الاثنين، 3 أكتوبر، 2016

• رسَالة إلى مجهول... نهاية غير سعيدة

سيدي:
صدقني إذا قلت لك إنني كنت واثقا من هذه النهاية التي انتهيت إليها، وهي من غير شك نهاية غير سعيدة، لم تكن تريدها لنفسك ولم يكن أحد من الذين كانوا يقدرونك في الماضي يريدها لك. ولكنك آثرت بعناد وإصرار أن تسلك الطريق الذي لا يؤدي إلى غير هذه النهاية...

ورغم أن هذا الطريق سلكه غيرك وقبلك كثيرون وانتهى بهم إلى ذات النهاية لكن يبدو أن الإغراء كان أكثر من طاقتك وأنك كنت تعتقد أنك أكثر ذكاء وأكثر حصافة وأكثر مقدرة على تجنب تلك النهاية التعسة، ولكن تبين لك ولنا جميعا بعد فوات الأوان أنك كنت واهما فيما اعتقدت وكنت مخطئا فيما قدرت، وأنك لم تكن إلا مطية امتطاها غيرك لكي يحققوا بعض أغراضهم ولكي يصلوا إلى بعض مآربهم، ولكي يشركوك كما أشركوا الذين من قبلك في بعض الفتات ضمانا لولائك وطاعتك واستعمالا لبلاغتك وفصاحتك، فلا من أحد ينكر مدى ما تتمتع به من بلاغة وفصاحة.
وقد بدأت ذلك الطريق مبكرا، وكنت تظن، وكان الكثيرون يظنون معك أن الأمر أمر مبادئ وقيم ومعتقدات، وانطلى عليك كما انطلى على غيرك ما قيل من أن الغاية النبيلة تبرر الوسيلة التعسة، وفاتك كما فات غيرك أن السوء لا يفضي إلا إلى سوء، وأن الشر لا ينبت إلا شرا.
وسبقك غيرك إلى ما كنت ترى نفسك أحق به وأولى، وزادك ذلك مرارة ودفعك أحيانا إلى الانطواء على نفسك، تندب حظك ولكن سادتك كانوا من الذكاء بحيث لا يتركونك إلى اليأس الكامل، فقد كانوا بين وقت وآخر يشيرون إليك ويلوحون ببعض الأمل أو يمنونك ببعض الأماني، وكان لعابك يسيل لذلك ويدفعك إلى أن تنفض عنك مرارة اليأس وكآبة الانطواء، وتقبل مستعدا لأداء خدماتك، وتقدم بين يدي ذلك كله بعض بلاغتك ومحسنات ألفاظك تزجيها بغير حساب منتظراً ما قد يلقى إليك من طعم أو جزاء.
ومرت عليك فترات قاسية، ولفك ظلام كثيف وكان بعض الذين اعتلوا خشبة المسرح يعرفون قدراتك، ولذلك كان همهم أن يبقوك دائما بعيدا عن حلبة المنافسة ذلك أنهم لم يكن يعنيهم - كما لم يكن يعنيك - صالح عام أو مبدأ، وإنما كان الذي يعنيهم ويهمهم الهم كله أن يبقوك بعيدا عن نظر السادة وانتباههم حتى لا يلتفتوا إليك أو يفكروا فيك أو يلجأوا إليك في أمر من الأمور، ولم يكن يعنيهم هذا فحسب وإنما كان يعنيهم أكثر من ذلك أن يسيئوا إليك وأن يشوهوا صورتك لدى سادتك وسادتهم حتى يخلو لهم الملعب فينالوا منه ما يشاءون، ونجح هؤلاء في ذلك نجاحا غير قليل.
ولكنك لم تيأس أبدا ولم تفقد الأمل.
وجاءت قارعة زلزلت الأرض زلزالا، وغيرت وجوها بوجوه، ولكنها لم تصل إلى أن تغير نظاما بنظام، فقد بقي كل شيء على حاله، وبقيت قواعد اللعبة هي هي وإن تغير بعض كبار اللاعبين.
وعادت إليك الاحتمالات من جديد وأحسنت من جانبك استغلال الفرص، وهكذا دُفع بك إلى مقدمة الصفوف واعتليت من المنابر ما آلمك كثيرا أن اعتلاه من كانوا في رأيك دونك قدراً وفصاحة ومقدرة على التفسير والتبرير.
وبلغت من السعادة مبلغا، واعتقدت أن الدنيا قد دانت لك وأسلمت قيادها، وبالغت في إرضاء سادتك ولم تتعفف عن نفاق أو مداهنة، ولم تتورع عن تزييف ما أريد لك أن تزيفه وأعلنت صحة ما توقن بينك وبين نفسك جازما بعدم صحته، وحاربت بشراسة ما كنت تدعو إليه وتبشر به، واضطرب أمرك اضطرابا شديدا أمام الناس وأمام خلصاء الأمس. ولكن مع ذلك ورغم ذلك فإن الأمور بالنسبة لك كانت واضحة وضوحا ناصعا: إنك لا تريد أن تعود إلى الظلام من جديد. وإنك تريد أن توسع من هذه البحبوحة التى أتيحت لك بعد طول حرمان وأن تدعم لها وتمكنها لك ولمن يلوذون بك لا يعنيك في تحقيق ذلك سند أو مبدأ أو أساس أو ما يقول له السذج أحيانا مشروعية.
وإنك سعيد السعادة كلها بهذا الهيلمان وذلك السلطان والصولجان، وأنت تعلم أن مصدر ذلك كله هو رضا سادتك عنك ولا يعنيك حتى إن غضب عليك الناس جميعا، وبرم بك الناس جميعا وسئم الناس جميعا رؤية وجهك الكئيب في الصباح والمساء. لم يكن كل هذا يعنيك في كثير أو قليل ما دام سادتك هؤلاء يبقونك حيث أنت، وما دام رضاهم عنك موصولا حتى وإن سخط عليك خلق الله أجمعون كما قد حدث بالفعل.
ومضت سنون وأحس سادتك أن وجودك أصبح عبئا عليهم، وأن بغض الناس لك وضيقهم بك أخذا ينالان منهم هم، وسادتك هؤلاء لا يرحمون إذا وصل الأمر إلى حد المساس بهم أو تهديد أوضاعهم. إنهم عندئذ يلقون بك وبعشرات من أمثالك عند أول منعطف حيث تكون قد فقدت كل شيء: فقدت اعتبارك أمام نفسك وفقدت اعتبارك أمام الناس وبؤت بغضب من الله عظيم.
وهذا هو ما كان.
وها أنت ذا تدلف من جديد إلى ظلام سحيق يعلم الله وحده مداه، ويعلم الله وحده ماذا ينتظرك في سراديبه تلك المظلمة الباردة الموحشة.
ليتك يا سيدي أدركت بعضا من ذلك كله قبل فوات الأوان ولكن الكارثة أنك رغم كل ذكائك سرت في الطريق إلى نهايته، ذلك الطريق الذي ينتهي دائما إلى الدرب المقفر إلا من كراهة الناس وبغضهم واحتقارهم الشديد.
كان الله في عونك يا سيدي إن كان مثلك يستحق بعض عون السماء وعطفها، ومن يدري فإن رحمة الله وسعت كل شيء ولعلها تتسع لأمثالك من بني الإنسان.
وسلام عليك ورحمة الله.
يحيى الجمل





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق