الاثنين، 31 أغسطس 2026

• تودّد كصديق لتراقب كجاسوس

القاعدة 14 من كتاب 48 قانون للقوة (قواعد السّطوة) للكاتب روبرت جرين

الحكمة:

من الأمور المصيرية أن تكتشف أسرار منافسيك، وعليك أن تخصّص لهم جواسيس يأتونك بأخبارهم حتى تكون لك الأسبقية عليهم، والأفضل أن تتجسّس أنت لنفسك. في المناسبات الاجتماعية، تصرّف كمحقّق سرّي، واطرح الأسئلة بطرق لبقة وخفية حتى يكشف لك الناس عن نواياهم ونقاط ضعفهم. انتهز كل فرصة لتكتشف أسرار من حولك.

مراعاة القاعدة:

لا يشك أحد أن جوزيف دوفين كان أفضل تجار الفنون في عصره؛ ففي الفترة من 1904إلى 1940، وبانفراد تقريبًا، استطاع أن يحتكر سوق بيع التحف الفنية لمليونيرات أمريكا، لكن الصيد الأكبر، أي رجل الصناعة أندرو ميلون، كان يتملّص منه، وعزم دوفين أن يجعل ميلون زبونًا له قبل أن يموت.

رأى أصدقاء دوفين أن هذا الحلم مستحيلًا؛ فقد كان ميلون رجلًا جافًّا وقليل الكلام، وكان ما يصله من أخبار عن دوفين الودود الثرثار ينفّره منه، وتبيّن بوضوح أنه لا يرغب في مقابلة الرجل. لكن دوفين ردّ على أصدقائه قائلًا: «إنني لن أقدر على جعل ميلون يشتري مني فحسب، بل لن يشتري بعدها إلا مني». وظلّ يتتبّع فريسته لعدة سنوات، ويتعرّف على عادات الرجل ومخاوفه وذوقه، وليفعل ذلك أخذ يجنّد سرًّا الكثيرين من العاملين لدى ميلون، ويضع لهم رواتب، ويحصل منهم على معلومات قيّمة. وحين انتقل إلى مرحلة التنفيذ، كان يعرف عن ميلون مثلما تعرف عنه زوجته.

في عام 1921 كان ميلون يزور لندن، وكان ينزل في جناح فخم في الدور الثالث في فندق كلاريدج، فحجز دوفين لنفسه الجناح المماثل في الدور الثاني، وأكّد أن يصبح خادمه الخاص صديقًا لخادم ميلون. وفي اليوم المصيري قرّر أن يقوم بحركته. أخبر خادم ميلون خادم دوفين، الذي أخبر بدوره دوفين، أنه يساعد ميلون على ارتداء معطفه، وأن الرجل في طريقه إلى الممر لطلب المصعد.

بسرعة ارتدى دوفين معطفه، وبعدها بثوان دخل إلى المصعد، ورأى ميلون وقدّم إليه نفسه: «كيف حالك، سيد ميلون؟ أنا في طريقي إلى المعرض القومي لرؤية بعض اللوحات». تعجّب ميلون؛ لأنه كان ذاهبًا أيضًا إلى هناك، وأتاح ذلك لدوفين أن يصحب فريسته إلى المكان الأمثل للنجاح في خطته. كان دوفين يعرف ميلون عن ظهر قلب، وأثناء تجوّل الرجلين في المعرض أخذ يبهر هذا القطب بمعلوماته، وتعجّب ميلون مرة أخرى أن يجد أن لدوفين الذوق نفسه.

كانت المفاجأة سارّةً لميلون: لم يكن هذا هو دوفين الذي توقّعه؛ فهذا الرجل راقٍ ولطيف، وصاحب ذوق رفيع ومميّز. وحين عادا إلى نيويورك، قام ميلون بزيارة المعرض الحصري لدوفين، وتعجّب أن يرى أن كل ما رآه كان بالضبط من النوع الذي يجب أن يقتنيه، وظلّ ميلون حتى آخر عمره الزبون المفضّل والأكثر سخاءً لدوفين.

التعليق:

لم يكن رجل طموح ومنافس مثل جوزيف دوفين ليترك أي شيء للصدفة؛ فما الفائدة من اكتشاف الزبون المناسب إن اكتفيت بالحماس وتمنّي أن تسحره وتجذبه بما لديك؟ ذلك يشبه اصطياد البط البري مغمض العينين، ولكن إن سلّحت نفسك ببعض المعلومات يتحسّن تصويبك كثيرًا.

كان ميلون هو الصيد الثمين لدوفين، لكنه تجسّس أيضًا على الكثيرين غيره من أصحاب الملايين. كان في السر يخصّص رواتب سرية للعاملين في منازل زبائنه، ليتمكن باستمرار من الحصول على المعلومات القيّمة حول أحوالهم وتغيّر أذواقهم، وغير ذلك من المعلومات التي تجعله متقدّمًا دائمًا بخطوة على منافسيه. أحد المنافسين كان يرغب في جعل هنري فريك زبونًا له، ولاحظ أنه في كل مرة يزور فيها فريك في نيويورك يجد دوفين هناك، كما لو كانت لديه حاسة سادسة. وكان تجار آخرون يرون دوفين كأنه موجود في كل مكان ويعرف كل شيء قبلهم، وكانت سطوته تحبطهم وتضعف عزمهم وتيئسهم من السعي وراء الأثرياء الذين يمكنهم أن يحققوا الثراء بالبيع لهم.

تلك هي سطوة التجسّس: فالمعلومات التي يمنحها لك تظهرك في أعين الناس قادرًا وبصيرًا، وتوقّعك لما يحبّون ويرغبون يفتنهم. ولن يستطيع الآخرون أن يفهموا مصدر سطوتك وتأثيرك، وما لا يستطيعون أن يفهموه لن يستطيعوا أن يحاربوه أو أن يتآمروا ضدّه.

الحاكم يرى بجواسيسه، والأبقار ترى بأنوفها، ورجال الدين يرون بالنصوص المقدّسة، وبقية الناس يرون بأعينهم. (كوتيليا، فيلسوف هندي، القرن الثالث ق.م).

مفاتيح للسطوة:

في عالم السطوة يكون هدفك أن تتحكّم بما قد يأتي به المستقبل، وجزء من المشكلة التي تواجهها في ذلك هو أن الناس لن يبوحوا لك بما في أفكارهم ومشاعرهم ومخططاتهم المستقبلية. فتحكّم الناس فيما يقولون يجعلهم يحجبون غالبًا الأجزاء الهامة من خصالهم، مثل نقاط ضعفهم ودوافعهم الخفية وهواجسهم، والنتيجة هي أنك لا تتنبّأ بتحركاتهم، وتتصرف دائمًا مغمض العينين. والذكاء هو أن تجد وسيلة لسبر أغوارهم، للتعرّف على أسرارهم ونواياهم الخبيئة، دون أن يلاحظوا أنك تتجسّس عليهم.

هذا ليس بالصعوبة التي قد تتخيّلها؛ فإظهار التودّد يسمح لك بجمع المعلومات سرًّا عن الأصدقاء وعن الأعداء على السواء. دع الآخرين يستطلعون الأبراج أو يقرؤون الطالع، ولكن اتخذ أنت لنفسك وسائل أكثر واقعية ودقّة لقراءة المستقبل.

الطريقة الأكثر شيوعًا للتجسّس تكون باستخدام آخرين، كما فعل دوفين، وهذه الطريقة سهلة وقوية ولكنها خطرة. من المؤكد أن هذه الطريقة ستوفّر لك المعلومات، ولكنك لن تستطيع أن تتحكّم تمامًا في الأشخاص الذين يقومون لك بهذا العمل؛ فقد يكشفون سر تجسّسك بسذاجتهم، وقد ينقلبون ضدك دون أن تعلم. الأفضل أن تصبح أنت جاسوسًا لنفسك، بأن تُظهر الصداقة وفي السر تجمع المعلومات.

كان تاليران أحد الجهابذة العظام في ممارسة هذا الفن، وكانت لديه قدرة مذهلة على استلال الأسرار من الناس من خلال محادثة ودودة ومهذّبة. وقد كتب عنه أحد معاصريه، وهو البارون دي فيترول: «كان الرقي واللطف يميّزان أحاديثه، وكان يمتلك فن إخفاء أفكاره وضغائنه تحت غطاء شفاف من التلميحات والكلمات التي تقصد أكثر من معناها، ولم يكن يقحم شخصيته الحقيقية إلا عند الضرورة».

السر هنا هو أن تاليران كانت لديه القدرة على كبح نفسه في المحادثة، ليترك الآخرين يتحدثون عن أنفسهم ويكشفون بعفوية عن نواياهم وخططهم.

طوال حياة تاليران كان الناس يرونه متحدثًا رائعًا، على الرغم من أنه لم يكن يبوح إلا بالقليل، ولم يكن يتكلم أبدًا عن أفكاره الخاصة، بل يترك الآخرين يكشفون له عن آرائهم. وكان ينظّم للدبلوماسيين الأجانب حفلات اجتماعية يدرس فيها كلامهم بعناية، ويتملّقهم ليعرف بعض الأسرار التي لا غنى عنها لعمله كوزير خارجية فرنسا. في مؤتمر فيينا (1814 - 1815) كان يتجسّس بطرق أخرى؛ كان يتظاهر بأنه، بعفوية، يفشي سرًّا غير حقيقي، ثم يراقب استجابات مستمعيه. فقد يخبر حشدًا من الدبلوماسيين، مثلًا، أن مصدرًا موثوقًا أخبره أن قيصر روسيا ينوي القبض على قائده الأعلى للقوات المسلحة بتهمة الخيانة العظمى، ويراقب استجابة الدبلوماسيين لهذه القصة المختلقة، ويرى من أكثرهم فرحةً بضعف الجيش الروسي؛ فربما يكون في بلده تخطيط لعمل ضد روسيا. وكما قال البارون شتين: «السيد تاليران يطلق الرصاص في الهواء ليرى من الذي سوف يقفز من النافذة».

في اللقاءات الاجتماعية والمقابلات البريئة عليك أن تنتبه وتركّز؛ ففي هذه المناسبات تتراخى دفاعات الناس، وبكبحك لشخصيتك يمكنك أن تجعل الآخرين يبوحون بأشياء عن أنفسهم. وروعة هذه المناورة هي أنها تجعل الآخرين يرون في إصغائك لهم اهتمامًا ودودًا بهم، وبذلك لن تكتسب منهم المعلومات فحسب، ولكن تتخذ منهم حلفاء أيضًا.

لكن عليك أن تكون في غاية الحرص عند ممارستك لهذا التكتيك؛ فلو شعر الناس أنك تستدرجهم لتستلّ منهم أسرارهم فسوف يتجنبونك تمامًا. ولذلك أكّد على أن يبدو حديثك معهم ثرثرةً ودودةً، وليس بحثًا عن المعلومات القيّمة. فلا يجب أن تكون مكشوفًا في تركيزك على المعلومات المهمة، وإلا فإن أسئلتك ستكشف عنك وعن نواياك أكثر مما تمنحك من معلومات عن الآخرين.

إحدى حيل التجسّس على الآخرين هي التي كتب عنها لاروشفوكو: «الإخلاص الحقيقي سمة نادرة بين الناس، لكنه غالبًا ما يُستخدم كحيلة بارعة للخداع؛ حيث يصرّح الشخص بمكنونات قلبه ليكسب ثقة من يحادثه ويكتشف أسراره». تظاهرك بفتح قلبك لشخص آخر يعني أنك تجعله مقرّبًا، فيفضي إليك بأسراره؛ فإن أفشيت لأحدهم سرًّا كاذبًا ستجده يبوح لك بأسرار حقيقية. ومن الحيل الأخرى ما وصفه الفيلسوف آرثر شوبنهاور: أن تنتقد بشدّة رأي الشخص أثناء حديثك معه، لتستفزه وتفقده تحكّمه بكلامه، وفي حماسه للدفاع عن رأيه سيفشي لك حقائق عن نفسه يمكنك أن تستخدمها لاحقًا ضدّه.

طريقة أخرى للتجسّس غير المباشر تكون باختبار الناس، بأن تنصب لهم شركًا يجعلهم يبوحون بمعلومات عن أنفسهم. كان إخشويرش الثاني، ملك الفرس في القرن السابع، مشهورًا بالدهاء، وكانت له القدرة على معرفة ما في دواخل الناس دون أن يتنبّهوا. وكان إذا رأى، مثلًا، أن اثنين من رجال البلاط أصبحت تجمعهما صداقة خاصة، يتنحّى بأحدهما ويقول له إن أخبارًا وصلته تفيد بأن صديقه خائن، وأنه سوف يُعدم قريبًا، ويقول للرجل إنه يأتمنه على السر أكثر من أي شخص آخر، وأن عليه ألّا يبوح لأحد بما سمع. ثم يراقب الرجلين مراقبةً دقيقةً؛ فإن رأى الرجل الثاني لا يتغيّر في تعامله مع الملك، عرف أن الأول قد حفظ السر ورقّاه، ثم يقول له، كأنما يعترف: «كنت أنوي قتل صديقك بسبب أخبار وصلتني، لكنني تحرّيت الأمر وعرفت أنها أخبار كاذبة». لكن من الناحية الأخرى، لو رأى الملك أن الرجل الثاني بدأ في الابتعاد عنه وأخذ ينعزل ويتوتر، عرف أن الرجل الأول لم يحفظ السر، فيأتي بالرجل الثاني ويقول له إن الموضوع برمته كان اختبارًا، وأنه على الرغم من أنه لم يذنب في شيء، إلا أنه لن يستطيع أن يثق به ثانيةً ويمنعه من البلاط. أما بالنسبة للرجل الأول الذي كشف السر، فيحكم بنفيه عن المملكة بأكملها.

وقد يبدو لك غريبًا هذا التجسّس على شخصيات الناس وليس على المعلومات العملية، ولكن الحقيقة أن هذه المعلومات غالبًا ما تكون أفضل الوسائل لمنع المشكلات قبل وقوعها.

باستدراجك الناس للقيام بأفعال معيّنة يمكنك أن تعرف الكثير عن إخلاصهم وأمانتهم وباقي خصالهم، وغالبًا ما يكون ذلك أكثر المعلومات قيمةً؛ فتسلّحك بهذه المعرفة يمكّنك من توقّع تصرفاتهم في المستقبل.

الصورة: التجسّس عين ثالثة

في عالم لا يرى فيه الجميع إلا بعينيهم، تمنحك العين الثالثة بصيرة القدير، فتتجاوز ما يراه الآخرون وتبصر ما خفي في صدورهم. ولن يأمن أحد من هذه العين إلا أنت.

اقتباس من معلم: عليك الآن أن تعرف أن ما يجعل الحاكم الحاذق أو القائد الحكيم يقهر العدو كلما قابله، وما يجعل إنجازاتهم تفوق قدرات الأشخاص العاديين، إنما هو قدرتهم على التبصّر بأحوال العدو. وهذا التبصّر لا يأتي باستدعاء الأرواح، أو الوحي الإلهي، أو قراءة الطالع، أو بالقياس على أحداث سابقة، بل يجب أن يستمدّ من أشخاص يعرفون أحوال العدو جيدًا، أي من الجواسيس. (صن تسو، فن الحرب، القرن الرابع ق.م).

عكس القاعدة:

المعلومات حيوية للسطوة، ولكن كما تتجسّس على الآخرين عليك أن تستعدّ لتجسّسهم عليك. من أقوى الأسلحة في حرب المعلومات نشر المعلومات الكاذبة؛ فكما قال تشرشل: «الحقيقة غالية، ولذلك يجب حمايتها بحرس من الأكاذيب». عليك أن تحيط نفسك بمثل هذا الحرس حتى لا يتم اختراق حقائقك، ونشرك لمعلومات تختارها يجعلك تتحكّم باللعبة.

في عام 1944 تصاعدت هجمات الصواريخ النازية على لندن. ألقت الطائرات حوالي ألف قنبلة على المدينة، قتلت أكثر من خمسة آلاف شخص وجرحت عددًا أكبر بكثير، لكن الألمان كانوا كثيرًا ما يخطئون أهدافهم لسبب يجهلونه؛ فكانت القنابل التي كان متوقعًا أن تقصف جسر تاور أو بيكاديللي تسقط في الأحياء غير المأهولة بعيدًا عن المدينة. كان السبب هو أن الألمان كانوا يعتمدون في تحديد أهدافهم على عملاء سريين زرعوهم في إنجلترا، ولم يعلموا أن الإنجليز ألقوا القبض على هؤلاء الجواسيس واستبدلوا بهم عملاء موالين لإنجلترا يمدّونهم بمعلومات خادعة.

أخذت القنابل تصيب مواقع أبعد فأبعد عن أهدافها، وفي نهاية الحملة كانت تصيب الأبقار في الحقول النائية. هكذا ترى أن إمداد الآخرين بمعلومات كاذبة يجعل لك أفضليةً كبيرةً عليهم. إن كان التجسّس يمنحك عينًا ثالثةً، فإن الأخبار الكاذبة تأخذ عينًا من عدوك، وتجعله يتخبّط ويخطئ أهدافه باستمرار.

المصدر   THE 48 LAWS OF POWER, ROBERT GREENE   (ترجمة د. هشام الحناوي)

 




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق