القاعدة 18 من كتاب 48 قانون للقوة (قواعد السّطوة) للكاتب روبرت جرين
الحكمة:
العالم مكان خطر، مليء بالأعداء، وعلى الجميع أن يحمي نفسه. وقد تظن أن التحصّن يؤمّنك، لكن العزلة تضيف إلى المخاطر أكثر مما تحمي منها؛ فهي تصعّب عليك الحصول على المعلومات الثمينة، وتبرزك كهدف سهل للهجوم. الأفضل أن تتجول بين الناس، وتختلط بهم، وتصنع من بينهم حلفاء. فالجموع هي الدرع الحقيقي الذي تحتمي به من الأعداء.
انتهاك القاعدة:
كان شين شه هوانج تي، أول إمبراطور للصين (221 - 210 ق.م.)، أقوى رجل في عصره، وكانت إمبراطوريته أكبر وأقوى من إمبراطورية الإسكندر الأكبر. فقد استطاع أن يستولي على كل ما حوله من الممالك، ووحّدها جميعاً في مملكة واحدة كبيرة هي الصين، التي سُمّيت تيمناً باسمه. لكن في السنوات الأخيرة من حياته كان من الصعب، أو المستحيل، لأحد أن يراه.
كان الإمبراطور يعيش في أروع قصر بُني حتى حينه في العاصمة هسين يانج، وكان بالقصر 200 جناح تتصل بعضها ببعض بممرات سرية تحت الأرض، وتسمح للإمبراطور بأن يتجول بأرجاء القصر دون أن يراه أحد. وكان ينام في غرفة مختلفة كل ليلة، وكل من يراه، ولو غير عامد، يُقطع رأسه. لم يعرف إلا القليلون عن أحواله، وحتى هؤلاء إن أفشوا ما يعرفونه كانوا يُعاقبون أيضاً بالموت.
كان الإمبراطور الأول للصين يخشى الاتصال بالناس لدرجة جعلته لا يغادر القصر إلا متخفياً وفي السر. وفي إحدى تلك الرحلات مات فجأة، وحُمل جسده إلى العاصمة في المركبة الملكية، تجر خلفها عربة محمّلة بالسمك المملح لتغطي على رائحة الجثة المتعفنة. مات الإمبراطور وحيداً، بعيداً عن أسرته وأصدقائه ورجال قصره، لا يصحبه إلا وزير وبعض الخصيان.
التعليق:
بدأ شين شه هوانج تي حياته، حين كان ملكاً لمملكة شين، محارباً شجاعاً لا يخشى أحداً، وكان طموحه لا يقف عند حد. ووصفه الكتّاب في عصره بأنه رجل له «أنف دقيق، وعينان ضيقتان، وصوت ابن آوى، وقلب نمر أو ذئب». قد يكون رحيماً أحياناً، ولكن في أغلب الأحوال يبتلع الرجال دون تردّد.
واستطاع بالحيلة والعنف أن يستولي على الأقاليم المحيطة بمملكته، وأن يكوّن الصين الحالية كأمة وثقافة واحدة بدمج أمم وثقافات عديدة. وألغى الإقطاع، ولكي يراقب الأعداد الهائلة من الأسر الملكية المنتشرة في الممالك الكثيرة التي فتحها، جمع 120,000 منهم إلى العاصمة، وأسكن أهم رجال بلاطهم في قصره الهائل في هسين يانج. ودمج الأسوار العديدة على الحدود وأكمل بناءها، وصنع منها سور الصين العظيم، ووحّد قوانين البلاد ولغة كتابتها، وحتى قياس عجلات العربات.
لكن أثناء عمليات التوحيد والدمج هذه منع الإمبراطور الأول كتابات وتعاليم كونفوشيوس، الفيلسوف الذي تحولت أفكاره عن الأخلاق إلى دين فعلي في الثقافة الصينية. وبأمر من شين شه هوانج تي أُحرقت كتب كونفوشيوس، وكان يُقطع رأس أي شخص يقتبس من أقوال الفيلسوف الحكيم.
وقد جلبت هذه الممارسات عداوة الكثيرين للإمبراطور، فأصبح خائفاً ومرتاباً على الدوام، وتزايدت الإعدامات. وقد علّق كاتب معاصر لهذه الأحداث قائلاً: «ظلت مملكة شين تنتصر لأربعة أجيال متوالية، إلا أنها ظلت تعيش في خوف وخشية دائمة من الدمار».
احتمى الإمبراطور أكثر فأكثر بالعزلة، وكان يخسر ببطء سيطرته على الإمبراطورية. وكان الوزراء والخصيان يضعون السياسات دون موافقته أو علمه، بل وتآمروا ضده. وفي النهاية أصبح إمبراطوراً بالاسم فقط، وكان معزولاً لدرجة أنه لم يعلم بموته إلا قليلون، وكان من المرجح أن يقتله بالسم الوزراء الذين شجعوه على الاحتماء بالعزلة.
هذا ما ينتج عن العزلة: لو انسحبت واحتميت خلف حصن، تفقد الاتصال بمصادر سطوتك، ولا تعرف ما يحدث حولك، وتفقد الحكمة والإحساس بالتوازن. وبدلاً من أن تحصل على الأمان تنقطع عن المعرفة المطلوبة للإبقاء على حياتك وازدهارك. لا تقطع نفسك أبداً عن الشارع لدرجة تمنعك من معرفة ما يدور حولك، بما في ذلك المؤامرات التي تُحاك ضدك.
مراعاة القاعدة:
أمر الملك لويس الرابع عشر ببناء قصر فرساي له ولحاشيته في ستينيات القرن السابع عشر، ولم يكن يشبهه أي قصر آخر في العالم، وكان يعمل كخلية نحل، حيث تدور كل الأمور حول الملك.
كان لويس يعيش محاطاً بالنبلاء، حيث كان لكل منهم جناح يعتمد في قربه من جناح الملك على مكانة شاغله، وكان مخدع الملك يشغل النقطة المركزية للقصر حرفياً، وكان قبلة الانتباه لجميع من في القصر. وكل صباح كانت الحاشية تقدم التحية للملك في طقس كان يُعرف باسم «التصبيحات».
في البداية كان الخادم الخاص للملك، الذي ينام عند أقدام الفراش الملكي، يوقظ الملك، ثم يقوم الحجّاب بفتح الأبواب لمن لهم دور في التصبيحات، وكان ترتيب دخولهم محدداً بدقة: في البداية يدخل الأبناء غير الشرعيين للملك وأحفاده، ثم الأمراء والأميرات الشرعيون، ثم طبيبه وجراحه، ثم يدخل الموظفون الكبار في شؤون الملابس الملكية، ثم القارئ الرسمي للملك، وبعد ذلك المسؤولون عن تسلية الملك، ثم يدخل المسؤولون في الحكومة من الأقل مرتبة إلى الأعلى، وأخيراً يدخل الضيوف الذين يحضرون التصبيحات بدعوة خاصة. وفي نهاية المراسم يكون قد حضر إلى المخدع مائة شخصية من البلاط والزوار الملكيين.
وكان الجدول اليومي يُنظّم بحيث تتحرك كل طاقة القصر إلى الملك وبأوامره. وكان يحضر بين يدي لويس رجال البلاط والمسؤولون يطلبون النصح والمشورة، وكان يجيب عليهم جميعاً برد واحد: «سوف أرى».
وكما علّق القديس سيمون، كان إذا التفت نحو شخص أو ألقى إليه بتعليق غير هام، تتجه كل العيون إلى ذلك الشخص، فيصبح مميزاً ويتحدث عنه الناس، ويرفع ذلك من مكانته الاجتماعية.
ولم تكن هناك فرصة للخصوصية داخل القصر، ولا حتى للملك؛ فكانت كل غرفة تتصل بأخرى، وكل ممر يؤدي إلى غرف أكبر يجتمع فيها النبلاء، وكانت أفعال الجميع متشابكة معاً، ولم يكن شيء يمر دون أن يلاحظه الآخرون.
وكتب القديس سيمون أيضاً: «لم يكن الملك يهتم ويدقق في حضور علية النبلاء فحسب، بل في النبلاء الأقل شأناً أيضاً». وكان في كل الأوقات، سواء أثناء التصبيحات أو الوجبات أو تجواله في حدائق فرساي، ينتبه إلى كل التفاصيل. وكان يشعر بالإهانة إن علم أن النبلاء المقربين لا يعيشون باستمرار في القصر، ويغضب إن احتجب عن الظهور مؤقتاً أو مطولاً أحد رجال الصفوة. وإن أتى هذا الرجل بمطلب كان يرد بكبرياء: «أنا لا أعرف هذا الشخص»، وكان ذلك حكماً بردّ مكانته وإنهائها.
التعليق:
اعتلى لويس الرابع عشر العرش في نهاية حرب أهلية طاحنة كان المحرضون الأساسيون لها هم النبلاء، الذين ضاقوا بالسطوة المتنامية للملك، وكانوا يشتاقون إلى عصر الإقطاع، حيث كان الملاك يحكمون مناطقهم ولم تكن للملك سلطة كبيرة عليهم. خسر النبلاء الحرب، لكنهم ظلوا كثرة مشاكسة وحاقدة.
لم يكن بناء فرساي مجرد نزوة ملك يحب البذخ، بل كان له وظيفة مصيرية، وهي أن يراقب الملك بدقة كل من وما حوله. وتحول الحق في مساعدة الملك على ارتداء ثيابه في الصباح إلى شرف يتنازع النبلاء عليه. ولم تكن هناك فرصة للخصوصية أو العزلة.
أدرك الملك لويس الرابع عشر في عمر مبكر أن انعزال الملك يشكل خطراً عليه؛ ففي غيابه تتكاثر المؤامرات بسرعة كما يتكاثر الفطر بعد المطر، ويتحول الحقد عليه إلى فتن وأحزاب متحاربة، وقبل أن ينتبه يجد التمرد قد انتشر فلا يستطيع أن يتعامل معه. ولمكافحة ذلك لم يكن عليه أن يشجع الانفتاح والتواصل والتعايش الاجتماعي فحسب، بل أن ينظمها ويفتح القنوات لتدفقها.
استمر هذا الحال طوال فترة حكم لويس، لخمسين عاماً من السلام والهدوء النسبيين، وطوال كل هذه السنوات لم تكن إبرة تسقط دون أن يعلم بها لويس.
»العزلة تضر العقل ولا تفيد الفضيلة... وتذكّر أن الشخص المنعزل يكون دائماً مترفاً، وغالباً متطيّراً، وأحياناً مجنوناً». (د. سامويل جونسون، 1709 – 1784).
مفاتيح للسطوة:
برهن مكيافيللي أن من المنظور العسكري البحت يكون بناء الحصون والاحتماء بها خطأً استراتيجياً دائماً؛ فهي تقيّد قدرات من يبنيها، وتكون هدفاً سهلاً لعدوه. تبنيها لكي تحميك، لكنها تقطع عنك المساعدات وتحدّ من مرونتك. قد تبدو لك منيعة، ولكن بمجرد أن تتحصن خلف أحدها يعرف الجميع مكانك، ودون جهد كبير من عدوك يتحول حصنك إلى سجن.
كما أن مساحاتها الصغيرة والمقيّدة تجعلها معرضة بشدة لانتشار الأوبئة والأمراض. وبلغة الاستراتيجية، لا توفر الحصون أي حماية، وتخلق من المشكلات أكثر مما تحل.
البشر كائنات اجتماعية بطبيعتهم، ولذلك تعتمد السطوة على التعاملات والاختلاط الاجتماعي. ولكي تكتسب السطوة عليك أن تضع نفسك في مركز الأحداث، كما فعل لويس الرابع عشر في قصر فرساي. يجب أن تدور الأنشطة حولك، وعليك أن تتنبه لما يجري في الشوارع، وأن تكتشف أي شخص قد يدبر ضدك المكائد.
ويخطئ معظم الناس حين تتهددهم الأخطار ويلجؤون إلى الانعزال والانغلاق على معارفهم المقربين كحصن أو ملاذ يشعرهم بالأمان، ولكن ذلك يجعلهم يقتصرون في الحصول على المعلومات على دوائر تضيق باستمرار، ويضيع منهم المنظور الواضح والعقلاني لرؤية الأحداث، ويفقدهم القدرة على المناورة، فيصبحون أهدافاً سهلة لأعدائهم. وقد تصيبهم العزلة بالارتياب المرضي. وكما في الحروب والنزاعات، وكذلك في أغلب الألعاب الاستراتيجية، يكون عزل الخصم ومحاصرته الخطوة الأولى لهزيمته والقضاء عليه.
في أوقات الريبة والخطر عليك أن تقاوم هذه الرغبة نحو الانطواء إلى الداخل، وأن تكون أكثر انفتاحاً على الآخرين، وتبحث عن حلفائك القدامى، وأن تكوّن تحالفات جديدة، وتجبر نفسك على الدخول في دوائر متنوعة من العلاقات. كانت تلك حيلة الأقوياء وأصحاب السطوة لقرون مضت.
كان رجل الدولة الروماني شيشرون من أصل متواضع بين النبلاء، ولم يكن ذلك ليسمح له بالحصول على السطوة ما لم يصنع لنفسه مكاناً بين الصفوة الذين يحكمون المدينة، وقد نجح في ذلك نجاحاً مبهراً. أخذ شيشرون يتعرف على كل أصحاب النفوذ، ويتأمل العلاقات التي تربط بينهم، وكان يخالط الجميع ويعرفهم، وكوّن شبكة كبيرة من الروابط، بحيث إن عرقله عدو هنا يسانده حليف هناك.
وكان رجل الدولة الفرنسي تاليران يجيد هذه اللعبة بالقدر نفسه. وعلى الرغم من أنه كان سليل إحدى أعرق الأسر في فرنسا وأقدمها تاريخاً، فإنه جعل على نفسه أن يظل على اتصال بما يحدث في شوارع باريس. وكان ذلك يسمح له بأن يتعرف مبكراً على ما يختمر بين العامة من ميول واضطرابات.
بل كان يستمتع بشكل خاص بالتواصل مع شخصيات إجرامية مشبوهة، وكانوا يقدمون له معلومات قيّمة. وكان في كل أزمة أو تبدل للسلطة، مثل انتهاء مجلس الحكم، وسقوط نابليون، ونزول لويس الثامن عشر، قادراً ليس على أن ينجو بنفسه فقط، بل أن يزدهر؛ وذلك لأنه لم يغلق نفسه أبداً على دائرة ضيقة من المعارف، بل كان يصنع لنفسه دائماً روابط مع النظام الجديد.
هناك قاعدة تنطبق على الملوك والملكات، وعلى القادة الكبار للمؤسسات: في اللحظة التي تنقطع فيها عن شعبك وتبحث عن الأمان في العزلة يبدأ التمرد في الاختمار. ولا تظن نفسك أبداً حصيناً لدرجة تسمح لك بالانقطاع حتى عن أدنى رعاياك ومرؤوسيك مرتبة. فالتحصن بموقعك يجعلك هدفاً سهلاً للمتآمرين من رعاياك وأتباعك، الذين يرون في انعزالك عنهم إهانة وسبباً للتمرد.
ولأننا، كبشر، كائنات اجتماعية بالطبيعة، فإننا لا نكتسب المهارات التي تجعل الآخرين يحبون صحبتنا إلا بالمخالطة والانطلاق. وكلما زاد اتصالنا بالآخرين ازداد شعورنا بالامتنان والراحة. ولكن العزلة، على عكس ذلك، تشعرنا بالرهبة من الصحبة، وتجعل ألفتنا خائفة وغير واثقة، فيبتعد الناس عنا، وندخل في المزيد من العزلة.
في عام 1545 أراد الدوق كوزيمو الأول من آل مديتشي أن يخلّد اسمه بإنشاء الزخارف الجدارية للمصلى الرئيسي في كنيسة سان لورنزو بفلورنسا، وكان هناك الكثير من الفنانين ليختار من بينهم. وفي النهاية استقر رأيه على جاكوبو دي بونتورمو.
بعد سنوات من النجاح اشتدت رغبة بونتورمو في أن يجعل هذه الزخارف إبداع حياته وتراثاً للأجيال القادمة، وكان قراره الأول أن يحيط البناء بأسوار وحواجز وستائر تمنع الناس من رؤية تحفته الفنية، خوفاً من أن يسرق أحدهم أفكاره؛ فهو عمل قد يتفوق به على مايكل أنجلو نفسه. وكان إذا تسلل بعض الشباب بدافع الفضول يقوم بونتورمو بالمزيد من التشديد على إغلاق المبنى.
ملأ بونتورمو سقف المصلى بمشاهد من الكتاب المقدس، مثل قصة خلق العالم، وآدم وحواء، وسفينة نوح وغيرها. وفي أعلى الحائط الأوسط رسم المسيح في جلاله، يقيم الموتى يوم الحساب.
ظل الفنان يعمل في المصلى طوال أحد عشر عاماً، وكان نادراً ما يغادره؛ لأنه أصبح يخشى الناس ويخاف بشدة من أن تُسرق أفكاره.
مات بونتورمو قبل أن ينهي الزخارف، وضاعت هي الأخرى ولم ينج منها شيء. ولكن صديق بونتورمو، الكاتب العظيم فاساري، رآها بعد موت الفنان بقليل، ووصفها بأنها كانت خالية تماماً من التناسق؛ وكانت بعض المشاهد تقتحم المشاهد المجاورة، وكانت أشكال من بعض القصص تدخل في قصص أخرى بتكرار مفزع، وكانت تبيّن انشغال بونتورمو بالتفاصيل وتغافله عن الصورة الكلية.
اكتفى فاساري سريعاً من وصفه لهذه الزخارف، وكتب أنه لو استمر في الوصف: «فقد يصيبني الجنون وتحل عليّ اللعنة التي جعلت بونتورمو يقضي أحد عشر عاماً في صنعها، والتي كانت تربك كل من يراها». كان هذا العمل تدميراً، وليس، كما أراد بونتورمو، تتويجاً لنجاحه واسمه كفنان.
كانت هذه الزخارف التجسيد البصري لما تفعله العزلة في العقل البشري: أي فقدان التناسق، والهوس بالتفاصيل على حساب المعنى الشامل، والمبالغة القبيحة التي لا يستسيغها أحد.
العزلة تقتل الإبداع وتقلل القدرة على التواصل مع الناس. كان شكسبير أشهر كاتب في عصره لأنه كتب الدراما لعامة الناس، واستطاع أن ينفتح على الجموع، فكانت الجماهير تفهم أعماله بسهولة مهما اختلفت أذواقهم ومستوياتهم التعليمية.
أما الفنانون الذين يحصرون أنفسهم في قلاع من أساليبهم ومعانيهم الخاصة، فيفقدون الإحساس بالتناسق، وتنغلق أعمالهم على الدائرة الضيقة التي يحيطون أنفسهم بها، ويظل هذا الفن محدوداً ودون تأثير.
أخيراً، ولأن السطوة نشاط إنساني، فمن المحتوم أن تزيد بالتواصل مع الناس. وبدلاً من الانكفاء داخل عقلية التحصن، عليك أن ترى العالم بالطريقة التالية: إنه فرساي كبير، تتصل فيه كل حجرة بالحجرات الأخرى، وعليك أن تكون سلساً وأن تجيد التنقل بين الدوائر الاجتماعية المختلفة، دون أن تنحصر داخل أو خارج أي جماعة.
فهذا النوع من المرونة والتواصل الاجتماعي يحميك من المتآمرين ضدك، الذين لن يستطيعوا إخفاء الأسرار عنك، ويحميك من أعدائك لأنهم لن يستطيعوا عزلك عن حلفائك. كن دائم التحرك، وامتزج وخالط كل من في حجرات القصر، ولا تقف أو تستقر في مكان واحد، فلا أحد يستطيع أن يتصيّد كائناً لديه مثل هذه الرشاقة.
الصورة: الحصن
يقف في أعلى التل رمزاً لكل ما يبغضه الناس في السلطة، ويجعل رعاياك في الأسفل يبيعونك لأول عدو يأتي إليهم. الحصون تقطع التواصل والمعلومات، ولذلك تسقط سريعاً.
اقتباس من معلم:
»الأمير الصالح والحكيم، والذي يرغب أن يظل حكمه دائماً كذلك، ولا يريد لأبنائه أن يمارسوا القهر والطغيان، لا يبني لهم أبداً حصوناً، ويجعلهم يعتمدون في أمنهم على إخلاص رعاياهم لهم، وليس على احتمائهم بالحصون المنيعة». (نيقولو مكيافيللي، 1469 – 1527).
عكس القاعدة:
ليس من الحكمة أو الفائدة أبداً أن تنعزل عن الناس؛ فبدون الإنصات لما يحدث في الشوارع لا يمكنك أن تحمي نفسك. الشيء الوحيد الذي تخسره من التواصل مع الناس هو التفكير؛ فضغوط التواؤم مع المجتمع وعدم التنائي بنفسك عن الناس لا تسمح لك أن تفكر بوضوح وموضوعية في طبيعة ما يدور حولك.
ويمكن للعزلة المؤقتة أن تعيد لك المنظور؛ فالكثيرون من المفكرين الكبار صنعتهم السجون، حيث لم يكن لديهم شيء آخر غير التأمل. ولم يستطع مكيافيللي أن ينهي كتابه «الأمير» إلا حين تم نفيه إلى مزرعة بعيدة عن مكائد الحياة السياسية في فلورنسا.
الخطر في هذا النوع من الانعزال أنه يستثير كافة أنواع الأفكار الغريبة والمنحرفة؛ فقد يمنحك منظوراً للرؤية، لكنه يفقدك الإحساس بحجمك الحقيقي ومحدودية إمكاناتك. وكلما طالت عزلتك يصعب عليك أن تكسرها حين تريد، فالعزلة تدفنك في كثبانها الرملية ببطء ودون أن تشعر.
إن كنت تحتاج وقتاً للتفكير، فاجعل العزلة ملاذك الأخير، وبجرعات صغيرة، مع الحرص على إبقاء المجال لعودتك إلى الاختلاط بالناس مفتوحاً.
المصدر THE 48 LAWS OF POWER, ROBERT GREENE (ترجمة د. هشام الحناوي)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق