الأربعاء، 15 يناير، 2014

• الوشم من الرسم بالإبرة إلى التلوين المجهري


الوشم، من العادات الشعبية المتوارثة، وأحد الفنون الفلكلورية العريقة، التي مارسها أولاً، قدماء الفراعنة منذ حوالي 3000 سنة قبل الميلاد، كوسيلة للزينة والتجميل، بينما اتخذته بعض الأقوام كعلامات لتمييز أفرادها عن بقية الجماعات الأخرى.

ومن هنا، يمكن اعتبار الوشم أول هوية شخصية حملها الإنسان ليستدل بها على انتساب هذا الشخص إلى هذه القبيلة أو تلك. وتشير الدلائل التاريخية إلى أن الوشم انتقل من مهده في مصر إلى أصقاع كثيرة من العالم، في كل من آسيا وأفريقيا وأوربا.
وعرفه العرب واستعملوه بهدف العلاج من بعض الحالات المرضية، كما نظروا إليه على أنه من أفضل وسائل الزينة لتعزيز جمال المرأة وإظهار محاسنها، وكانت بعض القبائل العربية توشم بناتها في أماكن متعددة من الوجه والأطراف، ولدى إزالتها يستخدمون مواد عرفوها من خلال التجربة والمراس، مثل ماء الكلس، وعصارة بعض الحشائش الصحراوية، وقديماً قال الشاعر العربي:
لخولة إطلال ببرقة ثمهد
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
تعريف الوشم
الوشم من حيث التعريف، هو علامة أو تصميم ما، يطبع على الجلد في أماكن معينة من الجسم، وذلك بإدخال مادة ملونة طبيعية كانت أو كيميائية إلى طبقة الأدمة العميقة في الجلد، فتتحول إلى شكل معين يرغب به صاحبه.
أما الوشم تقليدياً، فهو رسم أو نقش أو زخرفة يزركش بها الجلد، بقصد الزينة، أو لأسباب نفسية، أو تقاليد اجتماعية تتطلبها طبيعة الموشوم.
والوشم غالباً ما يكون عبارة عن صور وخطوط بسيطة التشكيل غير منتظمة أحياناً، اتخذت أشكالاً متعددة استمدت تكويناتها من واقع البيئة والحياة الاجتماعية، في كل من البادية والحاضرة على حد سواء، وهي تمثل هلالاً أو نجمة، أو حيواناً أو طائراً، أو زهرة صغيرة، ترسم على الجبين، أو على ظاهر اليد، أو في منطقة الذراع أو الكاحل.
مادة الوشم
توجد عدة مواد كيميائية وطبيعية تستخدم في عملية الوشم، مثل الكربون والسناج أو ما يسمى بالحبر الهندي، وهذه المواد لا تعطي بالضرورة لونها الطبيعي الذي كانت عليه قبل إدخالها إلى الجلد الموشوم، فهناك تغييرات تطرأ على المادة الصبغية بعد امتزاجها بخلايا الجلد، وتبدو من خلال هذه الخلاية بلون آخر مخالف للونها الأصلي.
فمثلاً، يعطي السناج الأسود لوناً يتفاوت فيه الأزرق والأسود، بينما يعطي «سلفيد الزئبق» والأصباغ النباتية اللون الأحمر، وتعطي «ألمونيات الكوبالت» اللون الأزرق الفاتح، ويعطي «أكسيد الكروم» اللون الأخضر، و«سلفيد الكاديوم» يعطي اللون الأصفر، بينما تعطي «أكاسيد الحديد» اللون البني الغامق، وهكذا.
آلية الوشم
تتم عملية الوشم، عبر آلية دقيقة بإدخال جزيئات الأحبار أو الأصباغ السالفة الذكر، إلى الطبقة التي تحت البشرة، من خلال الوخز بأي سن حاد، أو باستعمال إبرة صغيرة عادية، أو مجموعة إبر إذا ما اقتضت الضرورة، يحركها الواشم بطريقة اهتزازية من الأعلى إلى الأسفل «جيبية» تخترق الطبقة السطحية من الجلد، ومع كل وخزة تدفع الإبرة معها كمية قليلة من الحبر إلى ما تحت البشرة لتستقر هناك، ثم ينتج عنها الشكل المطلوب.
أما اليوم فقد بات الواشم المتمرس، يستخدم إبرة كهربائية خاصة لإدخال حبيبات المادة المستعملة في الوشم إلى الأدمة، وذلك بعد تنظيف المنطقة المقصودة ببعض المطهرات، ثم طلائها بطبقة رقيقة من تلك المادة، وعند دخول هذه المواد الطبيعية إلى خلايا الأدمة الجلدية، تندفع خلايا بلعمية كثيرة لاحتواء هذه الجزيئات الغريبة والتهامها للتخلص منها، لكنها سرعان ما تذوب تاركة وراءها هذه المواد لتستقر بصورة شبه خاملة في أنسجة الجلد وبصورة دائمة.
وشم بالألوان
إن تنوع الوشم من ناحية الألوان، ظهر بداية في حوالي العام 1830 في أمريكا، حيث شرعت سيدات المجتمع المخملي في تلك البلاد، بإجراء وشم للحواجب والأجفان لإبرازها بشكل أفضل، وذلك باستخدام اللون الأسود، أو الأزرق، أو الأخضر الغامق، وقيامهن بوشم منطقة الوجه على الوجنتين والشفاه باللون الأحمر أو الزهري وغيرهما.
وكان من خاصية هذا النوع المستحدث من الوشم ثباته عدة سنوات قادمة، عكس الماكياج العادي الذي يزول سريعاً، وفي العام 1875 بدأت حملة من قبل أصحاب صالونات التجميل تهدف إلى تطوير أجهزة التلوين، فبرزت إلى حيز الوجود وبالتتابع أجهزة تلوين كهربائية، ومن ثم مغناطيسية محسَّنة، لتصبح أكثر سهولة في الاستعمال، وغير مؤلمة، وتساعد على وشم مساحات كبيرة من الجلد خلال فترة زمنية وجيزة.
ورافق هذا التقدم في صناعة الأجهزة استنباط أنواع جديدة من الأصبغة ومحضرة ضمن مواصفات صحية مناسبة يتم تسويقها في عبوات طبية معقمة، لا تترك مجالاً لأي ضرر بالنسبة لبشرة الموشوم.
وشهد هذا التطور ذروته عندما تم اكتشاف التلوين المجهري الذي يعقم منطقة الوشم، وفق آلية تعتمد على غمس مواد صباغية ذات ألوان متعددة وزرعها تحت الجلد، أو داخل الأنسجة الحية، لإعطائها لوناً جذاباً وثابتاً، لا يتأثر بالعوامل الداخلية التي تحقن الأصبغة فيها، توخياً لغايات تجميلية أو طبية أحياناً.
فوائد الوشم:
الوشم كما هو معروف, موضوع قديم لمسته يد العصر الحديث فحولته إلى نقلة طبية وتجميلية معاصرة استفاد منها عالم التجميل بشكل خاص.
وباتت للوشم استخدامات كثيرة, مثل تغطية بعض الندوب، أو إصلاح عيب خلقي، بالإضافة لمهمته الأصلية في التجميل، ومن مجالاته في هذا الصدد:
1 - رسم الشفتين
يتم اختيار اللون المطلوب من قبل السيدة الراغبة بالوشم، المتدرج بين الأحمر الفاتح، والأحمر الغامق, والبرتقالي، والزهري، والبصلي... إلخ، مع الإشارة إلى أنه يمكن بواسطة الوشم التحكم بتكبير إحدى الشفتين أو كلتيهما حسب الرغبة أو الضرورة.
2 - رسم الحواجب والرموش
يتم رسم الحاجب أو الرموش بالطريقة نفسها، مع مراعاة الشكل الأصلي للون الأساسي للحاجب، مع ملاحظة غياب الشعر وكثرته في هذه المنطقة، وبشكل عام ينتخب اللون الأسود أو البني الغامق لهذا الغرض.
3 – تحديد محيط العين
يتم تحديد محيط العين بخط كحلي اللون، ويتبع مسار الحلقة الجفنية بمحاذاة الرموش، وربما داخل الحافة الجفنية ذاتها، وبهذه الطريقة يستطيع الواشم المتمرس إعطاء العين الشكل المطلوب من تكبير أو استدارة.
4 – رسم شامة تجميلية
يمكن بواسطة الوشم رسم شامة تجميلية أو خال على الوجه لمن ترغب من السيدات وأحياناً من الرجال، وهو ما يوفر مشقة رسم الشامة يومياً، الذي يتم بقلم الكحل العادي من قبل السيدة.
الوشم الطبي
وبغضّ النظر عن الاستخدامات المعروفة للوشم المتمثلة في الرسم على أي من مواقع الجسم، فإن الوشم الطبي التجميلي يحرص في الكثير من الحالات على إخفاء التشوهات أو تغطيتها بشكل تجميلي لا يخلو من لمسة فنية مميزة، تعيد للإنسان الموشوم شيئاً من الثقة بالنفس والاندماج بالمجتمع، دون الشعور بالنقص أو الخجل، الذي قد ينتابه نتيجة التشوه.
ومن المواد التي تعتمد في إزالة الوشم، بعض المحاليل الطبية التي تخفف من حدة اللون وليس إزالته تماماً، ومن الممكن في بعض الحالات تغير اللون بوضع ألوان أخرى في الدائرة الموشومة، أو اللجوء إلى كشط أو حفّ البشرة، وهذه الطريقة قد تعطي نتائج مقبولة، لكن تبقى الاستعانة بأشعة الليزر الخاصة بهذه الحالة هي الأفضل، لكنها مكلفة جداً واستعمالاتها محددة لكونها تعتمد على التخصص من قبل مستعملها.
ومن هنا نجد بعض الأطباء المختصين يحبذون الأسلوب الجراحي لإزالة الوشم المزمن، وهذه الطريقة معتمدة جداً، لا يجيدها سوى المهرة من أصحاب الخبرة والممارسة الطويلة.
إن أيام البساطة في تصميم الوشم قد ولت إلى غير رجعة، وما عاد الأمر يقتصر كما في الماضي، على رسمة عادية على الذراع، أو في منطقة الكاحل، أو على ظاهر اليد، وحسب، بل تعداها إلى ما هو أعقد، حيث تشاهد رسوم الجماجم، والأفاعي، والطيور الجارحة التي تمتد على كامل الظهر، أو الجسد كله من الرأس حتى أخمص القدم، وهي متنوعة الأشكال والألوان بقدر ما تتسع مخيلة الواشم لعمل هكذا رسوم.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق