعم؛ لأنه لن يراه.
خطورة هذا النمط من الرجال ليست في أنه قد يؤذيك أو ينتقم منك، ولكن في أنه سوف يهدر وقتك وجهدك ومواردك، وحتى توازنك العقلي، في محاولة خداعه. عليك أن تضع اختباراً لمن تريد أن تتصيّده، مثل أن تقص عليه دعابةً أو حكايةً، وإن رأيت أنه يفسرها حرفياً دون فهم المغزى أو اللفتة، فهذا يعني أنه من النمط المتبلّد الذي وصفناه، وعليك أن تتركه لحاله.
انتهاكات القاعدة
الانتهاك الأول:
في بدايات القرن الثالث عشر استطاع محمد شاه خوارزم، وبعد حروب طويلة، أن يؤسس إمبراطوريةً ضخمةً تمتد غرباً إلى الموقع الحالي لتركيا وجنوباً إلى أفغانستان، وكان مركز حكمه العاصمة الرائعة سمرقند. كان لدى الشاه جيش هائل، قوي ومدرّب، وكان يستطيع أن يحشد 200000 جندي في أيام قليلة.
في عام 1219 استقبل الشاه محمد سفراء قائد قبلي ناشئ هو جنكيز خان، وكان مع هؤلاء السفراء كل أنواع الهدايا مقدّمةً لمحمد العظيم، وكانت الهدايا تشمل أفضل البضائع من الإمبراطورية المنغولية، التي كانت صغيرةً ولكن متناميةً. وكان جنكيز خان راغباً في إعادة افتتاح طريق الحرير إلى أوروبا، وعرض الشراكة مع الشاه محمد، واعداً بإحلال السلام بين الإمبراطوريتين.
لم يكن محمد يعرف هذا الآتي من الشرق، ورأى أنه من الغرور بحيث يخاطبه كندّ له رغم ما بينهما من فارق يعرفه الجميع، ورفض عرض جنكيز خان.
حاول خان مرةً أخرى؛ هذه المرة أرسل قافلةً من مائة جمل محمّلةً بأندر البضائع التي نهبها من الصين، لكن قبل أن تصل القافلة إلى محمد قام إنالشيك، وهو حاكم مقاطعة على حدود سمرقند، بالاستيلاء عليها وأعدم قادتها.
اعتقد جنكيز خان جازماً أن ما حدث قد تم بطريق الخطأ، وأن إنالشيك تصرف دون الرجوع إلى الشاه محمد، وأرسل بعثةً ثالثةً إلى محمد، مكرراً عرضه وطالباً معاقبة الحاكم. هذه المرة قام محمد بقطع رأس أحد السفراء، وأعاد الآخرين بعد أن حلق رؤوسهم، وهي إهانة بالغة في عرف المغول.
أرسل جنكيز خان رسالةً إلى الشاه جاء فيها: «أنت تريد الحرب، والمقدور سوف يكون، والله وحده يعرف ما ستنتهي إليه الأمور».
حشد خان قواته، وفي عام 1220 هاجم مقاطعة إنالشيك وحاصر عاصمتها، وأسر هذا الحاكم وأعدمه بصبّ الفضة المنصهرة في أذنيه وعينيه.
في العام التالي قام خان بشن سلسلة من هجمات حرب العصابات ضد الجيش الهائل للشاه، وكانت هذه الطريقة جديدةً تماماً على عصره. كان جنوده يتحركون بسرعة كبيرة على أحصنة دون سرج، ويطلقون السهام وهم يتحركون. واستطاعت هذه السرعة والمرونة أن تضلّل الشاه محمد عن توقع أين ستتجه قوات جنكيز خان وماذا ستضرب في كل تحرك.
وفي النهاية استطاع خان الاختراق إلى العاصمة سمرقند وحاصرها، وفر محمد ومات بعد عام، وتمزقت إمبراطوريته وانهارت، وأصبح جنكيز خان الحاكم الأوحد لسمرقند وطريق الحرير وأغلب شمال آسيا.
التعليق:
لا تظن أبداً أن الشخص الذي تتعامل معه أضعف أو أقل أهمية منك؛ فبعض الأشخاص يتحلّون بالحلم ويبطئون في إظهار الشدّة، ويجب ألّا يغريك ذلك بأن تسيء الحكم عليهم وتظن أنهم بلا نخوة وتتجرأ على إهانتهم، فحينها ستجدهم يهاجمونك بعنف يبدو مفاجئاً وشديداً مقارنةً بما أظهروه قبله من حلم.
إن أردت أن ترفض طلب أحد، فارفضه بأدب واحترام، حتى إن رأيت في الطلب وقاحةً أو سخفاً، ولا تصد أحداً بصلف وإهانة إن لم تكن تعرفه جيداً، فربما تجد نفسك تواجه جنكيز خان آخر.
الانتهاك الثاني:
في عشرينيات القرن العشرين قام أمهر المحتالين في أمريكا بتأسيس رابطة لهم قاعدتها في مدينة دينفر بولاية كولورادو، وكانوا ينتشرون في أشهر الشتاء في الولايات الجنوبية يمارسون حيلهم.
في عام 1920 كان جو فوري، وهو من قادة الرابطة، ناشطاً في ولاية تكساس، حيث قام بمئات الحيل التقليدية. وفي مدينة فورت وورث ألقى شباكه على راعي بقر يملك قطيعاً هائلاً اسمه ج. فرانك نورفليت، وأوقعه ضحيةً لإحدى حيله، فبعد أن أقنعه بأنه سيجني ثروةً هائلةً أخذ منه 45000 دولار، وكان ذلك كل رصيده البنكي.
وبعدها بأيام أعطاه «الملايين التي ربحها»، والتي اكتشف نورفليت بعد ذلك أنها لم تكن إلا بضع أوراق نقدية حقيقية تغلف قصاصات جرائد.
قام فوري ورجاله من قبل بأداء هذه الحيلة على مئات الأشخاص، وكان الضحية يشعر بحرج كبير من سذاجته، فيتعلم الدرس صامتاً ويقبل بالخسارة. لكن نورفليت لم يكن من هذا النوع، فتوجه إلى الشرطة، والذين أخبروه أنه ليس في إمكانهم شيء لمساعدته، فرد عليهم نورفليت: «إذن سوف أطاردهم بنفسي، حتى لو تطلب ذلك ما تبقّى من حياتي».
تولّت زوجته شؤون المزرعة، بينما خرج نورفليت في رحلة يجوب أنحاء البلاد باحثاً عن ضحايا وقعوا في الخدعة نفسها. وقد تقدمت معه ضحية أخرى، واستطاعا معاً أن يجدا أحد المحتالين في سان فرانسيسكو، وسلّماه مقيّداً إلى الشرطة، ولكن الرجل فضّل الانتحار على معاناة السجن لفترة طويلة.
استمر نورفليت، وتتبع محتالاً آخر وأمسك به في ولاية مونتانا، وربط حبلاً حول عنقه وسحبه كالبقرة عبر الشوارع الموحلة حتى سلّمه إلى شرطة المدينة.
لم يكتفِ نورفليت بالترحال في أنحاء أمريكا، بل تجاوزها إلى بريطانيا وكندا والمكسيك، بحثاً عن جو فوري وعن ذراعه الأيمن و. ب. سبنسر. واستطاع أن يجد سبنسر في مونتريال وطرده في الشوارع، لكن سبنسر استطاع أن يهرب. فلاحقه نورفليت حتى وجده في مدينة سولت ليك، لكن سبنسر فضّل رحمة القانون على قسوة راعي البقر، فسلّم نفسه للشرطة.
نجح نورفليت في أن يجد جو فوري في جاكسونفيل بولاية فلوريدا، وقرر أن يصحبه بنفسه لينال عقابه في تكساس. لم يكتفِ نورفليت بذلك، وعزم على التوجه إلى دينفر وتدمير الرابطة بكاملها. ولم تكلّفه هذه المطاردة أموالاً طائلةً فحسب، بل عاماً آخر من حياته، وفي النهاية استطاع أن يضع جميع أعضاء الرابطة خلف القضبان، وكان بعضهم قد سلّم نفسه إلى السلطة خوفاً منه.
بعد خمس سنوات قضاها نورفليت في المطاردة استطاع بمفرده أن يدمّر أكبر اتحاد للمحتالين، وقد أفلسته هذه المساعي وحطّمت زواجه، ولكنه مات راضياً.
التعليق:
معظم الناس يتقبلون التحايل عليهم بنوع من الإذعان، فيتعلمون الدرس ويرضون بالخسارة؛ لأن لا شيء يأتي مجاناً، وغالباً ما يكونون قد وقعوا في الفخ بسبب جشعهم ورغبتهم في كسب مال سهل وسريع. إلا أن هناك آخرين لا يذعنون أبداً، وبدلاً من الندم على سذاجتهم وجشعهم لا يرون في أنفسهم إلا ضحايا أبرياء تماماً.
أمثال هؤلاء الرجال يظهرون أنفسهم كأنهم أبطال يدافعون عن الحقوق والكرامة، ولكن في داخلهم، في الحقيقة، يكمن خور مفرط، وتعرّضهم للاستهانة والخداع يلهب داخلهم التشكك بأنفسهم، فيسعون بكل ما أوتوا من القوة لإصلاح الخلل.
هل كان ثأر نورفليت للجرح الذي تعرض له مبرراً كافياً ليرهن مزرعته ويدمّر أسرته ويقضي سنوات في الاستدانة والإقامة في أحقر الفنادق؟ بالنسبة إلى أمثال نورفليت في هذا العالم، يستحق الثأر للتجريح كل ما يتطلبه من ثمن مهما كان غالياً.
كل الناس لديهم خور ما في العزيمة، وغالباً ما تكون أفضل الطرق لخداع الآخرين هي التلاعب بما لديهم من خور. إلا أنه في عالم السطوة يكون كل شيء بمقدار، ويُعَدّ من الخطر التعامل مع من لديهم خور يفوق المعتاد.
وعليك، إن كنت تمارس الخداع أو التحايل بأي من أشكاله، أن تعرف هدفك جيداً؛ فبعض الأشخاص لا يسمح لهم خورهم وضعف نواصيهم أن يتحملوا أقل استخفاف من الآخرين نحوهم. ولكي تعرف إن كان من تتعامل معه من هذا النوع من الرجال، يمكنك أن تقوم باختبار بسيط: أطلق تهكماً خفيفاً عليه؛ فالشخص الراسخ والواثق من نفسه سيضحك على التعليق، ولكن الخائر سيراه إهانةً لشخصه. وإن ارتبت في أن من تستهدفه من النوع الخائر، فابحث لنفسك عن ضحية أخرى.
الانتهاك الثالث:
في القرن الخامس ق.م.، وفي مملكة شين، الصين حالياً، حُكم على الأمير شونج إره بترك البلاد إلى المنفى، وكان عليه أن يعيش حياة الكفاف، وأحياناً الفقر، إلى أن يتمكن من استعادة وضعه السابق كأمير.
وبينما كان شونج إره يعبر إمارة شنج، لم يتعرف عليه حاكمها وعامله بفظاظة. وحين رأى وزيره ذلك قال له: «هذا الرجل من كبار الأمراء، فلعل سموكم تظهرون له بعض الاحترام حتى يدين لكم بالعرفان».
لكن الحاكم، حين رأى الوضع المزري للأمير، تجاهل نصيحة وزيره وأهان الأمير مرةً أخرى، فحذره الوزير ثانيةً قائلاً: «إن لم تكن لدى سموكم الرغبة في التعامل باحترام مع الأمير، فاقتله الآن حتى تأمن شره في المستقبل». لكن الحاكم لم يكن يريد سوى الاستهزاء والسخرية.
بعدها بسنوات استطاع الأمير أن يعود إلى وطنه، وتغيّرت أحواله تماماً، ولم يستطع أن ينسى من تعاطف معه ومن أهانه أثناء سنوات محنته. ما لم ينسه الأمير أبداً هو معاملة حاكم شنج المهينة له، وفي أول فرصة جمع جيشاً هائلاً وزحف نحو شنج، واستولى على ثمان من مدنها، وأرسل حاكمها إلى المنفى.
التعليق:
لا يمكنك أبداً أن تتأكد من مكانة من تتعامل معه؛ فقليل الشأن اليوم قد يكون غداً ذا سطوة كبيرة، ونحن كبشر ننسى الكثير في حياتنا، ولكننا لا ننسى أبداً الإهانة.
كيف كان لحاكم شنج أن يعرف أن شونج إره من النمط الطموح الذي يحسب ويخطط ويراوغ حتى يصل إلى ما يريد؟ وكيف كان له أن يعرف أنه ثعبان ذو ذاكرة لا تلين مع الزمن؟ الحقيقة أنه لا توجد طريقة يمكنه أن يعرف بها ذلك، وكان الأسلم له ألّا يستفز القدر الذي جعله يعرف.
لا يربح الشخص شيئاً من إهانة أحد دون داعٍ، وعليك أن تقمع اندفاعك لإهانة أي شخص، حتى لو بدا لك ضعيفاً؛ فالقدر الضئيل من إرضاء الغرور الذي قد تحصل عليه لا يساوي أبداً الخطر من أن يكتسب هذا الشخص المكانة أو القدرة ليؤذيك.
الانتهاك الرابع:
كان عام 1920 عام نحس شديد على تجار الأعمال الفنية في أمريكا، فقد أخذ المشترون الكبار، وكانوا من أباطرة اللصوص في القرن التاسع عشر، يشيخون ويموتون بأعداد كبيرة كالذباب، ولم يظهر أثرياء يخلفونهم. وساءت الأحوال لدرجة جعلت عدداً من كبار التجار يجمعون مواردهم في صندوق مشترك، وهو ما لم يفعله أحد من قبلهم أبداً؛ لأن ما كان بين تجار الفنون من توافق لا يختلف عن ذاك الذي بين القطط والكلاب.
جوزيف دوفين، تاجر الفنون الذي كان يبيع لوحاته لزعماء الاقتصاد في أمريكا، أخذ يعاني أكثر من غيره في ذلك العام، وقرر أن يساهم في الصندوق المشترك، وأصبحت المجموعة تتكون من أكبر خمسة تجار في البلاد.
قررت المجموعة أثناء البحث عن زبون جديد أن هنري فورد هو أملهم الأخير. كان فورد وقتها أكثر الأمريكيين ثراءً، ولم يكن قد خاض من قبل في تجارة الأعمال الفنية، وكان هدفاً ثميناً لدرجة جعلت تجمعهم للعمل معاً قراراً حكيماً.
قرر التجار إعداد قائمة تتضمن «أعظم 100 لوحة في العالم»، و«تصادف» أنهم كانوا يملكونها جميعاً، وأن يعرضوا على فورد شراءها جميعاً في صفقة واحدة بحيث تجعله أكبر مقتنٍ في العالم.
وعمل اتحادهم لأسابيع على إصدار عمل رائع: كتاب من ثلاثة أجزاء يحوي نسخاً جميلةً للوحات، وبجوار كل منها شرح بليغ عن تاريخها ومحتواها. بعدها ذهبوا لزيارة فورد في منزله في ديربورن بولاية ميشجن، وأدهشتهم بساطة المنزل؛ بدا لهم بوضوح أن السيد فورد رجل غير متكلّف ولا يهتم أبداً بالمظاهر.
استقبلهم فورد في مكتبه، وبدأ في تأمل الكتاب وأظهر إعجابه وتأثره، وبدأ التجار في تخيل الأموال الطائلة التي سوف تنصب في جيوبهم قريباً، ولكن فورد وضع الكتاب وقال لهم: «أيها السادة، لا بد أن يكون ثمن كتب بهذه الجودة وصور ملونة بهذا الجمال كبيراً!».
فاعترضه دوفين قائلاً: «سيد فورد، لم نأتِ إليك لتشتري هذه الكتب، فهي هدية منا إليك؛ طبعناها لنعرض لك اللوحات».
تحيّر فورد وقال: «هذا لطف كبير منكم أيها السادة، ولكن كيف يمكنني أن أقبل هديةً جميلةً ومكلفةً كهذه من غرباء».
فأخبره دوفين أن الصور في الكتاب هي للوحات يأملون في بيعها له. أخيراً فهم فورد، ولكنه قال متعجباً: «لكن، سادتي، ما الذي قد أريده من اللوحات الأصلية إن كانت الصور التي في الكتاب على هذا القدر من الجمال؟».
التعليق:
كان دوفين يعتز بقدرته على دراسة ضحاياه وزبائنه، والتعرف على نقاط ضعفهم وذوقهم في الفنون حتى قبل أن يقابلهم. ولكن بسبب الحالة البائسة التي كانت عليها تجارته وقتها، تجاهل هذا التكتيك في هجمته على فورد، وقد احتاج إلى شهور حتى يتعافى نفسياً ومادياً من هذا الخطأ في التقدير.
كان فورد من النمط البسيط حقاً، ودون تكلّف، ولم يكن يستحق الجهد المبذول في استدراجه. كان من النوع العملي تماماً، ولم يكن يملك من الخيال ما يكفيك لخدعه. ومن وقتها ركز دوفين جهوده على أمثال ميلون ومورجان، وهم أشخاص لديهم من البراعة والخيال ما يكفي لتمكين أمثال دوفين من استدراجهم.
مفاتيح للسطوة:
أهم المهارات اللازمة لاكتساب السطوة والاحتفاظ بها هي القدرة على قراءة الناس وعلى معرفة طبيعة من تتعامل معهم. فبدون ذلك تتخبط في الظلام: ليس فقط أنك قد تصيب أشخاصاً يؤذونك، بل ستخطئ أيضاً في اختيار من تعمل معهم، وقد تظن أنك تجامل أشخاصاً لتجد في الحقيقة أنك تهينهم.
قبل أن تبدأ في أي تحرك، حدّد بدقة طبيعة من ستتعامل معه، سواء كان خصماً أو ضحيةً؛ فبدون ذلك تضيع وقتك هباءً وترتكب الأخطاء. ادرس نقاط ضعف الآخرين، والشروخ في دفاعاتهم، ومناطق فخرهم وخورهم، واستشف باطنهم وظاهرهم قبل أن تقرر أن تتعامل معهم.
أخيراً، هناك أمران عليك أن تحذرهما:
الأول هو ألّا تعتمد أبداً على إحساسك أو فطنتك في تقييم خصومك، فسوف ترتكب أخطاءً مزعجةً إن اعتمدت على هذه المؤشرات غير الدقيقة. لا شيء يغني عن المعلومات المحددة؛ فخذ ما يكفي من الوقت، مهما طال، في التعرف على خصمك والتجسس عليه؛ لأن ذلك سوف يؤتي ثماره على المدى الطويل.
ثانياً، لا تثق أبداً بالمظاهر؛ فمن لديه قلب أفعى قد يظهر الطيبة والتعاطف دائماً حتى لا يكتشف الناس سره، والشخص الذي تراه كثير النزاع والتهديد للآخرين غالباً ما يكون في حقيقته جباناً. عليك أن تعلّم نفسك رؤية التناقضات في المظاهر الخارجية، وأن تستقرئ ما يكمن تحت السطح، ولا تثق أبداً بالصورة التي يمنحها الناس لأنفسهم؛ فهي مضللة تماماً.
الصورة: الصياد
لا يصنع الفخ نفسه للذئب وللثعلب، ولا يضع الطعم في مكان لن تأتيه الضحية. فهو يعرف بدقة عادات فريسته وأماكن اختبائها، ويستخدم هذه المعرفة لاصطيادها.
اقتباس من معلم:
»لتكن واثقاً من أنه لا يوجد أحد قليل القيمة أو الأهمية إلى درجة أنك لن تحتاج يوماً إلى مهارته وخبرته، والتي لن يعطيها إليك إن كنت تحتقره وتزدريه. فالناس غالباً ما ينسون ما ارتُكب في حقهم من أخطاء، لكنهم لا ينسون أبداً من عاملهم باحتقار؛ لأن كبرياءهم سيذكّرهم به إلى الأبد». (لورد شسترفيلد، 1694 – 1773).
عكس القاعدة:
ما الذي يمكن أن يستفيده المرء من عدم فهمه للآخرين؟ إن لم تستطع أن تفرّق بين الليث والحمل فسوف تدفع الثمن لا محالة.
اتبع هذه القاعدة إلى أقصى ما تستطيع؛ فليس هناك ما يناقضها، ولن تجد ما يعكسها وإن حاولت.
المصدر THE 48 LAWS OF POWER, ROBERT GREENE (ترجمة د. هشام الحناوي)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق