الجمعة، 1 مارس، 2013

• الفرد نوبل.. حياته، تجاربه، اختراعه، جائزته


ولد "ألفريد برنارد نوبل" عام 1833م في "استكهولم" عاصمة السويد. وكان والده المهندس "برنارد نوبل" قد تنقل بين العديد من الأنظمة الصناعية والتجارية في عمله، ونظرا لتعدّد الأعمال التي قام بها والد "نوبل" فقد اضطرّت الأسرة إلى الانتقال إلى مدينة "بطرسبرج"، وقد رحلت الأسرة عن السويد عندما كان "ألفريد" في حوالي التاسعة من عمره، وكان ذلك عام 1842م.
وفي مدينة "بطرسبرج" واصل "ألفريد نول" تعليمه ودراسته، فأظهر نبوغا مبكّرا وتفوقا على كل أقرانه، كان "نوبل" الصغير من الأطفال الّذين يتميّزون بالذكاء الفطري والنبوغ المبكّر والفطنة القوية، وكانت له مواهبه الخاصة وقدراته الذهنية والفكرية الواضحة الّتي جعلته يبدو كما لو كان أكبر من سنّه الحقيقيّة.
والواقع أنّ "ألفريد نوبل" قد ورث أغلب صفاته ومواهبه عن والده وجدّه، وبالمناسبة فإن جد "نوبل" لأمّه "أولاف رودبك" هو مكتشف الأوعية الليمفاوية، ولقد كان "رودبك" من أشهر علماء زمانه، وله من الفضل العظيم على العلم ما لا يمكن تجاهله أو إنكاره.
أمّا والد "نوبل" فقد كان أيضًا من أهل العلم، وكانت له ميولاته الابتكارية ومواهبه الصناعية، فكان والد "نوبل" محيّا للإبتكار والإختراع، ولكنه لم ينل من الشهرة والمجد إلا أقل القليل، فلم تكن له نفس قدرات ومواهب وعبقريّة "أولاف رودبك".
لكن ممّا لا شكّ فيه أنّ "ألفريد نوبل" قد تأثّر تأثرًا عظيمًا بشخصية والده وجدّه، وأنه قد ورث عنهما الذكاء والفطنة والعبقريّة والميول الإبتكارية، وحب الاختراع، وليس من العجيب - بعد ذلك - أن تظهر كل هذه المواهب والصفات على شخصيّة "نوبل" وهو لم يزل في مرحلة دراسته الابتدائية في "بطرسبرج" أو حتى في السويد قبل التحاقه بالمدرسة، فقد شهد له الجميع بالفطنة والذكاء والعبقريّة والنبوغ المبكّر.
ولأنّ "أفريد نوبل" كان يختلف كثيرًا عن أقرانه، ولأنّه كان من الأطفال الّذين يمتازون بالنشاط والقوة الفكريةّ النشطة الّتي لا تهدأ، فقد أتقن "نوبل" عدّة لغات إضافية إلى لغته الأصلية بعد سنوات قليلة من بدء دراسته.
وليس من شكّ في أنّ الأساتذة الذين تلقى "نوبل" العلم على أيديهم في السنوات الباكرة من حياته، كان لهم أعظم الأثر وعظيم الفضل في إظهار وتنمية نبوغه وعبقريّته ومواهبه الفكريّة الّتي مكّنته من إتقان خمس لغات في عدّة سنوات قليلة.
ولم يلبث "ألفريد نبول" أنّ قرر دراسة الكيمياء، والتخصص فيها، وكان بالفعل قد بدأ إجراء تجاربه الخاصة فيها، وواصل "نوبل" تقدّمه ونجاحه فلم يتجاوز السادسة عشرة من عمره إلاّ وهو من أنجح وأشهر علماء الكيمياء.
وعندئذ بدأ "نوبل" يفكر في السفر إلى مختلف دول العالم، وكان هدفه تحصيل الحلم ومواصلة البحث في علم الكيمياء والإطلاع على كل جديد مبتكر في هذا العلم.
وكان "نوبل" قد بلغ السابعة عشرة من عمره عندما بدأ أولى رحلاته، فسافر إلى باريس عام 1850م، وظل بها قرابة العام، ثم رحل إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث التقى بالعالم الشهير "جون أريكسون" وعمل معه لفترة من الوقت.
وكانت فرنسا وأمريكا في هذا الحين من أعظم الدول من حيث المكانة العلمية، وفيهما كان العلماء يلتقون ويتبادلون البحث والدراسة وتنفيذ المشاريع والاختراعات العلمية، ومن خلال الفترة الّتي قضاها "نوبل" في فرنسا وأمريكا، أدرك أنّه أصبح متمكّنا كل التمكّن من علم الكيمياء، خاصة أنّه لم يضيّع لحظة واحدة أثناء رحلاته لم يبحث خلالها في المكتبات، كما أنّه قد قام بحضور الكثير من الندوات، وزار أحدث المصانع والمعامل، والتقى بأعظم العلماء.
وعندئذ قرّر "نوبل" العودة إلى "بطرسبرج" ليبدأ حياته العلمية، وفي معمله الخاص في بطرسبرج بدأ "نوبل" تجاربه.
مصنع المتفجرات
عندما عاد "نوبل" إلى "بطرسبرج" كانت في انتظاره مفاجأة من أعظم المفاجآت، والواقع أنّ هذه المفاجأة كان لها أعظم الأثر في حياة "نوبل" فيما بعد، ولا نبالغ إذا قلنا: إنّها كانت أهم نقطة تحوّل في حياته على الإطلاق، فقد تمكّن والده من إنشاء مصنع للمتفجرات وصناعة الطوربيدات الحربية، وقد عاد "نوبل" إلى "بطرسبرج" ليجد هذا المصنع في انتظاره، فكانت المفاجأة، إذ كان "نوبل" يحلم بأن يصبح له معمله الكيميائي الخاص، لكن هاهي ذي الأقدار تمنحه ما هو أعظم من ذلك بكثير، فقد كان مصنع المتفجرات مزوّدًا بعدّة معامل ضخمة بها الكثير من الأدوات والأجهزة العلميّة الّتي لم يحلم "نوبل" من قبل إمكان امتلاكها.
وقبل ذلك، كان "نوبل" قد قرّر دراسة الكيمياء عموما، لكنه عندما عاد إلى "بطرسبرج"، وبعد أوّل زيارة إلى مصنع المتفجرات، قرّر "نوبل" أن يتخصّص في كيمياء المواد المتفجرة، وأن يحوّل كل أبحاثه ومشاريعه العلمية إلى ميدان المتفجرات.
لهذا السبب قلنا: إن إنشاء والد "نوبل" لمصنع المتفجرات كان نقطة تحوّل لها أعظم الأثر في حياة "نوبل" الّذي انهمك فور عودته إلى "بطرسبرج" في إجراء تجاربه الخاصة على المواد المتفجرة عموما، ومادة "النيتروجلسرين" الشديدة الانفجار خصوصًا.
وظلّ "نوبل" يعمل في أبحاثه، ويجري التجارب بكل حماس ودونما انقطاع، وكأنه في سباق مع الزمن، وكان "نوبل" قد كرّس كل طاقته ونشاطه وحيويّته للعمل، والبحث العلمي، ولم يعبأ بأي شيء آخر في الحياة، لأنّه كان يريد أن يحقق حلمه الوحيد العظيم الّذي سافر من أجله إلى فرنسا وأمريكا، وهو أن يصبح من أهم وأشهر وأعظم علماء الكيمياء في القرن العشرين، ولكي يحقق هذا الهدف العظيم كان عليه أن يبذل أقصى جهده لكي يصل إلى أعظم الإنجازات العلمية في ميدان الكيمياء.
تجارب نوبل
كانت أغلب التجارب الّتي أجراها "نوبل" في مصنع والده على مادّة "النيتروجلسرين"، وهي من أخطر المواد الكيميائيّة، وأشدّها من حيث قوّة الانفجار، وكانت هذه المادة الخطيرة من أكثر المواد الّتي يتم استخدامها في مصنع المتفجرات لصناعة الطوربيدات الحربيّة، وكان جميع الّذين يعملون في المصنع يعرفون خطورتها، كما يعرفون أنّها ليست من المواد الآمنة الاستعمال، إذ يمكن لهذه المادة أن تنفجر وحدها، إذا وضعت في آنية محكمة الغلق بفعل الضغط!
ومع ذلك لم يتردّد "نوبل" لحظة واحدة في إجراء تجاربه على النيتروجلسرين، رغم خطورته، وكان هدفه الوحيد هو التوصّل إلى ابتكار وسيلة آمنة لاستخدام هذه المادة الشديدة الانفجار، ولم يكن أحد قد توصّل من قبل إلى ابتكار وسيلة تحيل هذه المادّة السائلة إلى مادّة جافة آمنة منذ أن قام العالم الإيطالي "سوبريرو" باختراعها، ولهذا السبب واصل "نوبل" تجاربه وأبحاثه لعلّه يصل إلى تحقيق هذا الهدف، فيكون بذلك قد حقّق أعظم الإنجازات العلميّة، وكان "نوبل" يعلم أيضا أنّ الاستخدام غير الآمن لمادة النيتروجلسرين قد تسبّب في قتل وإزهاق أرواح عدد كبير من الناس اللّذين اضطرتهم أعمالهم إلى استخدام هذه المادة، فكان ذلك من أعظم الأسباب الّتي جعلته يعتقد أنّ التوصّل إلى طريقة لجعل هذه المادة آمنة الاستخدام سيكون من أجل وأعظم الخدمات الّتي يمكنه أن يقدّمها للبشريّة.
لذلك قام "نوبل" بإلغاء أو تأجيل كافة مشاريعه وأبحاثه الكيميائيّة الأخرى، وركّز كل جهوده على تجاربه الخاصة على النيتروجلسرين وحده.
وفي عام 1859م وقع ما لم يكن "نوبل" يتوقّع حدوثه، فقد أفلس والده واضطرّ إلى وقف نشاط مصنع المتفجرات بعد أن عانى الكثير من المشاكل والصعوبات الفنية، خاصة أنّ صناعة المتفجرات في السويد قد بدأت تعاني من مشاكل الكساد، وكان هذا الحادث هو أولى العقبات والعراقيل الّتي واجهت "'نوبل" وتجاربه العلميّة.
وحزن "نوبل" حزنا شديدًا بسب إغلاق مصنع المتفجرات، لكنّه مع ذلك لم يستسلم لليأس، وسرعان ما أنشأ "نوبل" مصنعًا صغيرًا للمتفجرات، وركّز "نوبل" كل جهد هذا المصنع على إنتاج مادة النيتروجلسرين حتى يتمكّن من مواصلة تجاربه عليها.
لكن أبى القدر إلاّ أن يتابع ضرباته القاسية في العام نفسه الّذي أنشأ فيه "نوبل" مصنعه الصغير، أي في عام 1864م، ففي هذا العام تلقّى "نوبل" أعظم ضربات القدر، وكانت الضربة قاسية، مؤلمة، موجعة، فقد انفجر المصنع وأدّى الانفجار المروّع إلى وفاة خمسة من العاملين، وعلى رأسهم أخوه الصغير "أميل" فكان انفجار المصنع ومقتل "أميل" من أقسى الضربات، وأعظم الصدمات الّتي تلقّاها "نوبل" في حياته.
واستبدّ الحزن بعبقري الكيمياء، وعصرت نفسه الحانية الآلام، لكن عبقريّته أبت أن تستسلم مرّة أخرى، ورغم الحزن والألم، قرّر "نوبل" ألا يتراجع عن مواصلة تجاربه الكيميائيّة عمومًا، وتجاربه على مادة النيتروجلسرين على وجه الخصوص.
لقد تذكّر "نوبل" بمقتل "أميل" عشرات الأرواح البريئة الّتي راحت ضحيّة لهذه المادة المتفجرة غير الآمنة، فزاده ذلك إصراره على العمل من أجل التوصّل إلى الطريقة الّتي تجعل استخدام النيتروجلسرين السائل آمنا.
عبقريّة الإصرار
كان "نوبل" يقضي معظم الوقت في معمله الصغير، منكبّا على أبحاثه وتجاربه، وكان يصل الليل بالنهار وهو يعمل بجدّ وكدّ ونشاط وحيويّة، فلم يكل ولم يمل، وكان إصراره العنيد يدفعه دائما إلى مواصلة العمل، خصوصا كلّما تذكّر "أميل" وعشرات القتلى الّذين أزهقت أرواحهم مادّة النيتروجلسرين الفتّاكة.
كان التحدّي هو الروح الكامنة في عبقريّة "نوبل" وهو الشعلة الّتي تضيء الليل وتلهب حماس العبقريّة، فتعمل وتعمل دون أن تعبأ بالتعب أو الملل، بل إنّ العمل في الكيمياء كان بالنسبة لنوبل هو الشيء الوحيد الّذي يدفع عنه الشعور بالملل والرتابة، ولم يكن ثمّة شيء في الحياة يشغل ذهن "نوبل" سوى الرغبة العارمة في السيطرة على مادّة النيتروجلسرين، تلك المادة الّتي لم يفلح أحد قبله في السيطرة عليها أو التحكم فيها.
وكما قلنا، فإنّ مادة النيتروجلسرين السائلة كانت تنفجر وحدها، من تلقاء ذاتها، إذا تعرّضت لأقل ضغط داخل الآنية الّتي تحتويها، وكان "نوبل" لا يفكّر في شيء سوى في الطريقة الّتي يمكنه أن يحول بها هذه المادة الشديدة الانفجار إلى مادة آمنة، وقد تفتق ذهن "نوبل" عن فكرة كان يعتقد - عن حق - أنّها الفكرة الوحيدة المناسبة والصالحة لتحقيق هدفه، وهي أن يحيل مادة النيتروجلسرين السائلة إلى مادة جافة، فإذا نجح في ذلك فإن النيتروجلسرين لن يتأثر بالضغط، ولن ينفجر إلا إذا تم إشعال اللهب فيه.
وعلى هذا الأساس راح "نوبل" يجرّب العديد من المواد الجافة الّتي تصلح لامتصاص مادة النيتروجلسرين، وقد أجرى العديد من التجارب على عشرات المواد، وفي كل مرّة كانت تنبعث أمامه مشكلة جديدة، لكنّه لم يكن من الّذين يستسلمون لروح الفشل والهزيمة بأي حال من الأحوال.
انتصار العبقريّة
واصل "نوبل" تجاربه في معمله الصغير بروح يحدوها الأمل في تحقيق الهدف، وكان كلّما واجهته المشاكل، أو فشلت إحدى تجاربه، يبدأ من جديد، فيبحث عن أسباب الفشل، ويتلمّس جذور المشكلة، ثمّ يبدأ في مواصلة البحث والتجريب ضاربا عرض الحائط بكل المخاوف الّتي راودته حول إمكان تعرّض حياته للخطر من جرّاء التجارب الّتي يجريها على المتفجرات.
وبعد مجهودات شاقّة توّصل "نوبل" إلى الطريقة الّتي ظلّ يبحث عنها والّتي يمكنه بها أن يجعل مادة النيتروجلسرين مادّة آمنة، وكانت الطريقة الّتي توصّل "نوبل" إلى اختراعها عام 1866م هي طريقة اختراع "الديناميت". وفي نفس السنة الّتي اخترع "نوبل" فيها الديناميت، راح يجري الكثير من التجارب لاختباره والتأكّد من درجة الأمان في استخدامه.
وفي نفس العام حصل "نوبل" على براءة اختراع الديناميت، وهي البراءة الّتي تعني نجاح الاختراع والاعتراف ضمنًا بعبقريّة صاحبه ومكانته العلميّة وفضله على العلم، وكان من الممكن أن يتوقّف "نوبل" عند هذا الحد، بعد أن حقق حلمه الكبير، وأصبح في مقدمة قائمة العلماء الّذين سيخلد التاريخ ذكراهم، إلاّ أنّ طموح "نوبل" لم يكن من النوع الّذي يقف عند هذا الحد.
ولقد واصل "نوبل" أبحاثه وتجاربه بعد ذلك، في الكيمياء عموما، وفي كيمياء المتفجرات خصوصًا، وتمكّن "نوبل" من التوصّل إلى إنجاز الكثير من المنجزات العلميّة العظيمة، وبدأت شهرته في الاتساع، وبدأ اسمه يتردّد في الأوساط والمجامع العلميّة، وبدأ "نوبل" يجني ثمار إنجازاته، فتحسّنت حالته المادية بالتدريج إلى أن أصبح من الأثرياء. وهكذا حقٌق "نوبل" الشهرة والثراء بعبقريّته الفذة وإصراره العنيد.
كانت الثروة الّتي حقٌّقها "نوبل" من اختراع الديناميت ثروة طائلة، وقد تمكّن بفضل هذه الثروة من توسيع نطاق أبحاثه وتجاربه ومشاريعه العلميّة، وهكذا تمكّن من مواصلة النجاح، وتحقيق المزيد من الإنجازات العلميّة الرائعة، وتوالت أعمال "نوبل" العبقريّة، وسجّلت باسمه عشرات الاختراعات الّتي حقٌّقت له الشهرة والمجد.
لقد عاش "نوبل" ليجني ثمار نجاحه العظيم من المجد والشهرة والمال، لكنّه مع ذلك لم يشعر بالفرح والسعادة. ولم تغمره زهرة الانتصار أو نشوة المجد والشعور بالعظمة. إذ سرعان ما تحوّل إختراع الديناميت إلى أداة مدمرة فتاكة في أيدي مثيري الفتن والصراعات وتجار الحروب.
عندئذ شعر "نوبل" بخطورة العمل الّذي قام به، وأدرك أنّ العلم يمكن استخدامه في تدمير الحياة البشريّة، كما يمكن استخدامه لإسعاد الإنسانية، وقد استبدّ به هذا الشعور أكثر خاصّة عندما اخترع "الباليستايت" وهو مادّة أكثر وأشد فتكا وتفجّرًا من الديناميت.
وبسبب هذا الشعور ظلّ "نوبل" يؤنّب نفسه، ويراجع أفكاره متشكّكا في صدقها، وكأنّه كان يقول لنفسه:
-
هل حقا كنت أريد الخير للإنسانية عندما اخترعت الديناميت؟
-
هل كنت أسعى إلى تحقيق المجد الشخصي أو كنت أسعى لخدمة العلم والبشريّة؟
-
هل كنت أبغي التقليل من الحروب ونشر الأمن والسلام، أو كنت أضع بين أيدي الجبابرة والطغاة وتجّار الحروب وسماسرة أقوات الشعوب أفتك الأسلحة وأشدّها تدميرا وإهلاكا للأرواح؟.
هكذا كان "نوبل" يراجع نفسه ويقسو عليها بهذه الأسئلة وأمثالها، وقد بلغت به قسوته على نفسه إن اتهمها بالأنانية وعدم الصدق مع الذات، فكان بذلك على وشك أن يفقد ثقته بنفسه، لكن عدل عن موقفه هذا عندما قرّر أن يثبت للعالم كلّه حسن نيّته.
لم يجد "نوبل" طريقة لإثبات حسن نيّته للعالم كلّه سوى أن يوصى بأن تخصّص كل ثروته بعد موته لتقديم جوائز عالميّة لأهل العلم، والّذين يعملون على تحقيق الأمن ونشر السلام في العالم.
وبهذه الطريقة أثبت "نوبل" بالفعل أنّه لم يكن يهدف إلى تحقيق الثروة باختراع الديناميت وغيره من المواد الشديدة الانفجار، إنّما كان كل هدفه أن يقدّم أجل وأعظم الخدمات للإنسانيّة، فقد ساهم اختراع الديناميت بالفعل في تقدّم الحياة البشريّة، وكانت الجوانب الإيجابيّة لهذا الاختراع أكثر وأعظم وأجلّ بكثير من الجوانب والآثار السلبيّة له.
ولكي ندرك مدى أهميّة اختراع "نوبل" للديناميت، وندرك - أيضا - جوانب عظيمة شخصيّة "نوبل" وعبقريّته الفذّة، علينا أن نرجع إلى الوراء، مع التاريخ، لعشرات القرون، وعلينا أن نتصوّر شكل الحياة بدون أعظم المخترعات الّتي قدّمتها العقول العبقريّة عبر التاريخ، والدّيناميت - ذاته - كاختراع يأتي في مقدمة الإنجازات العلمية الّتي ساهمت بالفعل في تطوير الحياة الإنسانيّة وتقدمها.
ولكي ندرك إلى أي مدى كانت عبقريّة نوبل من العبقريّات الفذّة، علينا أن نعرف أن هناك العشرات من العقول العبقريّة الّتي ظهرت عبر التاريخ، وحاولت قبله أن تتوصّل إلى أسرار المواد المتفجرة، لكنّها لم تفلح، وعجزت كلّها في أن تتوصّل إلى تحقيق الإنجاز العبقري الّذي توصّل "نوبل" وحده بعبقريّة ممتازة متفردة إلى تحقيقه.
ومعنى ذلك أن هناك الكثير من المحاولات السابقة على "نوبل"، وكلّها محاولات سجّلها تاريخ العلم، وحاول العلماء من خلالها أن يحقّقوا ما حقّقه "نوبل" لكنّهم فشلوا جميعا.
قبل أن يظهر "ألفريد نوبل" عبقري القرن العشرين، الّذي توصّل إلى اختراع الديناميت، كان هناك العديد من العلماء الّذي حاولوا صناعة المفرقعات، وكان قبل هؤلاء العلماء من حاول أيضا أن يتوصّل إلى صناعة المفرقعات، فقصّة المفرقعات والمواد المتفجرة قصّة طويلة يرجع تاريخها إلى زمن طويل حتّى قبل "روجر بيكون" الّذي أجرى أول تجربة على البارود.
كان البارود على حد قول "فلتشر برات" هو: أوّل مواد المفرقعات ولكنّنا لا نعرف من الّذي اخترعه، ففي العصر الوسيط عندما اخترع البارود كان الناس يغرمون بمزج الأشياء معا لمعرفة ماذا سيحدث من هذا المزج، ولهذا كان من الطبيعي أن يمزج شخص ما ثلاث مواد معروفة، هي: نيترات البوتاسيوم أو نيترات الصوديوم والكبريت والفحم النباتي، كما يمكن أن يمزج أي مواد أخرى يجدها على مقربة منه أو فيما حوله من مواد، ونيترات البوتاسيوم أو الصوديوم كان يستطيع العثور عليها أسفل أي كومة من السماد (السّباخ)، لذلك كان من السهل دائما الحصول على هذه المواد، كما كان من السهل الحصول على الكبريت حيثما توجد البراكين، وكذلك كان الفحم النباتي يوجد في كل المنازل.
وأول من يحدّثنا عن تجربة البارود رجل اسمه "روجر بيكون" كان راهبا إنجليزيا، وكان شغوفا بمعرفة كل شيء من حوله في الطبيعة، وفي عام 1242م كتب كتابا قال فيه: إنّه قد مزج نيترات البوتاسيوم بالكبريت والفحم النباتي، ثم أشعل هذه المواد بعد مزجها معا، فحدث وميض صحبه صوت كقصف الرعد، ويمكن أن ندعو هذا الّذي حدث "فرقعة" أو"انفجارا".
ومع أنّه قد يبدو من هذا أن الراهب بيكون قد اكتشف البارود، إلاّ أنّه لم يعتبر مخترعه، ومن ثمّ فهو لا يستحق أن ينسب إليه، فلقد اخترع أو اكتشف الكثيرون من الناس أشياء ظنّوها ليست ذات نفع عملي، ومع أنّهم قد كتبوا عمّا وصلوا إليه، ولكنّهم سرعان ما نسوا هذا كلّه وكأنّه لم يكن، وكان هذا أيضًا هو نفس ما فعله "روجر بيكون"، إذ كان كل ما يعنيه هو أن يراقب الانفجار، ولكنّه لم يحاول أن يستخدمه في شيء ما.
وكان الرجل الّذي فكّر في استخدام البارود راهبا اسمه "برثولد شوارتز" عاش في ألمانيا بعد مائة سنة من عصر "روجر بيكون"، وقد خطرت لشوارتز هذا فكرة وضع بعض هذه المواد معا في أنبوبة من الحديد أغلق أحد طرفيها إغلاقا محكما، تاركا ثقبا صغيرا ليدخل منه اللهب، ثمّ وضع فوق المسحوق قطعة من الحجر، فلمّا أشعل النار وانفجر المسحوق قذف الانفجار بقطعة الحجر، وهكذا اخترع "برثولد شوارتز" المدفع.
وكان هذا اختراعا له أهميّته، فقبل اختراع المدفع كان النّصر في المعركة يقف دائما إلى جانب من هم أكثر عددا، وأحد أسباب سقوط إمبراطوريّة روما أنّه لم يتوافر رومانيون لصدّ رجال القبائل المتوحشة الّتي جاءت من الشمال، ولكن بعد أن أتمّ الراهبان بيكون وشوارتز علمهما، أمكن للعدد القليل من الرجال الّذي يتسلّحون بالمدافع أن يصدّوا عن بلادهم عددا كبيرًا من المقاتلين الّذين يحملون السيوف والحراب، ولم تكن الولايات المتحدة لتستوطن، لو لم يكن لدى المستوطنين مدافع ردّوا بها الهنود الحمر على أعقابهم.
ولقد كان لاختراع البارود أيضا أهميّته من ناحية أخرى، فقبل اختراعه كان أي أمير ثري يتدثّر بدرعه يستطيع أن يقهر أي عدد من الرجال الّذين لا يتوافر لهم مثل هذا الرّداء من الصّلب، وكان الأمير يستطيع أن يعيش في قلعته آمنا مطمئنّا، لأنّه يعرف أن أحدا لن يصل إليه، ومكّن الراهبان "بيكون وشوارتز" الناس من أن يعيشوا آمنين لا يقلقهم أن يغتصب منهم أمير ما يملكون.
على أن هذا لم يكن كل ما حقّقه اختراع البارود، فقبل اختراع البارود كان الناس يستخدمون الإزميل، أو المنحات والفأس والمعول أو غيرها من الآلات اليدويّة لانتزاع الأحجار من الأرض، وكان حفر الأرض لإخراج الأحجار يتطلّب جهدا إلى حد أنّه لم يكن يشيّد من الأحجار سوى الكنائس ودور الحكومة وقصور وقلاع الأثرياء، ولكن عندما أمكن نسف الصخور وتكسيرها بالبارود، أمكن لكل فرد أن يشيّد بيتا من الأحجار.
واليوم نصل إلى كل ما يمكن انتزاعه من باطن الأرض بواسطة المفرقعات، فالفحم والحديد والألمنيوم وغيرها من المعادن الأخرى يجب أن تنتزع كلّها من الصخور الّتي تخفيها أسفلها، ولولا ما قام به الراهبان "بيكون وشوراتز" لبقيت كل هذه المعادن التي نستخدمها اليوم مختزنة في باطن الأرض، نادرة الاستعمال، غالية الثمن.
ولكن المفرقعات الّتي تفعل لنا هذا كله اليوم هي في الواقع بعيدة جدا عن البارود، فقد تمّت خطوة أخرى بعد خمسمائة سنة من إشعال "برثولد شوارتز" المادة الّتي وضعها في أنبوبة من الحديد، وبعد ستمائة سنة من تجربة "روجر بيكون" الّتي أحدثت الوميض والفرقعة الّتي كان لها قصف الرعد.
ولقد جاءت هذه الخطوة عندما حاول إيطالي اسمه "إسكانيو سوبريرو" متابعة الأسطورة القديمة، أسطورة جمع عدّة مواد معا لمعرفة ماذا يمكن أن يحدث من هذا الجمع، لقد مزج مادّة حامض النيتريك بالجلسرين، فأوجد سائلا مركّبا هو "نيترات الجلسرين" فكان للمادة الجديدة انفجارها الشديد الّذي يزيد أضعافا مضاعفة على قوّة انفجار البارود القديم.
كان "سوبريرو" مثل "روجر بيكون" رجلا يستمتع بالتجارب لذاتها فهو لم يعن باستخدامها، وقد جربت مادة "نيترات الجلسرين" الّتي اكتشفها هو بعد سنوات بواسطة أناس آخرين، فوجدوها تحدث انفجارا جيّدا، كما اكتشفوا أنّها مادة خطرة، فهي تنفجر عادة إذا ما وضعت في دن مغلق.
على أنّ استخدام نيترات الجلسرين لنسف وتفتيت الصخور أوضح أنّها لسيولتها تنساب في شقوق الصخور قبل أن يوضع "الفتيل" الّذي يلهبها، وهكذا ظلّت المواد المفرقعة في حاجة إلى عبقري يصل بها إلى الشكل العملي الأمثل في استخدامها.
وفي القرن التاسع عشر بدأ كيميائي سويدي اسمه "ألفريد نوبل" يبحث عن وسيلة لاستخدام نيترات الجلسرين استخداما عمليّا، واعتقد "نوبل" أن هذا سيكون أيسر وأأمن لو أمكن مزج نيترات الجلسرين بمادة خاصة تمتص السائل، وهكذا عمد "نوبل" إلى تجريب الكثير من المواد فمزج النيترات بمادة هلامية جلاتينيّة، وكان الامتصاص جيدا، ولكن الاشتعال لم يكن جيدا، وجرّب "نوبل" نشارة الخشب، كما جرّب فحم الحطب، ولكنّهما لم يحقّقا أمن الاستعمال، وكانت علّة المشكلة هذه المرّة بسبب اشتعال نيترات الجلسرين وحدها عندما تلامس أي شيء ينبت من الأرض.
وهنا- كما يحدث غالبا - جاء الحل للمشكلة دون توقّعه، فقد وصل "ألفريد نوبل" إلى ما يطلبه من نيترات الجلسرين محزوما في مادة خفيفة الوزن من راسب ترابي اسمه "كسيلجور" وهي مادة معروفة جيدا في السويد وشمال ألمانيا، وتصنع من قواقع حيوانات البحر الصغيرة منذ آلاف السنين.
وفي سنة 1876م قام "نوبل" بتجربته مستخدما مادة التغليف هذه لامتصاص نيترات الجلسرين، ووضح أنه عندما تبتل بنيترات الجلسرين جيدا يمكن ضغطها في عصي صغيرة يسهل حملها، كما يكون حاملها آمنا، فإذا ما وضعت واحدة من هذه العصي في ثقب شق الصخور فإنّها تنفجر وتفتّت الصخر، وأطلق "ألفريد نوبل" على اختراعه الجديد اسم "الديناميت" وكان هذا أول المواد الّتي نقول عنها أنّها شديدة الانفجار.
قبل الختام
كانت حياة "نوبل" حافلة بالعمل والنشاط والحيويّة والبحث والابتكار، وكان "نوبل" يقضي أغلب وقته في معمله، حيث تستغرقه التجارب الكيميائية والأبحاث العلميّة، ولذلك فقد كانت الروح العمليّة هي الطبيعة الغالبة على حياة هذا العبقري الّذي انعزل عن العالم والواقع وعاش بين أدوات المعامل والمواد الكيميائيّة طوال فترة حياته الحافلة بالعمل والاختراع والبحث، وحتى عندما سافر"نوبل" إلى العديد من بلدن أوروبا وأمريكا، لم تكن أسفاره ورحلاته بهدف الترفيه أو طلب المتعة والسياحة، فقد كانت أغلب أسفاره إمّا بهدف العمل وإمّا الدراسة، فلم يكن "نوبل" من الشخصيّات الّتي تهتم بالحياة العامة التقليدية، إنّما كانت شخصيّة العالم الّذي لا همّ له سوى البحث والعمل الدائب لتحقيق أكبر قدر ممكن من الإنجازات العلميّة العظيمة ذات النفع العام للإنسانيّة عموما.
لهذا السبب لم تتملّكنا الدهشة عندما رأينا "نوبل" يعتقد مؤمنا بأنّ اختراعاته الكيميائية في مجال المفرقعات سوف تحدّ من انتشار الحروب وتقلّل من أسباب الدمار في العالم، وأنّها سوف تساعد على استقرار أحوال العالم وتساهم في تحقيق السعادة للعالم، والواقع أنّ "نوبل" كان يحلم بالفعل أن تؤدّي أبحاثه وأعماله واختراعاته إلى تحقيق الأمن والسعادة للعالم كلّه، شأنه في ذلك شأن سائر العباقرة وأعظم العلماء الّذين نذروا حياتهم لخدمة الإنسانية وإسعادها، ولكن الواقع قد خيّب آمال هذا العالم عندما أساء استخدام المفرقعات، ولقد صدم "نوبل" صدمة عظيمة عندما وجد أنّ أسلحته المدمرة الّتي اخترعها وأفنى في اختراعها زهرة شبابه قد ساهمت في توسيع دوائر الحرب والدمار، ونشرت الصراعات في العالم كلّه بدلا من أن تحدّ من الحروب وتعمل على توطيد الأمن والسلام، لهذا شعر"نوبل" بالخطأ الفادح الّذي ارتكبه في حق نفسه وفي حق الإنسانيّة، وقرّر أن يبذل كل جهده لمحو هذا الخطأ أو التقليل من آثاره المدمرة.
نبل العبقريّة
وإذا كان "نوبل" قبل وفاته في عام (1896م) في "سان ريمو" في "إيطاليا" قد فكّر في إنشاء جائزة عالمية للسلام تمنح للعلماء الّذين يبذلون جهدا علميّا لإسعاد البشريّة وتقدّم العلم، فإنّ تفكيره هذا يدل على صدق نواياه، وحسن طويته، وما يعتمل في نفسه من الرحمة تجاه العالم والبشريّة.
لقد واصل "نوبل" أبحاثه واختراعاته بدافع من الشعور المستبد الّذي تسلّط عليه عندما فقد شقيقه في الحادث المؤلم المروّع الّتي تعرّض له مصنع المفرقعات الّذي يملكه والده، ولقد كان انفجار هذا المصنع نتيجة لعدم توافر الأمن في المفرقعات الّتي يتم إنتاجها، ولهذا السبب حاول "نوبل" أن يخترع المفرقعات الآمنة لكي يحدّ من آثار الدمار الناجمة عنها، وكان يظن أنّه بذلك يقدّم خدمة جليلة للبشريّة، فإذا تذكّرنا النتائج الإيجابيّة المترتبة على استخدام المفرقعات في الأغراض السلميّة، لأدركنا على الفور مدى صدق نوايا "نوبل" وحسن طويته ونيل غايته.
لقد كان "نوبل" عبقريّة فذّة من أعظم عبقريّات القرن العشرين، ومن الخطأ الفادح أنّ نصف عبقريّته بأنّها عبقريّة من النوع الشرير، أو أنّ نصف جهوده العلمي ومخترعاته بأنّها ساقت العالم إلى الدمار، أو أنّها كانت السبب فيما يعتمل في العالم من صراعات، وما ينشب فيه من الحروب، فأعظم الإنجازات العلميّة الّتي أنتجتها عباقرة العلماء يمكن أن تستخدم في الخير، كما يكن أن تستخدم في الشر، والعلماء أنفسهم لا يستخدمون عبقريّتهم لخدمة البشر، ولكن التجار وأصحاب المصالح وطلاّب الثروات هو اللّذين ينشرون الحرب والدمار ويستخدمون إنجازات العباقرة من العلماء لتحقيق أهدافهم الأنانية حتى على حساب الإنسانيّة، ولأنّ "نوبل" كان من أعظم العقول العبقريّة، ولأنّه لم يهدف منذ البدء إلاّ لإسعاد الإنسانيّة، فقد ظلّ اسم "نوبل" خالدا في سجلّ العظماء مع سائر العباقرة الّذين ساهموا في تقدّم العلم ومهّدوا الطريق لتقدّم الحياة البشريّة.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق