الخميس، 20 أكتوبر، 2016

• مقدّرات العرب بين الأخضر والأصفر

تنقسم خريطة الوطن العربي إلى لونين رئيسيين: الأصفر والأخضر، الأرض الخضراء مصدر الرزق، والصحراء التي كانت جرداء ثم تفجر النفط من أعماقها. كان هذا التباين الجغرافي دائماً مثيراً للمشاكل. فهل يمكن أن نحول هذا الخلاف اللوني إلى نوع من التكامل حتى يكون للعرب وجود في عالم الغد؟
احتل النزاع العربي الإسرائيلي مقدمة المسرح في مشرقنا العربي طوال السنوات التي تفصلنا عن الحرب العالمية الثانية، ذلك أن موضوع هذا النزاع هو اغتصاب لأرض عربية، ومصادرة هذه الأرض "حلاً" لمشكلة لا تمت إلى العرب بصلة، هي مشكلة تعرض اليهود في أوربا لأوجه اضطهاد شتى بلغت الذروة في ظل النظام الهتلري في ألمانيا النازية، وإن كانت للمشكلة جذور امتدت إلى مختلف المجتمعات الأوربية، وبالذات الأوربية الشرقية، منذ بداية العصور الحديثة، ولا غرابة في أن تتمسك الأطراف العربية بأنه ليس من الإنصاف قط حل قضية تتعلق بأوربا على حساب العرب.

نزاع جغرافي

ولكن علينا أن نسلم بأنه كان هناك على الدوام أيضا "نزاع" - ولو بصفة ضمنية أو كامنة - داخل الوطن العربي ذاته، "نزاع" جاز إرجاعه، إذا ما أردنا الغوص في أعماق الموضوع، إلى الخصائص الجغرافية للأرض العربية، وتصور تمييز بين نوعين منها: نوع يمكن وصفه "بالأرض الخضراء"، أي بالأرض الزراعية، وآخر يمكن وصفه "بالأرض الصفراء"، أي بالأرض الصحراوية.

وبدا طوال قرون أن الزراعة هي في جل الأحوال مصدر رزق الإنسان العربي، ولذلك كان للبقاع الخضراء امتياز على المساحات الصفراء، علماً بأن هذه الأخيرة شملت أغلب الأرض العربية.. ولكن اكتشف مع بدايات هذا القرن أن القول بأن ما يمكن أن نرمز له بـ "الأخضر" هو مصدر حياة وتمدين وازدهار، وأن "الأصفر" محكوم عليه بأن يظل على هامش الحياة، غير صحيح. فإن أغلب النفط العربي تبطنه أرض صحراوية "صفراء"، والنفط مصدر ثروة هائلة في عالم يقيم حضارته على الطاقة، عالم سوف يظل النفط فيه، ولمدة طويلة، أكثر صور الطاقة تيسراً. ومن هنا فإن العالم العربي المعاصر تحكمه معادلة دقيقة. فإن بؤرته قد انتقلت من " الأخضر" إلى "الأصفر"، بينما يظل "الأخضر" بالضرورة أكثر مواقعه اكتظاظاً بالسكان.

الأخضر.. يحارب إسرائيل

لقد دخل العالم العربي الذي وصفناه بـ "الأخضر" العصر الحديث أولاً. فالدول العربية الأولى التي نالت استقلالها هي تلك التي امتلكت قدراً أو آخر من الأرض الخضراء، إن مصر، على سبيل المثال، تملك شريطاً ضيقاً من الأرض الخضراء - هو وادي النيل - في محيط واسع من الأرض الصفراء. ولكن لوادي النيل تراثاً طويلاً، منذ فجر التاريخ، كدولة ذات حضارة. وكان لمصر دور رائد في حركة الاستقلال، وفي النهضة العربية المعاصرة عموماً.

ثم كانت هناك المواجهة بين العرب وإسرائيل. وغدت تشكل هذه المواجهة العنصر "المحوري" في تقرير مقدرات المنطقة. ولأن أرض فلسطين محاطة بأرض "خضراء"، سواء من جانب الشام أو من جانب العمار بوادي النيل، فلقد أصبحت القضية العربية الإسرائيلية تحتل موقع الصدارة على صعيد العالم العربي كله. وكانت المواجهات الصدامية المعروفة بين "الثورة العربية" وبين إسرائيل عام 1948 وعام 1956، ثم الهزيمة عام 1967. لقد احتلت هذه المواجهات مع إسرائيل مقدمة المسرح على الدوام. ولكن مع حرب 1973، وهي الحرب التي اهتزت فيها صورة إسرائيل كقوة كفيلة بردع العرب في كل مواجهة عسكرية، وهي أيضا الحرب التي أوجدت ظروفاً سنحت للعرب برفع أسعار النفط، فلقد أصبحت للأرض "الصفراء" مكانة تعاظمت سنة بعد أخرى.

الثروة لا الثورة..!

لقد انتكس وضع العالم العربي المنتسب إلى "الأخضر" مع الهزيمة التي تعرض لها على يد إسرائيل عام 1967. وكان العالم العربي المنتسب إلى "الأصفر" هو المستفيد الأكبر مما أسفرت عنه حرب أكتوبر عام 1973. فلقد أنشأت الحرب ظروفاً سمحت بتسويق النفط بأسعار محكومة في الأساس، لا بالنهب الغربي كما كان الأمر من قبل، وإنما بقواعد التجارة الدولية، وبمبدأ العرض والطلب. وبذلك انتقلت بؤرة العالم العربي من الأرض الخضراء إلى الأرض الصفراء. وقيل إن حقبة "الثروة العربية" قد حلت محل حقبة "الثورة العربية".

وهكذا أصبح "الأصفر" لا يرمز إلى "خلاء" الصحراء، ولا إلى "قلة" الموارد، ولا إلى "فقر" و "ندرة" السكان، ولا إلى "هوامش" العالم العربي، وإنما إلى "النفط" بصفته أحد مقومات الحضارة الصناعية العصرية، وإلى "الثروة" التي أضحت تتحقق بفضله. وأخذ "الأصفر" يحتل موقع "المركز" و "القلب"..ذلك بينما ظل "الأخضر" يعاني من تعثرات في المواجهة مع إسرائيل. وربما تحددت "الثورة" في صورة "الثورة الفلسطينية"، ولكن لم يعد "الأخضر" يحظى بمكانته السابقة، حتى من قبل المتمسكين بأنه كان موطن "الثورة العربية" ومنبعها. لقد أصبحوا ينطلقون من فرضية أن "الثروة" لا "الثورة" أصبحت مصدر "القوة" العربية.. أصبحت هي العنصر الفاصل في تقرير عناصر المعادلة العربية..

معادلة مهزوزة

ولكن ظلت هذه المعادلة مهزوزة، لأكثر من سبب. فإن الدول العربية جميعاً تنسب نفسها إلى أمة واحدة، إلى هوية أساسية واحدة. والأنظمة العربية جميعاً تستمد شرعيتها - إلى حد أو آخر - من انتمائها إلى هذه الأمة الواحدة. ومع ذلك فإن أوجه التباين داخلها تزداد حدة لا العكس. ومن أبرز مظاهر هذا التباين هذا الذي وصفناه بالتمايز بين "الأخضر" و "الأصفر". إنه تمايز يبرز، في تعبير موجز، التباين ما بين دول عربية محدودة السكان ذات عوائد مرتفعة بفضل النفط، وأخرى مكتظة بالسكان وذات مشاكل اقتصادية مزمنة مستعصية الحل. ومما يزيد المعادلة تعقيداً، أن لأطراف كثيرة تنتمي إلى "الأخضر" جيوشاً متمرسة، ليس فقط لأنه كان عليها أن تتصدى لإسرائيل، أو أنه كان منها من خاض حروباً مع أطراف أخرى تحيط بالمنطقة، ولكن أيضاً لأن "الثورات" العربية كثيراً ما تم إنجازها بواسطة استيلاء القوات المسلحة على السلطة، أو بسبب أن الأحزاب "القومية" التي أطلقت "الثورة" ("البعث" على سبيل المثال) كانت لديها خلايا وفروع في الجيش نهضت بدور رئيسي في الاستيلاء على السلطة.. وهكذا بدت القوات المسلحة في نظر الأنظمة العربية التي ناهضتها الموجة الثورية، وكأنما تنطوي على خطر احتمالي إذا ما أقبلت هي على التعظيم من شأن جيوشها هي فوق حد معين. ومن هنا نشأت معادلة عويصة هي أن الأنظمة النفطية الثرية - أياً كانت جهودها لاقتناء أسلحة متطورة - لم تجد نفسها في وضع يمكنها من مجاراة الأنظمة العربية المنتسبة إلى "الثورة" في بناء جيوش نظامية كبيرة.

ومع ذلك، كانت هذه المعادلة - على دقتها - ممكنة في ظل النظام العالمي الثنائي القطبية، في عصر المواجهة الدولية الحادة بين الشرق والغرب. ذلك أن النظام العالمي الثنائي القطبية كانت له امتداداته وإسقاطاته في شتى مواقع العالم الحساسة، ومنها العالم العربي بطبيعة الحال. فلأن النفط العربي حيوي بالنسبة للاقتصاد الغربي، حرصت العواصم الغربية على حماية الأنظمة النفطية العربية في الخليج وتأمينها ضد كل تهديد، بغض النظر عما قد تملكه هذه الأنظمة من استعدادات عسكرية تحمي بها أمنها، ذلك بينما كانت الأنظمة التي تنتسب إلى الثورة العربية تجد في المعسكر الاشتراكي سنداً تستطيع الاعتماد عليه في مواجهتها مع "الإمبريالية الغربية". ومن هنا كان هناك نوع من التوازن. وكان من الممكن استمرار "تعايش" التباينات العربية - بالذات بين "الأخضر" و "الأصفر" - على نحو أو آخر، حتى جاء عصر ذوبان ثلوج الحرب الباردة، ونشأ وضع دولي جديد لم يعد فيه للمواجهة بين الشرق والغرب وجود محسوس. وانتهى الاستقطاب الخارجي الذي شكل ركيزة الاستقطاب داخل الساحات العربية ذاتها،

فالتبست الأمور. وأصبح السؤال مطروحاً: ما مصير التمايز بين نوعيتين من الدول العربية؟ وكيف يتحقق لها جميعاً نظام أمني بديل، في ظل معطيات دولية مختلفة نوعياً؟ تلك هي قضية جوهرية في تقرير مستقبل الأمة العربية قاطبة.

أحداث الخليج بين الأخضر والأصفر

لقد بدا لصدام حسين أن اجتياحه للكويت أحد "الخيارات" الممكنة. لقد اعتقد أن الغرب، في ظل "النظام الدولي الجديد" - القائل بوجوب حل جميع النزاعات بالطرق السلمية - لن يتدخل لمنع استيلاء دولة منسوبة إلى القطاع "الأخضر" من العالم العربي على دولة منسوبة إلى القطاع "الأصفر"، وأن من يملك الجيوش يستطيع في "الجنوب" أن يتحدى هذا "النظام الجديد" الذي صاغه "الشمال"، تكريساً للمصالحة بين الشرق والغرب، ودون التفات إلى وجهات نظر أطراف "الجنوب"، ولا إلى كيفية إدراكها لمصالحها، اعتقد صدام حسين أن بوسعه فعل فعلته دون رادع، ولكن أثبت التدخل الغربي الكثيف - استناداً إلى قرارات من مجلس الأمن صدرت بالإجماع أو بشبه الإجماع - أن الأمر لم يكن كما تصور. لم يتصور أن العالم الاشتراكي لن يقف يساند إقدام دولة على التهام دولة أخرى هي عضو بالأمم المتحدة لمجرد أن الأولى دولة "صديقة" أو تنسب نفسها إلى قضية "الثورة"، بل إن الاتحاد السوفييتي قد انضم إلى العالم الغربي في القول بأن هناك "نظاماً دولياً جديداً" يتعين احترام مبادئه، وقد ترتب على ذلك أن نهج صدام حسين في إقامة "نظام" عربي بديل قد باء بالفشل. ولكن يظل السؤال قائماً: ماذا بعد هذا الفشل؟

الواقع أن أحداث الخليج قد نقلت الأزمة بين "الأخضر" و "الأصفر" إلى الذروة. وأضحت تطرح ضرورة أن يكتشف لها حل عصري يتجاوز الأزمة جذرياً، وإلا فسوف يتعرض العالم العربي، وفي القريب العاجل، لانشقاقات وتصدعات يصعب رأبها.. ومما يؤكد أن الأزمة قد بلغت الذروة أن أحداث الخليج قد عكست حقائق لا تقتصر على علاقة العراق بالكويت، بل تمس علاقة الدول المنتمية إلى "الأصفر" عموماً مع تلك المنتمية إلى "الأخضر" عموماً على اتساع المشرق العربي كله..

ثم علينا أن ندرك أن كل تفريط في معالجة جذرية للخلافات العربية/ العربية لا بد أن ينعكس على أسلوب الأطراف العربية في معالجة النزاع العربي الإسرائيلي، وأنه يتعذر إيجاد حل عادل ومقبول للقضية الفلسطينية ما لم يكن في إطار موقف عربي موحد. إن أي تغاض عن الحل الصحيح للمشاكل العربية/ العربية لا بد أن يقوي مركز المفاوض الإسرائيلي، وأن يسيء بالتالي إساءة بالغة، لا إلى القضية الفلسطينية فحسب، بل إلى مجمل القضايا العربية. ينبغي أن يكون النزاع العربي الإسرائيلي حافزاً لتسوية الأزمات العربية/ العربية حتى إذا ما غابت الدوافع - داخل الساحات العربية ذاتها - لتسوية هذه الأزمات تسوية جذرية.

وأمامنا تجربة اندماج دول السوق الأوربية المشتركة الذي سوف يدخل طوراً حاسماً في العام القادم. فلا يعقل أن يتزامن مع الاندماج الأوربي الجاري إنجازه بين أمم مختلفة، المزيد من التصدع والتفكك في تجارب الاندماج العربي بين أقطار تنسب نفسها جميعاً إلى أمة واحدة! بل وأن تصل الأمور إلى حد سعي أطراف عربية إلى التقارب والتمحور مع أطراف غير عربية لمواجهة أطراف عربية أخرى!.

من أجل نظام عربي بديل

وليس الأمر بالمستحيل. فإن النظام العربي البديل الأكثر اتساقاً مع "النظام الدولي الجديد" هو الذي يحقق نوعاً من التوافق بين احتياجات الأطراف العربية المعنية كافة، على تباين مواقعها، وعلى تنوع ما لديها من موارد. فإن كان علينا جميعاً أن ننطلق من مقدمات لا تحتمل الإغفال، وهي أن الأنظمة العربية جميعاً تستمد مشروعيتها من انتمائها إلى وطن عربي واحد، وأن الانتماء إلى كيان كبير أمر حيوي وحتمي في ظل عالم يتجه إلى الاندماج، وأن لا بقاء إلا لمن يستطيع أن يكون جزءًا من كيان عملاق، فإن على الأطراف العربية جميعاً أن تكتشف سبلها - على تباين المواقع التي تنطلق منها - لبلوغ هذا الكيان الاندماجي الذي يلبي المطامح المشروعة للأطراف كافة، وحتى تصب الموارد العربية - على تنوعها - في مشروع واحد يستهدف تحقيق التنمية العربية الشاملة.

والحقيقة أن قضية التنمية المطردة للأمة العربية جمعاء لا تقوم على فكرة "إعادة توزيع الثروة" بقدر ما هي تقوم على الاستثمار الرشيد، وبجهد عربي جماعي، لجميع الموارد العربية على تنوعها، وهي موارد لا تقتصر على النفط المختزن أغلبه في صحراء "صفراء" جرداء، بل تشمل أيضاً الماء والأرض الزراعية "الخضراء". ونقطة البداية لأي نهوض عربي شامل هي الجمع الخلاق بين هذه العناصر كلها، واعتماد علم العصر وتكنولوجياته، ومواكبة المستويات العصرية في التعليم، وتوفير الصحة والأمن والمشاركة الفعالة والمنتجة لجماهير المواطنين، وتأسيس هذه المشاركة على أسس قويمه عن طريق ترسيخ مؤسسات تكفل أعمال المحاسبة والمساءلة والديموقراطية، كي يترتب على استثمار الموارد المتاحة العائد الأمثل. هذا ليس بالحلم المستحيل. ولنبدأ بالأيسر تحقيقه، ولنسترشد بالتجربة الأوربية في هذا الصدد. لنبدأ بترسيخ المؤسسات العربية المشتركة، ذات الطابع التكاملي، والتي للجميع مصلحة في أن تزدهر، كتلك التي تكفل للمواطن العربي - لكل مواطن عربي، أيا كان موطنه على الخريطة العربية - فرص التعليم، والعلاج، وتأمين حياته على نحو يكفل له المشاركة الخلاقة، المنتجة، الإبداعية في الحياة العامة دون أن يتعرض أمنه وطمأنينته لسوء. إن تشييد مثل هذه المؤسسات مكسب للجميع، بل يرسي مقومات أشكال الاندماج العربي الأكثر تعقيداً، وربما الأكثر حساسية، ولكن لا سبيل لتحاشيها كي يكون للعرب وجود في عالم الغد.
محمد سيد أحمد





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق