السبت، 29 يونيو، 2013

• أزمة المياه: سياسة التعاون بديلاً لميدان للحروب

        الماء هو المورد الحيوي الفريد الذي لا يعرف حدودًا. فالمياه العذبة تتدفق في كل مكان، متجاوزةً الحدود السياسية للدول. ويوجد في العالم اليوم 276 حوضًا نهريًا لكل منها رافد واحد على الأقل يعبر الحدود الوطنية.

وتفيد التقديرات بأن هذه الأحواض العابرة للحدود التي يعيش فيها حوالى 40 في المائة من سكان العالم تغطي 46 في المائة من مساحة الأرض. وفي الحالات التي تكون فيها موارد المياه العذبة مشتركة بين عدة مجتمعات محلية، قد تبرز لدى هذه المجتمعات احتياجات أو مطالب متضاربة، وهو أمر يستلزم تعاون الجهات التي تُعنى عادةً بإدارة المياه العذبة، ولاسيما العلماء والمسئولين الحكوميين وراسمي السياسات، مع أفراد أو منظمات من خارج قطاع إدارة المياه مثل علماء الاجتماع والوزارات المختصة بشئون المرأة أو الشعوب الأصلية، والجهات الناشطة في المجتمعات المحلية والمجتمع المدني.
مما لا شك فيه أن المخاطر التي نواجهها اليوم جسيمة لأن الأمن المائي عامل أساسي في تحقيق التنمية المستدامة وهو عامل حيوي أيضًا في بناء المجتمعات الجامعة التي يسودها السلام. ولكن مليارات من الأشخاص لا يزالون معرضين لمخاطر ندرة المياه وتدهور نوعية الماء والكوارث الطبيعية المرتبطة بالمياه مثل الفيضانات وحالات الجفاف. وتتحمل النساء والأطفال والفقراء العبء الأثقل لهذه المشكلات. وجاء في التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع لعام 2012 أن مدى تأثر النساء بندرة المياه يفوق بدرجة كبيرة مدى تأثر الفئات الأخرى بهذه الظاهرة. وفي إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، تتحمل النساء والفتيات 71 في المائة من عبء أنشطة جمع المياه؛ والوضع مماثل في أنحاء أخرى من العالم. وفي ظل البيانات التي تفيد بأن النساء يشغلن أقل من 6 في المائة من مجموع المناصب الوزارية المرتبطة بالبيئة والموارد الطبيعية والطاقة، يتضح أن من الضروري تعزيز مشاركة النساء في عملية اتخاذ القرارات، بروح التعاون في مجال المياه.
ومنذ العام 1993، تحتفل منظمة الأمم المتحدة في 22 مارس من كل عام بـ «اليوم العالمي للمياه»، للتوعية بأهمية المياه والمحافظة عليها والسعي إلى إيجاد مصادر جديدة لمياه الشرب. وفي العام الحالي 2013، اختير شعار اليوم العالمي للمياه: «التعاون في مجال المياه» وذلك تماشيا مع اختيار الجمعية العامة للأمم المتحدة، في العام 2010، العام 2013 «السنة الدولية للتعاون في مجال المياه». ذلك أن تلبية احتياجات الناس الأساسية، ومتطلبات البيئة، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية ومكافحة الفقر كلها تعتمد اعتمادًا كبيرًا على المياه. والإدارة الجيدة للمياه تفرض تحديات خاصة نظرًا لخصائصها الفريدة: فالمياه تتوزع بشكل غير متساوٍ في المكان والزمان، والدورة الهيدرولوجية معقدة جدًا، والاضطرابات التي تحدث فيها لها آثار متعددة الجوانب. والنمو السريع للمناطق الحضرية، والتلوث، والتغيرات المناخية كلها تهدد مصادر المياه. في حين أن الطلب على المياه يزداد باستمرار لتلبية احتياجات سكان العالم (الذين تجاوز عددهم سبعة مليارات نسمة) لإنتاج الغذاء والطاقة ولاستخدامات المياه الصناعية والمنزلية.
وباختيار العام 2013 «السنة الدولية للتعاون في مجال المياه»، أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأن التعاون في مجال المياه أساسي لتحقيق التوازن ما بين مختلف الاحتياجات والأولويات، والمشاركة المنصفة والعادلة في هذا المصدر الثمين، واستخدام المياه كأداة للسلام. ويتطلب تعزيز التعاون في مجال المياه نهجًا متعدد التخصصات يجمع ما بين الأبعاد الثقافية والتربوية والعلمية وكذلك الدينية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية والقانونية والمؤسساتية والاقتصادية. وفي حين أن فعاليات السنة الدولية للتعاون في مجال المياه ستُنظم طوال العام 2013، فإن الهدف الجوهري لهذه السنة الدولية هو تمهيد الطريق لبناء مستقبل أكثر سلمًا واستدامةً. ومن المؤكد أن الارتفاع المتوقع في عدد سكان العالم من 7 مليارات اليوم إلى 9 مليارات في عام 2050 سيزيد الطلب على المياه العذبة وسيؤدي إلى ازدياد استخدام المياه للأغراض الزراعية بنسبة 20 في المائة على الصعيد العالمي وسيؤدي أيضًا إلى ارتفاع الاحتياجات من حيث الطاقة الكهرومائية وخدمات الطاقة الأخرى بنسبة 60 في المائة. فهل تنذر هذه الأرقام بحروب مياه وشيكة، ولاسيما في المناطق التي تتناقص فيها الإمدادات المائية؟ الجواب هو لا، لأن الحل موجود وعنوانه التعاون في مجال المياه. وخلافًا لما يعتقده الكثيرون، فإن احتمال نشوب الصراعات المرتبطة بالمياه لا يزيد مع تقلص الموارد المائية، كما أن الدول تستجيب لمشكلات المياه بالتعاون أكثر مما تستجيب لها بالتنازع. وتفيد الإحصاءات بأن وتيرة حالات التعاون كانت أعلى بمرتين من وتيرة حالات النزاع خلال السنوات السبعين الأخيرة.
والغرض الأساسي من السنة الدولية للتعاون في مجال المياه هو أن نتوصل إلى قاسم مشترك بشأن المياه العذبة على الرغم من تنوع مصالحنا وآرائنا. ومن خلال اختيار التعاون، لا التنافس، يمكننا أن نجعل المياه العذبة قوةً من أجل السلام.
ما المقصود بالتعاون في مجال المياه؟
خلافا للاعتقاد السائد، فإن الأمثلة الناجحة للتعاون تفوق ما ينشب من نزاعات بسبب مشكلات المياه. ففي العام 1960، وقعت باكستان والهند على اتفاقية مياه نهر الهندوس التي ظلت سارية المفعول رغم نشوب ثلاثة نزاعات خطيرة بين هذين البلدين؛ ويظل الالتزام بأحكام هذه الاتفاقية جاريا حتى الآن.إن الإمكانات التي ينطوي عليها التعاون في هذا المجال هي إمكانات ضخمة؛ كما تتعاظم الفوائد الناجمة له من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية أو البيئية. وتتسم جميع نظم توزيع المياه بطابع معقد سواء تعلق الأمر بالنظم التي تدار على المستوى المحلي أو الوطني، أو في ما يخص المستجمعات المائية العابرة للحدود أو النظم التي تعتمد على الدورات الهيدرولوجية الطبيعية. وتبعا لذلك، فإن إدارة هذه النظم تقتضي تدخل العديد من الأطراف والمستهلكين والإداريين والخبراء وأصحاب القرار. وتتفاوت آليات التعاون بحسب طبيعة بنى اتخاذ القرارات ومستويات المشاركة والقواعد وأنماط التنظيم. ومن الممكن أن تكون هذه الآليات عبارة عن اتفاقات غير رسمية أو مؤسسات قائمة أو آليات تقتصر على تبادل المعلومات أو أن تكون آليات للإدارة المشتركة.
الرسائل الرئيسية للسنة الدولية للتعاون في مجال المياه
يتسم التعاون في مجال المياه بأهمية حاسمة في ما يتعلق بتوفير الأمن ومكافحة الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين الجنسين.
إن من شأن الإدارة الرشيدة والتعاون في ما بين مختلف فئات المستخدمين تعزيز الانتفاع بالمياه والتصدي لنقص المياه، فضلا عن المساهمة في تخفيض مستوى الفقر. وعلاوة على ذلك، فإن هذين الأمرين يتيحان تحسين ظروف المعيشة والإمكانات التعليمية، ولاسيما بالنسبة إلى النساء والأطفال.
التعاون في مجال المياه يعود بمنافع اقتصادية
تعتمد مختلف الأنشطة الاقتصادية على المياه. ويتيح التعاون في مجال المياه استخداما أكثر فعالية واستدامة للموارد المائية ويعود بمنافع متبادلة ويهيئ ظروف معيشة أفضل.
·      التعاون في مجال المياه له أهمية حاسمة في صون الموارد المائية وحماية البيئة.
·      يعزز التعاون في مجال المياه تقاسم المعارف العلمية، إذ يتيح تبادل البيانات أو استراتيجيات الإدارة أو الممارسات الجيدة على السواء. كما أن هذا التعاون يسمح بتقاسم المعارف المتعلقة بدور المياه في ما يتعلق بصون النظم الإيكولوجية أو بتحقيق التنمية المستدامة.
·      التعاون في مجال المياه يحفز على بناء السلام
·      قد يؤدي الانتفاع بالمياه إلى نشوب نزاعات، ولكنه قد يكون عاملا محفزا وقوة من أجل السلام. فقد يمكن أن يتيح التعاون في مجال المياه تجاوز التوترات الثقافية والسياسية والاجتماعية وأن يبعث الثقة في ما بين الأفراد أو المجتمعات أو المناطق أو البلدان.
الطلب على المياه في تزايد مستمر
يعيش 85 في المائة من سكان العالم في النصف الأكثر جفافا من العالم. وهناك 800 مليون نسمة لا يحصلون على مياه شرب نقية، ونحو 2.5 مليار نسمة يعيشون بدون خدمات الصرف الصحي الملائمة. ويموت كل عام ما بين 6 و 8 ملايين نسمة جراء كوارث وأمراض منقولة عبر المياه.
ومن المحتمل أن يتراوح نمو عدد سكان العالم بين 2و3 مليارات نسمة خلال الأربعين سنة المقبلة. كما قد يقترن بهذه الظاهرة نمو لأشكال السلوك الغذائي يمكن أن يفضي إلى تزايد الطلب على الغذاء بما نسبته 70 في المائة بحلول العام 2050.
وسوف يزداد الطلب على الغذاء بما نسبته 50 في المائة بحلول العام 2030 ( 70 في المائة بحلول العام 2050) (Bruinsma, 2009)، في حين أن الاحتياجات من الطاقة الكهرمائية وغيرها من الطاقات المتجددة، ستزداد بما نسبته 60في المائة (البرنامج العالمي لتقييم الموارد المائية، 2009). وترتبط هذه الإشكاليات في ما بينها: فنمو الإنتاج الزراعي من شأنه أن يزيد من استهلاك المياه والطاقة, مما يؤدي إلى احتدام التنافس على المياه.
وتمثل المياه المخصصة للري وإنتاج المواد الغذائية أكثر الضغوط حدة على موارد المياه العذبة. فالزراعة تستأثر بنسبة 70 في المائة من إجمالي الكميات المسحوبة من المياه في العالم (وتصل إلى ما نسبته 90في المائة في ما يخص الاقتصادات الناشئة).
أما تغيير أنماط التغذية، ولاسيما زيادة استهلاك منتجات اللحوم، فهو الذي يؤثر أعظم تأثير على استهلاك المياه منذ 30 عاما، كما أنه قد يتواصل خلال النصف الأول من القرن الحادي والعشرين (منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، 2006).
إن ما يقرب من 66 في المائة من مناطق قارة إفريقيا هي مناطق قاحلة أو شبه قاحلة؛ ومن بين سكان إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى البالغ عددهم 800 مليون نسمة، هناك نحو 300 مليون نسمة لا تتوافر لهم سوى موارد مائية ضئيلة، أي أقل من 1000 متر مكعب لكل ساكن (الشراكة الجديدة لتنمية إفريقيا، 2006).
تأثير تغير المناخ
يتوقع الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ أن يزداد ضغط المياه في أوربا الوسطى وجنوبي أوربا، وسيرتفع عدد الأشخاص المتأثرين بهذه الظاهرة من 16 مليونًا إلى 44 مليون شخص بحلول العام 2070. ومن المحتمل انخفاض تدفقات الصيف بنسبة تصل إلى 80 في المائة في جنوب أوربا وفي بعض الأماكن في أوربا الوسطى وأوربا الشرقية.
أما التكيف مع آثار زيادة درجة حرارة الكرة الأرضية درجتين مئويتين فإنه قد يكلف ما بين 70 و100مليار دولار سنويا في الفترة بين عامي 2020 و2050 (البنك الدولي، 2010). وينبغي تخصيص مبلغ يتراوح قدره بين 13.7 مليار دولار (السيناريو الأكثر جفافا) و 19.2 مليار دولار (السيناريو الأكثر رطوبة) لمجال المياه وحده، ولاسيما في ما يخص إمدادات المياه وإدارة الفيضانات.
مورد بلا حدود
إن المياه لا تتقيد بالحدود السياسية. إذ تشير التقديرات إلى أن 148 دولة تجري ضمن أراضيها أحواض أنهار دولية (بيانات جامعة ولاية أوريجون، 2008). وأن 21 بلدا تقع بالكامل داخل تلك الأحواض. وهناك 276 حوضا نهريا عابرا للحدود في العالم (منها 64 في إفريقيا و60 في آسيا و68 في أوربا و46 في أمريكا الشمالية و38 في أمريكا الجنوبية).
ومن بين هذه الأحواض النهرية العابرة للحدود البالغ عددها 276 حوضا، هناك 185 حوضًا، أي ما يعادل نحو ثلثيها، يتقاسمها بلدان. كما يتقاسم بلدان أو ثلاثة بلدان أو أربعة بلدان (أي 92 في المائة 256 حوضا، ويتقاسم خمسة بلدان أو أكثر 20 حوضا (7.2 في المائة). أما حوض نهر الدانوب فهو الذي يطل عليه أكبر عدد من البلدان المتشاطئة البالغ عددها الإجمالي 18 بلدًا.
هذا، وتغطي الأحواض النهرية العابرة للحدود 46 في المائة من سطح الكرة الأرضية. كما يوجد في 145 بلدا حوض نهري واحد عابر للحدود على الأقل. وتتجه أكثر الأمم ثراءً نحو الحفاظ على معدلات استهلاك مواردها الطبيعية أو زيادتها (الصندوق العالمي للطبيعة، 2010)؛ غير أنها تصدّر تأثيرها الإيكولوجي إلى البلدان المنتجة والأكثر فقرا بصفة عامة. مثال ذلك أن 62 في المائة من التأثير المائي للمملكة المتحدة يأتي من المياه الافتراضية الداخلة في المرافق الزراعية ومن المنتجات المستوردة من بلدان أخرى، وأن 38 في المائة من هذا التأثير يأتي من مواردها المائية المحلية.
 وفي ما يتعلق أيضا بالتلوث، فإنه بلا بحدود. وذلك لأن نحو 90 في المائة من المياه المستخدمة في البلدان النامية تصب في الأنهار والبحيرات والمناطق الساحلية، مما يمثل مخاطر لصحة السكان والأمن الغذائي ومياه الشرب. وعلى المستوى العالمي، فإن 85 في المائة من المياه المستخدمة لا يتم جمعها أو معالجتها، كما أن ما يتراوح بين 83 و 90 في المائة من هذه المياه توجد في البلدان النامية. وتشهد جميع البلدان العربية تقريبا نقصا في المياه. وتشير التقديرات إلى أن 66 في المائة من المياه العذبة المتاحة في المنطقة العربية تأتي من خارج هذه المنطقة.

تابعونا على الفيس بوك
إقرأ أيضًا




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق