الأربعاء، 11 يونيو، 2014

• العولمة: تأثيراتها بين السلبية والإيجابية


على الرغم من ازدياد استخدام مصطلح العولمة بين المثقفين في العالم في الآونة الأخيرة بشكل واسع وما نشر من كتب حولها وما عقد من ندوات ومؤتمرات عديدة تناولت مفهومها وجوانبها وتحدثت عن مخاطرها، إلا أن الغموض لا يزال يكتنف هذا المصطلح. خاصة وأن للعولمة جوانب متعددة اقتصادية وسياسية وثقافية واجتماعية، من هنا كان من المفيد إلقاء الضوء على ماهية العولمة وكيف يمكن التعامل مع سلبياتها والانتفاع بإيجابياتها.

يستخدم مفهوم العولمة لوصف كل العمليات التي تكتسب بها العلاقات الاجتماعية نوعاً من عدم الفصل وتلاشي المسافة، حيث تجري الحياة في العالم كمكان واحد ـ قرية واحدة صغيرة ويعرف المفكر البريطاني رونالد روبرتسون العولمة بأنها «اتجاه تاريخي نحو انكماش العالم وزيادة وعي الأفراد والمجتمعات بهذا الانكماش» كما يعرفها مالكوم واترز مؤلف كتاب العولمة بأنها «كل المستجدات والتطورات التي تسعى بقصد أو بدون قصد إلى دمج سكان العالم في مجتمع عالمي واحد».
ويمكن تعريفها بأنها سهولة حركة الناس والمعلومات والسلع بين الدول على النطاق الكوني. وهناك من يخلط بين مفهوم العولمة والعالمية، إن العالمية تكرس التواصل بين البشر لتحقيق أهداف مادية ومعرفية لكافة البشر، وترفد الخصوصيات والهويات المختلفة وتثريها وهي تختص بحقوق الإنسان والحريات الثقافية والديمقراطية. والعولمة لا تعترف بالدولة أو الوطنية أو القومية وهي تخص السوق والسياحة والتكنولوجيا والمعلوماتية. وتشكل العولمة بهذا المفهوم سلاحاً ذو حدين، فهي خيرة حينما تربط بين الحضارات والشعوب والبلدان متخطية العامل الجغرافي، وجاعلة من العالم قرية صغيرة، محررة الإنسان من كثير من القيود بفضل انتشار الإعلام ووضع المعلومات في متناول كل فرد بما يتيح له الاطلاع على ما يجري في العالم وهو في بيته، فأصبحت ثقافات الشعوب مكشوفة ومنتشرة بسبب العولمة الاقتصادية والثقافية والإعلامية بشكل خاص. وهي شريرة لأنها أدت إلى الهيمنة وسيطرة الأقوياء على الضعفاء والأغنياء على الفقراء فباتت الشركات المتعددة الجنسية هي المسيطرة على العالم، فالاقتصاد العالمي الجديد يعمل على تحطيم الحواجز الاقتصادية والمالية بين الشعوب ليس لهدف إنساني ولكن من أجل مصلحة الشركات العالمية ليس إلا. وفي ظل الاقتصاد العالمي الجديد أخذ التفاوت الصارخ في مستوى التطور يعكس نفسه في التهميش المتزايد لعدد كبير من بلدان العالم لصالح الدول الصناعية القوية، وأدى افتقار الدول النامية لعناصر القوة ووسائل النهضة الاقتصادية من تكنولوجيا وخبرات إلى وقوعها فريسة لعولمة الفقر وتبين معطيات مصادر الأمم المتحدة اتساع الهوة بين أغنى 20% من سكان المعمورة وأفقر 20% منهم، إلى 74 ضعفاً عام 2001. وحسب معطيات العام 2002 فإن 40% من المبادلات التجارية عالمياً تقوم بها الشركات متعددة الجنسية وهي تمتلك 44% من قيمة الإنتاج العالمي فيما تبلغ حصة أفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية 4.6% من مجمل الإنتاج العالمي، وحسب معطيات البنك الدولي فإن حجم الواردات والصادرات للبلدان النامية في انخفاض مستمر، حيث انخفض من 7.6% عام 1991 ـ 1993 إلى 1.9 كما هو متوقع للعام 2004. ويستحوذ (360) مليارديراً عالمياً على ثروة بما يملكه 3 مليارات نسمة أي حوالي ما يملكه نصف سكان العالم وأكثر هؤلاء الأثرياء يعيشون في الدول الصناعية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
كما أن سرعة التقدم في أنظمة الاتصال الدولي، والمواصلات وتطور أنظمة المعلومات والأقمار الصناعية زاد من سرعة الانفتاح العالمي، وأصبح العالم بفضل ثورة الاتصالات والمواصلات قرية صغيرة في خريطة الكون، وأصبحت الهيمنة الثقافية من الدول القوية على غيرها أمراً محققاً.
ولا يقتصر أمر التباين في التعاطي مع عولمة الثقافة على البلدان العربية والإسلامية، فحتى دولة متقدمة كفرنسا تجهد نفسها منذ سنوات وعلى أعلى المستويات الرسمية فيها لإيقاف زحف ما تسميه الغزو الثقافي الأمريكي الذي يجتاح العالم من خلال الأفلام السينمائية والبرامج التلفزيونية والموسيقى وبرامج الكمبيوتر والذي أصبح يؤثر في أذواق وتطلعات الأمم ويهدد الهوية الثقافية للشعوب.
وقد أصدرت كندا قوانين تحظر نشر ونقل مواد أجنبية أمريكية مأخوذة من الأقمار الصناعية عبر حدودها، كما تقوم الكثير من الدول الآسيوية بعرقلة وصول برامج الكمبيوتر الأمريكية بهدف إبعاد ما يبثه الأمريكيون من وجهات نظر سياسية وعادات وما يمكن اعتباره فحشاً. وفيما يلي يمكن أن نجمل سلبيات العولمة كما يراها الكثيرون:
سلبيات العولمة:
ـ الإخفاق في تحقيق نسب نمو مرتفعة، وتفاقم مشكلة البطالة في العالم فمن المتوقع أن يرتفع معدل البطالة في العالم إلى الضعف خلال السنوات القليلة القادمة. فالمنافسة في الاقتصاد المعولم لا تعرف الرحمة، ولم يعد هناك فرص عمل، وقد أخذ قسم كبير من العمال والموظفين يتحول من عقود عمل نظامية إلى عقود عمل مؤقتة من حيث عدد ساعات العمل أو من حيث مدة العقد. كما أن الأجور في انخفاض مستمر. وخلال الأزمة المالية التي عصفت في المكسيك في عام 1995 فقد 3 ملايين عامل لعملهم وانخفضت القوة الشرائية إلى النصف. وفي ألمانيا أكثر من أربعة ملايين فرصة عمل مهددة بالضياع.
ـ القضاء على الطبقة الوسطى وتحويلها إلى طبقة فقيرة، وهي الطبقة النشطة ثقافياً وسياسياً واجتماعياً في المجتمعات المدنية، وهي التي وقفت في وجه تيارات التطرف وقاومت قوى الاستغلال والاحتكار تاريخياً.
ـ تهديد النظام الديمقراطي في المجتمعات الليبرالية وخضوع معظم الدول النامية لسيطرة المنظمات المالية الدولية وانشغال رجال السلطة فيها بمكافحة البطالة والعنف والجريمة والأوبئة القاتلة.
ـ زيادة الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة في المجالات الاقتصادية والثقافية والتكنولوجيا. ويضم العالم حالياً أكبر نسبة للفقراء من مجمل سكان الأرض هي الأعلى في التاريخ.
ـ إهمال البيئة والتضحية بها. فمن المتوقع أن ترتفع كمية الغازات الملوثة للبيئة بمقدار يتراوح بين 45
ـ 90%. وأصبح ارتفاع مستوى البحار لا مفر منه إذا بقيت كمية غاز ثاني أوكسيد الكربون ترتفع بهذه النسبة. وهذا يهدد المدن الساحلية، إذ أن أربعة أخماس التجمعات السكانية التي يزيد عدد سكانها عن نصف مليون نسمة تقع بالقرب من السواحل.
ـ احتمال تفاقم الحروب الداخلية والاقليمية في دول الجنوب لعدم الاستقرار في النظام العالمي والأنظمة الداخلية في تلك البلدان.
ـ ازدياد نزعات العنف والتطرف، وتنامي الجماعات ذات التوجهات النازية والفاشية في التجمعات الغربية، الموجهة ضد المهاجرين الأجانب وخاصة من الدول الإسلامية والدول الفقيرة.
ـ ارتفاع نسبة الجرائم وجرائم القتل في العالم فقد دل التقرير الذي أصدرته الأمم المتحدة عن الجريمة والعدالة لعام 1999 إلى أن الضغط الاجتماعي والاقتصادي الذي يقاس بالبطالة والتفاوت وعدم الرضا بالدخل ـ عامل رئيسي في ارتفاع معدل الجريمة.
كما أن انتشار أفلام هوليوود وأفلام العنف بما فيها أفلام الكرتون ساعد على انتشار أعمال العنف. ـ ظهور طبقة فاحشة الثراء تسكن في أحياء خاصة تحت الحراسة المشددة وهي الطبقة التي صعدت على حساب الفقراء والطبقة الوسطى.
ـ هيمنة الثقافة الاستهلاكية وتهميش الثقافات الأخرى ومحاولة طمس الهويات الثقافية للشعوب. ولمواجهة هذه السلبيات يمكن اتخاذ بعض الإجراءات ومنها:
ـ إجراء الإصلاحات الضرورية كالإصلاحات الإدارية والسياسية والتعليمية وتشمل إصلاح الترهل الإداري في أجهزة الدولة ورفع مستوى التأهيل والتدريب لرفع كفاءة الأيدي العاملة لمواجهة تحديات العولمة. وخلق قاعدة علمية تكنولوجية محلية. وإجراء الإصلاحات السياسية وتعميق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وترسيخ سيادة القانون.
ـ تعزيز التكافل الإقليمي بين الدول النامية لتعزيز قوة هذه الدول لمواجهة تحديات العولمة مجتمعين. أما فيما يتعلق بإيجابيات العولمة فيمكن القول إنه ما لم يتم التعامل مع الجوانب السلبية لا يمكن الانتفاع من الجوانب الإيجابية للعولمة ويمكن تمييز الجوانب التالية:
ـ ترتبط العولمة بالثورة المعلوماتية الحديثة والثورة العلمية والتكنولوجية، التي جعلت العالم أكثر قرباً واندماجاً وتأثراً ببعضه البعض فهي التي سهلت وعجلت حركة الأفراد والمنتجات ورأس المال والمعلومات والخدمات، وساهمت في انتقال القناعات والثقافات.
ـ جددت العولمة الثقة بالعلم والتكنولوجيا. وأكدت أن عصرنا هو عصر العلم والثورات العلمية، إذ أن هناك اختراع أو اكتشاف كل دقيقتين. كما أكدت أن سر التفوق ومفتاح التقدم والنجاح والوصول إلى مصاف الدول المتقدمة والقوية يكمن في العلم.
ـ تعميق الروابط التجارية بين الدول والمساعدة على استهلاك أكبر كمية من السلع من خلال انفتاح الأسواق العالمية على بعضها وانتقال السلع بحريّة. ـ تنشيط الاستثمارات في الدول النامية ودخول التكنولوجيا إلى الدول النامية بسبب رخص الأيدي العاملة وتقديم التسهيلات للشركات المتعددة الجنسية. ـ تحفيز الدول النامية على إجراء إصلاحات هيكلية في أنظمتها المختلفة لرفع قدرتها على المنافسة في الأسواق العالمية في ظل اشتداد حمى المنافسة في عصر العولمة. ـ تحفيز الدول النامية على تطوير منتجاتها الوطنية وتحسين نوعيتها وتخفيض تكلفتها بسبب رفع الحماية عن المنتجات الوطنية، لأن الذي يدفع تكاليف الحماية هو المستهلك الوطني. هنادة سمير




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق