الثلاثاء، 1 نوفمبر، 2016

• الكيمياء في مهب الريح

علم الكيمياء سلاح ذو حدين. ليس نعمة دائمة ولا لعنة مستمرة فهو يؤتي ثماره عند تسخيره في مجالات الصناعة والزراعة والطب، وهو يهدد حياة الإنسان إذا استخدم في صناعة أسلحة الدمار وملوثات الهواء. كيف يمكن تطويع هذا السلاح الخطر من أجل الإنسان؟

مصطلحات جديدة دخلت في قاموسنا العصري وحياتنا اليومية ووسائل الإعلام المختلفة مثل التلوث البيئي والأسلحة الكيماوية وثقب الأوزون. وتزداد المساحة المشغولة في ذهن الإنسان المعاصر كلما طرأ جديد. وفي الآونة الأخيرة خلال حرب الخليج كثر الحديث عن الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والغازات السامة والمتفجرات النووية.

وبالرغم من الاختلاف في المسميات التكنولوجية لهذه المصطلحات فإنها تندرج تحت تطبيقات الكيمياء، حتى تصور البعض أن الكيمياء هي المسئول عن ملوثات البيئة والإضرار بحياة الإنسان وتهديده فضلا عن تأثيراتها المناخية.

فالتلوث آفة العصر، وكثير منه ناجم عن أعمال نأتيها ولا ندرك مدى خطورتها، وقال رجل حكيم "ليس من خطأ يفوق خطأ من لا يفعل شيئا، لأن ما يستطيعه قليل"، إنه لمن السهل أن نقف مشدوهين مشلولين إزاء ما يطالعنا من أخبار عن المشاكل البيئية، في حين يستطيع كل منا أخذ مبادرات يومية بسيطة تجعل العالم مكانا أفضل للعيش لنا وللأجيال القادمة. وعلينا أن نتذكر أننا ما دمنا نحن سبب المشكلة فنحن أيضا بداية الحل.

الكيمياء وحدة متكاملة

قال بعض العلماء والمفكرين عن الكيمياء الصناعية إنها مصدر ثان للمواد الأولية بجانب المصدر الأول وهو الطبيعة. كما قالوا إن الطب الحديث مدين للكيمياء فيما توصل إليه من تقدم. وبشكل عام فالمقولات والمأثورات المختلفة عن المنتجات الكيميائية لا تعد ولا تحصى. ويمكن القول - وبدون مغالاة - إن المنتج الكيميائي أصبح ملموسا في شتى المجالات الصناعية واليومية، ومن الممكن التعرف علي المنتجات الكيميائية ضمن فروع الصناعة المختلفة، وفي الزراعة، والطب، والدفاع والفضاء، والطاقة وبدائلها، والثقافة. فكما تعتبر الحياة بدون كهرباء عسرة فإنها بدون الكيمياء شاقة. فالمنتج الكيميائي لا يتميز على نظيره الطبيعي فقط، ولكن في بعض الأحيان لا يوجد له نظير ضمن المواد الأولية الضرورية.

وعلى الرغم من التقدم في مجال الكيمياء فإن الآثار الجانبية لمنتجاتها قد تؤدي إلى تداعي البيئة، فمثلا مواد الوقود والفحم والمفاعلات النووية والأسمدة والمخلفات الصناعية والنفايات والغازات تلوث في النهاية الجو والتربة والمياه وتسبب ضررا بالصحة. هذا الاتهام الحقيقي يستوجب المناقشة الموضوعية في إطار واضح وصريح، فهناك بعض اللوم الموجه ليس له أساس علمي واختلفت فيه الآراء، والبعض الآخر يسترعي الانتباه.

المبيدات الحشرية لها قصة

في الآونة الأخيرة - وبصورة واضحة - اشتدت حملات التعنيف على المنتجات الكيميائية المستخدمة لحماية النباتات من الحشرات الضارة والأمراض والأعشاب غير المرغوب فيها ويطلق عليها "مبيدات حشرية".

يرجع فضل سرعة انتشار مبيدات الحشرات إلى سعرها المتدني وتأثيرها الفعال، ولقد نجحت في التصدي لبعض الآفات الزراعية بصورة منطقية مقبولة ساهمت في وقف زحف الجراد والبق والخنافس على المحاصيل الزراعية.

وفي عام 1948 حصل العالم السويسري مولليرو على جائزة نوبل نتيجة لاكتشافه مادة د. د. ت في صناعة مبيدات الحشرات، وتعتبر هذه المادة واستخداماتها خطوة رائدة في تطور هذا المجال الهام، وبعد عدة سنوات من الاستخدام اتضح من الدراسة أن د. د. ت يمكن أن تتجمع في الحيوان والنباتات التي يتغذى عليها الإنسان وتسبب متاعب صحية في أجهزته المختلفة كما أظهرت هذه الدراسة التأثير السام المباشر لهذه المادة والضار بالصحة. وإن كانت مبيدات الحشرات ضرورية إلى حد ما فإنها تسهم في تسميم المياه الجوفية إلى جانب إحداث اختلال في التوازنات البيئية لكل نوع وخاصة في مجال الحياة الحيوانية، وقد تؤدي إلى تدهور إنتاج التربة.

لذلك خضعت مبيدات الحشرات إلى بحوث مكثفة تهدف إلى دراسة تأثير السموم والأضرار الجانبية لها، وتوصلت إلى توصيات من أهمها منع استخدام د. د. ت لتأثيرها الضار بالصحة وبصفة خاصة عند رش المحاصيل الجذرية والدرنية التي يتغذى عليها الإنسان والحيوان. وفي إطار إيجاد بديل اتجهت البحوث إلى البيولوجي، وذلك باستخدام البكتريا والفيروسات لمكافحة الحشرات الضارة وأمراض النباتات، وتأثير استخدام البديل البيولوجي - كما اتضح من بحوث تكنولوجيا الزراعة - هو منع ظهور النباتات الضارة، وهذا يؤدي في النهاية إلى منتج زراعي يفتقر إلى المناعة اللازمة للجسم، فضلا عن أن طرق المعالجة البيولوجية والزراعية لم تتوصل - حتى الآن - إلى منافسة المبيدات الكيميائية، فالدراسات في مجال البكتريا لا تزال قليلة بجانب استخداماتها لأنواع معينة وتحت ظروف خاصة، فقلة من المحاصيل من الممكن خضوعها لهذا النوع من المعالجة مع مراعاة ظروف خاصة.

وفي هذه الأيام فإن الاتجاه العام يهدف إلى عدم نبذ الطرق الكيميائية كليا، بل الاتجاه إلى استخدام بدائل لها نفس قوة تأثير د. د. ت السامة، والتي لا يسبب تجمعها التأثير الضار على الإنسان، ولكنها تكون مؤثرة بالنسبة للحيوان.

لقد أظهرت نتائج التحاليل لأسباب التسمم أنها ترجع - في المقام الأول - إلى عدم الوعي في استخدام المبيد الكيميائي وفي كميته اللازمة لكل نوع من المحاصيل، ويمكن أن يأتي الخطأ من طرق التخزين إلى جانب عدم الالتزام بالكمية وطريقة التعامل وتقسيم الأراضي الزراعية وعدم التحكم والانتباه عند الرش. ففي مناطق كثيرة يرش المبيد الكيميائي من الهواء بالطائرات، مما يجعل سرعة الهواء من العوامل المؤثرة التي تصل بالمبيد إلى أماكن غير مرغوب فيها.

أمراض الأدوية والمضادات الحيوية

تمكنت الكيمياء - تضامنا مع البيولوجي والطب- من إرساء وسيلة فعالة للنضال ضد الأمراض منها السل (الدرن)، والجدري، واللوز، والملاريا، وأمراض أخرى فتاكة عانت منها البشرية وأودت بحياة الملايين، ولقد عانى كثير من المرضى لعدم احتواء العقاقير على مواد فعالة معينة لها تأثير منها المواد المخدرة، والمسكنات، والمهدئات مع قدرة على التوقع ومواد كيميائية أخرى.

ويشغل تخليق وتحليل عقار جديد عدة آلاف من الباحثين والمتخصصين لدراسة الخواص البيولوجية والعلاجية بجانب الوضع التكنولوجي للإنتاج، ولكي يسمح بتداول عقار جديد مقترح - في جميع بلاد العالم - لا بد أن يخضع لعدة تجارب وموافقات على أعلى المستويات السياسية للدول، وهذا الإجراء لم يختلف كثيرا عما كان يحدث في الماضي.

وفي عام 1945 حصل العالم الإنجليزي فليمنغ على جائزة نوبل لبحوثه الرائدة التي أدت إلى استخدام البنسلين في الطب، وهو أحد المضادات الحيوية الذي يتميز بتعدد الفاعلية، وساهمت المضادات الحيوية - بصورة عامة - في إنقاذ حياة ملايين البشر. ومنذ اكتشاف البنسلين مر ما يقرب من نصف قرن حيث اتضح أن سوء استخدام المضاد الحيوي وبكميات غير مقننة يؤدي إلى أمراض ذات طبيعة فطرية. ومع أن الإسبرين يعتبر مركبا كيميائيا فعالا وناجحا وواسع الانتشار لكثير من الأمراض فقد اتضح في الآونة الأخيرة تأثيره السلبي على بعض الناس، وهناك بعض العقاقير وجد أنها تؤدي إلى حساسية، وأخرى لها تأثير في النسل والإخصاب والعقم، ونوع يمكن أن يسبب التسمم، ومن ثم ظهر تحذير "أمراض الأدوية".

هل الكيمياء هي المسئولة عن كل هذه الآثار الجانبية؟ بالقطع لا. فأسباب هذه الآثار ترجع إلى سوء استخدام كمية المضادات الحيوية - كما ذكر من قبل - ولقد توصلت نتائج البحوث في هذا المجال إلى أن أمراض الأدوية سببها عدم استشارة الطبيب عند استخدامها بصورة دورية، وإهمال الطبيب أو عدم الرجوع إليه والاكتفاء بآراء غير المتخصصين، وعدم الالتزام بالجرعة اللازمة واتباع الإرشادات والنظام وتغاضي المريض عن حقيقة أن بعض المضادات الحيوية تستلزم نوعا صارما من التغذية والريجيم. وباختصار يرجع السبب إلى عدم اتباع المريض العبارة المشهورة "لا يستخدم إلا بإرشادات الطبيب" والتي تكتب على العقاقير.

وكثير من المواد الكيميائية لها فاعلية العلاج - في حالات معينة - إذا تم تعاطيها بكميات صغيرة مقننة وفي كميات كبيرة تكون ضارة التأثير، وأحيانا تؤدي إلى الموت، وينطبق هذا أيضا على مواد المكياج، والتي إذا ما استخدمت بكميات كبيرة تؤدي إلى أضرار بالجلد والعيون والشفاه والشعر، كما أن الكثرة في تناول الطعام تسمم الإنسان بجانب أنه لا يستطيع أن يتنفس الأوكسجين المركز فقط لمدة طويلة، علما بأنه لا يستطيع العيش بدونه، أي أن الإفراط يؤدي إلى الضرر بوجه عام.

وماذا عن الألياف الصناعية؟

مع التطور المطرد وزيادة الطلب على الضروريات أصبح هناك - في بلاد كثيرة - نقص في تحقيق احتياجات السكان المستمرة من الملابس والأحذية والمسكن والمأكل بدون بدائل أو تكملة للمصادر الطبيعية لهذه الخامات بمواد أخرى تخليقية صناعية، فصناعة الألبان والنسيج والدهانات يمكن أن تتأثر كفاءتها الإنتاجية إذا جرى الاعتماد على الموارد الطبيعية فقط، فمثلا استخلاص الكحول الأثيلي من البترول أو من تخمر المحاصيل الزراعية يستهلك كثيرا من هذه المواد اللازمة لسد النقص في الغذاء، ومن هنا ظهرت الحاجة الماسة إلى تخليق وتصنيع الألياف الصناعية كبديل للقطن والحرير والصوف وحتى الفراء، ويستخدم في إنتاج وصناعة الملابس وتوفير مواد صناعية هامة أخرى.

وغالبا ما تكون المادة الصناعية البديلة على درجة عالية من الكفاءة، فالقميص النايلون سهل في عملية الغسيل وإزالة البقع والمواد اللاصقة، سريع في طرد المياه من على سطوحه، وبالتالي لا يأخذ وقتا لكي يجف، فضلا عن أنه لا يحتاج إلى كي حيث إنه لا يتعرض إلى "الكرمشة"، ولكن هناك بعض النقص المصاحب لهذه المميزات، فالقميص النايلون يؤدي إلى زيادة في نسبة العرق وعدم السماح بتهوية مسام الجسم، لأن مادة النايلون - وهي من اللدائن الكيميائية - غير مسامية، لذلك لا تسمح بمرور بخار الماء خلالها بعكس الصوف والحرير والقطن.

ولقد توصلت البحوث في هذا الاتجاه إلى عدم إقرار استبدال المواد التقليدية تماما، ويوصى باستخدام خليط بنسب معينة من ألياف صناعية ومواد طبيعية، وهو ما يستخدم بشكل واضح حاليا في المجال الصناعي مثل الصوف مع التيرسليين، والقطن مع النايلون، والقطن مع البوليسترات وأنواع أخرى يمكن التعرف عليها كمواد تدخل في صناعة الملابس.

والاتجاه في خطط البحوث في مجال الكيمياء الحديثة هو محاولة إدخال بعض التعديلات التركيبية من ألياف صناعية، والمنتظر أن يعالج ذلك بعض النقص في هذا المجال.

المطلوب هو الثقافة والتوعية

الأمثلة على استخدام الكيمياء في الصناعة بشكل عام وفي حياتنا اليومية بوجه خاص لا تعد، ويمكن القول - وبدون مغالاة - إن العصر الآتي هو العصر الكيميائي، وباستعراض الحقائق والبراهين من هذا الكم الهائل من التطبيقات يمكن الوصول إلى استنباط نفس الأفكار السالبة والمتشابهة.

وقد قطعت الكيمياء التطبيقية شوطا كبيرا من التقدم ولا تزال مستمرة في جميع مجالات البحوث ويمكن التعرف عليها في المجتمع البيولوجي أو الزراعي، والطبي والصيدلي ولا سيما التكنولوجي.

وبما أن التوقف عن استخدام المنتجات الكيميائية أصبح غير ذي بال، لذا فإن هذه الدراسات يجب استمرارها وبصفة دائمة وبدون توقف لملاحقة التطور السريع في شتى المجالات الكيميائية. والتنويه من الآن لتحديد ميعاد محدد للعمل وفق هذه الخطة حيث إن بعض المواد السامة بدأت فعلا في التجمع داخل جسم الإنسان. والتخلص من آثارها يحتاج لفترة ليست بالقصيرة، والعمل على سرعة إصدار دليل كيميائي يحتوي على المواد المستخدمة ونسب تكوينها ونسب المواد السامة بها بطريقة علمية دقيقة، وهذا يتطلب مجهودات مكثفة من حكومات الأقطار العربية والدعوة إلى إنشاء مجلس عربي للكيمياء تكون مهمته الإشراف على جميع الهيئات والمصانع والتوعية والإحصاء واقتراح الحلول، ومراقبة ومتابعة الدول التي تحاول استخدام بعض الدول النامية في التخلص من نفاياتها الصناعية.

عطايا وهبات

صحيح أن هناك في بعض الدول العربية أجهزة لمتابعة الإشراف على المنتجات الصناعية وحماية البيئة من التلوث، لكن يعوزها التوعية والتنسيق والرعاية بجانب الإمكانات، وما حدث في حرب الخليج الأخيرة من كارثة التلوث البيئي نتيجة لبقع الزيت في الخليج أو لاشتعال آبار البترول لهو خير دليل.

إن التقدم في علم الكيمياء يحتاج على نطاق واسع إلى الوصول بالمعلومات الكيميائية حتى لطلاب المدارس الابتدائية وربات البيوت، وللتوعية باستخدام طرق الإعلام المختلفة من المسموعة والمقروءة والمرئية، هذا إلى جانب تربية النشء على التعايش مع المنتج الكيميائي ومناقشته، وهنا في الوطن العربي لا يوجد كتاب دراسي يهتم بدراسة هذه الموضوعات الحيوية وغيرها، حتى لطلاب المرحلة الثانوية، ومن هنا وجب التركيز على القيادات العربية لحماية الناس والطبيعة، حيث إن المنتجات الكيميائية قد تؤدي إلى تلوث البيئة، والعمل على إغلاق الورش والمصانع التي لا تتبع فيها طرق الحماية والتخلص من العوادم الصناعية والأمن الصناعي.

ومن عام لآخر تعم علينا بسخاء عطايا الكيمياء ولا نستطيع العدول عن هذه الهبات، فرفض هذه المنتجات التخليقية والصناعية يؤثر مباشرة على القاعدة الصناعية ويعود بنا إلى منتصف القرن العشرين، وما ظهر من نتائج سالبة لبعض المنتجات الكيميائية يحتاج لمزيد من الدراسة والوعي، ولا يقلل من أهمية الكيمياء، مع الأخذ في الاعتبار أن نفايات الكيمياء يمكن استغلالها كمواد أولية لصناعات أخرى، بمزيد من الصبر والدراسة والإعلام والتوعية.
عصام عزو 






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق