القاعدة 9 من كتاب 48 قانون للقوة (قواعد السّطوة) للكاتب روبرت جرين
الحكمة:
الانتصارات اللحظية التي تظن أنك أحرزتها بالجدل هي في الحقيقة انتصارات سفيهة: فالامتعاض والضغينة التي تتركها تفوق في قوتها وبقائها أي تغيرات لحظية في آراء الآخرين. القوة الأكبر تأتي من اتفاق الآخرين معك من خلال أفعالك دون أن تتفوه بكلمة. اعرض ولا تشرح.
انتهاك القاعدة:
في عام 131 ق. م. وبعد أن حاصر القنصل الروماني بوبليوس كراسوس دايفس موسيانوس مدينة برجاموس اليونانية، وجد أنه في حاجة إلى عمود يستخدمه لدك ثغرة لاقتحام أسوار المدينة، وتذكر أنه كان قد رأى منذ أيام ساريتين ضخمتين في حوض السفن بأثينا، فأمر أن يؤتى إليه فوراً بالسارية الأكبر، ولكن المهندس العسكري في أثينا كان متأكداً من أن القنصل يحتاج للسارية الأصغر، وجادل الجنود الذين أتوا له بالطلب بأن السارية الأصغر تناسب الموقف أكثر ويسهل نقلها.
حذر الجنود المهندس من أن قائدهم ليس من النوع الذي يقبل الجدل، لكنه أصر على أن السارية الأصغر هي التي تناسب الآلة التي يبنيها القائد للاقتحام، وأخذ يرسم المخططات للجنود واحداً بعد آخر إلى أن قال لهم إنه هو الخبير وأنهم لا يعرفون ما يتحدثون عنه. وأخيراً استطاع الجنود إقناع المهندس أن ينسى خبرته وأن يطيع الأوامر فحسب. ولكن بعد أن رحلوا فكر المهندس في الموضوع مجدداً وتساءل: ما فائدة طاعة الأوامر في أمر سيؤدي حتماً للفشل؟ لذلك أرسل السارية الأصغر متأكداً من أن القنصل سيرى أنها الأنسب للمهمة، وأنه سيكافئه على ذلك خير مكافأة.
حين رأى موسيانوس السارية الأصغر طلب من جنوده التفسير، فحكوا له عن إصرار المهندس وجداله المطول، وأنه كان قد وعد في النهاية بإرسال السارية الأكبر، فغضب موسيانوس بشدة لدرجة أنه نسي الحصار وأهمية خرق الأسوار قبل أن تأتي التعزيزات. لم يكن يفكر إلا في هذا المهندس الوقح، وأمر أن يحضر إليه فوراً.
حين وصل المهندس بعدها بأيام قليلة أخذ يفسر للقنصل مرةً أخرى أسباب استخدام السارية الأصغر، واستفاض مكرراً نفس البراهين التي استخدمها مع الجنود، وأن الحكمة تقضي بالإنصات للخبراء وأن القنصل لن يندم على ذلك. تركه موسيانوس ينهي كلامه، ثم أمر الجنود أن يعرّوه تماماً وأن يجلدوه ويضربوه بالعصي حتى الموت.
التعليق:
قضى هذا المهندس الذي لم يذكر التاريخ اسمه حياته كلها يعمل في تصميم الساريات والأعمدة، وكان الجميع يحترمه لأنه أكفأ مهندس في مدينة تفوقت في هذا العلم. كان متيقناً من أنه على حق وأن المدك الأصغر يسمح بالمزيد من السرعة والقوة، والأضخم ليس بالضرورة الأفضل، ومن المؤكد أن القنصل سيعرف في النهاية أن كلامه منطقي ويستسلم لحياد العلم وسطوة المنطق، فكيف كان له أن يستمر في جهله حين يبين له الرسوم التفصيلية التي تبين النظرية التي تقوم عليها نصيحته؟ هكذا كان يفكر.
كان هذا المهندس مثالاً للمجادلين الذين نجدهم كثيراً بيننا، وهؤلاء لا يعرفون أن الكلمات لا تكون أبداً محايدةً وأنهم بجدالهم مع من أعلى منهم يهينون أشخاصاً لهم السطوة عليهم، ولم يتنبه كذلك لشخصية من يتعامل معه. ولأن كل شخص يعتقد أنه على حق وأن الكلمات نادراً ما تقنع أحداً بخطأ تفكيره، لذلك لا نجد أحداً يصغي لمنطق المجادلين. وحين تمت محاصرة المهندس ووجد نفسه في موقف صعب أخذ يجادل أكثر، حافراً قبره بيده. وبمجرد أن تهدد ثقة من تجادلهم في أنفسهم وتشعرهم بالدونية وتضع نفسك في موقف هذا المهندس، فلن تنقذك حتى بلاغة سقراط من مصيرك المحتوم.
المشكلة ليست في محاولة إقناع من هم أعلى منك برأيك، بل في أننا جميعاً نظن أننا أساتذة في عالم الآراء والمنطق. وعليك إذن أن تكون حريصاً، وأن تتعلم أن تثبت صحة أفكارك بطرق غير مباشرة.
مراعاة القاعدة:
في عام 1502 كانت هناك كتلة كبيرة من الرخام في كنيسة سانتا ماريا ديل فيورا بمدينة فلورنسا بإيطاليا، كانت من قبل جزءاً من قطعة صخرية رائعة، لكن نحاتاً غير ماهر شوهها تشويهاً بالغاً حين كان يصنع شقاً لنحت ساقي تمثال. سعى بيرو سوديريني لإنقاذ الصخرة بتكليف ليوناردو دافنشي أو أي أستاذ آخر، لكنهم رأوا جميعاً أنه لا يمكن إصلاح التشوه الذي حدث، وهكذا وعلى الرغم من المبلغ الذي دفع ثمناً لها ظلت الصخرة لا تجمع غير التراب في الصالات المظلمة بالكنيسة.
بقيت الأمور على حالها إلى أن نبه بعض الفلورنسيين أصدقاء مايكل أنجلو، الذي كان يعيش في روما وقتها، أنه هو وحده القادر على صنع شيء من هذه الكتلة الخام والتي كانت على أية حال من الرخام الرائع. أتى مايكل أنجلو إلى فلورنسا وتفحص الصخرة ورأى أنه بالفعل يستطيع نحت شكل مميز منها يستوعب ما حدث لها من تشوه. كان سوديريني يرى أن ذلك مضيعة للوقت وأن أحداً لا يستطيع إنقاذ هذه الكارثة، لكن في النهاية سمح للفنان أن يعمل عليها، وقرر مايكل أنجلو أن يصنع منها نحتاً للنبي داود في صغره وفي يده مقلاع.
بعد أسابيع، وبينما كان مايكل أنجلو يضع اللمسات الأخيرة للتمثال، دخل سوديريني الذي كان يرى في نفسه ذواقةً للفنون، وقال لمايكل أنجلو بأن التمثال، وإن كان يراه عظيماً، إلا أن الأنف يبدو أكبر من حجمه المناسب. لاحظ مايكل أنجلو أن سوديريني يقف تحت التمثال مباشرةً ولا يراه من المنظور الأفضل، ودون أن يتكلم أشار إلى سوديريني أن يتبعه إلى أعلى السقالة. وحين وصلا إلى مستوى الأنف أخذ إزميلاً وحفنة تراب من فوق لوح خشبي، وبعد أن أصبح سوديريني تحته بأقدام أخذ يطرق على الأنف بخفة وجعل التراب الذي كان قد وضعه في يده يتسرب قليلاً قليلاً. لم يغيّر أي شيء في الأنف، لكنه أوهم سوديريني بأنه يصلحه. بعد دقائق من هذه التمثيلية وقف مايكل أنجلو إلى جانب سوديريني وسأله: «انظر إليها الآن»، فأجاب سوديريني: «أفضل كثيراً، وكأنك بعثت الحياة إلى التمثال».
التعليق:
كان مايكل أنجلو يعلم أن أي تغيير في شكل الأنف سيدمر التمثال بأكمله، لكنه كان يعلم أيضاً أن سوديريني راعٍ للفنون يتباهى بذوقه الجمالي، وكانت إهانة رجل كهذا لن تجعله يخرج خالي الوفاض فحسب، بل تحرمه أيضاً من فرص في المستقبل. كان مايكل أنجلو أذكى من أن يجادل، وكان حله للمشكلة بأن غيّر المنظور الذي ينظر سوديريني منه للتمثال دون أن يشعره أن وقفته هي السبب وراء رؤيته للتشوه.
مفاتيح للسطوة:
في عالم السطوة عليك أن تتعلم التأثير طويل الأمد لأفعالك على الآخرين. المشكلة في محاولة إثبات وجهة نظرك أو تحقيق نصر بالجدال أنك لا تعرف في النهاية تأثير ذلك على من تجادل: فقد يتفقون معك تأدباً ولكن يستاءون منك في داخلهم، وربما تكون قد قلت شيئاً يجرحهم دون قصد. فالكلمات لها قدرة ماكرة على جعل الناس يفسرونها حسب أهوائهم ونقاط ضعفهم، وحتى أفضل البراهين لا تكون مؤثرةً لأننا جميعاً لا نثق بالطبيعة المراوغة للكلمات. كما أننا حتى لو اتفقنا مع شخص في رأيه فإننا نعود بعدها بأيام لآرائنا القديمة، ليس لشيء إلا لأننا اعتدنا عليها.
ولتفهم أن الكلمات لا قيمة لها في ذاتها، فكلنا نعرف أننا في حدة الجدال نقول أي شيء يدعم رأينا، كأن نستشهد بالكتب المقدسة أو بإحصاءات غير مؤكدة، فمن قد يقتنع بمثل هذا التحايل؟ الأفعال والعروض تكون أقوى في تأثيرها ومغزاها، فهي تحدث أمامنا ونراها، حينها يمكننا أن نقول كما قال سوديريني: «نعم، رأس التمثال الآن متقن»، دون كلمات جارحة أو سوء تفسير، فلا أحد يجادل في عرض واقعي. وكما قال بالتسار جراتسيان: «الحقيقة في عمومها تُرى ولا تُسمع».
كان السير كريستوفر رين هو النموذج الإنجليزي من رجال عصر النهضة الموسوعيين، فكان يتقن الرياضيات والفلك والفيزياء والفسيولوجيا، ومع ذلك كان كثيراً ما يطلب منه رعاته طوال تاريخه المهني إجراء تعديلات غير عملية في تصميماته. لم يجادل مرةً أو يهاجمهم، بل كان دوماً يجد طرقاً أخرى لإثبات وجهة نظره.
في عام 1688 صمم رين بهواً رائعاً في مدينة ويستمنستر، لكن عمدة المدينة انزعج وأخبر رين بمخاوفه من أن الطابق الثاني ليس آمناً وأنه قد ينهار فوق مكتبه بالطابق الأول، وطلب من رين أن يقيم عمودين كدعم إضافي. كان رين المهندس الخبير يعلم أنه لا فائدة من العمودين وأن مخاوف العمدة ليس لها ما يبررها، ولكنه بناهما فعلاً وأرضى العمدة. ولم يعرف أحد إلا بعدها بسنوات، وحين كان بعض العمال يستخدمون سقالةً عاليةً، أن هذين العمودين لا يصلان إلى السقف.
كان العمودان زائفين، لكن حقق كل من الرجلين ما يريده: استطاع العمدة أن يهدأ، وأثبت رين للأجيال التالية أن تصميمه الأصلي كان سليماً وأنه لم تكن هناك ضرورة للعمودين.
سطوة العرض الواقعي تأتي من أنها لا تضع خصمك في موقف الدفاع ويصبح أكثر تقبلاً للاقتناع، فأن تجعلهم يرون ما تقصده بأعينهم أفضل كثيراً من أن تجادلهم.
قاطع أحد الحاضرين نيكيتا خروتشوف بينما كان يلقي خطاباً يتبرأ فيه من جرائم ستالين، وسأله المداخل: «لقد كنت زميلاً لستالين، فلماذا لم توقفه حينها؟» فتظاهر خروتشوف بأنه لم ير المتكلم وصاح عالياً وبقسوة: «من قال هذا؟» فلم يجب أحد. بعدها بثوان من الصمت الكثيف قال خروتشوف بصوت هادئ: «الآن تعرف لماذا لم أوقفه». فبدلاً من الجدال بأن الجميع كانوا يشعرون بالخوف أمام ستالين، لأن ظهور أي علامة على التمرد عليه كانت تعني الموت المحقق، بيّن خروتشوف للمداخل كيف كانت مواجهة ستالين - ذلك الشعور بالريبة والخوف من التكلم والهلع عند مواجهة القائد، والذي كان هذه المرة خروتشوف نفسه. كان هذا العرض محركاً للنفس، ولم تكن هناك حاجة بعده لأي جدال.
أقوى إقناع هو ما يتجاوز الأفعال إلى الرموز، فقوة الرموز - مثل الراية أو القصص الديني أو النصب الذي يمجد ذكرى مشحونةً بالعواطف - تجعل الجميع يفهمك دون أن تقول شيئاً. في عام 1975 كان هنري كيسنجر يجري محادثات مجهدةً لإقناع الإسرائيليين بإعادة صحراء سيناء التي احتلوها في عام 1967، وفي ذروة اجتماع متوتر قرر أن يقدم لهم درساً عملياً، فقاطع الاجتماع ليصحبهم إلى قلعة قديمة في ماداسا، وكان الإسرائيليون يعرفون أنه المكان الذي فضل فيه سبعمائة محارب يهودي في عام 73 ميلادية الانتحار على الاستسلام للقوات الرومانية التي تحاصرهم. فهم الإسرائيليون بسرعة مغزى زيارة كيسنجر للمكان: كان يتهمهم بطريقة غير مباشرة بأنهم ينشدون الانتحار الجماعي. وعلى الرغم من أن الزيارة نفسها لم تغير رأيهم، إلا أنها جعلتهم يفكرون بجدية أكبر مما كان سيفعله أي تهديد مباشر، فالرموز من هذا النوع تكون لها دلالة نفسية كبيرة.
عند سعيك للسطوة أو في رغبتك للحفاظ عليها عليك دائماً أن تبحث عن الطريق غير المباشر والملتف، وكذلك أن تختار معاركك بحرص، وإن رأيت أنك لن تستفيد على المدى الطويل من اكتساب أشخاص معينين إلى صفك - أو إن كان الوقت والتجارب ستعلمهم ما تعنيه - فلن يكون عليك حتى جهد الاهتمام بعرض الأمر لهم. وفر طاقتك وابتعد.
الصورة: المنشار
المجادلون كالمنشار يتحركون صعوداً وهبوطاً دون أن يصلوا لأي مكان. تخلّ عن المنشار وبيّن للآخرين ما تريد دون جدال أو صخب. ارفعهم ليروا فكرتك واترك للجاذبية أن تأخذهم برفق إلى الأرض.
اقتباس من معلم:
«لا تجادل. في المجتمع ليس هناك مكان للمناقشة بل لإظهار النتائج فحسب». (بنيامين دزرائيلي، 1804 – 1881).
عكس القاعدة:
الجدال اللفظي له دور واحد فقط في عالم السطوة، وهو تشتيت الانتباه والتغطية على حيلك حين تخادع أو حين يتم الكشف عن كذبك. في هاتين الحالتين يكون من صالحك أن تجادل بكل ما تستطيع أن تحشده من أنواع البراهين والحجج. استدرج خصمك إلى جدال لتشتيت ذهنه عن تحركاتك المخادعة، وحين يتم الكشف عن كذبك كلما أظهرت أنك أكثر حماساً ويقيناً من موقفك يقل شعور الآخرين بأنك تكذب.
هذا الأسلوب ساعد محتالين كثيرين على إخفاء حيلهم. ذات مرة استطاع الكونت فيكتور لوستج - وكان محتالاً بارعاً - أن يبيع للسذج بأرجاء البلاد صندوقاً أقنعهم أنه يطبع المال، وكان الضحايا لا يحبون عامةً التوجه للشرطة خوفاً من أن يتعرضوا للحرج العام. لكن المأمور ريتشاردز من مقاطعة رمسن بولاية أوكلاهوما لم يكن من النوع الذي يرضى أن يحتال عليه أحد في مبلغ 10000 دولار ويسكت، فطارد لوستج إلى أن وجده بفندق في شيكاغو.
سمع لوستج طرق الباب، وحين فتح رأى المأمور يوجه نحوه بندقيةً، فسأله لوستج بهدوء: «ما الأمر؟» فصرخ المأمور: «يا ابن... سوف أقتلك، لقد خدعتني وبعت لي هذا الصندوق الحقير». ادعى لوستج التحير وقال: «هل تعني أنه لم يعمل؟» فأجابه المأمور: «أنت تعلم أنه لا يعمل». فرد لوستج: «مستحيل أنه لا يعمل. هل شغلته بطريقة صحيحة؟» فأجاب: «لقد فعلت ما قلت لي بالضبط». فقال لوستج: «لا، لابد أنك ارتكبت خطأً ما؟» وظل الجدال يدور على نفس المنوال وبدأت البندقية تنخفض.
بعد ذلك انتقل لوستج إلى المرحلة الثانية من تكتيكات الجدال: بدأ يصب وابلاً من التعليقات التقنية المبهمة حول طريقة تشغيل الصندوق، وأخذ يضلل المأمور، والذي لم يعد واثقاً في كلامه وأخذ جداله يضعف، وأخيراً قال له لوستج: «انظر... سأرد لك مالك وسأعطيك تعليمات مكتوبة لتشغيل هذه الآلة وسآتي معك إلى أوكلاهوما للتأكد من أنها تعمل جيداً، وهكذا لن يكون لديك شيء تخسره». وافق المأمور بتردد، وحتى يرضيه تماماً قدم له لوستج مائة ورقة من فئة المائة دولار، وطلب منه أن يهدأ ويستمتع بإجازته الأسبوعية في شيكاغو. هدأ المأمور وزالت حيرته ورحل.
في الأيام التالية ظل لوستج يتفحص الجريدة يومياً، وأخيراً وجد ما يبحث عنه: خبر صغير يصف القبض على المأمور ومحاكمته وإدانته بتهمة ترويج نقود مزيفة. فاز لوستج بالجدال ولم يعد المأمور ليزعجه من جديد.
المصدر THE 48 LAWS OF POWER, ROBERT GREENE (ترجمة د. هشام الحناوي)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق