الأربعاء، 2 أكتوبر، 2013

• تربيـة التوائـم.. ذلـك العِلـم المجهـول

يقدر عدد التوائم في العالم بحوالي 125 مليون نسمة، بما يمثل نسبة تقارب 2 في المائة من إجمالي سكان الأرض، 10 بالمائة منهم توائم متطابقة. أغلب هؤلاء التوائم توائم ثنائية (الثلاثية قليلة، والرباعية والخماسية نادرة)، حيث إنها تقع – تقريبا - بمعدل حالة واحدة بين كل 89 حالة حمل، أي بنسبة 11 بالمائة من مجموع الأحمال.

يقع الحمل بالتوائم من أحد طريقين:
1)   تلقيح خلية واحدة (أحادي الزيجوت): حيث يتم تخصيب بُويضة واحدة بحَيْمنٍ (حيوان منوي) واحد، ثم انقسامها. وهذا ما ينتج عنه توأم متطابق، يحمل جنيناه أو أجنتُه نفس المورثات الجينية، مع إمكانية أن يختلفا في مورث الجنس بين ذكر وأنثى، وهذا نادر.
2)   تلقيح أكثر من خلية (ثنائي أو متعدد الزيجوت): وينتج عنه توائم غير متطابقة، لأن التخصيب فيه يقع لأكثر من بُويضة، تلقح كل واحدة منها بحيمن مختلف، وبالتالي فإن كل بويضة تحمل جنينا مستقلا على حدة؛ وهذا معناه أن الأجنة لا تشترك في جميع المورثات، ولا يعدو التشابه بينها التشابهَ الحاصل بين جميع الإخوة والأخوات.
جمع الأستاذ د. ل. أشليمان حكايات وأساطير لا بأس بها حول التوائم تحت عنوان: «ولادة التوائم في الأسطورة والفولكلور» (بالإنجليزية)؛ وعموما يمكن أن نلاحظ أن معتقدات الشعوب حول ولادة التوائم تختلف اختلافا كبيرا، إلى درجة أن بعضا منها جعلته علامة على عناية السماء وكرمها، كما هي الحال عند شعوب المايا التي تعتقد أن التوائم روح واحدة انقسمت، في مقابل زعم بعضها الآخر أنها نذير شؤم ونقمة وشيكة، كما هو اعتقاد وثنيي جزيرة مدغشقر إلى اليوم، لذا ينبغي التخلص من التوائم فور ولادتهم، هذا دون أن نغفل ما اشتهرت به أساطير اليونان من زعمٍ مفاده أن الحمل بالتوائم دليل على خيانة المرأة، حيث اعتقد اليونانيون أن التوائم الثنائية ولدان لأبوين مختلفين، أحدهما غير شرعي، كما هو شأن هرقليس مع أخيه إيفيكيس، وهيلين طروادة مع أختها كليتيمنسترا.
أما العقيدة الإسلامية فتنزه التوأمة عن كل طيرة أو اعتقاد فاسد، وتربطها بالمشيئة والقدرة الإلهيتين المطلقتين، عطاءً منه تعالى على قَدَر، لحكمة يعلمها. يقول تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} (الشورى: 49 / 50)، وذلك عند من فسّر التزويج هنا بالتوأمة بين المواليد في بطن واحدة، مع بقاء الاحتمال قائما بأن يكون المعنى تعديدا في بطون متفرقة.
ارتفع عدد المواليد التوائم في العقود الأخيرة بشكل واضح، حتى أصبح الأمر يتعلق بعدد ضخم لا يمكن التغافل عنه: 125 مليون توأم! (وللإشارة فكلمة التوأم تطلق على الفرد والجمع، وتثنى على «توأمان»). هذا العدد الكبير فرض على المهتمين بشؤون التربية إيلاء أهمية معتبرة لما يتعلق بتربية التوائم، لأن الأمر يختلف اختلافا بيّنا عن تربية الفُرادى في كثير من التفاصيل، وإن كانت التربيتان تشتركان في المبادئ والأسس الرئيسة لكل تربية سليمة.
وهكذا نجد المكتبة الغربية زاخرة بالعديد من المراجع التربوية المفيدة فيما يتعلق بالتوائم، مقابل إقفار مطلق في المكتبة التربوية العربية!!
من أشهر هاتيك المؤلفات باللغة الإنجليزية: «كل شيء عن التوائم» (All About Twins) لجيليان ليج، و«تربية التوائم» (Raising Twins) لألين بيرلمان، و«التوائم» (Twins) لكاثرين بومان، و«دليل الأب إلى (عالم) التوائم» (Dad’s Guid To Twins) لجو رولينسون، وغيرها وافر... بل إن بعضها إما متخصص في جوانب تربوية معينة، كالتربية الصحية في كتاب «الصحة العاطفية لدى التوائم» (Emotionally healthy twins) لجون فريدمان، وكتاب «عادات النوم الصحية للتوائم السعيدة» (Healthy Sleep Habits, Happy Twins) لمارك وايسبلوث، وإما متخصص في فترة زمنية محددة، كالطفولة المبكرة في السنة الأولى، مثل كتاب «من وحي التوائم: نصيحة من واقع الحياة خلال الحمل والسنة الأولى» (twinspiration : Real-Life Advice from Pregnancy through the first year) لشيري ليج، أو كتاب «تربية التوائم بعد السنة الأولى» (Raising Twins After The first Year) لكارين جوتسمان، أو كتاب «التوائم: من الحمل إلى سن الخامسة» (Twins : From Conception To Five Years) لأفريل كليج آن ووليت، وكتاب (Juggling Twins: The best tips, tricks, and strategies from pregnancy to the toddler years) لميجان ريجان لوميس، أو طفولة مرحلة التمدرس كمؤلَّف «تربية التوائم في سن التمدرس» (Parenting School-age Twins and Multiples) لكريستيانا باكليفي تينغلوف، علاوة على مؤلفات أخرى كثيرة.
والجميل أن كثيرا من هذه المؤلفات انطلق أصحابها من واقع تجاربهم الفعلية مع التوائم، حيث ألفها آباء أو أمهات لتوائم، مما يضفي على كتاباتهم واقعية عَملية مرِحة، ويسلّمها من التنظير المحض الجاف...
وهذه المؤلفات في مجملها ممتعة مفيدة غاية الإفادة، حتى إن بعضها يستغرق في تفاصيل دقيقة قلما يُلتفت إليها، وبعضها الآخر لا يعالج قضية تربية التوائم في الظروف العادية المناسبة فقط، ولكنه يطرحها في ظل ظروف عصيبة وأزمات قد تمر بها الأسرة، كالطلاق مثلا.
علاوة على كل هاتيك المؤلفات، تخصص كثير من المجلات العلمية الغربية دراسات مهمة حول التوائم، ومن زوايا مختلفة، وعلى رأسها مجلة «توائم» المتخصصة التي تصدر منذ 1984 في الولايات المتحدة الأمريكية، كما يقدم موقع Raising-twins.com خدمات منوعة شاملة في هذا الباب.
تجعل داغمارا سكاليز عنوانا دالا لأحد مباحث الفصل الأول من كتابها «إحساس التوائم» (Twins sense) على الشكل التالي: «تسلحا بالمعرفة»، مخاطبة الوالدين. وهكذا يمكن للأب الغربي والأم الغربية إذا ما بُشرا بتوائم أن يتسلحا حقا بالزاد المعرفي والعلمي والتربوي الكافي لمواجهة عالم التوأمة العجيب هذا، في حين ستذرع الأسرة العربية المكتبات العربية طولا وعرضا فلا تقع عينها ولا يدها على شيء يُذكر من بُغيتها حول تربية التوائم، اللهم إلا إذا استثنينا مؤلفات لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، تعالج التوأمة من زاوية فقهية محضة، ككتاب «أحكام التوائم في الفقه الإسلامي» لجيهان الطاهر عبدالحميد، أو زاوية طبية لحالات توأمية خاصة، كمؤلف «تجربتي مع التوائم السيامية» (المتلاصقة) للدكتور عبدالله بن عبدالعزيز الربيعة، أو زاوية ترفيهية، ككتاب «عجائب التوائم» لأيمن الحسيني. أما الجانب التربوي فلم يبلغ إلى علمي أن لنا فيه مؤلفا واحدا، يا حسرتاه!
وإذا كان هذا الأمر مفهوما في ظل حالة التردي العلمي والمعرفي التي تنيخ بكلكلها على عقل الأمة، وتحجب عنه ضوء المعرفة العالمة المؤسسة تأسيسا متينا على المنهج القويم، والمعطيات الصحيحة، بسبب ضآلة أو غياب تبني الدول العربية أو حتى تشجيعها للبحث العلمي في مختلف فروعه، مقابل الإسراف في تقدير ما لا يمكن أن يعود على العباد والبلاد بطائل تنموي يذكر، فإن المطلوب – على الأقل– مبادرة المؤسسات التربوية، والأفراد ذوي الاهتمامات، ومنهم المترجمون، إلى ترجمة بعض ما يؤلف في الضفة الأخرى، عساه يكون مُعينا لمن رزقه الله من الذرية توائم، ففكر في أن يسلك في تربيتهم مسلكا يسير من العلوم والدراسات المنجزة في هذا الباب على هدى وبصيرة، حتى لا يوكَل أمره إلى نفسه فيصيب مرة، ويخطئ مرات، ثم يتعلم من إصابته وخطئه تعلما بدائيا كأنه يكتشف جزيرة بِكرا، فلا ينتج عن كل ذلك إلا ملاحظات انطباعية يخشى أن يبادر إلى إفادة غيره بها فتضره من حيث تريد نفعه، ما دامت ليست نتيجة استقراء ولا إحصاء ولا دراسة علمية متخصصة. وفي انتظار ذلك، لا مناص للأسرة العربية ذات التوائم من الرجوع إلى ما ألف بالإنجليزية لوفرته. ولنا أن نقدّر حجم الخسارة المعرفية والتربوية في هذا الباب إذا استحضرنا أرقام إحصائيات الأمية بين العرب، أقصد أمية فك شفرة الحرف العربي، فأحرى أمية عدم معرفة لغة حية أخرى!.
تابعونا على الفيس بوك



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق