الأحد، 11 أغسطس، 2013

• مسلسل سنعود بعد قليل بين النجاح والفشل: نقد وتحليل ومراجعة


حين تصدى المخرج الأميركي كيرك جونز لتقديم نسخة جديدة من الفيلم الإيطالي "الجميع بخير"  (Stanno tutti bene)، لم يغب عن باله أن الفيلم الأصلي (أخرجه الإيطالي جوزيبي تورناتوري، متعاوناً في كتابته مع تونينو غويرا  وماسيمو دي ريتا) يرتكز بالدرجة الأولى على البناء النفسي للشخصيات، لتتولَّد الدراما عبر صدام العوالم الداخلية للنفس البشرية مع تناقضات الحياة الواقعية؟

 واعتماداً على ذلك المفتاح، أعاد جونز صياغة الحكاية مراعياً عاملين أساسيين: مرور تسعة عشر عاماً على النسخة الإيطاليّة، تبدّلت خلالها معطيات كثيرة في الحياة البشرية برمتها، ونقل موطن الحدث من المجتمع الإيطالي إلى نظيره الأميركي. 
بعد جونز بأربع سنوات، قام رافي وهبي، مستفيداً من النسختين، بتحويل الحكاية إلى مسلسل باسم «سنعود بعد قليل» قام بإخراجه الليث حجو. سيناريو وهبي أضاع المفتاح، ولم ينجح بإيجاد بديل ملائم، فبدا متحيراً بين البقاء خارجاً، وبين كسر الباب.
تقدّم القصة الأساسية لنا شخصية موظف حكومي متقاعد أرمل وأب لخمسة أولاد يعيشون في خمس مدن إيطالية. يقرر الأب المقيم في صقلية مفاجأة أبنائه بزيارتهم واحداً تلو الآخر، لنكتشف أن أحوال الأبناء ليست بخير. استعار وهبي الرداء الدرامي ذاته محاولاً حشر تداعيات الأزمة السورية داخله، وقام في سبيل ذلك بإجراء تعديلات كثيرة. فعلاوةً على نقل مكان الحدث وزمانه ـ بطبيعة الحال ـ جعل من الأبناء ستة، ومن والدتهم المتوفاة لبنانية الجنسية، الأمر الذي شكّل أول المطبّات. فالتعديل الذي يبدو أنه أجري لأسباب إنتاجية تتيح دخول ممثلين لبنانيين إلى صلب الحكاية، جاء أشبه بطعنة في صميم القضية التي ألزم المسلسل نفسه بها، من دون مبررات تتجاوز البحث عن الرواج. وبدلاً من أن يجد المشاهد نفسه أمام أسرةٍ فرّقتها الأزمة وتداعياتها، وجد نفسه أمام أسرة مشتتة الهوية في الأساس. 
بموازاة ذلك جاء التسطيح الذي طاول الشخصية المحورية في العمل أبو سامي (دريد لحام) ليكون مَقتلاً في النص. استعار وهبي من النسخة الإيطالية تعلّق الأب بصورة عائلية، ومن النسخة الأميركية ولعه المستمر بالتقاط الصور. لكنه حوَّلهما إلى الفعل شبه الوحيد الذي يقوم به نجيب على امتداد المسلسل، من دون أن ينتبه إلى أن المفتاح النفسي للشخصية في الفيلم الأساس هو رفضها للواقع لا انفصالها عنه، وفي النسخة الأميركية كان المفتاح إحساس الأب بالذنب لانشغاله عن الأبناء طيلة مراحل نشأتهم. أما في النسخة السورية فليس ثمة مفتاح، لنكون على موعد مع شخصية تجاوزت مرحلة الطيبة، لتسقط في فخّ السذاجة. 
وفي حين يقرر «أبو سامي الإيطالي» (مارتشيلو ماستورياني) إنكار الواقع، ويعود إلى قبر زوجته ليخبرها أن الجميع بخير، ويكتشف «أبو سامي الأميركي» (روبرت دي نيرو) الحقائق ويواجه أبناءه وقبر زوجته بها، نجد بطل النسخة السورية غافلاً عن كلّ شيء، وأسير تصرفات ساذجة تتكرر دائماً، يعجز مثلاً مرات متكررة عن تدوين رقم هاتفي. المفارقة أن هذه السمات لم تكن ملازمة للشخصية منذ ظهورها، ففي دمشق كان نجيب رجلاً عاقلاً يعرف أخطاء الجميع ويكبر عليها برقة قلبه، هو الممثل للتيار الثالث في الأزمة السورية، العارف بخطايا أطراف الأزمة والغافر لها، وهو الذي يدخل في حوارات بارعة مع صديقه عبدو (عمر حجو). لكنّه بدا كمن سقط في البلاهة بمجرّد دخوله المنعطف الدرامي المتمثّل بإصابته بورمٍ جعله ينتقل إلى لبنان لتشخيصه. 
على المسار ذاته، لم تنجُ الخطوط الدرامية الستة التي قدمها الأبناء من التناقضات. فظهر الخط المتمثل بشخصية الابن السياسي سامي (عابد فهد) زائداً عن الحاجة. وجاء سقوط الابن الإعلامي كريم (باسل خياط) في الخيانة الزوجية بلا اشتغال دقيقٍ على ممهدات ما قبل الحدث، ولا تبعاته. الأمر ذاته تكرر مع الابنة الصغرى ميرا (غيدا نوري) التي انتقلت فجأة من حال إلى حال بعد وقوعها في حب يوسف / جابر جوخدار. وجاءت حكاية أسرة دينا (نادين الراسي) باهتةً ومكرورة، ولا تمتّ للنسيج العام بصلة، فيما بدا التصاعد الدرامي لشخصية فؤاد (قصي خولي) منطقياً ونجح في الدخول على خط الأزمة السورية بطريقة سلسة، وانفردت شخصية راجي (رافي وهبي) بمسار نفسيّ موفق إلى حدٍّ ما.
إخراجياً قدّم الليث حجو ـ كعادته ـ اشتغالاً احترافياً عالياً، وأفلح في الحفاظ على إيقاع متماسك رغم أن النصّ لم يؤسس له. الأناقة المشهدية أفلحت في جذبنا لمتابعة مشاهد مليئة بالكلام، مفتقدةٍ إلى الدراما، ولعبت الموسيقى التي قام بتأليفها طاهر مامللي دوراً هامّاً على هذا الصعيد.
تراوح أداء الممثلين بين العادي والمبهر، فقدّم المخضرم عمر حجو أداءً يستحق التوقف عنده مطوّلاً، فترك غيابه فراغاً كبيراً في الحلقات التي اختفت فيها الشخصية. كما برع دريد لحام في أداء دافئ رفيع المستوى، مثبتاً قدرته على التألق بعيداً عن الكوميديا. وشكلت دانا مارديني بؤرة التألّق الأميز في العمل، عبر شخصية بائعة الورد مريم، مواصلةً بذلك مشوار التميز الذي بدأته الموسم الماضي في «الولادة من الخاصرة ـ ساعات الجمر». يوجز المثل السوري «توب العييرة ما بيدفي» (الثوب المستعار لا يقدم الدفء)، حال «سنعود بعد قليل». فالثوب الذي أعيدَ تفصيلُه جاءَ مليئاً بالثقوب، ولم يفلح جَمَالُ بعضِ تفاصيله في إنقاذ الموقف.
تابعونا على الفيس بوك

 

إقرأ أيضًا

 مسلسل العرّاف: نقد وتحليل ومراجعة

مسلسل لعبة الموت: نقد وتحليل ومراجعة.. ناجح لولا الحلقة الأخيرة

مسلسل عمر انتهى!... تقييم عام ونقذ لاذع

دور خالد بن الوليد في مسلسل عمر للفنان مهيار خضور

مسلسل عمر بن الخطاب..... سقوط وفشل

مسلسل عمر بن الخطاب.... نقد وتحليل

مسلسل العراف أساء للشعب الفلسطيني






هناك 3 تعليقات:

  1. مسلسل ابو الملايين البطلة فيه وحدة صايعة

    ردحذف
  2. صبايا مسلسل تافه جدا جدا جدا

    ردحذف
  3. مسلسل سنعود بعد قليل لم يزكر ان الاسد هو وراء الازمة بل اسرائيل وحدها لمازا

    ردحذف