الأربعاء، 7 أكتوبر، 2015

• شعراء الاتجاه الحافظ وما كتبوه في الوجدانيات

يمثل الاتجاه الوجداني (الرومانتيكي) في الشعر السعودي المعاصر انعطافة تجديد واضحة المعالم، فقد جاء بعد فترة التقليدية الحديثة التي حاولت أن تستلهم –عند تشكيل القصيدة- معظم القواعد الفنية التي كان يتمسك بها الشعراء القدماء. فكان لابد من ثم أن تظهر المرحلة الثانية في تطور الشعر العربي بصفة عامة، والشعر السعودي بصفة خاصة.

وتتمثل هذه المرحلة الجديدة فيما يسمى بالاتجاه الوجداني الذي كان حلقة في حركة تجديد شاملة على المستويات الفنية كافة من حيث الموقف والأداة أو من حيث الشكل والمضمون وهذا الاتجاه يسعى إلى التجديد، ويحاول –جادًا- تقديم نموذج شعري يتلاءم مع المبادئ الفنية التي يدعو إليها.
وقد شاع الاتجاه الوجداني في الأدب السعودي نتيجة للتطور الاجتماعي والثقافي والنهضة الشاملة التي عمّت المملكة في العصر الحديث. كما أن كثيرًا من شعراء المملكة -ولاسيما الحجاز- قد تأثروا بالاتجاهات الحديثة في المهجر ومصر والشام وتونس والعراق، وأدت هذه المؤثرات وغيرها إلى تجديد النظرة الأدبية لوظيفة الشعر، وضرورة أن يكون الشعر وجدانيًا يعبر عن عواطف الأديب ورؤيته الذاتية الخاصة.
وقد اختار البحث الاتجاه الوجداني مجالاً للدراسة على أساس أن هذا الاتجاه الأدبي أحدث نهضة واسعة بالنسبة لتشكيل القصيدة، وأحدث تطورات على مستوى البناء، بحيث يمكن القول: بأن القصيدة الوجدانية انطلقت من عباءة بعض تقاليد الشعر العربي دون الانسلاخ عن القديم، وأخذت تستشرف آفاق التجديد، وحاولت أن تقدم نموذجًا جديدًا للقصيدة العربية.
ونتيجة لخصوبة النتاج الشعري الوجداني آثر البحث أن تدور الدراسة حوله. واقتصر البحث على دراسة نتاج شعراء المدينة المنورة الذين تجمعهم بنية روحية وثقافية وحضارية وبيئية واحدة، إذ يشكلون مادة أدبية متجانسة جديرة بالدراسة.
وقد قمت بدراسة وافية لأحدهم في بحثي للماجستير، وهو عبد السلام هاشم حافظ، حيث تناولت شعره كله بالدراسة والتحليل، وحاولت الكشف عن خصائصه، وتأثيرات البيئة والتراث فيه. وقد وقعت تلك الدراسة في ثمانية فصول عدا المقدمة والخاتمة مع التمهيد بنبذة عن ملامح شخصيته المتميزة، ومصادر ثقافته، وتبين شدة تأثره بالأدب الحديث خاصة، وعرضت الفصول مضامين شعره المختلفة، حيث تبين إبداعه فيما كان وثيق الصلة بذاتيته.
وخرج البحث إلى أن الشاعر ذاتي وجداني بالدرجة الأولى، وأن شعره الذاتي والموضوعي جاء دالاً على نزوعه إلى المذهب (الرومانتيكي) انسجامًا وتوافقًا مع أحداث حياته، لا تمذهبا. وشدني ذلك لاستكمل دراسة نتاج هذه الكوكبة من شعراء المملكة العربية السعودية. ولعل أشد ما دفعني قلة الدراسات الأكاديمية الشاملة عنهم، إلى جانب بعض الدراسات الفردية التي كانت تعرض للشعر السعودي بعامة فيندرج أحدهم ضمن مجموعة تعالج أشعارهم في قضية من القضايا. وقد خص محمد هاشم رشيد ببعض الدراسات والبحوث، منها: بحث الدكتور محمد الصادق عفيفي بعنوان (التجربة الإبداعية عند محمد هاشم رشيد) وبحث الدكتور رزق محمد سيد داود بعنوان (محمد هاشم رشيد أضواء على شعره وشاعريته) وبحث الدكتور عبد الرحمن محمد الوصيفي بعنوان (الخصائص الفنية في شعر محمد هاشم رشيد) وبعض الكتابات المنثورة عنه في الدراسات الأدبية والنقدية، فقد نال بمفرده شرف الاهتمام من قبل الدارسين، غير أنه لم تكتب عنه أو عن غيره دراسة جامعية وافية، وفي ظني أن هذه الدراسة سوف تشكل المنطلق الأول لمعرفة الخصائص والمميزات لشعر هؤلاء، وستسهم في تلافي هذا النقص في دراسة مجموعة مميزة من شعراء المملكة العربية السعودية.
وقد واجهتني بعض الصعوبات في بداية طريقي، أهمها غياب أكثر المنتج الشعري لشعراء المدينة المنورة من المكتبات العامة والخاصة، وعدم تمكني من الحصول على ما أشير إلي به عند أفراد أو في نواد أو في مكتبات خاصة، وحاولت –جاهدة- أن أحصل على ما لم أجده من أصحابه بسبب نفاده، أو عدم تداوله على نطاق واسع.
وقد تجاوزت هذه الصعوبة بعون الله . ولجأت ثانية- في استحياء- إلى النادي الأدبي بالمدينة المنورة الذي زودني ببعض الدواوين – مشكورًا - غير أنها لم تكن كافية، فقام رئيس النادي سابقًا الأستاذ محمد هاشم رشيد رحمه الله بتزويدي بعض ما لم أجده من مكتبته الخاصة، وقد تفضل بها علي بكرمه وجزيل إحسانه شكر الله له وأثابه على عمله. وقد اكتفيت بهذه المصادر التي بين يدي، ووجدت أنها تفي بمراد البحث وتؤدي الغرض،
ووجدت أنها ناطقة بالحكم على الشاعر، ويغني الواحد عن غيره ومثيله من الدواوين التي لم أحصل عليها، والذي أحمده أن أكثر ما لم أجده من الدواوين هو نتاج الشعراء الأول، أي الذي يسبق فترة المعاصرة كما حددتها لبحثي، وبقي بين يدي المصادر المطبوعة مؤخرًا، وهي بغيتي ومرادي.
وقد اقتضت طبيعة البحث أن يتكون من مقدمة ومدخل وقسمين يتضمنان ستة فصول، يقدم المدخل تعريفًا بمصطلح العنوان، ثم بيانًا بخصوصية الشعر المعاصر في المدينة المنورة مع التعريف بشعراء الوجدان.
وعني القسم الأول بمحاور الرؤية الفنية، واشتمل على دراسة المضامين التي عني بها شعراء الوجدان، والسمات المميزة لها، وتمثل في فصلين: عرض الأول التجارب الذاتية والعاطفية –التي تغلب على نتاجهم- حيث انطلقوا من مفهوم النظرة الوجدانية التي ترى أن الشعر تعبير عن الذات، فوقفت على مضامين هذه التجارب وخصائصها، وكيف عبر شعرهم عن ذواتهم، واتسم بسمات أهمها، الشكوى والقلق والتأمل الفكري، ثم البحث عن الملاذ من آلام النفس وقلقها، وكيف تشكلت رؤيتهم تجاه المرأة والحب، حيث تناولت بالتحليل والتفسير ما ذهبوا إليه من رؤى مختلفة، ومواقف متباينة. وتلمس البحث خصوصية الشعراء من حيث محاور الرؤية المختلفة لكل شاعر، وطريقة الأساليب التي عالجوا بها قضاياهم العاطفية.
وجاء الفصل الثاني بالتجربة الوطنية كوجه آخر من أوجه الألم الذاتي، امتزجت فيه الذات بالموضوع، حيث عالجوا القضايا الوطنية برؤية وجدانية متكئة على رؤية واقعية للحال والمآل.
أما القسم الثاني، فتضمن عناصر بناء القصيدة، ومظاهر التميز والتجديد عند الشعراء، وشمل الفصل الأول المعجم الشعري والأسلوب، حيث عولج من منظورات مختلفة؛ معجم اللفظة والدلالة الشعورية لها، والقيم الإيحائية في أصواتها، وتتبع البحث مسالك أساليبهم في الأداء الشعري للكشف عن الجديد مسايرة للعصر.
وتناول الفصل الثاني الموسيقى والإيقاع الشعري، وما اشتمل عليه من تجديد في أشكال البناء الموسيقي الخارجي، وما تؤديه الموسيقى الداخلية من وظيفة فنية ونفسية تقوي عنصر الإيقاع، وما تجلى فيه من تجديد في أساليب تشكيل الإيقاع، من حيث لجوؤهم إلى أشكال وزنية ساعدت على ظهور الشعر بمظهر معاصر.
أما الفصل الثالث فاختص بالصورة الشعرية وما جاء فيها من تطور في نظام التصوير، حيث أفادوا من الرمز والتراسل في الحواس وتعقيد الصورة والجنوح بها إلى الرمز الفني والنفسي، وما حدث فيه من تجديد وابتكار مستمد من المذاهب الحديثة التي تساند ميلهم إلى التجديد.

جميلة سعد



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق