الخميس، 13 يونيو 2019

• الصحة والمعادن


تؤدي المعادن البيولوجية دورا حيويا على صعيد بناء الجسم وصحته. ففي حين يؤثر نقص الكالسيوم على التقلص العضلي، وتخثر الدم، يؤدي العوز إلى المغنيسيوم إلى حدوث أمراض وعائية - قلبية، بينما يتمخض نقصان الحديد عن تدني مستوى الاستعدادات الذهنية. وهكذا يبدو أن الصحة، بالفعل... معادن!"

مع التقدم في السن، يفقد هيكلنا العظمي معادنه تدريجيا، وتنجم عن ذلك سلسلة من المضاعفات: كسور في عنق الفخذ، وضغوط فقرية.... فهل يمكن تجنب هذا المصير الفسيولوجي عن طريق الغذاء؟ عندما يذكر الكالسيوم، تذكر المنتجات اللبنية والمعدنة العظمية: صحيح أن 99% من إلى. 100 إلى 1200 جم من الكالسيوم البدني تتركز في الهيكل العظمي والأسنان على شكل بلورات مرتبطة بالنسيج البروتيني لتنميته وزيادة صلابته، إلا أن للكالسيوم عددا آخر من الوظائف الحيوية. ولما كان موجودا بمعدل 10 جم في السوائل والأنسجة الرخوة، فإنه يؤدي دورا في التقلص العضلي، والتوصيل العصبي، وتخثر الدم، وتنشيط عدد من الخمائر (الإنزيمات)، وضبط الاستثارية العضلية - العصبية.. وتبدو هذه الوظائف أكثر أهمية من المعدنة العظمية : عندما يكون وارد الكالسيوم الغذائي غير كاف، فإن تكلسم الدم أي "وجود الكالسيوم في بلازما الدم " يتم على حساب خزان العظام من الكالسيوم، مما يضعف تمعدن الهيكل العظمي. ولدى الأطفال واليافعين، والفتيان البالغين، تعتبر المحصلة الكلسية إيجابية، إذ إن تشكل المادة العظمية هو الغالب، في حين أن هذه المحصلة سلبية عند البالغين الأكبر سنا، حيث التلاشي العظمي هو الغالب.
إذن، يشكل فقدان المادة العظمية، الذي يرافق التقدم في العمر ظاهرة فسيولوجية طبيعية، تبدأ مع سن 25 - 30 سنة، بمعدل 0.5% إلى 1.0% سنويا. ويمكن أن يصل معدل هذا الفقدان عند المرأة إلى 3 - 4% خلال السنوات التي تلي سن اليأس (سن انقطاع الطمث). وهكذا، عند درجة ما من ترقق العظام، يبدأ ظهور تخلخل العظام، الذي يتمخض عن مجموعة من المضاعفات الخطيرة، بسبب رقة العظام وهشاشتها.
الرأسمال العظمي
هناك نوعان من تخلخل العظام : النوع الأول يصيب النساء بشكل رئيسي بعد سن اليأس، ويتجلى في تلاشي مادة العظام الإسفنجية، مما يؤدي إلى انضغاط الفقرات، في حين يصيب الثاني، المسمى الشيخوخي، الأشخاص المسنين، ولاسيما النساء، وهو يطال الأجزاء المتماسكة، والإسفنجية من العظام : تتجلى نتائجه على شكل كسور في عنق الفخذ، بسبب هشاشة العظم القشري.
تشكل الوقاية طويلة الأمد من تخلخل العظام أحد أهداف دراسات اختصاصيي التغذية. وفي ذلك، يعولون على "التغذية الكلسية"، التي تتيح سد الحاجات المطلوبة من الكالسيوم طيلة الحياة. فضلا عن ذلك، يرى هؤلاء أن تكوين الرأسمال العظمي، بأكبر قدر ممكن، لدى اليافعين، هو أمر بالغ الأهمية.
يصل الإنسان إلى الذروة الكتلوية العظمية بين سن 25 و 30 سنة بالنسبة للذكور، وقبل سن 20 سنة بالنسبة للإناث. إذن، من الضرورة الحتمية الحصول على الجرعات المطلوبة من الكالسيوم خلال الطفولة والمراهقة... نحو 900 إلى 1200 مغ من الكالسيوم يوميا. وربما كان ذلك أفضل أساليب الوقاية من الإصابة بتخلخل العظام في وقت لاحق. وبعد هذه الفترة من الحياة، ينصح بجرعة كالسيوم يومية 900 مغ، من أجل التعويض عما نفقده منه في مخلفاتنا وتعرقنا ويقدر ما نفقد عبر ذلك بنحو 300 مغ في اليوم.
يؤمن اللبن والمنتجات اللبنية أكثر من ثلثي جرعة الكالسيوم في الأنظمة الغذائية السائدة وفقا للنمط الغذائي الغربي.
وهكذا، فإن استهلاك المنتجات اللبنية مطلوب بإلحاح بالنسبة لليافعين في فترة تشكل الرأسمال العظمي، ونقصها مؤشر مسبق ومهم على رجحان الإصابة بتخلخل العظام مستقبلا.
وماذا عن المغنيسيوم؟!
لقد بالغ البعض في وصف دور المغنيسيوم بالنسبة للجسم، في حين أهمل آخرون هذا الدور. مع ذلك، يبدو أن للمغنيسيوم تأثيرا مهما على صعيد صحة الإنسان. ففضلا عن مسئوليته في الاستثارية العصبية - العضلية، يتميز بتأثيره في عدد من الأمراض، وبالأخص الوعائية - القلبية.
منذ زمن طويل والمغنيسيوم معروف على أنه أحد العناصر الرئيسية في التغذية المعدنية للنبات. ورصدت أهميته بصورة أفضل بعد اكتشافه في الجزيء اليخضوري، الذي يتسم بدور جوهري في تحويل الطاقة الشمسية إلى مادة حية عبر عملية التركيب الضوئي. وعند الحيوان، ظهرت أهمية المغنيسيوم منذ العام 1962، حين أخضعت فئران لنظام غذائي يخلو من المغنيسيوم، فتوقف نموها، وراحت تعاني من فرط الاستثارية العصبية - العضلية.
في الواقع، لم تبدأ البحوث فعليا حول هذا العنصر إلا في الستينيات، على صعيد الطب البيطري، بهدف معرفة أسباب التكزز الكلأي، حيث لوحظ أن هذا المرض، الذي يصيب البقر الحلوب، على علاقة برعي العشب النابت حديثا في الربيع والمتميز بخصائص محددة، ويؤدي إلى انخفاض سريع في معدل مغنيسيوم الدم، أو قصور المغنسة، مع اضطرابات عصبية - عضلية تترافق بظهور تكزز شديد، يعقبه نفوق الحيوان.
في الحقيقة، يعد التكزز أبرز أعراض قصور المغنسة الشديد. وتشير الدراسات إلى أنه تترتب على نقص مغنيسيوم الغذاء نتائج مرضية في غاية التنوع، لدى الأنواع الحيوانية وعند الإنسان. لقد بقي المغنيسيوم طي الإهمال على صعيد التوازن المعدني الغذائي لزمن طويل، في الوقت الذي رأى فيه بعض الاختصاصيين ترياقا حقيقيا، من شأن العوز إليه أن يمهد الطريق إلى الإصابة بالسرطان، وانتشار الأوبئة، وتكاثر حالات الانتحار أيضا.
يتركز ما يقرب من ثلثي مغنيسيوم الجسم في العظام، في حين يتوزع الجزء الأعظم من الثلث الباقي داخل الخلايا، ويوجد قرابة 1% منه خارج هاتين النقطتين.ويرتبط الامتصاص المعوي ارتباطا وثيقا بكمية المغنيسيوم المستهلكة.
في الواقع، إن الكلية هي المسئولة عن جوهر انتظام المغنسة وتشكل الرأسمال المغنيسي في الجسم. وعندما يكون وارده الغذائي عاليا، تعمل الكلية على طرح الفائض منه، وعلى العكس، عند تناقص وارده الغذائي، يزداد معدل الامتصاص الأنبوبي الهضمي.
وفي الوقت الراهن، هنالك العديد من البحوث الجارية من أجل التعرف الأفضل إلى الآليات التي تؤمن استتباب المغنيسيوم في داخل الخلايا، ذلك أن هذا العنصر يساهم مساهمة فعالة في المراحل الرئيسية للاستقلاب الخلوي : يدخل في جميع التفاعلات التي تولد الطاقة أو تؤدي إلى استهلاكها كما أنه حتمي لتلاحم الأغشية الخلوية. وللمغنيسيوم أيضا تأثير مباشر على النسيج العظمي. ويسبب نقصه بطء نمو العظام ويفسد خاصياتها الميكانيكية.
إن للمغنيسيوم كذلك دورا مهما في الأمراض الوعائية القلبية، فالعوز إليه يؤدي إلى فرط شحميات الدم الذي يعتبر من المخاطر الرئيسية لتصلب الشرايين. وقد بينت التجارب التي أجريت على الحيوان أن هذا العوز يؤدي، فضلا عما ذكرنا، إلى تغير توزع الكولسترول على مختلف فئات البروتينات الشحمية واضطرابات قلبية، وتشكل الخثارات.
مع ذلك، لا يبدو المغنيسيوم مضادا أساسيا لفرط ضغط الدم، لذا يمكن تصور أن لنقصه دورا في الحوادث أو الأمراض الوعائية القلبية التي تسبب الجلطات التي تعيق دوران الدم في بعض أجزاء الجسم: الساقين، والدماغ، والرئتين...
أخيرا..يتمخض العوز إلى المغنيسيوم عن التراكم الكلسي في الخلية العضلية، وهو ما يؤدي إلى اضطراب عمل مضخة الكالسيوم، وبالتالي إعاقة الارتخاء العضلي. هنالك ظروف ترفع من معدل المغنيسيوم في الجسم، كالنمو، والحمل، والإرضاع، والنشاط البدني المكثف، وهنالك ظروف أخرى تشوش آليات الاحتفاظ به: الشيخوخة، وبعض الأمراض (الكحولية)، وداء السكري، والعلاجات المختلفة، مثل مدرات البول، وبعض الأدوية المضادة للسرطان، وأقراص منع الحمل..
إن نتائج العوز الهامشي المزمن إلى المغنيسيوم معروفة ومتكررة الحدوث، وتتجلى أعراضها السريرية في أشكال عديدة، وتنطوي بشكل خاص على مؤشرات عصبية - عضلية واضطرابات سلوكية: تعب، وأرق، وصداع، ودوار، وفرط انفعال، وقلق، وشعور بتضخم في الحلق، وألم في منطقة القلب، وحصر تنفسي، وتشنجات، وآلام عضلية، وتقلص في القناة الهضمية. ويحتاج الجسم في المتوسط إلى 5 مج من المغنيسيوم لكل كيلو جرام وزنا، يوميا. ونحصل على المغنيسيوم من المنتجات النباتية : الخبز، الحبوب الأخرى، والبطاطا، وبعض الفواكه والخضار التي هي أهم مصادره.
ولا تساهم اللحوم والبيض إلا بثلث الجرعة المطلوبة، وتعد المنتجات اللبنية فقيرة بالمغنيسيوم نسبيا، في حين لا وجود له في المواد الدسمة والسكريات. عمليا، وبطبيعة الحال، ينبغي الاعتماد في الغذاء على الأطعمة التقليدية، المتنوعة، وتجنب المأكولات الخفيفة السريعة، والمحفوظة، قدر الإمكان.
في الواقع، أدى تغيير عاداتنا الغذائية، وتناول المنتجات المصنعة إلى انخفاض جرعاتنا الضرورية من المغنيسيوم. لقد بتنا نحب "الأبيض" أكثر مما ينبغي: الخبز الأبيض، والرز الأبيض، والملح الأبيض...فضلا عن الطبخات السريعة. ورحنا نسيء استعمال ماء طبخ الخضراوات، الملىء بالمغنيسيوم، برميه في البواليع، كما أن مياه الشرب غنية بالمغنيسيوم (يصل تركيزه فيها أحيانا إلى 30 مج/ لتر).
والحديد...نوعان
لم تعرف قيمة الحديد فعليا، كواحد من العناصر المعدنية البيولوجية الجوهرية، إلا نحو منتصف القرن التاسع عشر، حين انتشر مرض انتشارا واسعا بين الأوربيين، وبالأخص بين النساء الشابات، فجعلهن شاحبات منهوكات القوى. وكن يعالجن بالحديد، فيشفين، ولكن دون أن يعرف السبب بدقة. وقد أطلقوا على هذا المرض في البداية اسم "الدنف" ثم "داء الاخضرار"، وأخيرا "فقر الدم"، الذي لم يأت تفسيره الفسيولوجي المرضي إلا في نهاية القرن التاسع عشر، مع اكتشاف خضاب الدم.
بعدئذ، امتزج مفهوم العوز إلى الحديد بمفهوم فقر الدم حتى اعتبر انخفاض معدل خضاب الدم، لزمن طويل، مرادفا للعوز إلى الحديد.
إلا أن التطورات التي أحرزت على صعيد الدمويات، والكيمياء الحيوية، والتغذية، أتاحت تدقيق معارفنا حول استقلاب الحديد وحول مختلف وظائفه في الجسم. كما أتاحت اكتشافات العقدين الأخيرين إمكان الكشف عن نقص الحديد في مرحلة مبكرة جدا، أي قبل أن يترك هذا النقص تأثيراته على مجمل السيرورات الخلوية المؤدية إلى صنع الكريات الحمر، والتي تتطلب قدرا كافيا من الحديد من أجل تركيب خضاب الدم. كل ذلك جعلنا ندرك أن العوز إلى الحديد يتجاوز بكثير إطار فقر الدم بالمعنى الدقيق للكلمة، وأن هذا الفقر ليس سوى شكل متقدم جدا من أشكال العوز إلى الحديد، الذي هو بمثابة الجزء المرئي من جبل الجليد، إذ إن أولئك الذين يعانون من العوز إلى الحديد هم أكثر بكثير من المصابين بفقر الدم. وأيضا لأن لنقص الحديد نتائج سلبية عديدة على صحة الأفراد وعلى حياة الجماعة.
من المعروف أن من الصعب على النوع البشري تلبية حاجاته من الحديد، وذلك لسبب بسيط : ففي حين لا يستطيع الجسم امتصاص حديد الأغذية إلا بكمية محدودة، يفقد في الوقت نفسه جزءا مما يمتصه منه. وإذا ما أصاب هذا النمط من التوازن خلل ما، أي عندما يغدو المفقود من حديد الجسم أكثر من وارده منه، ظهر ما يسمى بالعوز واستمر النقص بلا قدرة على التعويض.
وفي هذا الإطار، هناك ملاحظتان: إن الحاجات إلى الحديد متباينة، فهي ليست نفسها عند الجنسين، وتختلف وفقا للسن، وظروف الحياة النفسية. وهكذا، نجدها مرتفعة لدى الأطفال (بسبب النمو)، ولدى النساء في سن الإنجاب (نظرا لما يفقد من الحديد خلال الطمث)، ولدى الحوامل (بسبب الحاجات النوعية المتعلقة بالحمل). والملاحظة الثانية هي أنه لا سبيل إلى تلبية هذه الحاجات إلا من خلال الغذاء، وبالطبع، الجسم البشري غير قادر على تركيب الحديد.
مع ذلك، أدت الأنماط الغذائية السائدة في عالم اليوم إلى انخفاض المقادير الطاقوية اللازمة للجسم، كنتيجة منطقية لانخفاض الصرف الطاقوي، المرافق لحياة التحضر، خصوصا في البلدان الصناعية والغنية. ولكن، ترافق ذلك بظاهرة مؤسفة: انخفاض واردات الجسم من العناصر المعدنية البيولوجية، ومنها الحديد.
يوجد في أغذيتنا نوعان من الحديد : الحديد الهيميني، والحديد اللاهيميني. يعطي الأول 10 إلى 15% من الحديد الغذائي، ونجده في هيموجلوبين وميوجلوبين المنتجات الحيوانية (40 - 50% من الحديد الموجود في اللحوم والأسماك). إلا أن الأمر مختلف بالنسبة للحديد غير الهيميني، الموجود في الأغذية النباتية، والبيض، والمنتجات اللبنية، إذ يتعلق امتصاصه بنوع الوجبة، وخصوصا مع الموجود المتزامن لمختلف العوامل المنشطة أو المقلصة لقابلية تحوله الحيوية.
وهكذا، فإن اللحوم، والأسماك، ومختلف الأحماض العضوية، وحمض الاسكوربيك (فيتامين س) بشكل خاص، تنشط عملية امتصاصه، في حين يعمل حمض التنيك، والكالسيوم، وبعض أنماط البروتينات، ومختلف أشكال الألياف الغذائية، الموجودة في الشاي، والقهوة، والنبيذ، وصفار البيض، والنخالة - على سبيل المثال - على إعاقة امتصاصه.
وتشير الدراسات الأخيرة (لا يزال هذا الميدان البحثي حديث العهد)، حول العوز إلى الحديد، إلى أن النتائج الوظيفية للاضطرابات الاستقلابية المرتبطة بهذا العوز يمكن أن تكون التالية:
ضعف القدرة البدنية عند بذل الجهد، وتدني مستوى الاستعدادات الذهنية، وضعف القدرة على مقاومة الأمراض، واضطرابات مختلفة خلال فترة الحمل، وأخيرا شذوذات في تولد الحرارة.
وفي هذا الإطار، هنالك ثلاث توصيات وقائية:
* تناول قدر منتظم من الحديد (على شكل دواء) بالنسبة للحوامل، بإشراف ومراقبة طبيين، منذ الشهر الثالث للحمل، قدر الإمكان، بجرعات يومية يقدرها الطبيب الاختصاصي (بين 45 إلى 90 مج يوميا).

* تناول قدر منتظم من الحديد على شكل علاجات متكررة بالنسبة للأطفال الرضع بين سن 10 و 36 شهرا، تحت إشراف الطبيب (من 3 إلى 6 مج لكل كيلو جرام وزنا).
* تناول الفاكهة والخضار، التي تشكل مصادر جيدة للفيتامين ث وتزيد من قابلية التحول الحيوي للحديد غير الهيميني الموجود في بقية الأطعمة.
وعلى نحو مواز، من المناسب، بالنسبة للأشخاص الذين تخشى إصابتهم بالعوز إلى الحديد أو يعانون من العوز المعتدل إليه، التخفيف من تناول بعض المواد التي تخلو من الفائدة الغذائية، كالشاي والقهوة، والتي تؤدي دورا مقلصا أو كابحا لا متصاص الحديد.
محمد الدنيا مجلة العربي





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق