الجمعة، 17 يناير، 2014

• من آثار الأدب الأندلسي في الأدب الإسباني


رحلة التسول من مقامات السرقسطي إلى القصص البيكارسكية
لم يكن يخطر ببال بديع الزمان الهمذاني (ت398هـ) مبتكر فن المقامة، وهو من أكثر فنون النثر العربي أهمية وطرافة، أن تطير مقاماته بأسرع من البرق إلى أصقاع الأندلس، فتسلب ألباب الأندلسيين، فيضع الأديب الأندلسي الكبير ابن شهيد (ت 426هـ) رسالته الشهيرة «التوابع والزوابع» مستوحاة من مقامته «المقامة الإبليسية»، حيث تقوم هذه الرسالة على لقائه بشياطين الشعراء في وادي الجن، ومن بينهم شيطان بديع الزمان الهمذاني نفسه.

وفي الأندلس نفسها برز ثلاثة كتاب للمقامة هم أبو حفص عمر بن الشهيد (ت بعد 440هـ)، وأبو الوليد محمد بن عبد العزيز المعلم أحد وزراء المعتضد أمير إشبيلية، وأبو محمد بن مالك القرطبي، والثلاثة ذكرهم ابن بسام في كتابه «الذخيرة»، غير أن مقاماتهم تخلو من عنصر ذي أهمية قصوى وهو التسوُّل الذي يعد العمود الفقري للمقامة، ولذلك فهي أشبه بالرسائل.
ويبدو أن الأندلس لم تكن مهيأة لتقبل موضوع «التسول» أيام هؤلاء، ولم يكن ابن شهيد ممن وقعوا في إساره، فخلت رسالته منه كما خلت منها مقامات هؤلاء، حتى جاء الحريري (ت516هـ) فشغلت مقاماته الناس ودوَّتْ في الآفاق، وسمع بها الأندلسيون، فقصد جماعة منهم الرجل فأخذوها عنه خلال وفودهم على المشرق، وتصدوا لحفظها وشرحها وتدريسها بعد عودتهم إلى الأندلس، وسرعان ما لقيت الشيوع والذيوع والإقبال من لدن الدارسين ومتذوقي الأدب، بل لقد نسج على غرارها أدباء أندلسيون كبار، مثل السرقسطي (ت 538هـ) الذي وضع مقاماته الخمسين على عدد مقامات الحريري.
وإذا كان لمقامات الحريري بطل يحرك الأحداث هو «أبوزيد السروجي» وراوٍ يرويها هو «الحارث بن همام»، فإن لمقامات السرقسطي بطلًا هو «الشيخ أبو حبيب» وراويًا هو «السائب بن تمام»، وتقوم المقامات جميعًا على موضوع التسول واستحصال الأموال والمطاعم من أيدي الناس بالحيلة والخداع، ولكن في إطار من التشويق القائم على البلاغة والفصاحة الخلابة والأسلوب القصصي الذي يشيع فيه الحوار.
القصص البيكارسكية
وكما لم يكن يخطر ببال بديع الزمان الهمذاني والحريري معًا، أن يطير ذكرهما في آفاق الأندلس، وأن يجد فن المقامة هذا الصدى فيها، لم يخطر ببال السرقسطي أن يتأثر الإسبان بهذا النمط من التأليف، وأن تجد مقاماته أبلغ الصدى في نفوسهم، فيضع بعض المؤلفين قصصًا تحذو حذوها وتقتفيها جملة وتفصيلًا، فينشأ في الأدب الإسباني فن جديد سُمـّــِيَ بـــــ «قصص البيكارسكا»، ويمكن تسميتها بـــ «القصص البيكارسكية»، وهي باللغة الإسبانية « Novela Picaresca» ، ومعناها بعيدًا عن الحرفية في الترجمة: قَصَص التشرد... التشرد الذي يلازم التسكع والتسول واستحصال الأموال والمطاعم بالحيلة وحسن البلاغة والموعظة، كما هي الحال في مقامات السرقسطي.
تقوم القصص البيكارسكية على موضوع التسول، ولها بطل على غرار البطل في مقامات السرقسطي التي عرفها الإسبان، يسمى «البيكارو» Picaro وهو في الغالب شخص من أصل وضيع يعيش في بيئة قاسية ويعاني آلام الجوع والبطالة، غير أنه يستعين عليها بالتسول متوصلًا إليه بالحيل والمكر وخداع البسطاء والسذج، ويؤثر البطالة على العمل الشريف.
كما تهيمن على هذه القصص صبغة الوعظ والإرشاد على الرغم من أن البطل نفسه مَنْ يستحق وعظًا وإرشادًا، لولا أنه يرى أن ما وضعه في هذه الحال إنما المجتمع الذي هو فيه، فيعدّ ذلك قدرًا من الأقدار التي ليس له منها بد، وكل ذلك يجري في إطار من التندر والسخرية والهجاء، بقصد الإضحاك من خلال المبالغة في تصوير العيوب على نحو كاريكاتوري، وقد يأتي مشبعًا بالتشاؤم والنكوص، على أن «البيكارو» هذا لا يجرؤ على مهاجمة أصحاب السلطة كجرأته على إعلان كرهه لزملائه المتسولين المشردين. ولا شك في أن هذا النوع من الأدب الإسباني كان له الأثر الكبير في الكشف عن عيوب المجتمع الإسباني، من حيث هيمنة الطبقية، والفروق الشاسعة بين الأغنياء والفقراء في المجتمع، من خلال توجيه النقد المباشر أحيانًا، وغير المباشر في أغلب الأحيان، واتسامه بقدر كبير من الواقعية.
وهكذا يبدو أن القصص البيكارسكية الإسبانية ابتدأت من حيث انتهت إليه المقامة الأندلسية من حيث التأنق في الأسلوب والاهتمام ببلاغة التعبير، وشيوع عنصر الحوار، والتشبث بالنقد والوعظ والحكمة، فضلًا عن الأسلوب القصصي الساخر، والمعتمد على البطل والراوي، واتخاذ التسول موضوعًا أساسيًا لها.
لمحة تاريخية
طبعت أول قصة بيكارسكية إسبانية في العام 1553 لكاتب مجهول تحمل عنوان «حياة لاثاريو دي تورميس» La vida de Lazarillo Tarmes، وهي حياة بائسة لمتسول صغير اسمه لاثاريو يوجه نقدًا لاذعًا للمجتمع، ويعبر عن انحلاله وشيوع الجشع والأنانية فيه، من خلال بؤسه وشقائه ومعاناته للتسول من أجل الاستمرار في الحياة، وقد لقيت هذه القصة شيوعًا في الأوساط الثقافية الإسبانية وطبعت في ما بعد عشرات المرات.
ويبدو أن المجتمع الإسباني أقبل إقبالًا شديدًا على هذا النوع من القصص، جعل كتابًا آخرين يعالجونه، ويستمرئون موضوعه، مثل ماتيو أليمان Mateo Alman (1547-1614) وهو من مدينة إشبيلية، وقد نشر الجزء الأول من قصته في العام 1599 والجزء الثاني في العام 1605. وفي العام نفسه نشر الطبيب الطليطلي فرانسسكو لوبث دي أوبيدا Francisco Lopez de Ubeda رواية «خوستينا المتشردة» La Picara Justina .
وتتوالى القصص والروايات التي يشيع فيها طابع اللصوصية والتسول واستحصال الأموال والمنافع بالحيلة والمكر والخداع في الأدب الإسباني، ويبرز فيها البيكارو، ونستطيع الإشارة في هذا الصدد إلى شخصية ساتشو التي رسمها كاتب عظيم من كتاب الأدب الإسباني وهو ثيرقانتس في روايته «دون كيخوته».
وفي العام 1619 طبعت في باريس رواية من هذا النوع تحت عنوان La desorenada codicia los bienes ajenos ومعناها الطمع في مال الآخرين منسوبة إلى الدكتور كارلوس غرسيه Carlos Garcia وهي أشبه بمذكرات لص محتال يقص أخبار مغامراته، وينوه فيها بحرفة اللصوصية، ويدافع عن المشتغلين بها أحر الدفاع. ولا شك في أن موضوع الرواية مستمد من أجواء القصص البيكارسكية الإسبانية التي تمتد جذورها إلى مقامات السرقسطي العربية الأندلسية.
ومن هنا يبدو واضحًا أن لهذا النمط من القَصَص تأثيره أيضًا في الأدب الأوربي عامة من خلال ترجمة الروايات الخاصة بالتسول واللصوصية من اللغة الإسبانية إلى معظم اللغات الأوربية، وقد وجد الأوربيون فيه جدةً وطرافة ولونًا تعبيريًا مختلفًا اتسم بعناصر غنية تكون الواقعية والشعبية والتشويق من أكثرها أهمية، وقد يتبادر إلى أذهاننا هذا السؤال:
- هل العرب وحدهم مَن فتح باب التسول والتشرد والصعلكة أمام الأدب الروائي الغربي؟.
مقداد رحيم





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق