الاثنين، 12 مارس 2018

• شرح قصيدة: يا ليل الصَّبُّ


يَا لَيْلُ الصَّبُّ مَتَى غَدُهُ * أَقِيَامُ السَّاعَةِ مَوْعِدُهُ
بدأ الشاعر قصيدته بنداء الليل: "يا ليلُ"، ثم وجّه له سؤالًا؛ "الصبُّ متى غده"؟ فـ "صبُّ" ليست مضافة إلى "ليلُ"، فكلاهما مرفوعان. يقول: يا ليل، متى لقاء الحبيب؟ متى تأتي الليلة التي يكون غدها لقاءه؟ أم أن لقاءه بعيدٌ جدًا كقيام الساعة؟!
رَقَـدَ السُّمَّـارُ فَأَرَّقَـهُ * أَسَفٌ للبَيْنِ يُرَدِّدُهُ

"رقد السُّمّار" والسَّمَرُ هو السَّهر آخر الليل للحديث. فيقول مخاطبًا الليل: حتى السّمّار رقدوا إلا أنا؛ أرّقني فراق حبيبي.
فَبَكاهُ النَّجْمُ ورَقَّ لـهُ * ممّا يَرْعَاهُ ويَرْصُدُهُ
يصف الشاعر حاله الحزينة وسهره المرير، يقلب بصره في السماء يناظر النجوم ويرصدها، حتى النجومُ بكت عليه ورقّت لحاله ولطول نظره إليها.
كَلِفٌ بِغَزَالٍ ذي هَيَفٍ * خَوْفَ الوَاشِينَ يُشَرِّدُهُ
يفضي الشاعر بسر أرقه وسهره إلى الليل والنجم فيقول: مولعٌ ومغرمٌ بغزال ذو خصر ضامر وبطن رشيق. والعرب دائمًا تشبه المحبوب الجميل بالظبي وبالغزال وبالشادن لرقة خصورهم وسحر عيونهم ورشاقة حركتهم. ولعفة محبوبه يأبى أن يلاقيه خوفًا من الواشين أن يتحدثوا عنه بسوء.
نَصَبَتْ عَيْنَايَ لَهُ شَرَكَاً * في النَّوْمِِ فَعَزَّ تَصَيُّدُهُ
يقول: بما أنه عزت علي رؤيته في الحقيقة؛ فأنام علِّيَ أراه في المنام، وبما أن محبوبه غزال؛ فقد نصب له عينَه شركًا ليسقط فيه ويراه، ولكنه صعب الصيد في الحقيقة وصعب الصيد كذلك في النوم.
وَكَفَى عَجَبَاً أنِّي قَنِصٌ * للسِّرْبِ سَبَانِي أَغْيَدُهُ
يقول: يكفي عجبًا من حالي أنني قَنِصٌ، أي بارع في الصيد، فحين رأيت أجمل وأنعم غزال لم أستطع صيده؛ بل هو من اصطادني وسباني.
صَنَمٌ للفِتْنَةِ مُنْتَصِـبٌ * أَهْوَاهُ وَلا أَتَعَبَّـدُهُ
من جمال محبوبه شبه بالصنم الفاتن، الذي انتصب لفتنة الخلق، فهو حقيق بالعبادة؛ لكن توحيد الشاعر يأبى عليه ويقول: أعشقه وأهواه ولا أعبده.
صَاحٍ والخَمْرُ جَنَى فَمِهِ * سَكْرَانُ اللَّحْظِ مُعَرْبِدُهُ
يقول الشاعر أن محبوبه لا يشرب الخمر؛ مع ذلك فالخمر تُجنى وتقطر من فمه. ثم يضرب الشاعر صورة بارعة فاتنة في غاية الجمال عن عين محبوبه فيقول: عينه سكرانة عربيدة، لا تعرف حقًا ولا تنكر عيبًا، فهي لا تراعي أحدًا تنظر إليه، ولا تحترم من ينظر إليها؛ بل تذيقه ألوانًا من العربدة ولكن بالنظر فقط.
يَنْضُو مِنْ مُقْلَتِهِ سَيْفَاً * وَكَأَنَّ نُعَاسَاً يُغْمِـدُهُ
يستمر الشاعر في ضرب أبدع وأفتن الصور لوصف عيني محبوبه فيقول: ما إن ينظر إليك؛ يخرج من عينه سيفٌ باتجاهك ليقتلك، لكن النعاس الفاتن الذي على عينه يعيد ذلك السيف ويغمده. ومعلوم أن العين الناعسة هي أفتن العيون وأحلاها، فجمع محبوبه بين العين القاتلة والعين الناعسة؛ فهذه تقيد تلك ولا تدعها تقتل.
فَيُرِيقُ دَمَ العُشَّاقِ بِـهِ * والويلُ لِمَنْ يَتَقَلَّـدُهُ
مع ذلك؛ كل من يحبه أو يعشقه يهريق دمه، كيف لا وقد أطال النظر إلى عينه، فالويل كل الويل لمن ترك نفسه أمام تلك الأعين.
كَلاّ، لا ذَنْبَ لِمَنْ قَتَلَتْ * عَيْنَاهُ وَلَمْ تَقْتُلْ يَـدُهُ
فيقول مبرئًا لحبيبه: لا ذنب له ولا وزر عليه،
فهو لم يقتل أحدًا بيده؛ إنما قتل بعينه، فمذ متى كان المرء مؤاخدًا بالنظر؟!
يَا مَنْ جَحَدَتْ عَيْنَاهُ دَمِي * وَعَلَى خَدَّيْهِ تَـوَرُّدُهُ
خَدَّاكَ قَدْ اعْتَرَفَا بِدَمِي * فَعَلامَ جُفُونُكَ تَجْحَدُهُ
يقول: سيف عينك أهراق دمي، وعيونك الناعسة تحاول تخفيه وتُغمده جاحدة ومنكرة قتلها لي وسفكها دمي؛ لكن حمرة وجنتيك وتوردهما أكبر دليل على أنك أنت الذي قتلتني، حتى بصرف عينك عني وكأنها لا ترى دمي؛ إلا أن خدك يراه ويقر بالجرم ويشهد على عينيك متلبسة.
إِنِّي لأُعِيذُكَ مِنْ قَتْلِي * وَأَظُنُّكَ لا تَتَعَمَّـدُهُ
يقول بعد كل هذا العتاب ورميه عين محبوبه بالتهم: ما كان لمحبوبي أن يتعمد قتلي، وإني أعيذه من أن يقتلني. فهو يعوذ حبيبه من أن تسبب عيناه القتل له سهوًا أو غلطًا أو دون قصد.
بِاللهِ هَبِ المُشْتَاقَ كَرَىً * فَلَعَلَّ خَيَالَكَ يُسْعِـدُهُ
يكمل مناجاته لمعشوقه فيقول: هب لي نومًا علّيَ أراك أو أرى حتى خيالك بالمنام فتكون سعادتي وراحتي.
مَا ضَرَّكَ لَوْ دَاوَيْتَ ضَنَى * صَبٍّ يُدْنِيكَ وَتُبْعِـدُهُ
يقول له: ماذا يضرك لو أنك داويت تعب ومرض عاشقك ومحبك الذي يحاول التقرب منك وأنت لا تنفك تبعده عنك وتأبى لقاءه.
لَمْ يُبْقِ هَوَاكَ لَهُ رَمَقَاً * فَلْيَبْكِ عَلَيْهِ عُـوَّدُهُ
يقول: حبُّك أضناني وأمرضني ولم يبقِ لي حتى رمق حياة، فعوّادي الذين يأتون لمعاودتي وأنا بفراش الموت يبكون تأسفًا علي وعلى حالي.
وَغَدَاً يَمْضِي أَوْ بَعْدَ غَدٍ * هَلْ مِنْ نَظَرٍ يَتَزَوَّدُهُ
وهكذا هي حالي كل يوم، أنتظر فقط أن أراك فأزداد بك قوة وعلى الحياة صبرًا.
يَا أَهْلَ الشَّوْقِ لَنَا شَرَقٌ * بِالدَّمْعِ يَفِيضُ مُوَرَّدُهُ
يناجي العشاق مثله والمشتاقون فيقول: من فيض وذرف دموعي أصبحت أتشرّق بها، فهل وصل أحدكم لهذا؟
يَهْوَى المُشْتَاقُ لِقَاءَكُمُ * وَصُرُوفُ الدَّهْرِ تُبَعِّدُهُ
كل ما يتمناه الشاعر هو أن يرى حبيبه، لكن الأقدار والأيام تأبى إلا إبعادهما.
مَا أَحْلَى الوَصْلَ وَأَعْذَبَهُ * لَولا الأَيَّامُ تُنَكِّـدُهُ
بِالبَيْنِ وَبِالْهِجْرَانِ ، فَيَا * لِفُؤَادِي كَيْفَ تَجَلُّدُهُ
يقول: ما أحلى الوصال ولقاء الحبيب لو أنه يدوم؛ فالأيام النكديّة تجلب الفراق والبعد للمعشوقين، ويتعجب من صمود وتجلد قلبه على بعد حبيبه وأن صابر على مرّ الأيام وفرقة معشوقه.
الحُبُّ أَعَفُّ ذَوِيهِ أَنَـا * غَيْرِي بِالْبَاطِلِ يُفْسِدُهُ
يختم الشاعر قصيدته العذبة الحلوة الرشيقة ببيت يخلده لنفسه ليرمز به إلى عفافه وطهارته وشهامته؛ فيقول: أنا أعفُّ محبوبي؛ فلا ألمسه ولا أقربه. ولعل هذا هو سبب شقاءه لأنه اختار أن يسلك درب العفة مع محبوبه؛ بينما غيره يفسد عذرية الحب ويدنسه بانتهاك حرمة محبوبه ويسلب منه عفته حتى ولو كان برضا من حبيبه، فالحب الحقيقي هو أن تحفظ عفة وطهر حبيبك وتصونهما عن كل ما يخدشهما أولًا منك ثم منك، فالشاعر يضرب لنا مثالًا في التّجلد والصّبر عن محبوبه حتى يكون حلالًا له بطريق شرعي أدبي.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق