الأحد، 10 فبراير، 2013

• عمر بن عبد العزيز... الخليفة الراشدي الخامس


من المعلوم في التاريخ العربي أن حقبة الخلفاء الراشدين التي بدأت بعد وفاة الرسول العربي (صلى الله عليه وسلم) سنة 13 هجري قد استمرت إلى سنة 41 هجري حيث دامت 28 عاماً، على وجه التقريب. وقد تعاقب فيها على تولي الحكم أربعة من أصحاب رسول الله هم على التوالي: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهم والإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.

 ثم قامت الدولة الأموية عام 41 هجري بتولي معاوية بن أبي سفيان منصب الخلافة في السنة 620م وتوالي على الحكم في الحقبة الأموية زهاء 13 خليفة وكان ترتيب الإمام عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه هو السابع بين خلفاء بني أمية. وقد دامت حقبة الأمويين زهاء 87 عاماً حكم فيها عمر بن عبد العزيز مدة سنتين ونيّف لكن بعض العلماء والمؤرخين من العرب، باتوا يعطونه لقب الخليفة الراشدي الخامس "افتراضياً" كونه كان عادلاً عالماً متواضعاً وحازماً في إدارة دفة الحكم وحكيماً لا تأخذه في الله لومة لائم، أي أنه يتصف بصفات ومؤهلات الخلفاء الراشدين الأربعة. إضافة إلى أن جده لأمه هو "عمر بن الخطاب" رضي الله عنه.
ترجمة عمر بن عبد العزيز الإمام المشهور
هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو حفص القرشي الأموي المعروف أمير المؤمنين، وأمه أم عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، ويقال له: أشج بني مروان، وكان يقال: الأشج والناقص أعدل بني مروان. فهذا هو الأشج. كان عمر تابعياً جليلاً، روى عن أنس بن مالك والسائب بن يزيد، ويوسف بن عبد الله بن سلام، ويوسف صحابي صغير. وروى عن خلق من التابعين، وعنه جماعة من التابعين وغيرهم. قال الإمام أحمد بن حنبل: لا أدري قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبد العزيز, بويع له بالخلافة بعد ابن عمه سليمان بن عبد الملك، عن عهد منه له بذلك، ويقال: كان مولده في سنة إحدى وستين، وذكر أيضاً أن عمر بن عبد العزيز بكى وهو غلام صغير، فبلغ أمه فأرسلت إليه فقالت: ما يبكيك؟ قال: ذكرت الموت، فبكت أمه. وكان قد حفظ القرآن وهو صغير وقال الضحاك بن عثمان الخزامي: كان أبوه قد جعله عند صالح بن كيسان يؤدبه، فلما حج أبوه اجتاز في المدينة فسأله عنه فقال: ما خبرت أحداً الله أعظم في صدره من هذا الغلام. وروى يعقوب بن سفيان أن عمر بن عبد العزيز تأخّر عن الصلاة مع الجماعة يوماً فقال صالح بن كيسان: ما شغلك ؟ فقال: كانت مرجلتي تسكن شعري، فقال له: قدمت ذلك عن الصلاة؟ وكتب إلى أبيه وهو على مصر يعلمه بذلك، فبعث أبوه رسولاً يكلمه حتى حلق رأسه. وكان عمر بن عبد العزيز يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله يسمع منه وقال الزبير بن بكار: حدثني العتبي قال: إن أول ما استبين من رشد عمر بن عبد العزيز حرصه على العلم ورغبته في الأدب، أن أباه ولي مصر وهو حديث السن يشك في بلوغه، فأراد أبوه إخراجه معه إلى مصر من الشام، فقال: يا أبت أوَ غير ذلك لعله يكون أنفع لي ولك؟ قال: وما هو؟ قال: ترحِّلني إلى المدينة فأقعد إلى فقهائها وأتأدب بآدابهم، فعند ذلك أرسله أبوه إلى المدينة، وأرسل معه الخدام، فقعد مع مشايخ قريش، وتجنّب شبابهم، وما زال ذلك دأبه حتى اشتهر ذكره، فلما مات أبوه أخذه عمه أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان فخلطه بولده، وقدمه على كثير منهم، وزوجه بابنته فاطمة، وهي التي يقول الشاعر فيها:
بنت الخليفة والخليفة جدها     أخت الخلائف والخليفة زوجها
قال: ولا نعرف امرأة بهذه الصفة إلى يومنا هذا سواها.
ولما مات عمّه عبد الملك حزن عليه ولبس المسموح تحت ثيابه سبعين يوماً، ولما ولي الوليد عامَله بما كان أبوه يعامله به، وولّاه المدينة ومكة والطائف من سنة ست وثمانين إلى سنة ثلاث وتسعين، وأقام للناس الحج سنة تسع وثمانين، وسنة تسعين، وحج الوليد بالناس سنة إحدى وتسعين، ثم حج بالناس عمر سنة ثنتين أو ثلاث وتسعين.
وبنى في مدة ولايته هذه مسجد النبي(صلى الله عليه وسلم) ووسّعه عن أمر الوليد له بذلك، فدخل فيه قبر النبي، وقد كان في هذه المدة من أحسن الناس معاشرة، وأعدلهم سيرة، كان إذا وقع له أمر مشكل جمع فقهاء المدينة عليه، وقد عيَّن عشرة منهم، وكان لا يقطع أمراً 2  بدونهم أو من حضر منهم، وهم عروة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو بكر بن سليمان بن خيثمة، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن حزم، وسالم بن عبد الله، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد بن ثابت.
وكان لا يخرج عن قول سعيد بن المسيّب، وقد كان سعيد بن المسيّب لا يأتي أحداً من الخلفاء، وكان يأتي إلى عمر بن عبد العزيز وهو بالمدينة، وقال إبراهيم بن عبلة: قدِمت المدينة وبها ابن المسيّب وغيره، وقد ندبهم عمر يوماً إلى رأي.
عن أنس بن مالك. قال: ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من هذا الفتى – يعني عمر بن عبد العزيز – حين كان في المدينة. فقالوا: وكان يتم الركوع  والسجود ويخفف القيام والقعود، وفي رواية صحيحة إنه كان يسبِّح في الركوع والسجود عشراً عشراً، وقال ابن وهب: حدثني الليث عن أبي النضر المديني، قال:
رأيت سليمان ابن يسار خارجاً من عند عمر بن عبد العزيز فقلت له: من عند عمر خرجت؟ قال: نعم، قلت: تعلمون؟ قال: نعم، فقلت: هو الله أعلمكم. وقال مجاهد: أتينا عمر نعلّمه فما برحنا حتى تعلّمنا منه. وقال ميمون بن مهران: كانت العلماء عند عمر بن عبد العزيز تلامذة، وفي رواية قال ميمون: كان عمر بن عبد العزيز معلِّم العلماء. وقال الليث: حدثني رجل كان قد صحب ابن عمرو ابن عباس، وكان عمر بن عبد العزيز يستعمله على الجزيرة، وقال: ما الْتمسنا على شيء إلا وجدنا عمر بن عبد العزيز أعلم الناس بأصله وفروعه، وما كان العلماء عند عمر بن عبد العزيز إلا تلامذة. وقال عبد الله بن طاووس: رأيت أبي تواقف هو وعمر بن عبد العزيز من بعد صلاة العشاء حتى أصبحنا، فلما افترقا قلت: يا أبتِ من هذا الرجل؟ قال: هذا عمر بن عبد العزيز، وهو من صالحي هذا البيت – يعني بني أمية – وقال عبد الله بن كثير قلت لعمر بن عبد العزيز ما كان بدء إنابتك؟
قال: أردت ضرب غلام لي فقال لي: أذكر ليلة صبيحتها يوم القيامة.
وتقدم إنه لما وقف سليمان ابن عبد الملك وعمر بعرفة ورأى سليمان كثرة الناس فقال له عمر: هؤلاء رعيتك اليوم وأنت مسؤول عنهم غدا، وفي رواية وهم خصماؤك يوم القيامة، فبكى سليمان وقال: بالله نستعين وتقدم أنهم لما أصابهم ذكر المطر والرعد فزع سليمان وضحك عمر فقال له: أنصحك؟ فقال: نعم هذه آثار رحمته و3 نحن في هذه الحال، فكيف بآثار غضبه وعقابه ونحن في تلك الحال.
خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه
تقدم إنه بويع له بالخلافة يوم الجمعة لعشر مضين، وقد قيل: بقين من صفر من هذه السنة - أعني سنة تسع وتسعين - يوم مات سليمان بن عبد الملك، عن عهد منه إليه من غير علم من عمر كما قدمنا، وقد ظهرت عليه مخايل الورع والدين والتقشف والصيانة والنزاهة، من أول حركة بدت منه، حيث أعرض عن ركوب مراكب الخلافة، وهي الخيول الجياد الحسان المعدة لها، والاجتزاء بمركوبه الذي كان يركبه، وسكن منزله رغبة عن منزل الخلافة، ويقال إنه خطب الناس فقال في خطبته: أيها الناس إن لي نفسا تواقةً لا تعطى شيئاً إلا تاقت إلى ما هو أعلى منه، وإني لما أعطيت الخلافة تاقت نفسي إلى ما هو أعلى منها وهي الجنة، فأعينوني عليها يرحمكم الله. وكان مما بادر إليه عمر في هذه السنة أن بعث إلى مسلمة بن عبد الملك ومن معه من المسلمين وهم بأرض الروم محاصرو القسطنطينية، وقد اشتد عليهم الحال وضاق عليهم المجال، لأنهم عسكر كثير، فكتب إليهم يأمرهم بالرجوع إلى الشام إلى منازلهم. وبعث إليهم بطعام كثير وخيول كثيرة عتاق، يقال: خمسمئة فرس، ففرح الناس بذلك. وفيها أغارت الترك على أذربيجان فقتلوا خلقاً كثيرا من  المسلمين، فوجه إليهم عمر حاتم بن النعمان الباهلي فقتل أولئك الأتراك، ولم يفلت منهم إلا اليسير، وبعث منهم أسارى إلى عمر وهو بخناصرة.
وقد كان المؤذنون يذكّرونه بعد أذانهم باقتراب الوقت وضيقه لئلّا يؤخرها كما كان يؤخرها من قبله، لكثرة الاشتغال، وكان ذلك عن أمره لهم بذلك، والله أعلم. فروى ابن عساكر في ترجمة جرير بن عثمان الرحبي الحمصي قال: رأيت مؤذني عمر بن عبد العزيز يسلمون عليه في الصلاة: السلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، حي على الصلاة حي على الفلاح، الصلاة قد قاربت.
كان عمر بن عبد العزيز لا يأخذ من بيت المال شيئاً ولا يجري على نفسه من الفيء درهماً. وكان عمر بن الخطاب يجري على نفسه من ذلك درهمين في كل يوم. فقيل لعمر بن عبد العزيز: لو أخذت ما كان يأخذ عمر بن الخطاب؟ فقال: إن عمر بن الخطاب لم يكن له مال وأنا مالي يغنيني، وقال رياح بن عبيدة: اشتريت لعمر قبل الخلافة مطرفاً بخمسمئة، فاستخشنه وقال: لقد اشتريته خشناً جداً، واشتريت له بعد الخلافة كساء بثمانية دراهم، فاستلانه وقال: اشتريته ليناً جداً. ودخل مسلمة بن عبد الملك على عمر وعليه ريطة من رياط مصر، فقال: بكم أخذت هذه يا أبا سعيد؟ قال: بكذا وكذا. قال: فلو نقّصت من ثمنها ما كان ناقصاً من شرفك. فقال مسلمة: إن الاقتصاد ما كان بعد الجدة، وأفضل العفو ما كان بعد القدرة، وأفضل اللين ما كان بعد الولاية. وكان لعمر غلام يقال له درهم يحتطب له، فقال له يوماً: ما يقول الناس يا درهم؟ قال: وما يقولون؟ الناس كلهم بخير وأنا وأنت بشر. قال: وكيف ذلك؟ قال: إني عهدتك قبل الخلافة عطراً لباساً، فارِهَ المركب، طيب الطعام، فلما وليت رجوت أن أستريح وأتخلص، فزاد عملي شدة وصرت أنت في بلاء. قال: فأنت حرّ، فاذهب عني، ودعني وما أنا فيه حتى يجعل الله لي منه مخرجاً.
ميمون بن مهران قال: كنت عند عمر فكثر بكاؤه ومسألته ربه الموت، فقلت: لمَ تسأل الموت! وقد صنع الله على يديك خيراً كثيراً، أحيا بك سنناً وأمات بك بدعاً. قال: أفلا أكون مثل العبد الصالح حين أقرّ الله عينه وجمع له أمره، قال: "رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين "يوسف 101". ولما ولي عمر بن عبد العزيز قال: إن فدك كانت مما أفاء الله على رسوله، فسألتها فاطمة رسول الله. فقال لها: ما لك أن تسأليني ولا لي أن أعطيك. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصطنع فيها حيث أمره الله. ثم ولي أبو بكر وعمر وعثمان فكانوا يضعونها المواضع التي وضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم ولي معاوية فأقطعها مروان، ووهبها مروان لعبد الملك وعبد العزيز، فقسمناها بيننا أثلاثاً أنا والوليد وسليمان. فلما ولي الوليد سألته نصيبه فوهبه لي، وما كان لي مال أحب إلي منها، وأنا أشهدكم أني قد رددتها إلى ما كانت عليه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وقال عمر: الأمور ثلاثة، أمر استبان رشده فاتّبِعه، وأمر استبان ضرَه فاجتنبه، وأمر أشكل أمره عليك فردّه إلى الله.. وكتب عمر إلى بعض عمّاله: الموالي ثلاثة: مولى رحم، ومولى عتاقة، ومولى عقد، فمولى الرحم يرث ويورث، ومولى العتاقة يورث ولا يرث، ومولى العقد لا يرث ولا يورث، وميراثه لعصبته.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة عامله على العراق: إذا أمكنتك القدرة على المخلوق فاذكر قدرة الخالق القادر عليك، واعلم أن مالك عند الله أكثر مما لك عند الناس. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: مروا من كان قبلكم، فلا يبقى أحد من أحرارهم ولا مماليكهم، صغيراً ولا كبيراً، وذكراً ولا أنثى، إلا أخرج عنه صدقة فطر رمضان: مُدّين من قمح، أو صاعاً من تمر، أو قيمة ذلك نصف درهم. فأما أهل العطاء فيؤخذ ذلك من أعطياتهم، عن أنفسهم وعيالاتهم. واستعملوا على ذلك رجلين من أهل الأمانة يقبضان ما اجتمع من ذلك ثم يقسمانه في مساكين أهل الحاضرة. ولا يقسم على أهل البادية.. وكتب عبد الحميد بن عبد الرحمن إلى عمر: أن رجلاً شتمك فأردت أن أقتله. فكتب إليه: لو قتلته لأقدتك به؛ فإنه لا يقتل أحد بشتم أحد إلا رجل شتم نبياً، وخطب عمر فقال: أيها الناس، لا تستصغروا الذنوب، والتمسوا تمحيص ما سلف منها بالتوبة منها. إن الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين. وقال عزّ وجلّ: " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون آل عمران 135..
وقال عمر لبني مروان: أدّوا ما في أيديكم من حقوق الناس ولا تلجئوني إلى ما أكره فأحملكم على ما تكرهون. فلم يجبه أحد منهم. فقال: أجيبوني. فقال رجل منهم: والله لا نخرج من أموالنا التي صارت إلينا من آبائنا، فنفقر أبناءنا ونكفر آباءنا، حتى تزايل رؤوسنا أجسادنا. فقال عمر: أما والله لولا أن تستعينوا علي بمن أطلب هذا الحق له لأضرعت خدودكم عاجلاً، ولكنني أخاف الفتنة، ولئن أبقاني الله لأردّنَّ إلى كل ذي حق حقه إن شاء الله.. العتيبي قال: لما انصرف عمر بن عبد العزيز من دفن سليمان بن عبد الملك تبعه الأمويون، فما دخلوا إلى منزله، قال له الحاجب: الأمويون بالباب. قال وما يريدون؟ قال: ما عوّدتهم الخلفاء قبلك. قال ابنه عبد الملك، وهو إذ ذاك ابن أربع عشرة سنة: ائذن لي في إبلاغهم عنك. قال: وما تبلغهم؟ قال: أقول: أبي يقرئكم السلام ويقول لكم: (إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم) الأنعام15. 
وفاته
مرض عمر بن عبد العزيز بأرض حمص، ومات بدير سمعان، من ضواحي حلب فيرى الناس أن يزيد بن عبد الملك سمّه، دس إلى خادم كان يخدمه، فوضع السُمّ على ظفر إبهامه، فلما استسقى عمر غمس إبهامه في الماء ثم سقاه، فمرض مرضه الذي مات فيه. فدخل عليه مسلمة بن عبد الملك فوقف عند رأسه فقال: جزاك الله يا أمير المؤمنين عنّا خيراً، فلقد عطفت علينا قلوباً كانت عنّا نافرة: وجعلت لنا في الصالحين ذكراً.
دخل مسلمة بن عبد الملك على عمر بن عبد العزيز في المرضة التي مات فيها، فقال له: يا أمير المؤمنين، إنك فطمت أفواه ولدك عن هذا المال، وتركتهم عالة، ولا بد لهم من شيء يصلحهم، فلو أوصيت بهم إلي أو إلى نظرائك من أهل بيتك لكفيتك مؤونتهم إن شاء الله. فقال عمر: أجلسوني، فأجلسوه، فقال: الحمد لله، أبالفقر تخوفني يا مسلمة؟، أما ما ذكرت أني فطمت أفواه ولدي عن هذا المال وتركتهم عالة، فإني لم أمنعهم حقاً هو لهم ولم أعطهم حقاً هو لغيرهم، وأما ما سألت من الوصاة إليك أو إلى نظرائك من أهل بيتي، فإن وصيتي بهم إلى الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولى الصالحين، وإنما بنو عمر أحد رجلين: رجل اتقى الله فجعل الله له من أمره يسراً ورزقه من حيث لا يحتسب، ورجل غيّر وفجر، فلا يكون عمر أول من أعانه على ارتكابه، ادعوا إلي بنيَّ. فدعوهم، وهم يومئذ اثنا عشر غلاماً، فجعل يصعد بصره فيهم ويصوبه حتى اغرورقت عيناه بالدمع، ثم قال: بنفسي فتية تركتهم ولا مال لهم. يا بنيّ، إني قد تركتكم من الله بخير، إنكم لا تمرون على مسلم ولا معاهد إلا ولكم عليه حق واجب إن شاء الله، يا بنيّ: مثلت رأي بين أن تفتقروا في الدنيا وبين أن يدخل أبوكم النار، فكان أن تفتقروا إلى آخر الأبد خيراً من دخول أبيكم يوماً واحداً في النار، قوموا يا بنيّ عصمَكم الله ورزقكم. قال: فما احتاج أحد من أولاد عمر ولا افتقر.
واشترى عمر بن عبد العزيز من صاحب دير سمعان موضع قبره بأربعين درهماً. ومرض تسعة أيام. ومات رضي الله عنه يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومئة. وصلى عليه يزيد بن عبد الملك. 
وقال جرير بن الحطفي يرثي عمر بن عبد العزيز:
ينعى النعاة أمير المؤمنين لنا    يا خير من حج بيت الله واعتمرا
فالشمس طالعة ليست بكاسفة    تبكي عليك نجوم الليل والقمرا
وأنشد أبو عبيد الأعرابي في عمر بن عبد العزيز:
 مقابل الأعراق في الطيب الطاب   بين أبي العاص وآل الخطاب
قال أبو عبيدة يقال: طيب وطاب، كما يقال: ذيم وذام.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق