السبت، 6 أبريل، 2013

• سميح القاسم أو «هاملت الفلسطيني»



        
الشاعر الفلسطيني سميح القاسم (من مواليد مدينة الزرقاء في الأردن في العام 1939، ويقيم في الرامة من الجليل الغربي)، كان يمازحنا ويقول: أنا سميح الزرقاوي، وقد سمّى ابنه اسمًا مبتكرًا طالما أزعج الحواجز الإسرائيلية «وَطَن محمّد».. سميح يقيم الآن في الرامة، وعلى عادته، يعابث السرطان بقوله: «أشرب فنجان القهوة يا مرض السرطانْ/ كي أقرأ بختك في الفنجان» (ديوان كولاّج 3، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ومكتبة كل شيء، 2012، ص85).
          هو شاعر قريب جدًا من نفسي، والقرب حجاب. جميل، نقي، شفّاف، أليف، ساخر، ساحر... إلى آخر مفردات العذوبة.
          لذا وجدتُ صعوبة نفسيّة في الكتابة عن شعره، في البداية، لكنّ هذه المداخل الذاتية التي تخالط الكتابة، ما تلبث أن تبتعد قليلاً أو كثيرًا عن مساراتها، ولعلّها تكتفي بأن تطير فوقها، في النهاية، كأطياف، وتنحني بين الحين والآخر على عذاب الشاعر أو غضبه، وتصغي إلى ما يهمس به لاوعيه العجيب الغامض، من مواجيد النفس وأحوالها. ولن نكون نحن في هذا المقال، وعلي أي حال، أقرب إلى الشاعر من نفسه لنفسه، حين يسبر هو غورها، ويتأملّ في ما أملتْ عليه من الإلهام، فشعره مرآة لنفسه القلقة بكل تعرُّجاتها.

الخروج من عصر المناخات
          وسميح القاسم جاءَ إلى الشعر، أو جاء الشعر إليه، على صورة صوت هو الأكثر جَرْحًا وغضبًا في الشعر الفلسطيني والشعر العربي الحديث، على العموم... صوت لا يمكن أن نخطئه أبدًا، من أوّل حرف كتبه في قصائده الأولى (مواكب الشمس 1958، أغاني الدروب 1964، دمي على كفي 1967، دخان البراكين 1968....) حتى آخر حرف وقّعه بدمه، في مجموعته الأخيرة (كولاج 3، العام 2012).
          وأوّل ما يلاحظ على قصائده المبكّرة، التي تسرّبت إلينا من وراء أسلاك رامة والجليل المحتلتين، هو خروجها على عصر المناحات الشعريّة العربيّة، إلى نبض مقاوم جديد.. فإنّ الشعر العربي الحديث والمعاصر، في طقوسه وإحداثياته وأصواته، ومن خمسينيات القرن الفائت حتى هذه اللحظة، هو على العموم، شعر مناحات طويلة، وجَلدْ للذات يصل بالشاعر أحيانًا إلى حدود من التعنيف والهجاء، والارتداد على التاريخ العربي بكامله (بما في ذلك الوجه المضيء منه) – فضلاً عن الحاضر - بفأس من التعنيف والتمزيق، وإحراق الذات والهويّة، بضربات هستيرية على جذع الشجرة العربية، لا تقصد فقط إلى إتلاف الثمرة المهزومة، بل قتل الشجرة نفسها.
          خليل حاوي كان في هذا المجال معلمًا.. يقول:
          "ماتت البلوى ومتنا من سنينْ
         
سوف نبقى مثلما كنت ليالي الميتينْ
         
لا اذّكار يلهبْ الحسرة من حين لحين
         
لا فصول
         
سوف نبقى خلف مرمى الشمس والثلج الحزينْ
          ...
من فراغ ميّت الآفاق صحرا..."
(ديوان «نهر الرماد» قصيدة سدوم، ديوان خليل حاوي، دار العودة، بيروت، ط2، 1979، ص 79).
          ولا يخفى أنّ القصيدة الانتحاريّة لخليل حاوي أودت به إلى الانتحار الفعلي ببارودة للصيد أطلقها على رأسه في يونيو 1982. أما قصائد نزار قباني السياسية الهجائية، فقد جلد بها الشاعر نفسه وقومه بل أرومته العربيّة جَلْدًا لا مزيد عليه...
          "يطأ الإرهاب جماجمنا/ ونقبّل أقدام الإرهابْ"
          - كما يقول - (قصيدة شعراء الأرض المحتلة، منشورات نزار قباني، بيروت، ط1، يونيو 1968، ص 15)... فضلاً عن مظفّر النوّاب، وأمل دنقل وأحمد مطر.. وسائر شعراء الغضب العربي، الذين جعلتهم الهزائم المتتالية التي تؤرّخ بها الأعوام العربية من سقوط بغداد على يد التتار وهولاكو، إلى سقوط فلسطين في أواسط القرن العشرين، سوداويين وميّالين إلى حرق كل شيء، كأنهم وضعوا في عيونهم عدسة الهزيمة، وبدأوا ينظرون من خلالها إلى كل شيء، فرأوا حتى الحمام الأبيض أسودَ كالغراب. يشبّه أمل دنقل في قصيدة «خطبة حديثة على قبر صلاح الدين» التي كتبها بعد هزيمة  1967، هذا البطل الإسلامي الذي هزم الفرنجة في القرون الوسطى وطردهم من بعض ممالكهم في الشرق الإسلامي، بقارب الفليّن، ويناديه بالطبل الأجوف الذي يطنّ في فراغ.. وذلك أنّ الهزيمة، كما الانتصار، تتدخل في إعادة صياغة التاريخ بكامله، وتتجاوز حدود وقتها إلى كل الأوقات.
          رشّ سميح القاسم، منذ قصائده الأوائل، على مسحوق الشعر العربي المتفجّر، شيئًا من النار، فلم تعد كيمياء القصيدة، كيمياء قهر وانسحاق وانسحاب ومحض كفر وجلدٍ للذات، وسجلَّ شكايات، بل غدت مادة مربوطة بصاعق. يقول في قصيدة "الغضب يشذّب حديقته المتوحشة":
          "أنا الغَضَبْ
         
حديقتي تمتدّ من سرّي
         
إلى أبعد ما في الأرض من أسرار
         
حديقتي تنهار
         
لذا فإنني أجدلْ الإعصارْ"
          (ديوان «الموت الكبير»، دار الآداب، بيروت، 1972، ص 223).
          وقد وظّف سميح القاسم الموت على باب القصيدة، والقصيدة على باب الغضب، والغضب على باب الانتقام والانتقام على باب المظلوميّة التي هي في أساس فلسطينية القاسم وفي أساس إنسانيته معا.. وشعره شعر تفاصيل ومواويل وبروف قاطعة وجارحة، منشورة على امتداد القصائد، لكنْ، في جوف التفاصيل والمواويل والبروف، يُهدَر نَفَس ملحمي جارف، يأخذ تدفّقه من المنحدرات الأسطورية المتنوّعة، والينابيع الوحشيّة للميثولوجيا التي يلجأ إليها، ومن الوقائع التاريخية التي يذكرها، فهو شاعر مختلط عجيب، وشعره يتكوّن من وقائع ويوميات وتفاصيل أليفة، وإخباريّة، لكنها على العموم، دامية (تنزف بلا انقطاع) وساخرة، أو تضع الشيء وضده وجهًا لوجه، فتظهر من خلال ذلك، المفارقة التي يتقنها الشاعر في شعره.
          وإذا كان سميح القاسم في جانب كبير من شعره، شاعر ميثولوجيا يأخذها، محليًا، من أساطير سورية وكنعانية، كما يأخذها من الإغريق القدماء، ومن أوربا القرون الوسطى، فإنه أيضًا شاعر ثيولوجيا من خلال اتكائه المتكرر على نصوص دينية من العهد القديم (التوراة) وآيات من القرآن الكريم، فيصهر كل هذه العناصر معًا في بوتقة القصيدة، ويستنبت من اليوميات القريبة والسياسات المعروفة الراهنة ما يشبه أسطورة الواقع الفلسطيني بكل تفاصيله الدامية والثائرة، يقدّمها مشبوكة مع ما يستدعيه هو إلى ساحتها من أساطير وميثولوجيات وأديان. وهو في الكثير من أناشيده الدامية، شاعر لوركوي (نسبة لغارسيا لوركا) بامتياز، نشأت قصائده واندلعت في بؤرة التوتّر والغليان، وشرارتها ذات برق صُوَري ولغوي مباشر أحيانًا، ومجازي في أحيان أخرى، وهي ذات خطف وإلحاح في الخطف من خلال ضغط الكلمات الكثيرة ودفعها في مجرى ضيّق:
          "إلى أينَ هذا الذهاب الإياب
         
الحضور الغياب السراب الخراب العذاب"؟
          (من ديوان «كلمة الفقيد في مهرجان تأبينه»  مؤسسة الأسوار، عكا، ط1 - 2000، ص29).. ويقول:
          "تعبتُ علمتُ جهلتُ سألتُ
         
أنا «هملتُ»  أم سميح؟"
          (المرجع السابق نفسه ص 41). ويقلب أحرف اسمه أحيانًا من سميح إلى مسيح.
التفاصيل
          سميح القاسم شاعر التفاصيل الكثيرة، بل لعله يميل إلى تحويل كل ما يقوله أو يعيشه يومًا بيوم، إلى شعر. ولعلّ من النافل القول إنّ لشعره، لهذه الناحية، مرجعيات سياسية وحدثية يومية وإبلاغية.. ففي قصائده أصداء تتجاوب من حيفا وعكا ويافا إلى بيروت ودمشق والقاهرة وصنعاء، ومن لندن إلى نيويورك، ومن خيام اللاجئين إلى هيئة الأمم المتحدة. ولا يكاد يفوته شيء مما يحدث حوله من التاريخ القريب أو البعيد، إلّا ويسجّله. يقول:
          "قُرّي يا عيني
         
مارستُ التاريخ
         
قُرّي يا عيني
         
أدمنت التاريخ"
          (ديوان «الموت الكبير»، مذكور سابقًا، قصيدة حيث صار الموت عادة، ص  39).
          وتسأل نفسك، وأنت تقرأ سميح القاسم، عن سرّ تلك الطواعية المطلقة للكلمات والأوزان بين يديه، ما يذكّر أحيانا بنزار قباني، بخاصة في قصائده المباشرة المسدّدة بأقلّ ما يمكن من المجاز والاستعارة، ما يحقق له اقترابًا كبيرًا من الناس، ويهدم الكثير من الحواجز التي يبنيها التأمّل والفنتازيا اللغوية والمجازات الصعبة، وهي غالبًا ما تجعل الشعر جوهرًا خاصًا صعب المنال. يستعمل القاسم أحيانا الكلمة التي تحضر لتوّها، ويكتبها مثلما يلفظها وكأنه يجري في حديث يومي:
          "دَمْلَقَ ساقيه الهائجتين بسخط بلوجينز"
          (ديوان جهات الروح، عربسك، ص 7)..
          «ونأخذ كي يستقيم الكلام ومعناه O.K»
          (ديوان هواجس لطقوس الأحفاد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2012/  ص35).
          "معادلة النفط = تاباك آفتر شيف"
          (جهات الروح، ص 36).. إلخ.. لكنّ ذلك، لا يمنعه، في القصيدة نفسها أحيانا، أو في الديوان نفسه، من كتابة النصّ الشعري الموزون وزنًا كاملاً، والمقفّى المتقن، بحيث تلمح في سميح القاسم ملامح من جدية الفلسطينيين الكبيرين، أبي سلمى (عبدالكريم الكرمي) وعبدالرحيم محمود. يقول عبدالرحيم محمود:
"سأحمل روحي على راحتي
                             
وألقي بها في مهاوي الردى
فإمّا حياة تسرّ الصديق
                             
وإمّا ممات يغيظ العدى"
          ويقول سميح، وكأنما تطل من سطوره، روح عبدالرحيم محمود:
"يا حاقدين على انتفاض جراحي
                             
لن تخمدوا بالحقد نار كفاحي
أيغيظكم مني التمرّد بعد أنْ
                             
حَزّتْ وريدي مديةُ السفّاحِ؟
وغَزَتْ عواصفكم بقيّة مسكني
                             
ونَزتْ عليَّ وأطفأت مصباحي"
          (ديوان قرآن الموت والياسمين، الجرح المتمرد ص84).
          ونعثر على مقاطع كثيرة من مثل هذا النسيج الكلاسيكي المحكم، في جميع دواوين الشاعر، بخاصة في ديوانه الأخير «كولاج 3»... وذلك ما يفتح بين مزدوجين، كلامًا على البنية الإيقاعية لقصائد الشاعر، وهي على امتداد دواوينه، بنية مركبة متنوّعة تنطلق من الوزن الكامل والقافية الموحّدة، في بعض المقطعات، إلى الوزن الحرّ المؤسس على التفعيلة المفردة.. وغالبا ما يكون الوزن رشيقًا غنائيًا في الأناشيد التي كثيرًا ما يكتبها القاسم، منفردة، أو مندرجة مقطعية في داخل القصيدة، وأساسها الوزني الغالب عليها، الكامل، والبسيط، والمحدث.. من خلال التفعيلة المفردة، أو التفعيلة وأختها.. وهي أوزان تناسب الأناشيد. أما النواة التفعيلية التي غالبًا ما يستعملها في السرد الشعري، من خلال سربياته الكثيرة، فهي «فعولن» أو «فاعلن»، وهي نواة وزنية حكائية تناسب السرد، وأنفاسه الطويلة.
          لا ننسى أنّ الشاعر يكسر الأساس الوزني كليّةً، في مقاطع من بعض قصائده، مثل قصيدة «ثالث أوكسيد الكربون» ويلجأ للسياق النثري المتحرر من أي إيقاع وزني، ليقول مثلاً:
          "في البدء سيخرج الأطفالُ،
         
وقد عبأوا جيوبهم بالحلوى،
         
سيتسللون إلى معسكر الدبابات والمجنزرات، سيدسون قطع الحلوى في صهاريج الوقود،
         
سيكتشفهم الجنود، سيفتحون عليهم نيران رشاشاتهم،
         
سيسقط الأطفال صرخات مكتومة لكنها ساخرة... الخ" (ص9).
          وفي القصائد الطويلة المركبة من أصوات متعددة، نعثر على سياقات إيقاعية متباينة، يتجاور فيها المنسجم المؤتلف الكلاسيكي بكامله، مع المجزوء التفعيلي، مع السرد النثري.. لتتشكل من مجموع ذلك، بنية إيقاعية مركبة.
السربيات
          ابتكر سميح القاسم مصطلحًا لنمط من القصائد كتبه على صورة مطوّلات شعريّة، سمّاها «سربيات». و«سربيات» جمع، ومفرده «سربيّة» ولعل الكلمة مشتقة من «سرب» وهو الجماعة. وهو يعرّف السربيّة في مقدمة ديوانه «ثالث أوكسيد الكربون» على الوجه التالي: «السربية تسمية مجازية للقصيدة الطويلة، ولعلّ هذه المسألة المستحدثة توحي، شكليًا، بالتداعيات والنقلات والسرب داخل الإطار العام الواحد، وهي السمات المميزة للقصائد الطوال» (ص 5).
          أما «ثالث أوكسيد الكربون»، فهو، برأيه، يشتمل على «عنصر سيكولوجي هو من العناصر المكوّنة لما تعارفنا على تسميته الروح» (ص 5).. أي أن الشاعر ينفث مع نفسه جزءًا من روحه.
          والأرجح أن «السربيّة» قصيدة طويلة متشابكة، مؤسسة على أسطورة أو حكاية تاريخية أو مقاطع من الثيولوجيا الدينية أو الميثولوجيا من مصادرها المتنوّعة، وهي تتميّز بالسرد، الذي هو أداة القص أو الرواية، فالسربيّة لهذه الناحية، سرديّة بالضرورة.. كما تمتاز بتشابك الأصوات وتداخلها، وببناء قريب من البناء المسرحي أو الدرامي، لكنّ الشاعر يعمد فيها إلى إسقاط الإطار الذي استند إليه في قصيدته، على الواقع الفلسطيني الراهن.
          ونكاد نلمح في مطوّلات القاسم، ما يشبه المسرح في المسرح، الذي غالبًا ما لجأ إليه شكسبير في مسرحياته، وهو ما نراه في سربيّته المهمّة المسماة «كلمة الفقيد في مهرجان تأبينه» (مؤسسة الأسوار، عكا، ط1- 2000). فقد أسقط فيها الأصل الشكسبيري لمسرحية هاملت  Hamlet، على المسرح الفلسطيني، متخذًا من هاملت قناعًا له، ومن الخيانات المتنوعة أقنعة لخيانات هذا الزَمَن.
          وقبل أن نتناول هذه المطوّلة الشعرية بالتحليل، نلاحظ أن الكثير من شعر القاسم ينضوي تحت هذه التسمية.. من بينها قصيدة «ثالث أوكسيد الكربون» المقسمة إلى ثلاث سير: سيرة بريطافور (وهي كلمة مبتكرة مؤلفة من جمع بريطانيا إلى بلفور)، وسيرة بنيون (أو بنيامين، الولد الأصغر ليعقوب)، وسيرة جليات (أو جالوت، وهو عملاق فلسطيني ورد ذكره في الأساطير).
          إلى هذه السربيّة، تضاف سربية أخرى في ديوان «جهات الروح»، هي «انتقام الشنفرى»، حيث يتقمص فيها القاسم شخص «الشنفرى» أحد أهم الشعراء الصعاليك في الجاهلية، وأجمل أغربة العرب قاطبة.. الذي كما تقول الرواية، انتقم من العشيرة بقتله تسعة وتسعين منهم، قبل أن يُقتل، ثم اكتملوا للمائة حين عثر آخرهم بجمجمته فمات. يظهر القاسم كأنه الشنفرى الفلسطيني المعاصر الراغب في الانتقام من عشيرته الذين خذلوه، ويميل كما يقول، إلى «ردّ الهبة مما وُهِب» (ص 30) أي رد الشر بالشر والموت بالموت. وهي حصيلة التجربة المرة للفلسطيني الشاعر.
          ومثلها «مراثي سميح القاسم» وهي تمتد على امتداد ديوان بكامله. سربيّة مركبة ذات أصوات يشبك فيها الشاعر العهد القديم (التوراة) من خلال بعض أسفاره (سليمان وداوود والكهنة)، بآيات من الذكر الحكيم «يوسف وإخوته»، لينتهي بمزمور فلسطيني غاضب معاصر.
          وسربيّة «أنا متأسّف» (دار الشروق 2009) مبنية على مرجعية توراتية تقول بوقوف الشمس يومًا بكامله عن المغيب ليوشع بن نون، مفسحة له المجال لينتقم من أعدائه ويقتل ملوكهم الخمسة، ويأمر جنوده من بني إسرائيل، بوضع أرجلهم على أعناق هؤلاء الملوك، ويصلبهم من بعد ذلك على خمس خشب المدينة، حتى المساء «لأنّ الربّ حاربَ عن إسرائيل».
          والقاسم، إذا كان في سربيته الأخيرة المسماة «هواجس لطقوس الأحفاد» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، مكتبة كل شيء 2012) يكتب ديوانًا بكامله بصيغة قصيدة واحدة طويلة بنبض إنساني متأمل وهادئ، فإنه، في أهم سربياته على ما نرى، وهي قصيدة «كلمة الفقيد في مهرجان تأبينه»، يقوم بإسقاط تراجيديا «هاملت» لشكسبير التي كتبها في العام 1602، على الواقع الفلسطيني الراهن، متكئًا على أشهر جملة قالها هاملت وهو يناجي نفسه: «أن نكون أو لا تكون، تلك هي المسألة».
          والمسرحية أسسها شكسبير على حكاية بطولية رواها «سباكو غراماتيكس» الدنماركي (1150 - 1220) عن أحد ملوك الدنمارك واسمه هاملت. يظهر لهاملت شبح أبيه الملك في ليلًة من الليالي، ويطلب منه الانتقام لمقتله، من عمه كلوديوس الذي قتله واغتصب عرشه وتزوج من زوجته جرترود، وهي أمّ هاملت.
          والمسرحية مؤسسة على الانتقام، وعلى عنف المشاعر البشرية وتشابكها، فإن هاملت يموت فيها بعد مبارزة بينه وبين ليرتس أخ حبيبته «أوفيليا»، وذلك بحضور عمه الملك المغتصب، وأمه الملكة.. حيث يتجمّع البلاط لمشاهدة المبارزة، فينتصر هاملت في البداية، ويحاول الملك الذي يتواطأ عليه، إقناعه بالتوقف لشرب النبيذ المسموم الذي كان قد أعدّه لقتله، لكنه يرفض. يضع الكأس جانبًا، فتشربه أمه الملكة وتخرّ صريعة في الحال، في اللحظة التي يصاب فيها ابنها وخصمه معًا بالسيف المسموم، وقبل الموت، يشعر ليرتس بالندم فيخبر هاملت بالمؤامرة كاملة، فيمسك هاملت بالسيف المسموم، ويطعن به الملك، ويسكب النبيذ المسموم في حلقه ويموت الجميع.
          يضج مسرح قصيدة القاسم بمسرحين معًا، المسرح الشكسبيري والمسرح الفلسطيني. والقصيدة تأتي بصيغة المناجاة، أكثر مما هي سرد للأحداث، على غرار ما بنى شكسبير مسرحيته على المونولوج وليس على الحدث. وقد استعمل فيها القاسم مثلما استعمل شكسبير، أداته المفضلة: المسرحية داخل المسرحية ويبدأها بخطاب يوجهه إلى أصدقائه، مستعيرًا من هاملت شخصه وعباراته:
          "لموتي وموت أبي ما يشاء الرواة الثقاتْ التُقاةُ وفي عرس أمي وضوح شديد
         
أرى شبحًا في الظلام، أخاطبه لا يردّ"
          (ص 10 و11)، ويمسك القاسم في قصيدته بأشباح هاملت وآلام هاملت، ليصرّح في ثنايا القصيدة، مستعملاً لعبة المرايا:
          "أنا هاملت العربي اشهدوني
         
أدرب عقلي على أحجيات الجنون
         
أبي ميّتُ لا يموت
         
وأميَّ أمي
         
وملكي نهب لعمّي".
          (ص53).
          وهكذا، وفي النتيجة، فإن عالم سميح القاسم الشعري، وقصائده، وتفاصيلها وجوهرها، تدور في فلك مقايضة الدم بالدم، والموت بالموت والانتقام بالانتقام، أكثر مما تدور في فلك المصالحات.. وهو ما يميّزه، بحدّة في خارطة الشعر الفلسطيني بخاصة، والعربي بعامة على الرغم من أنّ ثمة نبضًا إنسانيًا رهيفًا لا يفارقه في جميع قصائده.. إنّ فيها شيئًا مما يخصّ الروح.
                                                     محمد علي شمس الدين

تابعونا على الفيس بوك

www.facebook.com/awladuna

إقرأ أيضًا:
إبراهيم طوقان.. شاعر له عينا زرقاء اليمامة
ديكِ الجن.. ديك الشعر الفصيح
مالك بن الرَّيـْب.. يرثي نفسه





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق