الخميس، 3 نوفمبر، 2016

• يحيى حقّي

هذه تجربة فريدة في أدبنا العربي، كانت ثمرة علاقة بين كاتبين تفصلهما سنوات العمر، ويجمعهما عشق الكلمة. الأول هو أديبنا الكبير يحيى حقي الذي كنا نحسبه أديبا مقلا، والثاني هو الناقد فؤاد دوارة الذي حاول أن يثبت العكس فوهب الكثير من وقته وسنوات عمره كي يجمع ليحيى حقي اثني عشر كتابا كانت ضائعة وسط الصحف والمجلات الدورية وليقدم لنا يحيى حقي آخر غير الذي كنا نعرفه.

صدر أخيرا كتاب " كناسة الدكان " للأديب الكبير يحيى حقي، وهو الكتاب الثامن والعشرون من مؤلفاته الكاملة التي تصدرها " الهيئة المصرية العامة للكتاب " وبهذا الكتاب تكون مؤلفات الأديب الكبير قد اكتملت، وأحمد الله أني عشت حتى صدر هذا الكتاب، وأحمده أكثر أنه صدر في حياة مؤلفه، فاكتحلت عيناه بظهور مؤلفاته جميعا وهو على قيد الحياة.

ولصدور مؤلفات يحيى حقي قصة جديرة بأن تروى وفاء لتاريخنا الأدبي ، وتعريفا للأجيال الطالعة من أدبائنا بواقع الجيل السابق عليهم، وواجبهم نحوه، ونحو إبداعاته وتراثه القيم. فقد شاء حسن طالعي أن يربط بيني وأستاذنا الكبير حين قدر لي أن أعاونه في تحرير مجلة " المجلة" سبع سنوات خلال يقظة الستينيات، وما أكثر ما تعلمته منه خلال تلك السنوات وما شهدته من مواقفه المشرفة والمتفانية في خدمة الأدب والأدباء والمثل العليا، مما يتطلب حديثا طويلا، بل أحاديث وأحاديث، يكفيني أن أسجل له هنا وقفته الشجاعة إلى جواري في وجه ثورة الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة وقتها على بعض كتاباتي التي اعتبرها نقدا لسياسته في الوزارة، فإذا بيحيى حقي يتحمل مسئوليتها كاملة معي ، ويقرر بهدوء أنه مسئول عن كل حرف كتبته لأنه قرأه وأجاز نشره ، ويشفع ذلك بالثناء الكريم على شخصي وقلمي فتهدأ ثورة الوزير الغاضب، وإن أصر مع ذلك على نقلي.

كتب ضائعة وعرض مجحف

ومنذ أوائل السبعينيات قلت كتابات يحيى حقي حتى توقفت تماما سنة 1973، وكان قد صدر له ستة عشر كتابا مؤلفا غير الترجمات والمراجعات، فاعتبر كاتبا مقلا بالقياس إلى غزارة إنتاج كبار أدبائنا كالعقاد والمازني والحكيم. وحتى هذه الكتب الستة عشر لم تكن متوافرة في المكتبات لقدم العهد ببعضها، ولصدور بعضها الآخر في طبعات شعبية مثل " كتاب الهلال " أو " كتاب الجمهورية " أو " كتاب اليوم " مما جرت العادة على أن يطرح مع باعة الصحف بضعة أيام، ثم يختفي من الأسواق بعدها، وكان ذلك يسبب حرجا ليحيى حقي كلما طلبت منه مؤلفاته ولم يستطع تقديمها لمن يطلبها.

ومن شدة لهفة يحيى حقي على وجود كتبه في المكتبات، وخاصة بعد توقفه عن الكتابة، وافق على عرض مجحف من أحد الناشرين بإعادة طبعها كلها مقابل ألف جنيه لا غير. وبعد توقيع العقد إذا بهذا الناشر "الشاطر"، وقد أطمعه تساهل الأديب الكبير يحاول مضاعفة "شطارته" وأرباحه، وينزل بالمبلغ إلى النصف، مما اضطر يحيى حقي إلى الرفض.

ثم عرض د. حمدي السكوت على الأستاذ يحيى أن تقوم الجامعة الأمريكية بإعادة نشر كتبه مقابل ألفي جنيه، فاتصل بي يستشيرني.

وكان من رأيي أن الجامعة الأمريكية ليست جهة نشر، ولا نعرف أنها نشرت كتبا أدبية قبل ذلك ثم إن الدولة لها دار نشر هي " الهيئة المصرية العامة للكتاب " فلتم لا نعرض عليها إعادة طبع هذه الكتب، فإذا امتنعت، أصبحنا في حل أن ننشرها في الجامعة الأمريكية.

وتعهدت ليحيى حقي بأن أنوب عنه في هذه المهمة، إذ كان الدكتور محمود الشنيطي - رئيس هيئة الكتاب وقتها - صديقا وزميلا قديما.

لم يتردد د. الشنيطي في الموافقة، ولكنه اشترط ألا تدفع الهيئة أكثر من ألف وستمائة جنيه أي مائة جنيه عن كل كتاب، واشترط أن نصدر الكتاب الأول بسيرة ذاتية ليحيى حقي، وأن نضيف إلى بقية الكتب مواد جديدة لم يسبق نشرها ليساعد بذلك على رواجها.

ورحب يحيى حقي، ووقع العقد، ونص فيه - دون استشارتي- على أن أتولى أنا تقديم أصول الكتب والإضافات ومراجعة تجارب المطبعة وتوقيع أوامر الطبع، وهي ثقة كبيرة لم أستطع رفضها، بل حاولت النهوض بها على خير صورة ممكنة.

وهكذا وجدتني - دون أي ترتيب أو تفكير مسبق - غارقا في مؤلفات يحيى حقي ومقالاته وأحاديثه الصحفية وما كتب عنه، واستطعت في وقت قصير نسبيا أن أجمع له المادة اللازمة لسيرته الذاتية، وقرأتها عليه، فنقحها، وحذف منها، وأضاف إليها مقدمة ومؤخرة، وأسماها " أشجان عضو منتسب"، وهي التي تصدرت الكتاب الأول من مؤلفاته، وكنت قد اخترت " قنديل أم هاشم " لشهرته وشعبيته. وهو أول كتاب صدر ليحيى حقي، وكان ذلك سنة 1944، ومن عجب أنه رغم حجمه كان سببا في ذيوع شهرته.

وفي غمرة الحماسة لنجاح هذا المشروع الثقافي وإخراجه في أفضل صورة ممكنة أقنعت الأستاذ يحيى بإضافة عدد من الهوامش لشرح ما غمض من التعبيرات أو الاستعارات أو الأساطير، ومن أهل تلك الهوامش ما ذكره لي من أنه ظل أكثر من أسبوع يبحث عن الكلمات التي يضعها على لسان بطله " إسماعيل" في لحظة ثورته على الخرافة وتحطيمه لقنديل أم هاشم، وكيف أنقذه من حيرته تذكره لما قرأه عن الفيلسوف الألماني "نيتشه" حين أصيب بلوثة من الجنون فهبط من بيته وهو يصرخ (أنا.. أنا.. أنا).

وعهد الدكتور محمود الشنيطي إلى الفنان السكندري الكبير سيف وانلي برسم الكتاب، فرسم لوحة طريفة ليحيى حقي تصدرته، ومجموعة من " الموتيفات " الصغيرة الفاتنة لبدايات الفصول ونهاياتها، فخرج الكتاب تحفة فنية شكلا ومضمونا.

فضلت أن يصدر كل كتاب من كتب يحيى حقي مستقلا ليحتفظ بشخصيته ويباع بثمن في متناول عامة القراء، على أن أضيف للكتب الصغيرة الحجم مادة جديدة تتفق معها بحيث تتقارب أحجام الكتب قدر الإمكان. وهو ما واجهني في الكتاب الثاني " فجر القصة المصرية " لصغر حجمه مع جليل قدره، فأضفت إليه ست دراسات أخرى عن نفس المرحلة، كتبها يحيى حقي في فترات مختلفة منها ثلاث عن صديقه وزميل دربه في " المدرسة الحديثة " وريادة القصة القصيرة محمود طاهر لاشين، ودراسة بعنوان " القصة ماضيها ومستقبلها " زينت بها مجلة "المجلة" عددها الأول الصادر في يناير 1957، والمقدمة التي كتبها سنة 1964 لرواية عمه محمود طاهر حقي: " عذراء دنشواي "، ثم الدراسة الوحيدة عن اللوحات القصصية التي كتبها الشيخ مصطفى عبد الرازق بعنوان "مذكرات الشيخ فزارة" ولم يلتفت إليها تاريخ أدبنا الحديث.

يكفي كتابان أو ثلاثة

كان لا بد من وضع خطة تصدر الكتب بموجبها بطريقة منظمة، بحيث تختلف نوعياتها من كتاب لآخر، فتجتذب أكبر عدد ممكن من القراء مختلفي الاهتمامات. وحين أعدت النظر في الكتب الستة عشر وجدتها تنقسم إلى ثلاث نوعيات رئيسية هي: القصص، والكتابات النقدية، ثم المقالات الأدبية. فاتبعت هذا الترتيب لا إصدارها، فبدأنا - كما أشرت - بالقصص ممثلة في "قنديل أم هاشم" ثم ثنينا بالكتابات النقدية في " فجر القصة المصرية " وقد صدر سنة 1975، ثم أتبعناهما بكتاب "فكرة فابتسامة" الذي يمثل المقالات الأدبية، ولم يكن بحاجة إلى أي إضافة من حيث الحجم أو المادة، فاقتصر فيه دوري على المراجعة والتصحيح، وتحديد مكان نشر كل مقال وتاريخه وهو ما ينطبق أيضا على الكتابين التاليين: رواية " صح النوم " و " خطوات في النقد " اللذين أعيد نشرهما ومعهما "فكرة فابتسامة" سنة 1976.

وأثناء مراجعتي لمقالات وكتابات يحيى حقي التي لم تجمع في كتب من قبل لأختار منها ما أضيفه إلى بقية الكتب، وجدتني أمام ثروة من الإنتاج الأدبي القيم موزعة بين مختلف الصحف والمجلات على مدى أكثر من نصف قرن، وأحسست بعجزي عن الاختيار السليم ما لم توضع أمامي كل هذه الكتابات مجتمعة لكي أقارن بينها، وأحسن اختيار المادة المناسبة لكل كتاب.

وبتوجيهات الأستاذ يحيى حددنا أهم المجلات التي نشرت كتاباته ابتداء من "الفجر" و"السياسة الأسبوعية" و "البلاغ" في العشرينيات وانتهاء بـ "المساء" و "التعاون" و "المجلة" في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، وقمت بمراجعة مجموعات دار الكتب المصرية وتحديد الأعداد وتواريخها وأرقام الصفحات التي نشرت فيها هذه الكتابات بدقة. ولم تكن آلات التصوير والنسخ الحديثة قد انتشرت، فاضطررنا إلى الاعتماد على أسلوب "الميكروفيلم" الموجود بهيئة الكتاب بآلاته العتيقة، فصورت معظم المقالات في أفلام حمضت ثم كبرت، فبدت باهتة تحتاج إلى النسخ من جديد، وهو ما قمت به فعلا بعد أن رفضت المطبعة تسلم تلك الصور الباهتة.

وضح أمامي أن الكتابات التي اجتمعت لدي تكون ما لا يقل عن عشرة كتب مختلفة الموضوعات، من بينها مجموعة قصص كاملة لم يسبق نشرها في كتاب ولاحظت أن مستواها الفني جيد، بحيث يندر تحققه في أمثال هذه الكتابات التي تنشر عادة في الصحف والمجلات.

وحينما فاتحت الدكتور الشنيطي في الأمر، قال باستهانة:

-
يكفي كتابان أو ثلاثة، بالإضافة للكتب الأصلية

وبناء على ذلك أعلنت في نهاية الكتاب الأول أن مؤلفات يحيى حقي تصدر تباعا في عشرين كتابا.

حتى يحيى حقي نفسه لم يكن مقتنعا بأن كتاباته يمكن أن تكون مثل هذا العدد الكبير من الكتب، وظل غير مقتنع حتى صدرت الكتب فعلا، وأثنى عليها النقاد والأصدقاء، فاطمأن بعد طول القلق والشك، وازداد اطمئنانه حين منح سنة 1989 جائزة الملك فيصل عن القصة القصيرة.

إعادة شباب بعض الكتب

قلت إني حرصت بالنسبة للكتب التي سبق صدورها على الاحتفاظ بطابعها، والإضافة إلى صغار الحجم منها ما يتفق مع مادتها الأصلية، وتم ذلك كله بالتشاور مع يحيى حقي، فأضفنا إلى كتاب " دمعة فابتسامة " ست مقالات كان قد كتبها سنة 1930، أثناء عضله أمينا للمحفوظات بقنصليتنا بجدة، ونشرها بجريدة البلاغ بعنوان " الدعابة في المجتمع المصري " وبتوقيع " الحاج يحيى.. " وهي ثمرة قراءته لتاريخ الجبرتي وتعلقه به وتأمله في وقائعه.

وأضفنا إلى كتاب " تعال معي إلى الكونسير" مجموعة مقالات كتبها لجريدة " التعاون " عن " الكاريكاتير في موسيقى سيد درويش "، وإلى "حقيبة في يد مسافر " عددا آخر من رحلات قام بها إلى الصين وإيطاليا والغردقة، وإلى " دماء وطين " قصصا أخرى تدور أحداثها في الصعيد، وإلى " ناس في الظل " شخصيات أخرى من سكان الظل، وإلى " يا ليل يا عين " مقالاته عن السيرك والمولد، وهكذا.

كتابان فقط من الكتب القديمة سمحت لنفسي بالتدخل في مادتهما الأصلية: " عطر الأحباب " الذي احتفظت بنصفه الأول كما هو حيث حدد فيه يحيى حقي منهجه وأسلوبه في النقد الأدبي وطبقه بعد ذلك على ثلاثية نجيب محفوظ مع مقارنتها بـ " اللص والكلاب " فأضفت إلى ذلك ما تجمع لدي من مقالات في نقد للرواية المصرية والعالمية، ثم أنشأت قسما ثالثا لمقالاته التي تحدث فيها عن المازني وباكثير ومحمد عبده الزيات وغيرهم، ليظل عنوان الكتاب - وهو " عطر الأحباب " - منطبقا على مادته أو جزء منها.

والكتاب الآخر الذي غيرت في بنائه الأصلي هو " أنشودة للبساطة "، فقد وجدته يتحدث بالتفصيل عن فن القصة، والقصة القصيرة بالذات، فرأيت من المناسب أن أردف هذا الحديث الطويل بتطبيقات عملية من مقالات يحيى حقي عن مجموعات القصص القصيرة، ومقدماته لبعضها الآخر.

سوء تفاهم مع يحيى حقي

لا أنسى سوء التفاهم الذي حدث بيننا بسبب خطأ مطبعي في الطبعة الأولى من كتابه " أم العواجز"، في مستهل القصة الثانية "مرآة بغير زجاج" عبارة طبعت هكذا: "وأخذ الأشجار ربؤ خانق"، وقفت عند كلمة "ربؤ" واتصلت بيحيى حقي أسأله عنها فلم يحر جوابا وأثناء تقليبنا للأمر بمختلف احتمالاته، قلت له: هذه نتيجة كثرة تقليبك في المعاجم التي تضعها على مكتبك! فغضب إذ ظنني أتهمه بأنه يعتمد على المعاجم في اختيار مفرداته. واحتاج الأمر إلى بضعة أيام لكي تصفو نفسه، ولكي ندرك أن الكلمة التي حيرتنا ليست سوى " ربو " بدون همزة. وما أكثر الأمثلة والنوادر التي يمكن أن أرويها مما واجهنا خلال السبع عشرة سنة التي استغرقها نشر هذه المجموعة.

إني مؤمن بأننا لسنا أحرارا في اختيار أهلنا وأصدقائنا وظروف حياتنا والفرص التي تتاح لنا خلالها، ولكننا نتمتع بكامل حريتنا في حسن الإفادة مما يتاح لنا من كل ذلك، وأحمد الله على أن أنعم علي بنعمة صداقة أستاذنا يحيى حقي، وشرف العمل معه، والتتلمذ المباشر عليه فنيا وخلقيا، ثم أنعم علي أيضا بفرصة لرد بعضا جمائله وأفضاله عليّ.

ولا أستطيع أن أكتمك سعادتي بما بذلته من جهد في إعداد هذه الكتب ومراجعتها، وفخري بها حققته من سعادة لمبدعها وثناء المثقفين والنقاد. فلم يعد يحيى حقي بعدها كاتبا مقلا كما كان يقال عنه أحيانا، إذ أصبح له ثمانية وعشرون كتابا بعد أن كانت ستة عشر، منها سبع مجموعات قصصية وروايات، وتسعة كتب في فن المقال الأدبي، منها كتاب في التاريخ، وآخر في التأملات الدينية، وثالث في نقد الروتين الحكومي، بالإضافة إلى اثني عشر كتابا في النقد الأدبي والفني، منها كتاب خاص باللغويات - عشق الكلمة - وثان عن الشعر، وثالث عن المسرح، ورابع عن السينما وخامس عن الموسيقى والفن التشكيلي والعمارة، وسادس عن مشكلاتنا الثقافية بشكل عام ، وهكذا.

كل ذلك ولم أحدثك بعد عن كتاب " كناسة الدكان " آخر كتب هذه المجموعة، وهو الذي أثار صدوره في ذهني هذه الخواطر والذكريات، فلعلي أفعل ذلك في مناسبة قريبة إن أذن ربك.
فؤاد دوارة 





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق