السبت، 6 أبريل، 2013

• فتح القسطنطينية وسقوط غرناطة إشكالية المفارقة

          كان فتح المغرب الأكثر تعقيدًا في مسار الفتوحات العربية الإسلامية، إذ طال زماناً حتى بلغ سبعيناً من الأعوام، وذلك لصعوبة تكيف قبائل البربر، الوثنية، مع الإسلام، إلى الشعور بأن الفاتحين يستهدفون النمط الاستقلالي لتلك الكيانات المتفرقة بين التحضر، والبداوة، والتي احتفظت به عبر الأزمنة.

 ذلك ما يفسر التذبذب المستمر، لوقت طويل في مواقف البربر، إزاء التوسع الأموي بين الولاء والعداء، فضلا عن الثورات التي عرقلت تقدم القادة الكبار، من عقبة بن نافع شهيد «تهودة» إلى حسان بن النعمان الذي تراجع أمام حركة «الكاهنة» في الأوراس، واحتاج إلى فرصة أخرى لاستعادة زمام الموقف، وتحقيق السيطرة على معظم المغرب، حتى موسى بن نُصير الذي حسم الفتح العسير، بالدخول إلى «السوسين» الأدنى والأقصى على ساحل المحيط، وكانت قد انخرطت في جيشه فرق من البربر، بعد إسلامها، وقاتلت تحت رايته بقيادة طارق بن زياد، الذي انعطف شمالاً حتى طنجة، فسقطت بدورها في يده.
          من هذه المدينة، حيث يلتقي البحر بالمحيط، وُلدت فكرة العبور إلى إسبانيا، مُشجعاً عليها «خوليان» حاكم سبتة. وقد اختلفت المرويات في تحديد هويته، إذا كان بيزنطياً يدور في فلك الإمبراطورية، المسيطرة لحينٍ على السواحل الإفريقية الشمالية، أو إسبانياً، ولاؤه لمملكة القوط، وإن كان اسمه يوحي بانتمائه للأخيرة، وقد يرجح ذلك ما أبداه من معرفة بشؤونها الداخلية والصراعات الدائرة على أرضها، بين الملك رودريك (لذريق) وبين أبناء ويتيزا (غيطشه)، لناقمين عليه، لاغتصابه عرش أبيهم. ولأسباب خاصة أو سياسية، كان أقرب إلى فريق المعارضة، مرحباً من هذا المنظور بالعرب المسلمين، ومبدياً استعداده لتمهيد الطريق أمامهم للعبور إلى إسبانيا، الغارقة في أزماتها وانقساماتها، في وقت كانت الجيوش الأموية على أهبتها للحرب، فاستغل ذلك موسى بن نصير، واتخذ قراراً، بعد استشارة الخليفة (الوليد بن عبد الملك) بتنفيذ العملية الكبرى التي عهد بطليعتها إلى طارق بن زياد وتوجت بنصر لعله الأعظم بين الفتوحات في ذلك الزمن.
          وهكذا طرق الأمويون باب أوربا من الغرب، وانتشرت جيوشهم في أرجاء إسبانيا، حتى باتوا على مقربة من «البرينيه»، الجبال الفاصلة بينها وبين مملكة الفرنجة الصاعدة، ما روع البابوية التي رهصت حينئذ بالدعوة الصليبية، تحت عنوان طرد المسلمين من إسبانيا، وكانت أول تعبيراتها، حملة شارلمان إلى سرقسطة، المتزامنة مع عهد الأمير الأموي عبد الرحمن بن معاوية (الداخل)، ثم تأججت بفشل الحملة وهزيمة قائد المؤخرة «رولان» الذي تحول إلى رمز لدى قومه يستمدون منه الروح المعنوية لدحر المسلمين من أوربا. ولم يكن يمنع الفاتحين، حينئذ من المضي في تحقيق مشروعهم الرامي إلى التوسع في ما يلي إسبانيا، لو تابعوا تقدمهم نحو الشمال، لا سيما البؤرة التي انطلقت منها حركة «الاسترداد»، أي جليقية (غاليسيا)، حيث احتشدت فلول القوط بعد معركة وادي لكة (92هـ / 711م) .. ولو تم ذلك لما استيقظت البؤر الخامدة: قشتالة، ليون، أراغون. هذا على الرغم من اختراق القادة الأمويين لمرات عدة «البرينيه» إلى قلب مملكة الفرنجة، أمثال: السمح بن مالك الخولاني، وعنبسه بن سحيم الكلبي وعبدالرحمن بن عبدالله الغافقي، وعقبة بن الحجاج السلولي، حتى باتوا على وشك الوصول إلى باريس. وفي النتيجة كان الفتح ناقصاً، ووقع المسلمون في دوامة طالت، وانحصرت هموم الأمراء والقادة، في الدفاع عن دولتهم النائية التي تراجعت رقعتها تدريجياً مع الزمن، ولم تحل دون ذلك الانتصارات الكبيرة على ملوك الإسبان، والتي كانت تمد الأندلس بجرعات من الصمود حتى سقوط الخلافة الأموية.
انهيار مركزية حكم الأندلس
          بعد ذلك انهارت مركزية الحكم في الأندلس، وقامت على أنقاضها دويلات الطوائف التي عجزت عن دفع التمدد الإسباني نحو الجنوب، ما اقتضى تدخل المغرب عبر المرابطين والموحدين. ولكن هؤلاء، وقد حملوا فكراً متشدداً مغايراً لما شهدته المرحلة الأموية المتسمة - إلى جانب القوة, بالحوار والانفتاح، أخفقوا، ولم يكن «فتحاً» جديداً ما قاموا به، وإنما هي غزوات تداعت من نصر إلى انكسار، إلى تراجع، فسقوط لأهم المدن: قرطبة (1236م) وإشبيلية (1244م)، حتى كادت الأندلس الإسلامية تختفي من الوجود، لولا تلك البؤرة التي فرضت نفسها في الجنوب، وصمدت لأكثر من قرنين من الزمن، وأعني هنا غرناطة، خصوصاً في ظل سلالة بني الأحمر، المنتمية إلى قبيلة الخزرج، «أحد فرعي الأنصار» إلى جانب الأوس في «المدينة»
          هذه الدويلة دانت في تأسيسها لمحمد بن يوسف.. بن نصر، المعروف بابن الأحمر، الذي تمكن من القضاء على خصومه، وتثبيت نفوذه في المدينة، حيث انتشرت مساحة، ما بين جيان وبياسة حتى البحر، ومن ثم شرقاً حتى المرية، وغرباً حتى مصب الوادي الكبير. هذه المدينة التي لم يسبق إن كان لها حضور لافت في الأندلس، أصبحت آخر قلاع الصمود فيه، ولم يكن ممكناً استمرارها بمعزل عن الدعم الذي يتسرب إليها من خارج الحدود، من دون أن ننفي شجاعة ملوكها في تصديهم للأخطار، وتصميمهم على التحدي، عبر الحرب والمناورة، حتى قُيض لهم الثبات أمام حصار طال أمده، وهم يدركون أن مُلكهم في النهاية سائر إلى زوال.
          تلك هي فرادة هذه الدويلة القائمة في عباب الطوفان، فلم يخالجها اليأس، أو تستسلم للواقع الصعب، ولم تُلق سلاحها إلا بعد أن اشتد عليها الحصار واقترب من أبوابها. وثمة ما يمكن التوقف عنده في هذا السياق، أنها تزامنت مع فترة نهوض جديدة في المشرق الإسلامي، بدءاً بالانتصار الحاسم للمماليك على المغول في معركة عين جالوت الشهيرة (658هـ /1260م) التي منحتهم شرعية الحكم في مصر والشام. وقد أبلى في أعقابها القائد بيبرس في تحجيم قوة المغول، وتحرير عدد من المدن الكبرى من الاحتلال الصليبي، وما يعنينا هنا، أن الممماليك تنبهوا إلى تلك الإمارة الصغيرة (غرناطة)، فلم يبخلوا في تقديم العون لهم، وذلك عبر خطوط الإمدادات التي بقيت مفتوحة على العالم الإسلامي، ما يشير إلى أن خطوطاً أخرى تم إغلاقها، كما سيأتي الحديث لاحقا عنها. وقد أبدى هذا الموقف من المماليك جدواه، في وقت عانى ملك قشتالة (فرناندو الثالث) صعوبة مناجزة هذه الإمارة أو المملكة البعيدة عنه، حتى أن حملة بقيادة ابنه (الفونسو)، فشلت في حصارها، وانكفأت عن أسوارها، متكبدة خسائر فادحة. ولن نغفل أيضاً دور الدولة المرينية التي نشأت بعد زوال دولة الموحدين في المغرب، في تقديم مساعدات عسكرية مهمة لغرناطة، أسهمت في تعزيز قوتها وصمودها. ولعل الملك القشتالي، لم تسعفه الظروف حينذاك في التحضير لحملة عسكرية انتقامية من غرناطة، فعلى العكس من ذلك، مال إلى مهادنة الأخيرة عبر اتفاق مع ابن الأحمر، نص على تحديد الإطار الجغرافي والسياسي للإمارة. وفي المقابل آثر ابن الأحمر، التعايش ما أمكنه مع أعدائه، متيحاً له ذلك، الانصراف إلى تنظيم شئون دويلته، إدارة وعمراناً، وكان من نتاج هذه المرحلة، بناء قصر الحمراء الذي يشكل إحدى مفاخر الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس.
          وفي ضوء ذلك نكتنه طبيعة تكوين هذه الدويلة الصغيرة التي كان عصب وجودها في عنصرين:الأول يتمثل في المساعدات التي ترفدها من الخارج الإسلامي، والثاني في اتفاقات الهدنة مع الإسبان، مرفقة في الغالب مع ضريبة مالية سنوية.
مرحلة خلط الأوراق
          ولكن حدث بعد موت ابن الأحمر، ما خلط الأوراق وأربك خليفته، ولاسيما بعد حملة السلطان المريني على الأندلس، معلناً الجهاد ضد الإسبان، فانتصر عليهم بالقرب من استجة (674هـ/ 1275م)، ومضى في محاولة لاستعادة أشبيلية، إلا أنه لم يطمح إلى أبعد من ذلك، وما لبث أن تراجع عن المدينة إلى المغرب، مكتفياً بما وقع في يديه من الغنائم. كانت تلك مجرد غزوة، تلتها أخرى بعد عشرة أعوام، حين استغل السلطان المريني، الصراع الداخلي في قشتالة، مجدداً تهديده لإشبيلية (684هـ / 1285م).
          في هذه الأثناء خرج ملك غرناطة على سياسة المهادنة المألوفة مع الإسبان، إلى التحالف مع السلطان، ومن البديهي أن يثير الواقع الجديد قلق الملك القشتالي، ولاسيما أنه وجد نفسه راضخاً لشروط الغازي المغربي بـ «المحافظة على المسلمين في الأندلس، ورفع الضرائب عنهم، وعدم الوقيعة بينهم».
          وفي غمرة هذه التداعيات، كان لغزوة السلطان المريني الثانية، تأثيرها الإيجابي على غرناطة والمسلمين بشكل عام، إذ شعروا لأول مرة، بانحسار وطأة القشتاليين عن كاهلهم منذ هزيمة الموحدين في معركة «العقاب». ويمكن القول إن عهد محمدالثاني الملقب بالفقيه، ربما كان الأكثر تميزا في تاريخ غرناطة، سواء في تثبيت حضورها السياسي والأمني، أو في تألق دورها على الصعيد العلمي، لا سيما وأن ملكها «الفقيه»، اشتهر بتضلعه في العلوم القرآنية ورعايته للنهضة الفكرية التي غدت من سماتها البارزة في ذلك الحين.
          وإذا كان المرينيون قد أسهموا في تحقيق توازن ما في الأندلس لمصلحة غرناطة، فإن هذه المعادلة بدأت تختل، ابتداء من سنة 750هـ / 1349م، مع اضطراب أحوال دولتهم في المغرب، نتيجة الثورات الداخلية، حين تمرد ابن السلطان على أبيه، ما أدى إلى فقدان غرناطة مصدراً حيوياً لدعم صمودها. فقد توقفت نهائياً الحملات الجهادية من المغرب، بعد تفكك دولة بني مرين، قابله انتشار للقشتاليين في بعض الحصون التابعة لغرناطة، فكان على الأخيرة الاعتماد على قواها الذاتية في صد الغزوات التي أخذت تستهدفها بين حين وآخر.
          والمفارقة حينذاك، أن حدثاً كبيراً دمغ الشرق الإسلامي، واهتزت له أوربا المسيحية، وهو سقوط القسطنطينية التي عصي فتحها على المسلمين في القرون السالفة، فيما تصدى لهذه المهمة الصعبة العثمانيون، منذ قيام دولتهم في الأناضول في القرن الرابع عشر، معتمدين سياسة توسعية، في أولوياتها القضاء على عاصمة البيزنطيين. وفي سبيل ذلك نشط سلاطينها الأوائل في تهديدها، عبر مد نفوذهم إلى البلاد الأوربية المتاخمة لحدودها من الغرب، كما جاء نقل عاصمتهم من بورصة إلى أدرنة، ما يؤكد على مضيهم قدماً في هذا المشروع الذي تكلل أخيراً بالنجاح على يد السلطان محمد الثاني، بعد دخوله المظفر إلى المدينة الحصينة (1453م)، وإعلانها عاصمة للعثمانيين باسم إسلام بول (استانبول)، أي مدينة الإسلام، مكتسباً بدوره لقب «الفاتح» تقديراً لإنجازه الكبير.
الصراع الصليبي العنيف
          أعطى هذا الفتح، دفعاً للسلطنة التي غلب عليها هذا الاسم طوال تاريخها، ممهداً أمامها الطريق إلى التوسع في الشرق والغرب، حتى غدت إمبراطورية عظمى غير منافسة في ذلك الحين. حدث ذلك قبل نحو أربعين عاماً من سقوط غرناطة، ولكن هذه لم تثر هواجس الإمبراطورية، وربما لم تكن أساساً في بال «الفاتح» إما لبعدها عن السلطنة، وإما لأنها بدت حينئذ شبه ساقطة، ومن غير المجدي بذل جهود مكلفة لإنقاذها... عدا أن العثمانيين كان عليهم في هذا السبيل، أن يقطعوا بحراً من أوله إلى آخره للوصول إليها، وليس لأسطولهم بعدُ الكفاءة للوغول فيه.
          بيد أن عبدالعزيز الشناوي، أحد مؤرخي السلطنة العثمانية والمحزبين لها، يشير إلى أن مسلمي الأندلس استنجدوا بالأخيرة لما عانوه من نكوث ملكي قشتالة وأراغون للمعاهدة التي وقعاها مع آخر ملوك غرناطة (أبوعبدالله)، واللجوء إلى تصفية الوجود الإسلامي..، معتبراً «الصراع اتخذ الطابع الصليبي العنيف». ولكن المؤرخ أخذ به الحديث عن معاناة المسلمين، من دون أن يقدم لنا جواباً عن موقف الدولة الإسلامية الكبرى من استغاثة الأندلسيين بها، والذي كان من الراجح سلبياً، وإعاقته الاعتبارات السالفة. وكان واضحاً، منذ البداية، أن العثمانيين عزفوا عن التدخل لإنقاذ غرناطة، حاصرين اهتمامهم بالتوسع في الجزء الشرقي من أوربا، الذي بلغ ذروته في عهد السلطان سليمان القانوني. ولعل السلطنة على العكس من ذلك، أسهمت، عن غير قصد في سقوط غرناطة، ولاسيما بعد فتح القسطنطينية، الذي جعل أوربا في حالة استنفار «قصوى»، محضة ملوك الإسبان على توحيد جبهتهم، وبثت فيهم الروح الصليبية، وزودتهم بالمؤن والعتاد للقضاء على تلك البؤرة الإسلامية التي تخترق النسيج الديني والاجتماعي في العالم الأوربي... والعثمانيون حينئذ غائبون عن المشهد الأخير،ولم يقابلوا الاستفزاز بمثله على الرغم من ضلوعهم في أسبابه، بالإضافة إلى ذلك،فإن ما أورده المؤرخ السالف عن «استنجاد» المسلمين بالسلطنة لم يكن في توقيته المناسب، إذ تم بعد سقوط غرناطة، وبالتالي فإن روايته، عدا الشك بها، ليست متوائمة مع السياق التاريخي.
          وفي سياق آخر، يقول المؤرخ محمد عبدالله عنان، مقارباً بصورة ما تداعيات المرحلة: «في ذلك الحين بالذات، استولى عاهل الترك العثمانيين على قسطنطينية (سنة 1453) وانهار هذا الصرح المنيع الذي كان يحمي أوربا النصرانية من غزوات الإسلام، وانساب تيار الفتح العثماني إلى جنوب شرق آوربا،يكتسح في طريقه كل مقاومة، وروّعت أوربا النصرانية لهذا الخطر الجديد الذي يهدد حريتها وسلامها، وأخذت النزعة الصليبية تصطدم من جديد بقوة مضاعفة. وتردد هذا الصدى في إسبانيا النصرانية، حيث كانت مملكة غرناطة لا تزال بالرغم من صغرها، وضعفها، تمثل صولة الإسلام القديمة في إسبانيا، وقد تغدو في الغرب نواة لهذا الخطر الإسلامي الداهم الذي بدت طلائعه في الشرق على يد الغزاة الترك، ومن ثم فقد كان طبيعياً أن تجيش إسبانيا النصرانية بفورة صليبية جديدة، وأن يذكي هذا الخطر الجديد اهتمامها بالقضاء على مملكة غرناطة... وكان أشد ما تخشاه إسبانيا النصرانية أن تغدو غرناطة قاعدة لفورة جديدة من الغزو الإسلامي من وراء البحر». وإذا تخلينا عن ركاكة الصياغة والتكرار العقيم في النص السالف، فإن ثمة ما يشي به الأخير، يتعدى غرناطة، إلى إعادة إنتاج النفوذ الإسلامي في إسبانيا، بناء على تداعيات فتح القسطنطينية، ولكن ذلك كان مجرد تمنيات من المؤرخ الذي خذلته السلطنة العظمى، حين تركت غرناطة وحيدة أمام مصيرها المأساوي.
الحالة العربية الموازية
          وقد يصبح السؤال مبرراً في هذا السياق، عن حالة العالم الإسلامي إبان المحنة الغرناطية في ذروتها، فإذا بدأنا من المغرب، الأقرب إلى غرناطة، فسنجد أن السلطة فيه آلت حينذاك إلى بني وطاس الذين خلفوا المرينيين، آخر الملوك الكبار وآخر المجاهدين في الأندلس. وينتمي الحكام الجدد إلى قبيلة صنهاجة من البربر، ومن المؤرخين مَن يرى أنهم امتداد لبني مرين، وقد تولوا الحكم في وقت عمت فيه الفوضى أنحاء المغرب، كما عصفت بدولتهم الانقسامات، فضلاً عن الأخطار الخارجية، وما لبث نفوذهم بالتالي أن توارى بعد عقود قليلة، ما يعني أن المغرب خرج نهائيا من دائرة الاهتمام بما يجري وراء المضيق.
          وإذا انتقلنا إلى مصر، القوة الإسلامية الضاربة، بعد التألق في ردع المغول وإجلاء الصليبيين عن المنطقة في عهد المماليك البحرية، فقد أصبحت منهكة بعد انتقال الحكم إلى المماليك البرجية، الذين فشلوا بعد حين في استعادة الجبهة الداخلية الموحدة، عدا أنهم واجهوا تحديات خارجية، ولاسيما بعد احتلال تيمور لنك لفترة الشام، كما بدأت تشغلهم منذ العام 1480 هواجس الخطر الآتي من الشمال، عبر دولة توسعية طموحة (العثمانية). وما يعنيه ذلك، أن المماليك الذين مدوا غرناطة في مرحلة سابقة بمساعدات حربية واقتصادية، باتوا- شأن المغرب- غير قادرين على القيام بمبادرات مماثلة في هذا الاتجاه، وانصرفوا إلى ترتيب شئونهم الخاصة لدفع الأخطار عنهم، وتحديداً الخطر العثماني الذي أطاح دولتهم بعد نحو ربع قرن على سقوط غرناطة.
          ويبقى العثمانيون الذين تعملقوا قوة عظمى حينذاك، وامتدت إمبراطوريتهم في ما بعد إلى الشام ومصر وتونس، وبصورة غير مباشرة إلى الجزائر، حيث كان الفضل في السيطرة على الأخيرة للسلطان خير الدين بربروسا، وبقيت الجزائر تمثل الخط الأخير لحدود العثمانيين في البحر، إذ أخفقوا في الوصول إلى المغرب، المنطلق الطبيعي للحملات إلى الأندلس، وبدا المجاز الذي تعبره السفن إلى الأخيرة شبه مغلق قبل نيف وثمانين عاماً... هذا على الأقل ما يورده المؤرخ «إرنل برادفورد» في قوله: «إن الاستيلاء على سبتة بواسطة الأسطول البرتغالي كان في حقيقته حدثاً غير عادي في تاريخ البحر المتوسط. فقد سجل المرة الأولى التي يقوم فيها البرتغال، كبلد منفصل عن إسبانيا، بغارة على البلاد التي ظلت أحقاباً طويلة تابعة للمسلمين».
الموقف العثماني من سقوط غرناطة
          وبالعودة إلى موقف العثمانيين، فقد روى المؤرخ التركي ضياء باشا، أن غرناطة استنجدت بالعثمانيين، ولكن في الوقت غير المناسب، كما أن حيثيات الرواية تجعلها أقرب إلى الأخبار «المدخولة»، إذ يقول: «تشير بعض المصادر التاريخية إلى أن أهالي غرناطة، أوفدوا سفارة إلى السلطان العثماني بايزيد الثاني (1481-  1512)، يطلبون منه سرعة الغوث والإنجاد لإنقاذ غرناطة من السقوط بيد النصارى الذين ضربوا حولها الحصار لإرغامها على التسليم».
          ولعل أغرب ما في هذه الرواية، أن السلطان - كما يتابع المؤرخ التركي- وعد «بأنه سيوفد سفارتين من جانبه إلى البابا، بوصفه الرئيس الروحي الأعلى لسائر نصارى أوربا، يطلب «فيهما» من البابا أن يتدخل بنفوذه لدى ملك قشتالة بلزوم فك الحصار عن غرناطة، والكف عن اعتداءات النصارى على أراضي المسلمين، وإلا فإن السلطان سوف يضطر إزاء هذا العدوان لأن يتبع سياسة التنكيل والبطش بالنصارى المقيمين في بلاده... وقد اهتم البابا لهذا الأمر، وبذل جهوداً لدى ملك قشتالة، ونصحه بلزوم مطالب السلطان العثماني وفك الحصار عن غرناطة، والكف عن العدوان، إلا أن الملك لم يستجب إلى طلب البابا».
          وإذا كان المؤرخ التركي لم يوثق روايته وفقاً للأصول، مشككاً بصورة ما فيها، من دون رفضها في الأساس، وخصوصاً في متابعته لها على الإيقاع عينه، قائلاً: «إن السلطان لم يشأ أن يخيّب صريخ غرناطة، فقد أمر بتجهيز بعض قطع وإرسالها إلى عرض البحر المتوسط، وأمر بضرب سواحل جبل طارق وسبتة وإشغال الإسبان بهذه المعارك، وإرغامهم على فك الحصار عن غرناطة». ولكن الأسطول العثماني - ودائما حسب المؤرخ التركي- أخفق في مهمته، بسبب وجود قواعد غير موالية للسلطان على الساحل الإفريقي الشمالي. وهذه الرواية التي بدت مقبولة لدى المؤرخ باشا -عدا أنها غير موثقة- فهي تعكس ضعف الرؤية، إلى جانب نقص المعلومات لدى السلطان الذي كان عليه القيام بدراسة أكثر دقة لجبهة المضيق، إضافة إلى إدراك المتغيرات السياسية على ضفتيه، لو كان صحيحاً ما أقدم عليه.
          وفي المحصلة، إن العثمانيين لم يبدر عن المصادر ما يشير إلى تدخلهم في المسألة الغرناطية، وذلك بسبب انصراف سلاطينهم الأوائل إلى المجال الشرقي، وإلى التوسع التدريجي في المجال الأوربي، بينما كان المجال البحري غير مفتوح - بهذه السهولة -، أمامهم للقيام بعمليات حربية بعيدة المدى. ومن هذا المنظور، فإن فتح القسطنطينية نبه أوربا إلى الخطر الإسلامي القادم من الشرق، وأجج فيها النزعة الصليبية التي أصبحت مادة تحريض على طرد المسلمين من أرضها، فكان «الفتح» بهذا المعنى - وكما سلفت الإشارة - أحد الأسباب الرئيسية في تسريع القضاء على بقايا الوجود الإسلامي، المختزل بآخر معاقله في إسبانيا.
          عشية فتح القسطنطينية، يلفتنا الصراع المزدوج على الجبهتين.. ففي غرناطة تنافس حاد على السلطة بين الأمراء، وعلى الجبهة المعادية خلاف بين قشتالة وأراغون، إلى هزائم متبادلة وتحالفات بين غرناطة وأعدائها. ولعل هذا «الفتح» نجم عنه لفترة ما، استرخاء على الجبهة الإسبانية، نتيجة للصدمة التي روعت البابوية والخشية من تعرض أوربا مجدداً للاجتياح، ما نجم عنه ارتباك وتنافس لدى ملوك الإسبان، ولكن الجبهة الشمالية ما لبثت أن استعادت وحدتها وصعَّدت هجماتها على غرناطة، ومع ذلك احتاجت إلى نحو ربع قرن للسيطرة على الموقف، ووضع حد للصراع الطويل الذي انتهى بسقوط المدينة الباسلة، ومن ثم استكمال ما عرف بحركة «الاسترداد» التي انطلقت فكرةً من شمال غرب إسبانيا، وتعمقت جذوراً مع قيام مملكتي قشتالة وأراغون.
          وإذا كان فتح القسطنطينية احتاج إلى قرون عدة لحسمه، فإن غرناطة صمدت أكثر مما توقع لها الأعداء، فلم تكن هدفاً سهلاً ولم تستسلم إلا بعد أن طال الحصار وفتك الجوع بأهلها.
          هذا ما عبر عنه كبير قادتها موسى بن أبي الغسان، في دعوته الناس إلى فتح الأبواب والمضي في الجهاد قائلاً: «فلتكن أجسادكم مكانها... إننا نحارب لصون الأرض التي تحت أقدامنا، فإن فقدناها فقدنا بيوتنا وشرفنا ومملكتنا وكل شيء». وإذ أدرك القائد الشجاع عدم جدوى القتال، امتطى صهوة جواده، واتخذ طريقاً قادته إلى الشهادة، وكان آخر من دمغ الفردوس المفقود بدمائه.
          يا للمفارقة: موسى الفاتح، وموسى الشاهد على السقوط.
          ويا للمفارقة أيضًا، بين صعود دولة عظمى للإسلام في الشرق، وهبوط بقية الصرح العظيم لحضارة الإسلام في الغرب.
إبراهيم بيضون




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق