القاعدة 13 من كتاب 48 قانون للقوة (قواعد السّطوة) للكاتب روبرت جرين
الحكمة:
إن احتجت إلى مساعدة أحد، فلا تذكّره بما قدمت له من هبات أو مساعدات، لأن ذلك سيجعله يختلق الأعذار للتهرب منك. أظهر له شيئاً يعود عليه بالفائدة من تحقيق طلبك ومن تعاونه معك، وركّز كلامك على هذه الفوائد. إن أقنعته، ستجده يلبّي مطالبك بحماس.
انتهاك القاعدة:
في بدايات القرن الرابع عشر، صعد شاب يدعى كاستروشيو كاستراكاني من عوام الجنود ليصبح حاكماً لمدينة لوقا العظيمة في إيطاليا، وكان لعائلة بوجيو، وهي من أكثر الأسر عراقةً في المدينة، دور كبير في هذا الصعود، الذي تم بالمكيدة وإراقة الدماء. لكن بعد أن وصل إلى القمة أحسّ آل بوجيو أنه نسيهم، فلم يترك له طموحه أي شعور بالعرفان؛ لهذا، وفي عام 1325، وبينما كان كاستراكاني خارج المدينة لقتال عدوها الأكبر فلورنسا، تآمر آل بوجيو مع أسر عريقة أخرى في المدينة للإطاحة بهذا الأمير المزعج والانتهازي.
تطوّر التمرد إلى عصيان مسلح، وهاجم المتآمرون الحاكم الذي عيّنه كاستراكاني على المدينة وقتلوه، وانتشر الشغب، واستعدّ أنصار كاستراكاني وأنصار آل بوجيو للحرب. وفي ذروة التوتر تدخّل ستيفانو دي بوجيو، وكان أكبر أعضاء آل بوجيو سنّاً، وأقنع الفريقين بترك السلاح.
لم يشارك ستيفانو في المؤامرة، فقد كان رجل سلام، وأقنع أسرته أن هذه الفتنة لن تؤدي إلا إلى حمام دم، وأصرّ بعدها أن يشفع للأسرة لدى كاستراكاني ويقنعه بأن ينصت لمطالبهم ويرضيهم، ورحبت الأسرة باللجوء إلى الدبلوماسية بدلاً من السلاح.
حين وصلت أنباء التمرد إلى كاستراكاني أسرع عائداً إلى لوقا، لكن في وقت وصوله كان القتال قد انتهى بتدخّل ستيفانو، وتعجّب من استقرار الهدوء والسلام في المدينة. ظنّ ستيفانو أن كاستراكاني سيكون شاكراً له على ما قام به من جهد لتهدئة التمرد، ولذلك قام بزيارة الأمير وشرح له ما حدث وطلب منه العفو، وقال إن المتمردين كانوا من الصغار الطائشين الذين يسعون للسطوة دون أن تكون لديهم خبرة، وذكّره بالتضحيات التي بذلتها الأسرة لصالحه، وقال إن كل هذه الأسباب توجب على الأمير العظيم أن يغفر لآل بوجيو ويستمع لشكواهم، لأن هذا هو الخيار الوحيد العادل، ولأن الأسرة وضعت سلاحها طائعةً وظلت على الدوام مناصرةً للأمير.
أنصت كاستراكاني بصبر، ولم يبدُ عليه أي مسحة من الغضب أو الاستياء، بل أخبر ستيفانو أن العدالة سوف تسود، وطلب منه أن يحضر الأسرة كاملةً إلى القصر للتحدث بشأن إزالة أسباب شكواهم والاتفاق على حلول. وأثناء توديعه لستيفانو قال له كاستراكاني إنه يشكر الله على أن منحه هذه الفرصة ليثبت للجميع عدله وطيبة قلبه. في المساء أتت الأسرة بكاملها إلى القصر، وفور دخولهم أمر كاستراكاني باعتقالهم، وبعدها بأيام قليلة أعدمهم جميعاً، ومعهم ستيفانو.
التعليق:
يعتبر ستيفانو دي بوجيو تجسيداً لكل من يعتقدون أن عدالة ونبل قضيتهم يجعلانها تنتصر. من المؤكد أن المطالبة بالعدل ورد الجميل قد نجحت في بعض الحالات، لكن الغالب الأعم هو أن ذلك لم يكن يأتي إلا بعواقب وخيمة، خاصةً عند التعامل مع أمثال كاستراكاني. كان ستيفانو يعرف أن الأمير قد اكتسب سطوته بالخداع والقسوة، ولم يمتنع أو يتردد عن قتل صديقه المقرّب، وحين قالوا له إنه إثم رهيب أن يقتل المرء صديقه القديم، أجابهم أنه لم يقتل صديقاً قديماً بل عدواً جديداً.
لا يفهم الأشخاص من نوعية كاستراكاني إلا القوة والمصلحة الشخصية، وحين بدأ التمرد لم يكن هناك شيء أخطر على المتمردين من إنهاء التمرد ووضع أنفسهم تحت رحمته. لكن حتى بعد أن قام ستيفانو دي بوجيو بخطوته المميتة كانت لا تزال لديه بعض الخيارات: كان يمكنه أن يعد بتقديم الأموال لكاستراكاني، أو أي وعود أخرى ينفذونها في المستقبل، أو أن يشير إلى ما يضيفه دعم آل بوجيو إلى سطوة كاستراكاني في الحاضر وقدرتهم، مثلاً، على التأثير في أكثر الأسر نفوذاً في روما، وعلى التوسط له لإبرام تحالفات سياسية هامة مع هذه الأسر.
بدلاً من هذا ركّز ستيفانو على الماضي وعلى تذكير كاستراكاني بما يدين لهم به من أفضال دون أن يملك شيئاً يلزمه بردها. ليست المسألة فقط أنك لا تستطيع أن تجبر أحداً على الاعتراف بالجميل، بل إن هذا الإحساس بالدين غالباً ما يمثّل عبئاً يجب على الشخص أن يتخلص منه. في حالتنا هذه تخلّص كاستراكاني من التزاماته نحو آل بوجيو بالتخلص من آل بوجيو أنفسهم.
مراعاة القاعدة:
في عام 433 ق.م.، وقبل الحرب البيلوبونيسية مباشرةً، كانت جزيرة كورسيرا، وعُرفت لاحقاً باسم كورفو، على شفا حرب مع المدينة-الدولة الإغريقية كورنيث، وأرسل الفريقان سفراءهما إلى الأثينيين للتنافس على الفوز بالتحالف مع أثينا. كان الرهان مستعراً، لأن من كان سيفوز بدعم أثينا كان سيفوز حتماً في الحرب، ولأن من كان لينتصر منهما لم يكن ليرحم المهزوم أبداً.
تكلم سفير كورسيرا أولاً، وبدأ بالاعتراف بأن جزيرته لم تساعد أثينا من قبل، بل ناصرت أعداء أثينا، وليس هناك أي روابط سابقة من الصداقة أو تبادل الخدمات بين كورسيرا وأثينا، وأن سبب مجيئه هو الخوف والقلق على أمن جزيرته كورسيرا، لكن كل ما يستطيع أن يقدمه هو بناء تحالف يفيد البلدين؛ فلدى كورسيرا سلاح بحري لا تتفوق عليه إلا بحرية أثينا، والتحالف بين البلدين سينشئ قوةً هائلةً، وهي قوة ترهب المدينة-الدولة المنافسة لأثينا، وهي إسبرطة، وأن هذا، للأسف، كل ما تستطيع أن تقدمه كورسيرا.
بعدها تقدم ممثل كورنيث بخطبة حارة ومبدعة، على عكس خطبة الكورسيريين الجافة والمباشرة، فتكلم عن كل ما فعلته كورنيث لأثينا في الماضي، وتساءل كيف يمكن لأثينا أن تبحث عن تحالف جديد مع مدينة ساندت عدوها وتفضّلها على صديقتها الحالية التي خدمت مصالحها بإخلاص، ولعل حلفاء أثينا الآخرين سينقضون تحالفهم معها إن رأوها لا تدعم من يخلصون لها، وأشار إلى القانون الهيليني وضرورة تعويض كورنيث عن كل مآثرها التي فعلتها من أجل أثينا، وبدأ في عدّ هذه المآثر وضرورة رد الجميل للأصدقاء.
بعد الخطبة تجمع الأثينيون للتشاور في الأمر، وفي الجولة الثانية صوتوا بالأغلبية الساحقة للتحالف مع كورسيرا والتخلي عن كورنيث.
التعليق:
يذكر التاريخ نبل الأثينيين، ولكن غالباً ما ننسى أنهم كانوا أكثر من في اليونان القديمة واقعيةً؛ فبالنسبة لهم كانت الخطابة وكل ما في العالم من مناشدات عاطفية لا تساوي برهاناً عملياً واحداً، خاصةً إن كان سيضيف المزيد إلى سطوتهم.
لم يدرك سفير كورنيث أن تذكيره للأثينيين بكرم مدينته معهم في الماضي لم يكن له تأثير إلا استفزازهم، وكأنه يطلب منهم بأدب أن يشعروا بالذنب والدين. لم يكن الأثينيون يهتمون بالخدمات الماضية أو مشاعر الصداقة، وكانوا يعرفون أنه حتى لو رأى حلفاؤهم الآخرون في تخلي أثينا عن كورنيث جحوداً، فإنهم لن يستطيعوا أن يقطعوا روابطهم معها لأنها القوة الأبرز في اليونان، كما أن أثينا كانت تحكم إمبراطوريتها بالقوة، وأي حليف يتمرد عليها كانت تجبره بالسيف على العودة إلى حظيرتها.
حين يُخيّر الناس بين التحدث عن الماضي والتحدث عن المستقبل، يختار الرجل العملي دائماً المستقبل ونسيان الماضي، وهذا ما أدركه الكورسيريون، ففضّلوا أن يتحدثوا عملياً إلى شعب عملي. والواقع هو أن معظم الناس عمليون في حقيقتهم، ونادراً ما يتصرفون بشيء ضد مصالحهم.
«القاعدة دائماً هي أن يخضع الضعفاء للأقوياء، كما أننا نرى أننا نستحق سطوتنا. وقبل اللحظة الراهنة كنتم ترون فينا أيضاً هذا الاستحقاق. لكنكم الآن، وبعد أن حسبتم مصالحكم، تتكلمون عن الخطأ والصواب؛ إلا أن مثل هذه الاعتبارات لم تمنع الناس أبداً من استغلال فرص التوسع التي تتيحها لهم قوتهم». (اقتباس عن ممثل أثينا لدى إسبرطة في كتاب «الحرب البيلوبونيسية» لتوسيديدس، 465 - 395 ق.م.)
مفاتيح للسطوة:
في سعيك للسطوة ستجد نفسك مراراً تطلب العون ممن هم أعلى منك سلطةً ومقدرةً، وهناك فن لطلب العون يعتمد بالأساس على فهمك لطبيعة الشخص الذي تتعامل معه، وألا تخلط بين ما تريده أنت وما يريده هو.
معظم الناس لا يتجاوزون أبداً هذا الخلط، لأن رغباتهم واحتياجاتهم تشوش تفكيرهم وتجعلهم يظنون أن من يتوجهون إليه بالطلب لا يضع اعتباراً لمصلحته الشخصية في المساعدة التي يقدمها لهم، وكأن احتياجاتهم تهمه، لكن الواقع أن ذلك قد لا يعنيه في شيء. ونجد أحياناً من يترجّى تحقيق مطالبه باسم المبادئ والقيم السامية كالمحبة والعرفان بالجميل، وبذلك يقحم القضايا الإنسانية الكبرى في الشؤون التي تحكمها الوقائع اليومية البسيطة. ما لا يعرفه هؤلاء هو أن الناس جميعاً، حتى أكثرهم سطوةً، تحكمهم احتياجاتهم الخاصة، وإن لم تخاطب فيهم مصالحهم فلن يروا في إنصاتهم لك إلا إزعاجاً أو، على الأقل، مضيعةً للوقت.
في القرن السادس عشر كان البرتغاليون يحتكرون التجارة بين اليابان وأوروبا، لكن كان معهم مبشّرون يسعون جاهدين لتحويل اليابانيين إلى المسيحية الكاثوليكية. وعلى الرغم من تحقيقهم لبعض النجاح، إلا أنهم لم يتمكنوا أبداً من أن يضموا إليهم أحداً من الطبقة الحاكمة. بل إنه في بداية القرن السابع عشر بدأ الإمبراطور إياسو يضيق بهم وبدعوتهم. وحين بدأ الهولنديون يتوافدون إلى اليابان بأعداد كبيرة، شعر إياسو بالارتياح لأنه لم يكن يريد من الأوروبيين إلا خبرتهم في صناعة السفن والسلاح، وسعد كثيراً بالهولنديين لأنهم أوروبيون لا يهتمون إلا بالتجارة؛ ولذلك بدأ في التخلص من البرتغاليين، ولم يعد يتعامل بعدها إلا مع الهولنديين العمليين.
كانت الاختلافات الثقافية كبيرةً بين اليابان وهولندا، لكن كان يجمعهما ما يجمع كل البشر في كل زمان ومكان، وهو المصلحة. كل شخص تتعامل معه يشبه ثقافةً غريبةً عنك، لكن يمكنك أن تتجاوز الفجوة بينكما إن خاطبته بمصلحته. لا تتحرج، وأظهر له بوضوح أن خبراتك ستملأ جيوبه ذهباً أو تشفيه من داء عضال أو تجعله يحيا حياةً هانئةً؛ فتلك اللغة يفهمها الجميع ويتكلمها الجميع.
الخطوة الأساسية في هذه العملية هي أن تفهم شخصية من تتعامل معه: هل هو من النوع المغرور؟ هل يقلق على سمعته ومكانته الاجتماعية؟ هل لديه أعداء قد تساعده على أن يقهرهم؟ هل هو من النوع الذي لا يحرّكه إلا المال والسطوة؟
حين احتل المغول الصين في القرن الثاني عشر، كان هناك خطر طمس ثقافة ازدهرت لأكثر من ألفي سنة، فلم يكن جنكيز خان، قائد المغول، يرى في الصين إلا بلداً ليس به مراعٍ تكفي لإطعام خيوله، فقرر أن يدمر مدنها ويبيد شعبها «حتى ينمو مكانهم العشب». لم ينقذ الصين من هذا الدمار جندي أو قائد أو ملك، بل رجل اسمه يلو شو تساي، وكان هو أيضاً أجنبياً لكنه كان يقدّر مكانة الثقافة الصينية، وكان قد نجح أن يصبح المستشار المقرّب لجنكيز خان وأقنعه أنه سيجني ثروات كثيرةً من هذه الأرض لو قام، بدلاً من تدميرها، بفرض الضرائب على كل سكانها، فرأى خان أن الحكمة تقتضي ذلك وأخذ بنصيحة شو تساي.
وحين احتل خان مدينة كايفنج بعد حصار طويل قرر أن يذبح كل من فيها، كما فعل مع كل المدن التي قاومته، لكن شو تساي أقنعه أن المدينة تأوي أهم الحرفيين والمهندسين الذين فروا من الصين، وأن من الأفضل له أن يستفيد منهم. لم يكن خان يعرف الرحمة، ولم تكن الرحمة هي التي أنقذت كايفنج. ما أنقذها هو أن شو تساي كان يفهم خان جيداً ويعرف أنه ريفي فظ لا تعنيه الثقافة أو أي شيء آخر غير الحرب والأمور العملية، ولذلك استطاع أن يحرّك الدافع الوحيد الذي يعرفه الرجل؛ ألا وهو الجشع.
المصلحة هي الرافعة التي تحرّك بها الناس، وإن بيّنت لهم بوضوح أن لديك الوسيلة التي تحقق لهم ما يتمنونه أو ما يسعون إليه فلن يرفضوا أن يقدموا لك كل ما تريد من مساعدات. في كل خطوة في طريقك إلى السطوة عليك أن تدرّب نفسك على فهم عقلية من تتعامل معهم، ومعرفة احتياجاتهم ومصالحهم، وأن تتخلص من غطاء مشاعرك وأهوائك الذي يحجب عنك الحقيقة. إن أتقنت هذا الفن فلن يمنعك شيء عن تحقيق كل ما تريد.
الصورة: حبل الرباط
حبل العرفان والتراحم هو حبل واهٍ ضعيف ينقطع مع أول صدمة. أما حبل المصالح فمفتول من خيوط كثيرة لا ينقطع بسهولة، وسوف ينجدك ويخدمك لسنوات طويلة.
اقتباس من معلم:
»أسهل الطرق لتحقيق المجد والثروة هو أن تبيّن للآخرين بوضوح أن من مصلحتهم أن يساعدوك على تحقيق مصالحك«. (جان دي لا برويير، 1645 – 1696).
عكس القاعدة:
بعض الناس يرون في التعامل بالمصالح قبحاً وحقارةً، ويحبون أن يعاملوا الآخرين بالعدل والفضل والإحسان لأن ذلك يمنحهم شعوراً بالرقي والتفوق. وحين تطلب منهم شيئاً تؤكد لهم علوهم وسطوتهم. هؤلاء يكونون من القوة بحيث لا ينقصهم شيء سوى الفرصة لإثبات سموهم وتفرّدهم، لأن ذلك هو خمرهم ونشواهم. وستجدهم يبذلون قصارى جهدهم لإنجاح مساعيك وتقديمك لأصحاب الشأن طالما أن ذلك يحقق ذيوعاً ويناصر قضيةً نبيلةً، خاصةً إن كانت تحظى بتأييد واسع بين الناس. ليس كل الناس، إذن، تدفعهم المصالح الدنيوية؛ فهناك من ينفرون منك إن تقربت إليهم بمصالحهم الشخصية لأنهم لا يحبون أن يظهروا شغفهم بهذه الأمور، ولا يطلبون سوى أن يبيّنوا للآخرين ما في قلوبهم من طيبة.
لا تخجل وامنحهم تلك الفرصة، فهذا ليس احتيالاً عليهم لأنهم يحبون العطاء وأن يرى الناس كرمهم. لذلك عليك أن تميّز بين الأنواع المختلفة من أصحاب السطوة وأن تعرف ما يؤثر في كل منهم؛ فلا تطلب الإحسان والفضل ممن لا يحرّكه إلا الجشع، ولا تداعب بالجشع من تميل قلوبهم للنبل والطيبة.
المصدر THE 48 LAWS OF POWER, ROBERT GREENE (ترجمة د. هشام الحناوي)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق