الأربعاء، 11 أبريل 2018

• شرح قصيدة الأندلس الجديدة، أحمد شوقي


کغيره من شعراء البعث والإحياء، يضع الشاعر عنواناً للقصيدة، وهو يختار عنوان "الأندلس الجديدة" ليضرب عصفورين بحجر واحد، فمن جهة هو يذکر مدينة يفتخر بها تاريخ الإسلام ولها صددها في العالم الإسلامي، ومن جهة أخرى ينبأ الشّاعر قارئه أنّه سيکلّمه عن مدينة، "أخت الأندلس"، شکلت کالأندلس أوج الحضارة العربية الإسلامية. فسيخدم ذلك هدف أحمد شوقي: "رثاء أخت الأندلس، أدرنة". فبهذا يحمل عنوان هذه القصيدة شيئاً من الحزن والأسى. کما أنّ أحمد شوقي يحضر الماضي بقوة "أخت أندلس" "مقدونيا" مما ينتج عنه احساس بالحزن والاسى.

 تذکرنا المقطوعة الأولي للقصيدة النسيب، أي الافتتاحية الطلليّة التي نجدها في القصيدة الكلاسيكية، وبعد البيت الأوّل يباشر الشّاعر في وصف الحالة التي وصل إليها العالم بعد فقد الأندلس وأختها. ففي هذا الوصف الدقيق يأتي على ذکر الأسباب والعواقب، ونجد في طريقته هذه تجديداً في توظيف النّسيب، فهو يصل بينه وبقية القصيدة ويستعمله بمثابة مقدّمة لما سيسرده.
يربط الشاعر مدينة ترکية فقدت على الحدود بمدينة لها صددها في العالم العربي الإسلامي: الأندلس. فهو يذکر أوجه الشّبه بين حال أدرنة والأندلس "هوت الخلافة عنك والإسلام"، "بکما أصيب المسلمون وفيكما دفن اليراع وغيّب الصمصام".
يستعين إذاً الشاعر بكناية تدلّ عن الألم والحزن لما فقد والمأتم الدّائم. والإقرار بهذا الفقدان أدّى حقاً إلى انهيار أيام العّز وتاريخ العرب.
فكلمة "أيام" (البيت 7) ترمز إلى التاريخ وتحمل الإشارة إلى تاريخ العرب
الممتلئ بالنصر والعزّة والكرامة. غير أنّ هذا الوقت قد اختفي ويعود ذلك إلى الـ"قدر" والممالك (السلطة) التي لم تأخذ بعين الإعتبار الدّهر "والدّهر لا يألو الممالك منذراً فإذا غفلن فما عليه ملام".
ثمّ يجمع بين حالة أدرنة وحالة مقدونيا التي احتلّها الغرب، ويؤکّد في ندائه لها عن انتماءها للأمة الإسلامية، فيدافع عنها أمام المستنکرين من المسلمين لها.
التحليل
في سيّاق فكري حول الأصالة والمعاصرة ظهرت في الساحة الأدبيّة نخبة من الشّعراء تبنّت موقفاً شعرياً يدعو إلى إحياء الشعر العربي الكلاسيكي واتخاذ تقاليده الفنيّة. وکان خطابهم الشعري "خطاب البعث و الإحياء".
"الأندلس الجديدة"، قصيدة أحمد شوقي، تنتمي إلى هذا التيّار. و قد يتناول من خلالها إشكالية تراجع الحکم الإسلامي العثماني في قوّته وسيطرته؛ مستعينا مثال مدينة "أدرنة" التي فُقدت. فسنرى کيف يتحدّث أحمد شوقي عن قضية وطنية مستعملاً أسلوباً کلاسيكياً مضيفاً إليه سمات تيار البعث والإحياء.
تدخل قصيدة أحمد شوقي في إطار الرثاء، فکما شرحناه سابقاً، تبدأ القصيدة بافتتاحية طلليّة يذکر فيها الشاعر ما فقده مستعملا الحقل الدّلالي للألم والحزن "جرحان" " يسيل ولا يلتام" "مأتم"، کما يستعمل
الشّاعر ألفاظاً تعبّرعن شعوره "ليت" "أترينهم هانوا"، "صبرًا أدرنة!".
عرف أسلوب أحمد شوقي في خصوصية لجوئه إلى الصّور القديمة، وفي مثال قصيدتنا، لرثاء أدرنة وذکر الصّفات المشترکة بين الحاضر والماضي الذي يذکره. فيصف الماضي المجيد والمزدهر، فهو يفتخر بالدولة العثمانية التي عرفت انتصارات عديدة "کان بعزّهم وعلوّهم يتخايل
الإسلام". أمّا اليوم، فهو يستعيد تقهقر العهد الإسلامي عبر التاريخ والمناطق، فأصبحت المدن تفقد واحدة تلوى الأخرى (مقدونيا، أدرنة). وقول الشّاعر: "من فتح هاشم أو أميّة لم يضع أساسها تتر ولا
أعجام"، "واليوم حکم الله في مقدونيا لا نقض فيه لنا ولا إبرام" لتذکير مجد وقوّة الحضارة العربيّة الإسلامية التي فقدت مع مرور الزّمن.
تمزج قصيدة "الأندلس الجديدة" بين الأغراض الشعريّة الکلاسيکيّة وبين قضايا الشّاعر وهمومه. ونلاحظ ذلك من خلال الأدوات الفنيّة التي استعملها أحمد شوقي. فإذا درسنا شکل القصيدة لوجدنا شکلها عامودياً، بحرها طويل ووزنها واحد، کما أنّها تتبع قواعد العروض الخليلية. بالإضافة إلى ذلك نلاحظ أن الصّور عند أحمد شوقي تعتمد على أساليب الشعر العربي القديم. أمّا فيما يخص البناء الصّوتي فنلاحظ تکرار بعض الحروف (السين والميم) مما يجعل للقصيدة موسيقى داخلية هادئة رغم الذي أصاب المسلمين وهذا ما يفيد التّعبير عن مشاعر الشّاعر المتمثّلة في الألم. إذاً، إنّ حضور هذه المعطيات الموسيقية تؤکد انتماء النص إلى تيار البعث والإحياء.
يتّبع الشاعر تقاليد القصيدة العربية الكلاسيكيّة في التّصوير الفنّي ولكنّه يضفي عليها سمات من طابعه الجمالي الخاص. ونرى ذلك في الأساليب البلاغيّة التي يستعملها الشاعر. ففي الآبيات الأولى:
- يؤنّس في
ندائه الأندلس: "يا أخت الأندلس"، طريقة تبيّن أهمية أندلس
استعارة:
"نزل الهلال عن السّماء..."، تبيّن فقدان رمز الإسلام وبذلك زواله من تلك المنطقة.
"قدر يحط البدر وهو تمام"، يبيّن قدر أدرنة والأندلس. يشبّه الإسلام بالنّور الذي ينير العالم، وغيابه يأتي بالظلام "وعمّ العالمين ظلام". فنلاحظ أنّ أحمد شوقي يعمّ قصيدته بالأساليب البلاغية التي تزيد الإيقاع الدّاخلي للنصّ حزناً وألماً، کما أنه يستعين بكلّ ماهو يرمز للإسلام "الهلال"، "القدر"، "مساجد کنّ نوراً" لإبراز علاقته وفخره بالإسلام. وإلى جانب ذلك يستعمل أيضاً المجاز والاستعارة في إنشاء صور فنيّة تربط بين الأشياء المحسوسة والمجرّدة. مثلاً: الهلال رمز الإسلام (مجرّد)، نور الأمة الإسلامية، و"الظلام"(محسوس)، فإذا اختفى الإسلام عمّ الظلام.
- "خبت مساجد کنّ نورًا جامعًا تمشي إليه الأسد والآرام". العنصر المجرّد هي
"المساجد" والعنصر المحسوس هو "النور". فنرى أنّ المساجد کانت ما يزيّن وينير المدينة. كما أننا نلاحظ أن الصّفات الحسيّة الملصقة بالعناصر المجرّدة مستقاة من أفعال أو حالات خاصة بالإنسان، مثلا:
- الإسلام نجد فيه کلمة سلام ونرى بذلك عناية أحمد شوقي بالصياغة اللّغويّة.
عرف أحمد شوقي باهتمامه بالقضايا الاجتماعية، مما يجعل للمخاطب موقعاً متميّزاً داخل القصيدة. فنرى في المقطوعة الأولى رغبة الشاعر في إيصال ومشارکة حزنه ومأساته مع القارئ، فيجعل مصيبة أدرنة مصيبة المسلمين ككل کما کان الأمر للأندلس. وتابع ذلك في المقطوعة الثانية، حيث أنّه يؤکّد على وحدة الأمّة الإسلاميّة" المسلمون عشيرة"، ويزيد على ذلك نداء إلى مقدونيا التي فقدها المسلمون ويؤکّد في ندائه لها عن انتمائها للأمة الإسلامية، فيدافع عنها أمام المستنكرين من المسلمين لها. كما أنّه تجلّى في هذا الخطاب أسى الشاعر وحسرته و تجسّد ذلك في هيمنة الأسلوب الإنشائيّة: يا أخت أندلس عليك سلام"، نداء يبتدئ به الشاعر ويدّل على شوقه لهذه المدينة. "کيف الخؤولة فيك والأعمام"، "هل الممالك راحة ومنام؟"، استفهام يدلّ على حسرة الشاعر، فهو يتساءل عن حال (أهله). صبراً أدرنة!" يستعمل الشاعر علامة التعجّب و کأنّه يقول لأدرنة أنّه يتألّم معها.
رأينا من خلال دراستنا إلمام الشاعر باللّغة العربيّة حيث أنّه يبيّن مهارته في استعمال أساليب الشعر القديم حيث أنّه يستعمل بدقة البناء الصّوتي لخلق جوّ الرثاء والحزن، ويعتني بصياغته اللّغوية، فلا يضع کلمة إلاّ و هي في محلّها، هذا ما يعطي للقصيدة شيئا من الرّوحانية وکأنّها شخص يحكي و يبكي عماّ فقده، فيصل بذلك إحساس الشاعر عند قارئه وينتج عن ذلك علاقة وطيدة بينهما. وقد لاحظنا کذلك أنّ القصيدة تعتبر تجديداً للشعر الکلاسيکي مما يدخلها حيّز البعث والإحياء، أوّل شيء نرى فيه هو الالتزام بالشکل العمودي للقصيدة الکلاسيکية واستعمال البحور الخليلية. ثمّ إنّ وجود عنوان يجعل القصيدة تنفرد عن بقية القصائد الكلاسيکية، وتتجلّى بوحدة موضوعية، کما أنّ استعمال
النّسيب رمز الشعر القديم کمقدّمة لقصيدته يوضّح للقارئ إلمام الشاعر باللّغة، غير أنّ الشاعر يصل بين النّسيب وبين القصيدة مما يشکل تجديداً.
وأخيراً يتناول الشاعر موضوعاً اجتماعياً ووطنياً مهماً في عصره (تراجع الحضارة العربية الإسلامية بعد فقدان مدن عديدة)، فبذلك نجد في القصيدة المقوّمات الثلاث مقوّمات لتيّار "البعث والإحياء" :الشکل؛ التشبّع بالثقافة العربيّة الإسلاميّة؛ والجمع بين اللّغة السّليمة والمواضيع الآنية." ونرى في ما قاله غالي شكري تعريف الإحياء، فذلك ينطبق على معارضة الشاعرين اللّذان يستعملان نفس الأسلوب الذي استعمله ابن زيدون وعنترة، فهما يظهران حسن استعمالهما للغة مما يعطيهما الحق في معارضة الآخرين "تقديس الماضي"، (استعمال نفس الأسلوب) "وتوظيفه للحديث" (توظيفه لمبتغاهم وهناالمعارضة).





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق