الأحد، 12 يناير، 2014

• تطاوين المدينة التونسية

تونس مرّة أخرى، تلك اللّعوب السّاحرة المختالة كأنّها ملكة نحل تهوى رؤية مصارع عشّاقها وما أكثرهم، هل هي خضراء حقّا كما قيل عنها قديما حيث يزعم البعض أنّ السّائر فيها تحفّه ظلال الأشجار من «بن قردان» في أقصى الجنوب إلى «بنزرت» في أقصى الشّمال قبل أن تنعطف يسارا إلى «جندوبة» في أقصى الشّمال الغربي وسط الغابات الشّاسعة والوديان العميقة؟...

أم أنّ الأمر كلّه كان إغراء من الخليفة الفاطمي الذّي أطلق تلك الشّائعة ليتخلّص من عرب «بني هلال» وحلفائهم من «بني سليم» و«زغبة» وغيرهم كي يتخلّص من وجود تلك القبائل المحاربة شديدة البأس التّي استقرّت في صعيد مصر مهدّدة لعرشه فأطلقهم على تونس التّي وعد بإقطاعها لهم ضاربا عصفورين بحجر لكي يتخلّص من معظمهم من ناحية، ومن ناحية أخرى لتأديب القيروان وبقيّة ولايات تونس التّي خرجت عليهم وتمرّدت على حكمهم لتستقلّ عن دولتهم بعد رحيلهم من عاصمتهم الأولى «المهديّة»..، يذهب إلى ذلك بعض المؤرّخين وكذلك أيضا «الخال عبدالرّحمن الأبنودي» مدّ الله في عمره، الذّي رددّ تلك المقولة ضاحكا ذات ليلة في إحدى أمسيات السّيرة الهلاليّة في «بيت السّحيمي» مداعبا أشقّاءنا التّوانسة الحاضرين معي مؤكّدا على «الفهلوة» المصريّة، ووافقه في ذلك راوي السّيرة العظيم «عمّ السيّد الضوي».
ربّما تغيّرت الحال بتغيّر الظّروف المناخيّة وربّما كان الأمر كما ذهب إليه المؤرّخون و«الخال عبدالرّحمن الأبنودي».. فأنت لا تلحظ تونس الخضراء بشكل عملي إلاّ عند الولوج إلى ولايات السّاحل» سوسة والمنستير والمهديّة تاركا خلفك «صفاقس» و«القيروان » متّجها نحو الشّمال حيث الاخضرار الحقيقي ووفرة المياه..، وربّما كان السّبب الرّئيسي في سحر تلك البلاد هو تنوّعها في التّضاريس والمناخ والأعراق التّي تجعل من تونس لوحة فسيفساء خلاّبة، حيث الصّحارى والواحات في الجنوب وصولا إلى الثّلوج والغابات في الشّمال ترصّعها أجناس وأعراق. وقعت في غواية تونس الخضراء بالمعنى الحضاري الأوسع والأعمق الذّي يجعلها دائما قويّة وفتيّة وشابّة حبلى دائما بأسرار وأعاجيب تثري بمخاضها المستمر وجه التّاريخ الإنساني..، وكما قال الشّيخ الأكبر «سيدي محي الديّن بن عربي».. «البلد الذي لا يؤنّث لا يعوّل عليهن» فما بالنا إن كان أنثى ليس كبقيّة الإناث تدعى «تونس الخضراء»؟
الانطلاق السّريع من تونس في الصّباح الباكر نحو الجنوب الشرقي في اتّجاه الحدود الليبيّة - التّونسيّة أمر حتمي إذا ما اقترب فصل الصّيف لتجنّب ارتفاع الحرارة لأقصى فترة ممكنة، لكنّ الطّقس المراوغ أبى إلاّ أن يكون النّهار شتائيّا باردا ومطيرا، ورغم رعونة سائق الحافلة فإن اجتياز الطّريق السّاحلي الذّي يحفظه معظم رفاق الطّريق عن ظهر قلب كان هو الهمّ الشّاغل حتّى أنّهم لم يمكثوا طويلا لتناول قهوة الصّباح بين مدينتي «الحمّامات» و«سوسة» في استراحة قصيرة استأنفوا بعدها الطّريق نحو الجنوب، ما إن تركنا وراءنا مدينة «صفاقس» العاصمة الاقتصاديّة لتونس وصاحبة الميناء الشّهير حتّى بدأنا في التوغّل نحو الصّحراء، مودّعين ساحل البحر عند مدينتي «الصّخيرة» و«المحرس» التّي كان لابدّ من التوقّف فيها لتناول طعام الغداء وكئوس الشّاي الأخضر لساعة قبل استئناف رحلتنا وسط الصّحراء، مبتعدين عن السّاحل رويدا رويدا، حيث تتّضح معالم سلع الصّحراء من تمور أشهرها «دقلة النّور» عند ولاية قابس، تلك الواحة الضّخمة التّي يطل جزء منها على ساحل البحر حيث يوجد ميناؤها..، تداعب عيون الرّفاق «عقود الغربوز أو الشريحة» أي «التّين المجفّف» المعلّقة في الحوانيت الصّغيرة، على يمين الطّريق وأسفلها وضعت «قوارير اللاّقمي»، ذلك العصير الحلو الذّي يستخرج من قلب «نخيل التّمر»، إلى جوارها قفاف تحتضن أهرامات خضراء من «الحنّة القابسيّة الشّهيرة» أو «الملوخيّة المجفّفة»، التّي تنتج أجود أنواعها «مدينة مارث» التّي دارت فيها رحى الحرب بين ثعلب الصّحراء «روميل» وجيوش الحلفاء عند خطّ «مارث» الشّهير.
وضعت الحرب العالميّة الثّانية أوزارها بينما ظلّت «دقلة النّور» معلّقة في عراجينها إلى جوار «عقود الغربوز» وقفاف الحلفاء الزّاهية التّي تنتظر من يشتريها رغم ركود السّوق بعد أن اندلعت نيران الثّورات في شمال إفريقيا كأنّها الإرهاصات الأولى للحرب الكونيّة الثّالثة.
ننعطف أكثر يمينا نحو الصّحراء مبتعدين عن ساحل البحر.. بمجرّد أن تلوح لنا «مدينة تطاوين» التّي تحمل اسمها أيضا كامل الولاية بعد تجاوز قرية «البئر الأحمر»، التي اجتزنا قبلها ولاية «مدنين» ينسيك المشهد البديع للمدينة التي تشغل السّهل الواسع المحاط بالجبال، مشهد انقلاب سيّارة نقل صغيرة كادت تنزلق تحت حافلتنا على الطّريق الضيّق وصفارات سيّارات الحماية المدنيّة التي هرعت لإنقاذ ركّابها ومازالت أصداؤها في الآذان، مشقّة طريق طوله خمسمائة وثلاثون كيلومترا استغرق قطعها ما يقرب من عشر ساعات ونصف الساعة تتلاشى مع مشهد الغروب البديع، وقد بدأ قرص الشّمس الخجلى في التّواري بين الجبال الواقعة جهة الغرب والسّحب التي حملت زخّات أمطار منعشة بعد فترة جفاف طويلة لتنساب وسط الرّمال على جانبي الطّريق البالغة النّظافة لتمتلئ المائدة المائيّة بمخزون جديد يجدّد شباب «عيون الشّريعة» أشهر عيون «تطاوين».
«تطاوين» أو «تِطاون»، بكسر التّاء، كلمة «بربريّة ـ أمازيغيّة» من مقطعين، تعني العيون الجارية، وأهمّ مصادر تغذية «تطاوين» بالمياه «وادي فسّي» الذّي يتّسع مجراه عند قدمي «الجبل الأبيض» قادما من «جبال الدّويرات» حيث ينحدر بقوّة مذهلة جارفا كلّ شيء حتّى أنّ صخور الجبال لانت له عبر القرون وتحوّلت إلى طين مختلط بالصّخور، يمكن ملاحظة اخضراره المشوب باللون الرّمادي بالعين المجرّدة، يشي بخصوبة تلك الأراضي وعافيتها، منذ آلاف السّنين سكنت الدّيناصورات تلك المنطقة ومازالت بقايا هياكلها العظميّة متناثرة بين جبالها ووديانها، وقد حمل بعضها ليعرض في «متحف الأرض» بتطاوين إلى جوار النّباتات المتحجّرة وبقايا النّيازك التّي سقطت هناك ربّما لتفسّر لنا كيف انقرضت الدّيناصورات بسبب ضرباتها الموجعة أو الجفاف الذّي ساد المنطقة في ما بعد.. ويمكنك أن ترى في ذلك المتحف ثروات المنطقة المعدنيّة من فوسفات وسيليكون ونفط من بئر «البرمة»، وربّما كانت تلك الآثار إلى جوار التّضاريس العجيبة للمنطقة هي الدّافع الأساسي لمخرج ومنتجي الفيلم الأمريكي «حرب النّجوم» Star war لاختيار هذه المنطقة بعينها لتصوير أحداث الفيلم خاصّة في منطقة «قصر حدادة» حيث تركوا مجسّمات للدّيناصورات والزّواحف الهائلة هناك كهديّة، بيد أنّ يد الإهمال والتّخريب نالت من بعضها نتيجة النّزاع بين الوزارات على الإشراف وعدم الاهتمام!، إلاّ أنّه وربّما منذ ذلك الوقت أصبح الكثير من الأماكن الخاصّة والعامّة ومنها المتحف مولعين بصنع مجسّمات الديناصورات.
لم تكن مدينة تطاوين الحاليّة بهذا الاتّساع الحضري قبل دخول الاستعمار الفرنسي إلى تونس الذّي حرص على استغلالها كمركز لوجوده الأمني والعسكري كي يحكم قبضته على ثروات المنطقة وموقعها الاستراتيجي على المستويين الدّاخلي والخارجي في مواجهة السكّان الأصليين أو قوّات الألمان ومحورهم، ومازالت ذاكرة المواطنين تحتفظ بذكرى المذبحة التّي ارتكبها الفرنسيّون عندما قصفوا الثّوار من أبناء البلاد في «جبل ميتر» (ينطقها أبناء المنطقة «ميطر»)، وأيضا عندما قصف نظام «الحبيب بورقيبة» «جبل آجري» وقيام أنصاره بارتكاب مذبحة ضد بعض الثّوار «اليوسفيين» من أنصار الزّعيم التّونسي «صالح بن يوسف» الذّين لاذوا «بجبل آجري» من مطاردة النّظام وظلّت رفاتهم هناك حتّى عام 1987 لتنقل بعد ذلك إلى المقابر عقب انقلاب «زين العابدين بن علي» على بورقيبة، فيما يكذب الكثيرون في العاصمة هذا الادعاء الذي سمعناه في «تطاوين» جملة وتفصيلا.
شهدت تطاوين قديما هجرتين كبيرتين الأولى في القرن الحادي عشر الميلادي منذ ألف عام، تقريبا قادمة من جنوب مصر وتحديدا من الصّعيد الأعلى حيث زحفت جحافل عرب «بني هلال وبني سليم» واستقرّ عدد كبير منهم في منطقة «سهل الجفارة» بينما واصل بعضهم الآخر الطّريق نحو شمال تونس والمغرب الأقصى، وقد ترتّب على ذلك تغيير التّركيبة البشريّة في المنطقة حيث استقرّ العرب هناك فيما فرّ «البربر ـ الأمازيغ» ليلوذوا بالحصون والقلاع في أعلى الجبال المحيطة في الدّاخل والتّي اطمأنّوا لها محافظين إلى حدّ ما على نمط عيشهم بينما ساد النّمط البدوي العربي في السّهول التي سيطر عليها «بنو هلال وحلفاؤهم»، حيث تمكّنوا من تعريب تونس تماما منذ ذلك الحين بفضل شدّة بأسهم وكونهم قبائل محاربة نجحت في مجالدة وإخضاع «البربر - الأمازيغ» السكّان الأقدم في المنطقة ربّما لكونهم ينتمون لبيئة مشابهة إضافة إلى جحافلهم الجرّارة.
أمّا الهجرة الثّانية فكانت عربيّة أيضا في القرن السّادس عشر الميلادي قادمة من «السّاقية الحمراء» بالمغرب الأقصى مع «الشّريف الإدريسي موسى بن عبدالله» بصحبة مائة من إخوته ليستقرّ في قرى «قلعة درون» في جبل «غمراسن» وإليه تعود جذور قبائل «الودارنة» حيث يرى البعض أن اسمها يعود إلى ذلك الجدّ الذّي «ودرنه» إخوته أي نفوه أو طردوه لسبب ما إلى الصّحراء فاتّجه جنوبا إلى هذه المنطقة.
شننّي حيث تزور الشّمس عن الكهف لتعتلي جبل الأساطير:
«شنني تطاوين» هي شننّي القديمة قبل تأسيس قرية «شننّي قابس» حيث أسّس البربر - الأمازيغ الذّين هاجر بعضهم إلى مكان مماثل في «ولاية قابس» القريبة قرية جديدة تحمل الاسم ذاته «شننّي» وهذا له حديث آخر، لكن قبل أن نغادر «شننّي» الجديدة في قابس لا بدّ من التّنويه إلى أنّها باتت أكثر شهرة ربّما لأنّها أقرب للمراكز الحضريّة في ولاية قابس، وربّما لأنّ بعضهم يزعم أنّها أجمل، لكنّ من وجهة نظر كاتب السّطور فإنّها اشتهرت بسبب التّراث الشّفاهي المغنّى والذّي يشي بأنّها أصبحت مركزا تجاريّا أغلب الظنّ أنّه يبيع المنتجات المهرّبة من ليبيا القريبة بأسعار أرخص، حيث تقول كلمات الأغنية «ومشى لشننّي وجابلها راديون يغنّي.. صوته زطّلني من قابس حتّى لهني».. وربّما يستطيع المرء شراء الأجهزة الكهربائيّة بسعر جيّد من هناك.. لذا فلابدّ من زيارة شننّي قابس لتبيّن صحّة الافتراض.
عند خطّ عرض 118و32 وخطّ طول 2616و10 تقع قرية شننّي البربريّة فوق إحدى القمم الشّاهقة تعلوها قلعة مهدّمة على مسافة 23 كيلومترًا جنوب غرب مدينة «تطاوين» يمكن اختصارها إلى ستّة عشر كيلومترًا من طريق آخر.. لكنّك لا محالة سينتهي بك الأمر إلى صعود متواصل وأنت تختلس النّظر إلى «الهفهوف» حيث الأودية السّحيقة تارة وتارة أخرى نحو الجبال الوعرة إلى اليمين حيث أكثر من «جلمود صخر حطّه السّيل من عل» وتركه معلّقا فوق جانب من الطّريق على شعرة من حصى لا تعرف متى ستنقطع لتسحق الطّريق المتواضع، بمن عليها، ولاتزال ذاكرة المكان ومن فيه تحتفظ بحكاية طفلين جرفهما السّيل بعد أن انحدر وادي شننّي فجأة حيث يبلغ معدّل الأمطار في تلك المنطقة الجافّة عادة 81 ملم في فترة وجيزة، لكنّ الأمر كان يستحقّ المغامرة ومواصلة الصّعود إلى موضع «الرّقود السّبعة» الذّي يزعم أهالي المنطقة أنّهم أصحاب الكهف والرّقيم.. وبطبيعة الحال هناك أكثر من مكان في العالم يزعم أهله الزّعم نفسه أشهرها يقع في «المملكة الأردنيّة» الشّقيقة لكنّ جلال المكان ورهبته رغم بساطته يشعرانك بأنّ هذا المسجد الذّي بني ليسدّ مدخل الكهف بشكل نهائي هو المكان الصّحيح لأصحاب الكهف والله أعلى وأعلم. وربّما كانت المنطقة الأثريّة الرّومانيّة التّي تحمل اسم «دقيانوس» تدعم رواية أهل المنطقة الذّين يدعون أنّ المكان يحمل اسم الحاكم الرّوماني الذّي عاصر حدوث قصّة أصحاب الكهف والرّقيم.
ليست هذه الأسطورة الوحيدة في المكان الذّي يمكن أن نطلق عليه جبل الأساطير، حيث يتناهى إلى سمعك عن طريق السكّان المحلّيين الأسطورة تلو الأخرى.
أولى هذه الأساطير أنّ جدار المسجد الذّي يسدّ الكهف وبه عدّة أماكن لإيقاد الشّموع كان غير مكتمل تماما، الأمر الذّي دفع أحد الفضوليين لاستطلاع أمر أهل الكهف عبر الفجوة التي في الجدار، وما إن مدّ يده إلى الدّاخل حتّى احترقت تماما، الأمر الذّي جعلهم يكملون البناء ليسدّ مدخل الكهف تماما. والثّانية هي أسطورة مئذنة المسجد المائلة نحو القبلة: تستطيع بالعين المجرّدة أن ترى ميلا واضحا في المئذنة الخاصّة بالمسجد في اتّجاه القبلة ويمكن تصوّر أنّها شيّدت هكذا كما يقول زوّار المكان العابرين لتحدّد اتّجاه القبلة في مكّة المكرّمة، لكنّ سكّان المكان يقولون إنّها تزداد ميلا عاما بعد عام في اتّجاه القبلة، ولمّا قلت لأحدهم: «لكنّها ستهوي إذا استمرّ الأمر كذلك فقال لي في ثقة «بطبيعة الحال سيكون ذلك عند قيام السّاعة»، كان ردّه يحمل يقينا مطلقا فلزمت الصّمت الجميل احتراما لجلال المكان أوّلا ولمعتقد مجيبي ثانيا.
أمّا الأسطورة الثّالثة فتسكن في كهف مجاور للمسجد لكي تصل إليه لابدّ من اجتياز جبّانة قديمة نسبيّا تليها أخرى بها سبعة أو ثمانية قبور عملاقة لقوم يزعمون أنهم من الأجداد العمالقة فيما يقول البعض إنّهم أصحاب الكهف ذاتهم، نتجاوزها لندخل إلى كهف ربما كان منحوتا على جانبه الأيمن مقبرة أو تابوت صخريّ ضخم يشبه المصطبة لكاهنة أو ساحرة بربريّة قديمة.. تأتي إليه النّساء اللاّئي يرغبن في الزّواج أو الإنجاب لترقد المرأة بشكل معيّن فوقه لكي تتحقّق أمنيتها، وأيضا يأتين إليه بالأطفال المرضى والرّاغبين في التبرّك..
أعلى هذا الكهف وفي منطقة تتوسّط المسافة بين كهف الكاهنة البربريّة والمسجد يوجد قبر صغير أبيض كبقيّة القبور يقولون إنّه قبر الكلب الشّهير الذي رافق أهل الكهف والذّي يقولون إنّ اسمه «قطمير»، على بعد خطوات من مسجد «الرّقود السّبعة»، في اتّجاه الجنوب الشّرقي توجد نخلة تنبع بجانبها عين ماء من باطن الجبل يشرب منها أهالي المنطقة وتجلب منها المياه إلى المسجد عن طريق صنبور كبير لأغراض الشّرب والوضوء.
نعود أدراجنا لندور إلى جهة اليسار هابطين ثمّ نعاود الصّعود لمشاهدة منازل قرية «شننّي تطاوين» البربريّة المحفورة في الجبل متدرّجة بشكل أفقي على الانحدار الطّبيعي للجبل على البقاع العريضة التي تشبه المصاطب، وترى بين كلّ تجمّع سكني صغير بعض الأشجار والنّخيل والحقول الصّغيرة جدّا التّي تعين أهالي تلك المنطقة الجدباء على الحياة، إضافة لحقول أكبر قليلا عند السّفح في تلك المنطقة الوعرة ولا يوجد سوى مقهى ومطعم مغلق ربّما بسبب ضعف عدد السيّاح الوافدين إلى المنطقة. ولابدّ أن تعلم أنّ وسيلة الانتقال الوحيدة في منطقة شننّي هي البغال والحمير التي يستخدمها جميع المواطنين من أبسط فلاّح حتّى الإطارات العليا من المسئولين، والسبب الرئيسي في ذلك أن هذه الدواب هي الوسيلة النّاجعة للتحرّك والنقل على طرق القرية شديدة الانحدار على حواف الجبل تساعدها في ذلك حوافرها المهيّأة لذلك وكأنّها مغناطيس يلتصق بصخور الجبل.. تماما كما كنّا نرى في الأفلام التّي تدور أحداثها في المكسيك وبعض دول أمريكا اللاّتينيّة.
قبل أن نغادر «شننّي» والتّي يعني اسمها باللّغة «البربريّة - الأمازيغيّة» الاختلاط حيث يقال إنّ تجمّعات مختلفة من القبائل البربريّة اختلطت في هذا المكان عند التّأسيس وربّما دخلت بينهم عناصر من القبائل العربيّة القريبة أيضا، نلقي نظرة على قمّة جبل بعيد جهة الشّمال الغربي تبدو كأنّها رجل يمتطي جملا عملاقا من الصّخر ظهر في بعض مشاهد فيلم «حرب النجوم»، الأمر المؤسف فعلا أنّ المرء لا يجد لهذه الطّبيعة المذهلة التّي تغصّ بها تونس أثرا في الأعمال الفنيّة في السّينما والتّلفزيون، لكنّ السّينما الأمريكيّة احتفت بها واستفادت منها في فيلم «حرب النجوم».
غمراسن
نمرّ مرور الكرام على تلك القرية العربيّة البدويّة التّي اشتهر أهلها بصناعة الفطائر اللّذيذة وتحميص المكسّرات والفول السّوداني حاليا في كامل ولايات تونس وحتى فرنسا والكثير من دول المهجر، كما اشتهروا قديما بغرس النّخيل وربما كان ذلك في اكتسابها ذلك الاسم وسط طبيعة وادعة فقيرة وكسولة، حيث يلتحف الشّيوخ «القشّابيّة» الصوفيّة الثّقيلة لاتّقاء البرد متّكئين على جنوبهم للعب «الخربقة» وهي لعبة ترسم على الرّمال كمربّعات تتحرّك فوقها القطع الحجريّة تشبه لعبة «السّيجة» الشّهيرة في صعيد مصر.. فهل نقلها عرب «بني هلال وبني سليم» معهم عندما هاجروا؟ أم أنّها نقلت من تونس إلى مصر عبر تزاور قبائل بني هلال وحلفائهم مع أقاربهم «القعايدة» الذّين قعدوا واستقرّوا في الصّعيد ولم يهاجروا؟، أم أنّه توارد الخواطر؟
لا تكاد تلمح النّساء في غمراسن اللّهمّ إلاّ بعض الصّبايا من الطّالبات اللاّئي يدرسن في مدارس ربّما بعدت عن ديارهنّ نحو خمسة أو ستّة كيلومترات يقطعنها سيرا على الأقدام وحيدات في منتهى الأمان رغم الطّريق الصّحراويّة الموحشة في الخلاء والقفار، لذا فقد كانت رؤية النّساء اللاّئي رافقننا في الرّحلة مشهدا غريبا ومثيرا للفضول خاصّة للرّجال من أهالي المنطقة، كان وجودهن يشكل منافسة للفطائر المحلاة بالعسل التي تصنعها «غمراسن» كل عشية في تلك المنطقة المحافظة جدا كمعظم ولايات الجنوب.
الدّويرات
نستأنف الطّريق إلى الدّويرات «دويرات تطاوين» حيث تجد ذلك الاسم منتشرا في صحارى شمال إفريقيا من مصر إلى ليبيا والجزائر مرورا بتونس، ويمكنك أن تسلك لها طريقا تبعد نحو 40 كلم عن تطاوين أو طريقا آخر مختصرة طولها نحو 20 كلم عبر صحراء عجيبة التّضاريس، تجدها أحيانا موشّاة على استحياء ببعض النّخيل وأشجار زيتون عملاقة ربّما كان أصلها بضع شجرات مشكّلة دغلا من الزّيتون الذّي يُعصر زيته القويّ قليل المياه ويخزّن في أوان فخّاريّة بحيث لا يستعمل إلاّ في العام التّالي بعد انخفاض درجة حموضته المرتفعة بسبب قلّة نسبة المياه فيه.
وفي هذه المنطقة معصرة لاتزال تدار بالطّريقة الرّومانيّة القديمة، حيث تدير الجمال أحجارا دائريّة ضخمة لعصر الزّيتون، لكنّ المعصرة البربريّة ذات طبيعة خاصّة فبابها منخفض المحفور في الجبل يسمح بدخول «جمل» المعصرة صغيرا وعندما يكبر لا يستطيع الخروج..، فيظلّ هناك يعمل لسنوات أسير المكان ولا يخرج إلاّ مذبوحا عندما يتقدّم به العمر ويشيخ ليحلّ محلّه آخر صغير السنّ.. إنّها قوانين الحياة الحازمة الحاسمة.
تلوح الدّويرات معلّقة على جبل مرتفع وتسري في الأبدان رعدة حينما يروي مرافقنا من أبناء المنطقة قصّة «جبّانة» كبيرة مجاورة لها قبل رحلة الصّعود إلى «الدّويرات» هلك أهلها جميعًا بالطّاعون ليدفنوا في هذا المكان الذّي كانوا ذات يوم ساكنيه.
كان يمكن أن نكون في مكان مماثل غير بعيد عنهم عندما احتكّ سائق الحافلة الأرعن بالسّور المنخفض جدّا للجرف الخطر عند مغادرة منطقة «الرقود السبعة».. سنتيمترات ربّما لم تتجاوز الأربعين هي عرض سور الهفهوف الذّي لا يوجد وراءه إلاّ الوادي السّحيق، وها نحن نقترب مرّة أخرى لنصبح على حافّة اليقين.. ترى هل مازال الطّاعون يسكن باطن تلك الأرض الموحشة؟
هناك من يُرجع تاريخ إنشاء الدّويرات إلى 2000 عام، لكنّ الأرجح أنّها أسّست منذ سبعة قرون في القرن الرّابع عشر الميلادي، وأنّ الذّي أسّسها «غازي بن ذويب» وإليه ينتسب جميع الدّويرات في تطاوين، وحسب الوثيقة التّي يحتفظ بها السّكّان يرجع نسبهم إلى الأدارسة بالمغرب الأقصى، حيث قدم جدّهم إلى تونس مرابطا في سبيل الله لمقاومة المدّ الشّيعي آنذاك، وتلك الوثيقة مصدّق عليها من نقيب الأشراف وإمام الجامع الأعظم «الزّيتونة» في تونس سنة 1969 «حسب د/ مصدّق بالهادي». ويذهب البعض إلى القول بأنّ «الدّويرات» هي جمع للدّيار الصّغيرة والتّي يقال إنّ أوّل من أسّسها «غازي أبوكنانة»، الدّويرات ومفردها دويري.. كما الذّهيبات ومفردها ذهيبي، والشّهيدات ومفردها شهيدي، والعجيلات ومفردها عجيلي.. إلخ. ويتساءل صاحب هذا الرّأي: ولماذا لم يسمّ أهالي شننّي أو تكريف أو باطوس هكذا ومساكنهم صغيرة بنفس الحجم؟ ويضيف: قد يكون لهذا الاسم علاقة بنطق المفرد في هذه المناطق كما في «أيد حريز» و«أيد عمر» وهكذا تكون «أيد ويرات»؟
ويمكنك أن ترى بوضوح ما تبقّى من قصر الدّويرات القديم والذّي يقال إن عدد غرفه كان يبلغ 170 غرفة لكامل منتسبي القبيلة، وهو اليوم شبه مهدّم من جرّاء قصف المدفعيّة الفرنسيّة الإجرامي للسكّان الآمنين في أوائل سنوات الاستعمار لقمع مقاومة الثّوار من الأهالي، حيث أرسلوا إليهم أكثر فرق الجيش الفرنسي انحطاطا وإجراما والتّي تعرف بـ«الجويّو» وكانت تلك الفرقة بمنزلة المنفى للجنود المشاغبين والمتمرّدين الذّين يتمّ إرسالهم إلى الصّحراء القاحلة والظّّروف المناخيّة القاسية ليضربوا عصفورين بحجر واحد، الأوّل هو عقاب أولئك السّفلة من الجنود، والثّاني هو العقاب الجماعي لسكّان البلاد الذّين يفرغ فيهم أولئك الطّائفة المنحرفة من العسكر كلّ حنقهم وعقدهم الإجراميّة دون مساءلة تذكر وهي من الممارسات المنحطّة التّي اشتهر بها الاستعمار الفرنسي عبر العصور.
وتذهب بعض الآراء إلى أنّ أوّل من بنى القصر هم «البربر - الأمازيغ» على عكس ما يعرفه البعض، لكنّ الأمر الذّي لابدّ أن يعتنى به في تونس بشكل عام هو مسألة ضعف حركة التّوثيق وصعوبة الحصول على المعلومات من مصادر معتبرة، وممّا يثير الدّهشة أنّ الكثير من الوثائق الخاصّة بتونس موجودة لدى فرنسا، سواء التّي تمّ الاستيلاء عليها في فترة الاستعمار أو الخرائط والوثائق التّي دوّنوها خلال فترة استعمارهم لتونس، لكنّ هذه الوثائق ليست بحوزة الدّولة التّونسيّة، وهناك من يرجع الأمر لعدم وجود مساع حقيقيّة وإرادة صادقة للحصول عليها.. فيما يزعم البعض الآخر أنّ فرنسا ترفض إعطاء تونس تلك الوثائق التّي تخصّها!
بضع غرف تبقت من المساكن البربريّة القديمة تحوّلت إلى فندق تابع لجمعيّة صيانة المدينة دون تدخّل كبير اللّهمّ إلاّ بالنسبة للكهرباء ودورة المياه، بينما تركت بقيّة الغرف مهدّمة على حالها وتحوّلت عدّة غرف تعلو الفندق إلى مطعم صغير ومقهى بجوار المسجد الجميل، فيما هاجر جلّ السكّان إلى «الدّويرات» الجديدة أسفل المدينة القديمة التّي تمّ تشييدها بعد الاستقلال لكي تكون الحياة أيسر بالنّسبة للقاطنين.
أودّع صديقتي الأمازيغيّة «حسنة» أو «تمتّط حسنة» عضو جمعيّة صيانة المدينة وإحدى المشرفات على الفندق البربري على أمل اللّقاء قريبا في عودة للإقامة لبضعة أيام في هذا المكان، لكنّ النّظر من أعلى إلى جهة اليمين، حيث «جبّانة الطّاعون» الكئيبة أسفل الوادي يجعلني أتردّد في الإقامة هنا خاصّة عندما يسدل الليل أستاره على المكان الذّي تضعف فيه شبكات الاتّصال اللاّسلكي، إلاّ أنّ وداعة «تمتّط حسنة» تجعل الأمر مطمئنا، حيث تسكن أسفل الفندق غير بعيد عن المكان وتعد بأنّها ستوصي المقهى والمطعم بالاعتناء بنا بحيث تكون سهرة الليل مؤنسة.
سلّمت من جديد على «تمتّط حسنة» و«تمتّط» تعني في اللّغة الأمازيغيّة «السيّدة» فيما ينادى الرّجل بـ«أريس.. فلان» و«أريس» بالبربريّة السيّد.. ترى هل جاءت منها كلمة «الريّس» التّي تستعمل في المشرق وينادى بها البحّارة؟ لم يعرف عن الأمازيغ خوض غمار البحر لكنّ ربّما نقلها الفينيقيّون الذّين استوطنوا تونس الخضراء وسكنوا سواحلها السّاحرة.
قصر أولاد دبّاب
في طريق عودتنا كان لابدّ من زيارة «قصر أولاد دبّاب» المبني على الطّريقة البربريّة وبنفس الحجم كغرف للسّكن تعلوها غرف أخرى لتخزين الزّيت والتّمر والقمح والشّعير.. إلخ. يتمّ الصّعود إليها عن طريق أحجار متدرّجة غرست في الحائط الواقع بين الغرفتين السفليّة والعليا تستخدم كسلّم، وعلى الرّغم من أنّ «أولاد دبّاب» يرجعون بالنّسب إلى عرب بني هلال كما يقول بعض أبناء الولاية، فإنه يبدو أنّ العرب الذّين سكنوا المنطقة اعتمدوا نفس طريقة البناء البربريّة التّي تعتمد على الغرف المحفورة في الجبال والتّي توفّر الدّفء شتاء والجوّ الرّطب صيفا بما يتلاءم مع طبيعة الطّقس في تلك المنطقة.
تحوّل جزء من قصر «أولاد دبّاب» المتّسع إلى مقهى ومطعم كبيرين، تتخلّل أسواره مجسّمات لديناصورات وتماسيح وزواحف وإبل ضخمة، بينما ترك جزء آخر متداعيًا تمهيدا لإصلاحه وتحويله إلى فندق بعد أن اشتراه أحد المستثمرين الأثرياء من أصحابه الأصليين الذّين نزلوا من على السّفح ليشيّدوا فيلاّت فخمة تلتوي أعناقها إلى أعلى نحو قصر الأجداد الذّي يقابلها في القمّة، لكنّها حتما سترتعد فرقا أمام عيون العقاب الضّخم الذّي ينظر تمثاله شذرا نحو الوادي الذّي لن يرى من ساكنيه إلاّ مجرّد فرائس سهلة لم تستطع أن تحاكي عظمة الأجداد.
نعود من حيث أتينا إلى الفندق في مدينة تطاوين موقنين بأنّ سكون الصّحراء وصمتها الظّاهر ليس إلاّ غلافا سميكا مخاتلا كالحرباء يخفي حركة لا تهدأ وأصوات لا يدركها أو يسمعها إلاّ العارفون.. لكنّ الأمر المؤكّد لمن استوعب الدّرس أنّ الجبال المحيطة بتطاوين مليئة بآلاف العيون الأخرى غير عيون الماء تراقبنا لتسبر أغوار القادمين لتعرف إن كانوا أعداء أم أحبّة.. عيون لبشر وكائنات أخرى ربّما تفتح بابا لنوع جديد من السّياحة الميتافيزيقيّة لهواة الماورائيّات من بين هذه الكائنات كما يزعم بعض الأهالي الجان الذّي يطلق عليه أهل الصّحراء «النّاس الأخرى» لكنّك لن تميّز أجناس تلك الكائنات التي تتقافز أو تسري بهدوء ليلا ونهارا بين الجبال التي تطوق المدينة والوديان التي تتخللها أو تسمع لها ركزا، اللهمّ إلاّ إن بقيت طويلا هنا في تطاوين التي تتدفق من باطنها يوما بعد الآخر حياة كانت حبلى بها لقرون لتهمس لك بأسرار مكان للبوح فيه وعنه أمارات وشروط...
 خالد سليمان



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق