الثلاثاء، 31 مارس 2020

• انتحار نيرون إمبراطور روما


روى عنه التاريخ أنه أحرق روما عاصمة ملكه ثم جلس في شرفة قصره يمتع البصر بمرأى اللهيب يأكل الدور ومن فيها ويعزف على قيثارته، وحينما بدأت الاتهامات تنهال عليه متهمة إياه بأنه وراء إحراق المدينة الزاهرة، اقتنع بالوسواس الذي ملأت رأسه به زوجته بوبيا، بأن يتهم خصومه في السياسة والدين بهذه الجريمة ونكل بهم تنكيلا رهيبا..! ولم يكن إحراق روما جريمته الوحيدة. فحياة نيرون حافلة بأبشع الجرائم التي شهدتها روما، مجمع جرائم نيرون..!

ارتقى نيرون الذي نسب إلى الإمبراطور كلوديس قيصر، عرش الإمبراطورية الرومانية على أجداث وأجداث. ولم يكن في الحقيقة هو الوريث الشرعي، فقد مهدت له أمه أجريبينا الزوجة الثانية للإمبراطور السبيل إلى اغتصاب العرش من أخية بريتانيوكس ابن كلوديوس من زوجته الأولى ساليا صاحب الحق في الجلوس على العرش. وكان نيرون هو ولد أجريبينا من زوجها الأول دوميتوس ايتاباريوس الذي توفي عنها وعن ولده نيرون. فتزوجت- وهي الأرملة الجميلة - كلوديوس قيصر روما. ومازالت أجريبينا بكلوديوس حتى جعلته يتنبى ولدها نيرون رسميا ويجعله ولي عهده الشرعي وخليفته في حكم البلاد. وقد أغرته زوجته بذلك لتحكم من بعده باسم ولدها وتكون ملكة روما المتوجة.
وبعد أن تولى نيرون الحكم بدأت سلسلة جرائمه. قتل أخاه بريتانيكوس ليزيله من الوجود حيث كان الخلاف قد استحكم بينهما حين أراد نيرون أن يأخذ من أخيه خطيبته جونيا. وحاولت أمه أن تصلح ما بينهما، فتظاهر نيرون بحرصه على مصافاته وأرسل يستدعيه لإعادة ما بينهما من ود. وينطلق بريتانيكوس إلى جناح نيرون فلا يخرج منه أبدا. فقد أعد لكل شئ عدته ودس له السم في كأس من النبيذ. وحين يشرب أخوه الكأس يسقط جثة هامدة، بينما نيرون يتمدد على أريكته ليشاهد مصرع أخيه ثم ينظر حوله إلى رجال البلاط وهو يقول: إنها العلة القديمة التي كان يشكو منها قد عاودته.
قاتل أمه
وتتوالى جرائم نيرون. قتل أمه لينفرد وحده بالسلطان، وقد تناسى أنها هي التي أجلسته على عرش الإمبراطور كلوديوس، الذي لم يكد يصدر المرسوم بولاية العهد له حتى غافلت زوجها بالسم في فطيرة مسممة قضت عليه ثم نادت بنيرون إمبراطورا.
غير أن الابن وقد أخذ به الغرور بعد أن صار " إلها " على الرومانيين، وفي الوقت الذي كانت أجريبينا على ثقة بأن الأمر كله صار لها، كان هون نفسه قد عزم على أن يكون صاحب الأمر وحده ومعه المرأة التي عشقها بوبيا سبينا.. بل لم يعد هناك ما يدعو لوجود أمه التي تنازعه السلطان وتهدد بإعلان حقيقة وراثته للعرش.
وما أسرع ما راح يطيح بأعوان أمه واحدا بعد الآخر.. السم لبعضهم والسيف للآخرين.
أما أجريبينا فقد نفاها عن روما إلى حين. ثم حاول إغراقها في نهر التيبر بمعرفة قائد بحريته. وحينما نجت اتهمها بأنها كانت تدبر مكيدة لقتله، وأنه حين اكتشف مؤامرتها آثرت أن تنتحر وطعنت أحشاءها بالسيف..!
واستمرت جرائم نيرون. وإرضاء لمعشوقته بوبيا التي أغرته بزوجته أوكتافيا تم تدبير اتهام لها بالخيانة الزوجية. وتلقت أمر زوجها بأن تختار ميتة تنفذها بنفسها. وحين استعطفته استبدل ذلك بالأمر بنفيها. واقتاد بعض الجنود الزوجة البريئة إلى منفاها وانقضوا عليها يطعنونها بالرماح وقطعوا شرايين يدها وألقوا بها في قدر كبير ملئ بماء مغل ثم جزوا رأسها وحملوه إلى روما.
واستمرت جرائم نيرون رهيبة بشعة.. حتى كان أبشعها إحراق روما كلها بكل ما فيها من السكان. وساد الاعتقاد الجازم بأن نيرون الطروب للكارثة التي أحدثها تسلى على قيثارته بأنشودة تدمير طروادة القديمة. وكما أشارت عليه بوبيا أقنع نيرون نفسه بإلصاق تهمة حرق روما بالمسيحيين الجدد وأدانهم بتهمة كراهيتهم للجنس البشري وأنزل بهم أقصى أنواع التعذيب والصلب بالمسامير وأشعل فيهم النيران واستخدموا كمشاعل تضئ حلكة الليل..!
ثورة شعبية وانتحار
وأقبل جواسيس نيرون يبلغونه بنبأ مؤامرة تهدف إلى إجلاس بيزو على العرش عام 65.
وقبض صنائعه على عدد من الشخصيات متهمين بتدبير المؤامرة. وانتزعت منهم بالتهديد والتعذيب اعترفات تدين عددا من أعضاء مجلس الشيوخ بينهم معلمه الفيلسوف سينكا. وأقسم نيرون ليبيد طبقة أعضاء المجلس عن آخرها. وتلقى سينكا مربيه أمر الإمبراطور بأن يقتل نفسه فشرب السم وسط أصدقائه حتى مات. وكانت هناك تهمة عامة يحاكم بسببها أي إنسان وهي ضعف حماسته للإمبراطور وعدم استمتاعه بغنائه ومسرحه. ومع ذلك فقد راجت الأنباء تتوالى عن الفتن والمؤامرات التي تعد ضده وجاءته الأنباء في شهر أبريل 68 بأن جالبا قائد الجيش الروماني في إسبانيا بدأ يزحف إلى روما. وسمع مجلس الشيوخ بزحف جيوش جالبا ووجدوها فرصة للتخلص من الإمبراطور خاصة أن الحرس البريتورى قد تأهب للخروج من الإمبراطور خاصة أن الحرس البريتورى قد تأهب للخروج عليه طمعا فيما يناله رجاله من أجور عالية مع تولية إمبراطور جديد. وازدادت مع كل ذلك ثورة الشعب الذي طحنه نيرون وأحرق مدينته. ولم يجد نيرون أمامه إلا أن يفر من قصره الذهبي إلى الحدائق الواقعة في طريق إسيتا. وطلب قبل فراره إلى من كان في القصر من الضباط أن يرافقوه فرفضوا جميعا طلبه. وأرسل النداء تلو النداء إلى الكثير من أصدقائه ليخبروه فما استمع إليه أحد. فذهب إلى نهر التيبر يريد أن يغرق نفسه حتى إذا بلغه وأحس ببرودة الماء خارت قواه. وبلغه أن مجلس الشيوخ قد نادي بأن نيرون " عدو الشعب " ويأمر بالقبض عليه وأن يعاقب حسب التقاليد القديمة. وكان يعرف أن هذه التقاليد تقضي أن يجرد المذنب من ثيابه ويصلب جسمه في عمود بمسمار ذى شعب يدق في عنقه ثم يضرب حتى يقضي نحبه. وارتاع من هول العقاب فصرخ: " أي فنان يموت موتي لا.. فسأعود إلى قصري وأموت هناك ". وعاد إلى القصر حيث طعن نفسه بخنجر في حلقه ولكن يده اضطربت ووهنت.
وظهرت في ذلك الوقت " كلوديا أكيته " جاريته ومعشوقته السابقة بينما كانت الأصوات خارج القصر تعلو وسمع وقع أقدام المتظاهرين الواحفين إلى القصر. فقررت أن تضع حدا لمأساته فتناولت الخنجر وقالت له: " لقد عشت يا نيرون كوحش ولكنك يجب أن تموت الآن كإمبراطور. فخذ هذا الخنجر واغرسه في قلبك ولا تدعهم يمسكون بك حيا ".
وإذ لم يكن أمامه من سبيل آخر فقد مد نيرون يده إلى الخنجر وأدناه من قلبه.
وتقدمت اكيته لتساعد على الانتحار فأمسكت كتفه من الخلف ووضعت يدها على مقبض الخنجر لتعضده ساعة يغرسه في فؤاده. وزأر نيرون ثم خر على الأرض والخنجر مغروس في قلبه الأثيم.
المصدر: 1
إقرأ أيضاً
للمزيد              
أيضاً وأيضاً





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق