الأربعاء، 22 يناير، 2014

• تكنولوجيا النانو ثورة صناعية جديدة

يُعرِّف البعض التكنولوجيا Technology بتحويل النظريات العلمية لواقع عملي يخدم أهدافاً معينة تسهم في خدمة ورفاهية البشرية، فقد بقيت نظرية ماكسويل الكهرومغناطيسية (وهي نظرية مهمة في الفيزياء) حبرًا على ورق...

 إلى أن جاء العالم الإيطالي ماركوني في بداية القرن الماضي وأرسل أول رسالة لاسلكية، مستخدما نظرية هذه الأمواج، ثم تطورت الاتصالات اللاسلكية بفعل تقدم العلم والتكنولوجيا ووصلت إلى ما وصلت إليه في الوقت الحاضر ونعرفه جميعا. وقد لا توظف التكنولوجيا دائما لخدمة البشرية، ففي حالة العلاقة بين الكتلة والطاقة، حسب نظرية آينشتاين النسبية، فإن الطاقة الناتجة عن تحوّل الكتلة قد تكون طاقة كهربائية نستخدمها في منازلنا ومصانعنا، أو طاقة مدمرة عند استخدامها في تصنيع الأسلحة النووية.
أما «النانوnano» فيعني في اللغة اليونانية القديمة القزم، وفي المصطلحات العلمية فإن النانو يساوي واحدًا من بليون (ألف مليون)، وهكذا فإن النانومتر يساوي واحدًا من بليون من المتر: ولنتخيل صغر هذه المسافة التي تستخدم بكثرة في الدراسات الذرية والنووية، فإن المليمتر الواحد (أصغر تدريج على مسطرة عادية) يساوي مليون نانو متر.
إن مصطلح تكنولوجيا النانو Nanotechnology الذي بدأ استخدامه في منتصف سبعينيات القرن الماضي وشاع واشتهر بعد ذلك، يعني تصنيع وفهم سلوك مواد غاية في الصغر لا تزيد أبعادها على مائة نانومتر، دقتها عالية جداً على المستوى الذرّي. إن هذه المواد الجديدة حالة وسطية بين الذرّة التي تعالجها قوانين الفيزياء الحديثة بتقنيات صعبة، تعرف بميكانيكا الكم أو ميكانيكا الأمواج، والمواد العادية التي تعالجها الميكانيكا الكلاسيكية أو ميكانيكا نيوتن المعروفة. لقد تبين للعلماء أن خواص هذه المواد تختلف عن خواص المواد الأم الأصلية، وتعتمد بصورة كبيرة على حجم أو أبعاد هذه المواد، فمثلا إن خواص مادة نانومترية من السيليكون تختلف عن خواص السيليكون المعروفة المستخدمة في صناعة الخلايا الشمسية والكمبيوتر. وقد تعني تكنولوجيا النانو للبعض تصنيع أجهزة وروبوتات وأدوات غاية في الصغر والدقة ولا تُرى بالعين المجردة، ويمكن استخدامها في تطبيقات كثيرة وعلى الخصوص لمعالجة الأمراض داخل الجسم. إن هذا التصور لتكنولوجيا النانو مازال بعيد المنال ونوعًا من الخيال العلمي في الوقت الحاضر قد يتحقق في المستقبل.
لقد أنتجت تكنولوجيا النانو أنواعًا كثيرة من المواد الجديدة التي ستغير طريقة حياتنا في المستقبل، وسوف نركز هنا على نوعين مهمين من هذه المواد، هما أنابيب النانو Nanotubeوالنقط الكمية Quantum Dots التي بدأ استخدامها في التكنولوجيا والصناعة في السنوات الأخيرة بصورة بسيطة أولية.
أنابيب النانو:
درس العلماء خصائص طبقات رقيقة جدا من الكربون نظريا في منتصف القرن الماضي. وأعتقد في ذلك الوقت بأنها غير مستقرة ولا يمكن تحضيرها عمليا. وتبين أن ذرات الكربون يمكن أن تترتب بصورة مختلفة عن تلك التي تعطي الجرافيت (الموجود في قلم الرصاص) والماس (الكربون البلوري). واكتشف العالم الياباني إيجما شيئا مشابها ولكن على صورة أنابيب عرفت بأنابيب النانو الكربونية. لقد اكتشف أن  ذرات الكربون تترتب بأشكال سداسية حيث تتصل أو ترتبط كل ذرّة بثلاث ذرات قريبة وتشكل أنبوبًا مفرغًا .. إن نصف قطر هذا الأنبوب الكربوني أقل من نانو متر، أما طوله فيصل لحوالي مائة نانو متر أو أكثر من ذلك. ويمكن اعتبار سطح الأنبوب غشاء رقيقًا sheet من ذرات الكربون السداسية بسمك ذرة واحدة. وقد تكون أنابيب النانو أعقد من ذلك، وتتكون من عدة أنابيب متداخلة ومشتركة في المحور، يتراوح قطرها في هذه الحالة ما بين  30و3 نانومتراً. ورغم دقتها المتناهية فإن أنابيب  نانو الكربون أقوى من الصلب بأكثر من مائة مرة.
تعتمد خواص أنابيب النانو الضوئية والكهربائية والحرارية على هندستها، أي على ترتيب الذرات والعلاقة بين نصف قطرها وطولها، ويمكن بالتالي تصنيع أنابيب بخواص مختلفة حسب الطلب. لقد أثارت هذه الخاصية اهتمام كثير من العلماء وأصبحت بالتالي مجالا خصبا للأبحاث التي ينشر منها الآلاف سنويا.
إن بعض أنابيب النانو جيدة التوصيل للتيار الكهربائي، بل وتوصيلها أفضل من النحاس، بينما بعضها الآخر (بسبب ترتيب الذرات على السطح) شبه موصل للكهرباء مثل السيليكون. ويعتقد البعض بأنه يمكن استخدامها مستقبلا في الدوائر الإلكترونية وخاصة في أجهزة الحاسوب. ويمكن بذلك تصنيع حواسيب أصغر كثيرًا من الحالية وأسرع، لأن ترانزستورات أنابيب النانو (ترانزستورات النانو) أصغر بمئات المرات من الترانزستورات الحالية. وعملت شركة «IBM» المشهورة على صناعة ترانزستور من أنابيب نانو الكربون لا تزيد أبعادها على (9) نانومترات وتغلبت على مشاكل فنية تمهد الطريق لصناعة دوائر تكاملية (Integrated Circuits) من هذه الترانزستورات. وقد تمكنت مجموعة من الباحثين في جامعة ستانفورد (Stanford) الأمريكية حديثا (سبتمبر 2013) من صناعة حاسوب ( أطلق عليه اسم Cedric) يعمل بصورة كاملة على أنابيب نانو الكربون. ورغم أن قدرات هذا الحاسوب بسيطة إلا أنه يمكن أن يطور في المستقبل ليكون أصغر وأسرع كثيرا وكفاءته عالية مقارنة مع حواسيب السيليكون الحالية. ويعتقد البعض بأن نهاية حواسيب السيليكون أصبحت الآن قريبة. ويوجد رغم ذلك مشاكل فنية كثيرة يجب التغلب عليها قبل تصنيع كمبيوترات نانومتر الكربون بصورة تجارية.
ويعمل كثير من الباحثين في الوقت الحاضر لاستخدام أنابيب النانو  في خلايا الوقود (الطاقة) وشاشات العرض الكبيرة والمجسات الحساسة Sensors والطب. ففي مجال الطب يحاول العلماء استخدام هذه الأنابيب للقضاء على الخلايا السرطانية في الجسم بصورة انتقائية دون التأثير في الخلايا السليمة. فقد ربط العلماء في تجارب أولية حامض الفوليك Folic Acidوأنابيب النانو معاً، وحيث إن الخلايا السرطانية تحتوي على مستقبلات حامض الفوليك فإن أنابيب النانو تلتصق بها دون الخلايا السليمة. والمعروف أن أنابيب النانو الكربونية تمتص الأشعة تحت الحمراء القريبة near IR، مما يؤدي لارتفاع في درجة حرارتها. وعند استخدام مصدر لهذه الأشعة فإن الطاقة الإشعاعية الحرارية التي تمتصها أنابيب النانو تؤدي لارتفاع كبير في درجة حرارة الخلايا السرطانية مما يؤدي لحرقها وقتلها دون أن تتأثر الخلايا السليمة. ويعتقد بعض العلماء أيضا بأنه يمكن استخدام أنابيب النانو لحقن الخلايا المريضة بالدواء المناسب دون التعرض للخلايا السليمة. إن آفاق استخدام أنابيب النانو في المستقبل أكثر من أن تحصى، وستغير هذه التكنولوجيا الجديدة هندسة المواد بصورة كبيرة وتنتج مواد عملية واقتصادية جديدة يعتقد بأنها ستؤثر بصورة كبيرة في حياة الناس خلال هذا القرن لدرجة لا يستطيع أن يتوقعها أحد.
لقد تمكن باحثو جامعة مانشستر من تحضير الجرافين (Graphene) عام 2004، وهو طبقة رقيقة جداً سُمكها ذرّة واحدة من الكربون، ويشبه تركيبه جدار أنبوب كربون النانو. ولأهمية البحث فقد حصل الباحثون على جائزة نوبل في الفيزياء بعد ذلك بستة أعوام. وللجرافين تطبيقات كثيرة أهمها استخدامه في تنقية المياه من الشوائب حيث تنفذ جزيئات الماء من الفتحات السداسية بينما تعلق أو تلتصق المواد الكيميائية والزيوت والملوثات الأخرى بالغشاء. ويمكن تنظيف الغشاء واستخدامه أكثر من مرة. ويعتقد العلماء بأن هذه التقنية ستساعد في الحصول على مياه نقية للشرب خاصة في الدول الفقيرة.
نقاط الكم Quantum Dots:
نقاط الكم (أو بلورات النانو Nano Crystals كما يطلق عليها البعض) عبارة عن بلورات تكون غالبا كروية الشكل وتتكون من عدد محدد من الذرّات (10-20 ذرة) من مركبات غير عضوية خاملة ومستقرة. يتراوح قطر النقطة الواحدة منها ما بين (10,2) نانومتر، علما بأن قطر الخلية الحيوية يساوي في المتوسط حوالي ألف نانو مترات، وبالتالي فإن نقطة الكم أصغر بمئات المرات من الخلية الحيوية. إن هذه النقاط صغيرة جدا لدرجة أن فقدانها لإلكترون أو زيادة إلكترون لها يغير من خواصها. ويمكن لهذه النقاط أن تعمل عمل ترانزستورات السيليكون العادية، وبالتالي فإن العلماء يحاولون استخدامها في الجيل الجديد من أجهزة الحاسوب المتوقع أن تكون غاية في الصغر والسرعة. ولقد أثبت العلماء أن هذه النقاط يمكن أن تتبادل المعلومات فيما بينها إذا كانت المسافة بينها أكبر قليلا من نصف قطرها. وتتبادل نقاط الكم المعلومات بواسطة أشعة الضوء التي تزيد سرعة الحاسوب وتقلل كذلك من مشكلة الحرارة الناتجة في الوقت الحاضر بسبب استخدام التيار الكهربائي في نقل المعلومات بين الترانزستورات العادية. وقد تمكن العلماء حديثاً من عمل ترانزستورات نقاط كم  مكونة من سبع ذرّات فقط، علما بأن الترانزستورات الحالية مكونة من ملايين الذرات.  ويحاول العلماء في الوقت الحاضرعمل ترانزستور من ذرّة واحدة. ستؤدي هذه التطورات لظهور جيل جديد من الكمبيوتر يمتاز بصغر حجمه وسرعته الفائقة يطلق عليه البعض اسم كمبيوتر الكم  Quantum Computer .
تحدد الخواص الضوئية لنقاط الكم من خلال نوع الذرات وحجم النقطة أيضا، ويمكن بالتالي تصنيع نقاط كم بخواص ضوئية مختلفة من نفس نوع الذرات. ويتناقض هذا مع ما كان معروفا من أن الخواص الضوئية تتحدد بنوع المادة ولا علاقة لهذه الخواص بحجمها. وتعتبر هذه الخاصية في غاية الأهمية، حيث يمكن تغيير عرض شريط التردد Band Width للنقطة من خلال ضبط نصف قطرها فقط. ويختلف هذا بصورة جذرية عن خواص الترانزستورات العادية التي تحدد خواصها بنوع ذرتها ولا يمكن تغيرها بسهولة. وتجري أبحاث نشطة في الوقت الحاضر لاستخدام نقاط الكم في إنتاج وتوليد التيار الكهربائي في ما يعرف بمضخة الإلكترون الكميةQuantum Pump Electron، ويمكن الحصول على هذه المضخة بحجز أو حبس ذرة مفردة من مادة معينة داخل نقطة كمية. وتحت ظروف معينة فإن هذه الذرة يمكن أن تنتج شحنات كهربائية (الكترونات أو تيار كهربائي) يتم التحكم بها من خلال مجال مغناطيسي خارجي. ويحاول العلماء حاليا وصل مجموعة من هذه النقاط معا لإنتاج تيار كهربائي من دون تلوث. إن الأبحاث في هذا المجال مازالت في بدايتها ويتوقع العلماء بأنه يمكن بهذه الطريقة تصنيع مولدات للتيار الكهربائي لا تحدث أي تلوث في البيئة.
ويمكن استخدام نقاط الكم في تطبيقات أخرى كثيرة، أهمها في مجال الطب، مثل التصوير الطبي ومكافحة خلايا السرطان وكذلك يمكن استخدامها لزيادة كفاءة الخلايا الشمسية التي تحول ضوء الشمس إلى كهرباء، وقد تمكن العلماء من مضاعفة كفاءة الخلايا الشمسية بهذه الطريقة. ويمكن استخدامها أيضا لتحسين وزيادة قدرة المصادر الضوئية الجديدة المعروفة باسم (LED). إن نقاط الكم حديثة العهد ومازالت مجال أبحاث كثيرة وهي متوافرة بصورة تجارية وبخواص ضوئية تحدد حسب الحاجة.
لقد تمكنت مجموعة بحث من جامعة أوريغون (Oregon) بالولايات المتحدة الأمريكية حديثا (2013) من تطوير طريقة جديدة لعلاج سرطان الرئة الذي يعتبر من أكثر الأمراض فتكا بالإنسان. تمتاز الطريقة الجديدة التي استخدمت تكنولوجيا النانو بزيادة تأثير الدواء على خلايا السرطان وتقليل الضرر الناتج في الخلايا السليمة لحده الأدنى. مزج الباحثون دواء السرطان على صورة جسيمات نانومترية مع جزيئات (RNA) التي تعمل على وقف مقاومة خلايا السرطان للدواء. لقد جربت هذه الطريقة على الحيوانات بنجاح باهر وهي بحاجة لمزيد من الأبحاث قبل نقلها وتطبيقها على الإنسان. إن تكنولوجيا النانو مازالت في بدايتها ويعتقد بأنها ستؤدي إلى ثورة صناعية جديدة.
لقد أنفقت الولايات المتحدة الأمريكية حوالي (8) مليارات دولار في عام 2004 على الأبحاث الخاصة بتكنولوجيا النانو. وقد سجل فيها أكثر من (13) ألف براءة اختراع لها علاقة بهذه التكنولوجيا في عام واحد. ويتوقع رجال الاقتصاد أن تصل مبيعات هذه التكنولوجيا عام (2015) لأكثر من تريليون (مليون مليون) دولار. ويعتقد بأن الإنفاق على الأبحاث سيزداد خلال السنوات القادمة، ويدل هذا على مدى أهمية وتأثير هذه التكنولوجيا الجديدة في الصناعة والحياة البشرية في المستقبل.
فخري حسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق