الأحد، 24 فبراير، 2013

• مستقبل البشرية خلال المائة ألف سنة المقبلة.. إلى أين؟:



          من الشائع أن يتشاءم المرء تجاه آفاقنا المستقبلية، لكن جنسنا البشري قد يبقى بكل تأكيد لمدة 100 ألف سنة على الأقل. إذن فما الذي يخبئه لنا المستقبل؟ لدينا الآن المنظور كي نحدد القوى والاتجاهات التي شكّلت الإنسانية والأرض حتى وقتنا هذا، وبهذه المعرفة يمكننا إصدار تنبؤات ذكية حول ما سيأتي. والحقيقة أن جماعات كثيرة تحاول الآن تمديد آفاق الإنسانية أبعد كثيرًا من القرن التالي، بداية من مؤسسة "لونجناوفاونديشن"Long Now Foundation  وانتهاء بمن يقولون إن وجودنا يصوغ حقبة جيولوجية جديدة. المستقبل العميق في بداياته فحسب...


          ما احتمالات تجنبنا الفناء؟ في 2008، شارك الباحثون الحاضرون في مؤتمر المخاطر الكارثية التي تهدد العالم الذي انعقد في أكسفورد في المملكة المتحدة في استقصاء غير رسمي حول المخاطر التي يعتبرونها تهدد الإنسانية، فلم يعطوا البشر إلا فرصة بنسبة 19 في المائة للبقاء حتى عام 2100م. ومع ذلك فعندما تنظر نظرة أدق، تجد هذا التشاؤم المفرط لا أساس له من الصحة، فنحن لن نحافظ على بقائنا حتى عام 2100م فحسب، بل الأرجح وبشكل ساحق أننا سنبقى على مدى المائة ألف سنة المقبلة على الأقل.
          في تقرير منشور بإحدى المجلات العلمية كتبه مايكل بروكس يقول:
          انظر إلى العمليات الحسابية التي أجراها جيه. ريتشارد جوت J. Richard Gott، عالم الفيزياء الفلكية في جامعة برنستون، والذي يقدّر - استنادًا إلى 200 ألف سنة من الوجود البشري - أننا سنبقى على الأرجح لفترة ما تتراوح بين 5100 سنة و7.8 مليون سنة مقبلة.
          كما أن الشواهد الأحفورية مطمئنة بالمثل، حيث تشيرالسجلات الموجودة في الصخور إلى أن متوسط زمن البقاء للثدييات يبلغ نحو مليون سنة، على الرغم من أن بعض الأنواع يبقى 10 أضعاف هذه المدة، وفيما يبدو أن هناك زمنًا طويلاً مازال متبقيًا في ساعتنا، أضف إلى ذلك أننا - وعذرًا للتباهي - الأذكى بين الثدييات.
          ولننتبه إلى أن هذا يمكن أن يُرى كمشكلة، إذ أن أكبر تهديد يواجه أي حضارة متقدمة ربما يكون التكنولوجيا التي تخرج عن السيطرة، حيث تحدث المتحدثون عن الأسلحة النووية والهندسة البيولوجية وتكنولوجيا النانو كلها كبعبع محتمل. لكن خبير الكوارث جاريد دايموند Jared Diamond، أستاذ الجغرافيا في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، يوضح أننا لم نعد نعيش في حضارات منعزلة، فالإنسانية الآن شبكة عالمية من الحضارات تملك إمكانية غير مسبوقة من الوصول إلى مَعين، اكتُسب بالكد والتعب، من المعارف يجري بالفعل تسخيره لحماية الجميع.
          من غير المرجح أيضًا أن يقضي علينا وباء فيروسي قاتل، فأسوأ الأوبئة يتفشى عندما تنتشر سلالة جديدة من فيروس الإنفلونزا عبر الكرة الأرضية. وفي هذا السيناريو، لا يملك الناس مناعة، مما يترك قطاعات سكانية كبيرة معرضة للخطر. وقد وقعت أربعة أحداث من هذا القبيل في المائة سنة الماضية، وكان أسوأها وباء الإنفلونزا الذي تفشى سنة 1918 فقتل أقل من 6 في المائة من سكان العالم. والمزيد من ذلك سيأتي، لكن فَناء جنس بأكمله بسبب أحد الأمراض لا يحدث إلا عندما يكون هذا الجنس محصورًا في منطقة صغيرة ولنقل جزيرة على سبيل المثال. وإذا حدث تفشٍّ وبائي حاد فسيقتل عدة ملايين، لكن لا يوجد سبب مقنع لنظن أن أية طفرات فيروسية مستقبلية ستكون السبب في القضاء علينا برمتنا.
          الأشد تخويفا هو احتمال ثوران بركان هائل. فكل 50 ألف سنة أو نحو ذلك، يثور بركان هائل في مكان ما فيقذف أكثر من 1000 كيلومتر مربع من الرماد، وقد رُبطت مثل هذه الأحداث بانهيارات في السكان البشريين. ومنذ نحو 74 ألف سنة، ثار البركان توبا في سومطرة.
          أشار علماء الأنثروبولوجيا إلى أن الحادث ربما قلص السكان البشريين على الأرض إلى مجرد بضعة آلاف (نيوساينتست،17 أبريل 2010، ص28). لكن وكما يوضح بيل ماكجاير Bill McGuire، مدير مركز بنفيلد لأبحاث المخاطر في كلية لندن الجامعية، فقد كان هناك بشر أقل كثيرًا آنذاك وكانوا إلى حد كبير محصورين في المنطقة الاستوائية، وهو تركز جغرافي جعل أثر ثوران البركان أشد كثيرًا مما سيكون عليه الحال مع سكان اليوم الموزعين على مساحات واسعة. وهو يقول: "محو 7 مليارات نسمة من على وجه الأرض في يومنا هذا سيكون أصعب بكثير".
          تشير التقديرات إلى أن فرصة حدوث ثوران بركاني هائل خلال المائة ألف سنة المقبلة تتراوح بين 10 و20 في المائة، وذلك استنادًا إلى تكرارها التاريخي. ومع هبوط سحب هائلة من الرماد على سطح الأرض لتحوّل إياه إلى ظلام دامس لنحو خمس سنين أو ست، سوف تتضرر المحاصيل العالمية تضررًا بالغًا لفترة طويلة بما يكفي للتسبب في وفيات على نطاق غير مسبوق. يقول ماكجاير: «حصيلة الوفيات المحتملة ستكون بالمليارات». لكن يجب أن يحدث هذا مرتين خلال تلك الفترة الزمنية كي تكون هناك فرصة حقيقية لفناء الجنس البشري، وهذا ليس بمستحيل، وكل ما هناك أنه غير محتمل إحصائيًّا إلى أبعد الحدود.
          أكبر تهديدات بالفناء من كل ما سواها تأتينا من الفضاء. فالتوهجات الشمسية وضربات الكويكبات ودفقات أشعة جاما الناتجة عن انفجارات المستعرات العظمى أو النجوم المنهارة هي ما تحتاج فعلا إلى الانتباه إليها. يقول بريان توماس Brian Thomas، أحد الخبراء في أخطار ما بين المجرات في جامعة وشبرن في توبيكا بولاية تكساس الأمريكية: «كل 300 مليون سنة، نتوقع دفقة أشعة جاما أو انفجار مستعر أعظم شديد يقضي على معظم طبقة الأوزون». وستكون النتيجة زيادة هائلة في الإشعاعات الضارة على سطح الأرض وزيادة في معدل الإصابة بأمراض السرطان التي تهدد الحياة أثناء العقود التي سيستغرقها التئام طبقة الأوزون. ومن المستحيل أن نعرف متى قد تقع مثل هذه الواقعة.
          لكن هذه الأشياء شديدة الندرة على نحو يجعل فرصة وقوع واقعة تتسبب في فناء البشرية في المائة ألف سنة التالية تساوي عمليًا صفرًا، ويمكن قول الشيء ذاته عن تهديد ناجم عن توهج شمسي شديد القوة يدمر البنى التحتية الحرجة كافة؛ لأنها ستتعرض لتوهجات أقوى ألف مرة من أكبر توهج شوهد على الإطلاق. يقول مايك هابجود  Mike Hapgood، عالم الفيزياء الشمسية في مختبر رذرفورد أبلتون في أكسفورد بالمملكة المتحدة ومدير المشروعات لدى برنامج الطقس الفضائي التابع لوكالة الفضاء الأوربية: «هل تستطيع شمسنا، في حالتها الراهنة، إنتاج مثل هذا التوهج بشكل متكرر كثيرًا؟ لا نعرف ذلك». لكن هذا السيناريو يظل سيناريو كارثة غير محتملة، مما يتركنا مع احتمال وقوع ضربة من كويكب.
          تحتاج مثل هذه الضربة إلى بعض الحظ كي نتجنبها، فالفضاء مليء بالحطام الصخري الذي يشكّل من حين لآخر تهديدًا لكوكب الأرض، وهناك اعتقاد على نطاق واسع أن اصطدام كويكب عرضه 15 كيلومترًا قضى على الديناصورات منذ 65 مليون سنة. وفي أي فترة من مائة ألف سنة، يمكننا في حدود المعقول أن نتوقع اصطدامًا من كويكب عرضه 400 متر يتسبب في إلحاق ضرر يعادل ما يلحقه انفجار 10 آلاف طن من مادة التي إن تي. ويقول رائد الفضاء السابق توماس جونز Thomas Jones، الذي يشارك في رئاسة فريق العمل المعني بالدفاع الكوكبي التابع لوكالة الفضاء الأمريكية ناسا: «لا يكفي هذا للقضاء على الحضارة بأكملها، لكنه يدمر يقينًا بلدًا صغيرًا كفرنسا بأكمله».
          قد يجادل البعض بأنه من دون فرنسا، الأمل ضئيل أمام الحضارة البشرية على أية حال، لكن الواقع أن احتمال حدوث فناء تام لا يزيد على 1 إلى 5. يقول جونز: «هناك آثار عالمية تنشأ عن اصطدام كل 500 ألف سنة تقريبًا، لذا فاحتمال وقوع اصطدام كارثي يهدد الحضارة في غضون 100 ألف سنة يبلغ نحو 20 في المائة».
          ينبغي علينا على الأرجح أن نعكف على بعض التدابير المضادة للكويكبات، لكن الحقيقة أن البشر المهمومين بطول عمر جنسنا البشري يمكنهم أن يطمئنوا، فالرؤية من هنا على ما يرام.
          في المجلة نفسها يتساءل مايكل مارشال: هل سيكون هناك أي عالم طبيعي متبقٍ؟
          من الناحية الظاهرية، يبدو مستقبل العالم الطبيعي مظلمًا، فالبشر يتسببون في حدوث اندثار جماعي سيكون من بين أسوأ ما لحق بالأرض على مدى تاريخها الطويل، حيث يجري القضاء على الحياة البرية، كما نعكف على ملء الهواء والمياه والتربة بالملوثات. النتيجة النهائية هي أنه ما لم يحدث تحول جذري في السلوك البشري، فسيعيش أحفادنا البعيدون في عالم مستنفد بشدة من عجائب الطبيعة.
          سيتعرض التنوع الحيوي على وجه التحديد إلى أذى شديد، فتقييمات الأوضاع الراهنة تقدم دائمًا قراءة تثير الشعور بالاكتئاب، ونحو خُمس الفقاريات مصنف على أنه مهدد بالانقراض، مما يعني وجود احتمال كبير أن تفنى هذه الأنواع في غضون 50 سنة من الآن.
          السبب الرئيس هو تدمير الموائل الطبيعية، لكن التغير في المناخ الناجم عن الأفعال البشرية سيكون ذا أهمية متزايدة، حيث تشير تقديرات أحد النماذج التي تحظى بالكثير من المناقشة إلى أن ما بين 15 في المائة و37 في المائة من الأنواع سيكون «مكتوبا عليه الانقراض» بحلول عام 2050 (Nature, vol 427, p 145) نتيجة ارتفاع درجة حرارة الأرض.
          تقول كيت جونز Kate Jones، الباحثة في معهد علم الحيوان في لندن بالمملكة المتحدة: «سيكون عالَمًا جديدًا». سيصبح النظام الإيكولوجي أكثر بساطة ويهيمن عليه عدد صغير من الأنواع وافرة العدد واسعة الانتشار، وما سيبقى من بين الحيوانات «غير المتوافقة» مع البشر (ربما نحب قنص هذه الحيوانات لاستيطان موائلها الطبيعية على سبيل المثال) قليل. وتضيف جونز بقولها: «ليس لدي كثير من الأمل بالنسبة لببغاء المقْو الأمريكي ولا البندة ولا وحيد القرن ولا النمر».
          لكن الحياة ستتعافى في نهاية المطاف، فقد كان هذا حالها دائما. ويقول مايك بينتون  Mike Benton، الباحث في جامعة بريستول في المملكة المتحدة، إن حالات الانقراض السابقة تقدم لنا تلميحات حول الكيفية التي سيسترد بها النظام الإيكولوجي عافيته في نهاية المطاف. والحالتان اللتان نعرف عنهما أكثر ما يكون من التفاصيل هما انقراض نهاية العصر البرمي منذ 252 مليون سنة والذي أباد 80 في المائة من الأنواع الحية، وانقراض نهاية العصر الطباشيري الأقل منه شدة منذ 65 مليون سنة والمشهور بأنه قضى على الديناصورات. ويعدّ الانقراض البرمي أقرب إلى حالتنا هذه؛ لأنه نجم عن ارتفاع هائل في درجة حرارة الكرة الأرضية، لكن بينتون ينبّه إلى أن العالم كان شديد الاختلاف آنذاك عنه الآن، لذا فالانقراض الشامل في يومنا هذا لن يتم بالطريقة ذاتها إلى حد كبير.
          تشتمل عمليات التعافي عادة على مرحلتين. وإذا وُفّقت عمليات تعافينا نحن البشر على النحو نفسه، فسوف يهيمن على فترة المليونين إلى الثلاثة ملايين سنة الأولى كائنات سريعة التكاثر ناجية من الانقراض، وسرعان ما تنتج هذه الكائنات أنواعًا جديدة وتدفع عدد الأنواع الحية في العالم إلى الارتفاع مجددًا.
          لكن كثيرًا من الأشياء سيظل ناقصًا، إذ ستكون الأنظمة الإيكولوجية بسيطة، وتشتمل على أنواع حية متشابهة تفعل أشياء متشابهة، وستكون آكلات الأعشاب أقل تنوعًا، وقد تكون المفترسات العليا غائبة تماما في أماكن كثيرة.
          وهنا تأتي الأنواع الحية الأطول عمرًا والأبطأ تطورًا لاستعادة تعقيد النظام الإيكولوجي الكامل، لكن هذا يمكن أن يستغرق ما يصل إلى 10 ملايين سنة، أي أكثر كثيرًا من حتى أكثر التوقعات تفاؤلاً بالمستقبل البشري .
          ليس من الحتمي أن يكون الأمر على هذا النحو، ويمكننا أن نُقدم الآن على عمل ليبدأ التعافي، وإن كنا لا ندري إلى أي مدى يمكننا تسريعه.
          يعكف علماء أحياء وعلى نحو متزايد في التفكير في أشياء لا تخطر ببال، كنقل الأنواع الحية إلى أماكن يمكنها فيها الازدهار وفي الوقت نفسه تركها لمصيرها في نطاقاتها الأصلية.
          قد يبدو هذا غير طبيعي، لكن نظرا لأن التأثير البشري لحق بالفعل الأغلبية الساحقة من الأنظمة الإيكولوجية على الأرض، فهل عاد مفهوم «طبيعي» حتى أصبح مفهومًا مفيدًا؟
          بل والأكثر راديكالية أننا ربما نكون أحسن حالاً بتشجيع تكوين أنواع حية وأنظمة إيكولوجية جديدة بدلا من الكفاح لإنقاذ الأنواع الحية الراهنة التي لا تتمتع بمستقبل طويل الأمد، مثل حيوانات البندة. تقول جونز: «لا أريد التخلص منها بأية حال، لكن الأشياء تتغير فعلا، وإما التكيف وإما الموت».
          يقول بينتون إن الشيء الأهم هو أن نعيد بناء نقاط ساخنة للتنوع الحيوي مثل الغابات المطيرة والشعاب المرجانية، وليس من الضروري أن يكون هذا العمل مهمة ضخمة. ويشير تحليل أُجري أخيرًا إلى إمكانية استعادة الأراضي الرطبة المتضررة في غضون جيلين من البشر.
          فيما وراء ذلك، قد يكون من الممكن الشروع في «الهندسة النشوئية»، حيث يمكننا - على سبيل المثال - تقسيم الأنواع الحية إلى موئلين منفصلين وتركها تتطور على نحو منفصل، أو إدخال أنواع حية «مؤسِّسة» إلى أنظمة إيكولوجية أعيد بناؤها حديثا.
          قد تحل الطبيعة هذه المشكلة نيابة عنا بتوفير أنواع حية «مؤسِّسة» من مصدر غير متوقع. فالحيوانات من قبيل الحمام والجرذان والفئران والثعالب تزدهر بالفعل بجانب البشر وقد تنتج أنواعًا حية جديدة تصبح المؤسِّسة للنظام الإيكولوجي الجديد.
                                                                                                                       



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق