الأربعاء، 20 يوليو، 2016

• المرأة الجاهلية والغزل

والواقع أن المجتمع الجاهلي عرف هذا القصاص حین رفض أهل المحبوبة زواجها ممن تغزل بها. لأن العرب غالباً «کانت لا تنکح الرجل امرأة شبب بها قبل خطبّه» [الإصبهاني، الأغاني، 1916م، ج ،20: ص181] فعنترة مثلاً حُرم زواج عبلة لأنه شبّب بها، وتغزّل بحبها. وهو لا یستطیع معاشرة محبوبته إذا لم یکن، إلی حد ما،‌ علی وفاق مع قبیلتها. وقد تنقطع علاقة ‌الشاعر مع المحبوبة ویکون الفصل بینهما، بسبب خصام العشیرتین، فتختفي شخصیة‌ المحبوبة خلف إرادة القبیلة، وفي حال تجارب الشاعر مع تلك القبیلة، یتسع قلبه لیعشق أبکار الحي‌ کافة. وهذا ما نراه عند المرقّش الأکبر في قول (ج. ل. فادیة، الغزل عند العرب، 1979م ،ص54)

وفِي الْحَيّ أَبْکارٌ سَبِینَ فُؤادَهُ
عُلالةَ مَا زَوَّدْنَ وَالحُبُّ شاعِفِي
دَقاقُ الحُضورِ لَمْ تُعَفّر قُرونُها
لشجوٍ ولم یَحْضُرنّ حُمَّی المَزالِفِ
لکنّ هذا لا یمنع بعض العرب من قبول زواج من تحدّث عن صبوته، أمثال دُرید بن الصَمّة ‌الذي تشبّب بتماضر –الخنساء- ولم یرفض ذووها طلبه، بسبب تغزله بها، بل علی العکس فإنّ أباها وأخاها وافقا علی خطبتها ورحّبا به، لکنّ الفتاة رفضته لکبر سنه ولم ترض به زوجاً (الحوفي، أحمد محمد، الغزل في العصر الجاهلي، 1972م، ص19):
حَیّوا تُماضِرَ وَأَزْمَعُوا صَحْبِي
وَقِفَوا فَإِنّ وقوفَکُمْ حَسْبِي...
أَخْناسُ قَدْ هَامَ الفُؤادُ بِکُمْ
وَاَعتَادُهُ داءٌ مِن الْحَبِّ
ویلیه زهیر بن أبي سلمی وامرؤ القیس اللذان خرجا علی المألوف، عندما تغزلا بزوجتیهما،‌ کأنهما یحاکیان المعشوقة. فزهیر تغزل بزوجته أم أوفی، وبدأ معلقته بها قائلاً (السقّا، مصطفی، مختار الشعر الجاهلي، لا تا، ص 227) :
أَمِنْ أُمِّ أَوْفَی دِمْنَةٌ لَمْ تَکَلَّمِ
بِحَوْمانَةِ الدُّرّاجِ فَالمُتثلّمِ
ویلیه امرؤ القیس في تشبیبه بزوجته أم جندب فیقول (السقّا، مصطفی، مختار الشعر الجاهلي، لا تا، ص42) :
خَلیلَيَّ مُرّا بِي عَلی أمُّ جَنْدَبِ
نَقضّ لَباناتِ الفُؤادِ الْمُعَذَّبِ
أَلَمْ تَرْیانِي کُلّمَا جِئْتُ طارِقاً
وَجَدْتُ بِها طَیّباً وَإِنْ لَمْ تَطَیّبِ
نعتقد أن الشاعر الجاهلي في حدیثه عن المرأة‌ لم یکن یهدف في بدایة الأمر، إلی کشف مفاتنها، تعببراً عن رغبة في ‌إظهار المحاسن الجسدیة، نظراً لخاصیة المجتمع الجاهلي وحیاته البدویة، التي أوجبت عند غالبیة‌ القبائل الحرص علی کرامة المرأة وسمعتها، والتمنع عن التحرش بها. لکن التطور الذي طرأ علی حیاة‌ البادیة، من إتصال بعض الشعراء بالدول المقیمة، علی أطراف الجزیرة العربیة –بلاد الروم والفرس- ومشاهدتهم جمال المرأة -القیان والجواري– في حوانیت الغناء ومجالس اللهو والخمر، أو في بلاط الأمراء، جعلهم یتعرفون إلی حیاة‌ جدیدة،‌ ویسجّلون بالتالي انطباعاتهم الشعریة عما یبعثه جمال المرأة من متعة ولذة ویتغزلون بأوصافها في صور واضحة. ویبدو أن صورة‌ المرأة، ارتبطت عند شعراء الجاهلیة باتجاهین أو مقدمتین:
في الاتجاه الأول یتحدث عن الدیار الباقیة والآثار التي خلفتها الحبیبة، من دون أن یعرض لها ویشبب بها، محدداً في الوقت نفسه أسماء المنازل ورحلة الظعائن، کنسیب زهیر بن أبي سلمی في معلقته قبل أن یصل إلی غرضه الأصیل، وهو مدح الحارث بن عوف وهرم بن سنان علی صنیعهما بإیقاف الحرب وحقن الدماء، والتغني بالسلام. [معاليقي، منذر، أدب عرب الجاهلية، 2012م، صص101-102] فالشاعر فی حدیثه یفضل الحدیث عن رحلته، ویتابع خطاها المحفوفة بالخطر، بسبب الحرب المشتعلة آنذاك بین عبس وذبیان، قبل أن یصل إلی هدفه الرئیس في نشر السلام وإقامة الصلح. هذا الإتجاه استفاد منه الحارث بن حلزة في معلقته السیاسیة، فبیّن أن غرضه من التحدث عنه لم یکن تشبباً أو تغزلًا، بقدر ما کان سیاسیاً، برمز إلی علاقة المناذرة‌ الجیدة مع قبائل عرب الشمال، بدلیل أن هنداً –لقب أطلق لقوم الشاعر. (زیان، بهي الدین، الشعر الجاهلي: تطوره وخصائصه الفنیة، 1982م، ص124)
والإتجاه الثاني مثّله طرفة بن العبد وعمرو بن کلثوم، والأعشی وزعیمه امرؤ القیس الذي أبداع في تجسید الغزل المادي، وتفنن في أوصاف جمال اللمحبوبة، حتی قیل عنه، أنه تعهّر في شعره. [معاليقي، منذر، أدب عرب الجاهلية، 2012م، صص101-102]





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق