الأحد، 30 سبتمبر، 2012

• ضرورة فتح مستشفيات لمعالجة الأمراض الحضارية

          إن الأمراض العضوية والإنتانية والنفسية المنتشرة بين البشر تعالج بالمستشفيات الطبية المتخصصة، فهناك مراكز للأمراض الهضمية ومراكز للأمراض الإنتانية ومراكز لأمراض القلب والأوعية، فعندما نرى إنسانًا مريضًا أو مصابًا نشفق عليه ونعالجه ونسعى بكل قوانا لمساعدته، ولكننا عندما نرى إنسانًا ظالمًا أو فاسدًا أو لصًا أو كذابًا أو دجالاً، فإننا نكرهه لأننا لا نستطيع أن نراه مثل المريض العضوي.

          ونقول إن المريض أصيب دون إرادة منه، أما هذا فإصابته بإرادته، ولكن الحقيقة العلمية والتاريخية، هي أن المريض أخلاقيًا والمجرم اجتماعيًا والظالم سياسيًا والمتعدي دوليًا كحالات اللصوص والمجرمين والحكام المتسلطين والكذابين وبعض قادة الدول الصناعية الاستخرابية (الاستعمارية) والإرهابيين والمزورين للنصوص والتاريخ والملفقين لروايات تاريخية خرافية لتشويه عقول ونفوس الجمهور لاستغلالهم ماديًا وجسديًا وجنسيًا، فهؤلاء مرضى - كالمرضى جسديًا - بهذا المرض الثقافي الحضاري من محيطهم الاجتماعي، ومن المفاهيم الفكرية والمبادئ الفلسفية السلبية التي غرست في أنفسهم منذ الصغر فهؤلاء المرضى يمكن علاجهم، عندئذ نشفق عليهم ونسعى لمساعدتهم مستقبلاً، وذلك بتأمين قبولهم في مستشفيات ومؤسسات متخصصة بمعالجة الأمراض الحضارية المكتسبة، وينبغي ألا نعجب من هذا الأمر وأن نتدرب عليه ونمرّن الكادر الفني والعلمي المتخصص في معالجة أمراض المجتمع الحضاري كالكذب والاستغلال والاستعباد والظلم والإكراه والعنف والاستعمار والعدوان والعنصرية، وهذا الأمر يتطلب منا بناء القوة الحضارية بكل مجالات الحياة والمجتمع والعلم، ثم التمرين تدريجيًا ونشر هذا الفكر مستقبلاً بشكل عالمي، على أن نبدأ بالأمور الصغيرة في العائلة والمدرسة والمجتمع، ثم تدريجيًا ننتقل إلى الأمور الدولية والاجتماعية الأكبر، ثم ننقل خبرتنا إلى مجتمعات أخرى كالمجتمعات الأوربية والأمريكية والروسية والفارسية، بكل صدق ومحبة وشفقة، كي نخلصهم من الأمراض الأخلاقية والاجتماعية والنفسية التي يعانون منها منذ زمن بعيد، بالرغم من تفاوت مستوى تقدمهم التقني والصناعي.
          ومن وجهة نظرنا العلمية يمكن تصنيف الأمراض (اعتلال الصحة) التي تصيب الأفراد والمجتمعات والثقافات والحضارات إلى أربعة أقسام:
          أ- مرض عضوي: وهي شائعة ويعالجها الأطباء المتخصصون، وتشمل مختلف الأمراض التي تصيب الإنسان وأجهزته الفيزيولوجية كأمراض الجهاز الهضمي والتنفسي والبولي وأمراض القلب والأوعية الدموية والصدر، والتي تكون عواملها الممرضة: ولادية المنشأ أو مكتسبة بسبب الجراثيم والفيروسات والطفيليات أو بسبب الرضوض أو بآليات تنكسية أو بسبب تلوث البيئة وتناول الأدوية بشكل خاطئ.
          ب - مرض نفسي: وهي أكثر شيوعًا في المجتمعات لاسيما في الدول المتقدمة صناعيًا والدول المتخلفة والنامية في حالات الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية، وعند انتشار الحروب والفتن وبسبب ظلم المتسلطين ونهب موارد البلاد الطبيعية من قبل الدول الغربية، والمرض النفسي يقسم إلى:
مرض عصابي: كالقلق والاكتئاب والوسواس.
ومرض نفساني: كالفصام والهوس الاكتئابي.
          والأطباء المختصون في الأمراض العصبية والنفسية والطب النفسي، يعالجون الأمراض النفسية بأساليب متعددة كالعلاج الدوائي أو العلاج النفسي أو العلاج السلوكي، هذا مع العلم بأن أسباب الأمراض النفسية متنوعة: وراثية، اضطرابات استقلابية كيميائية، أزمات اقتصادية، اضطرابات اجتماعية، حروب دولية، البطالة عن العمل، الظلم الاجتماعي بمختلف أنواعه، وبالتالي فإن معظم الأمراض النفسية تكمن في المجتمع ويخطئ بعض الأطباء المختصين عندما يعتقدون أن المريض النفسي يمكن أن يشفى من علته بإعطائه دواء مهدئًا أو رافعًا للمزاج أو منومًا، من دون أن نعالج الأسباب الحقيقية لمرضه والكامنة في مجتمعه، ومكان عمله وعلاقاته الاجتماعية، فعندما يكون مظلومًا فيجب إنصافه، وعندما يكون عاطلاً عن العمل، فيجب تأمين العمل له وعندما يكون بوضع عائلي واجتماعي سلبي، فيجب دراسة هذه الحالات الخاصة ومعالجتها، فلكي نشفي المريض النفسي من مرضه يجب توافر المرشد النفسي والاجتماعي والموجه الديني والطبيب النفسي، لمعالجة أسباب المرض والوقاية لمنع نكس المرض، وهذا يختم علينا إعمار وإحياء مراكز علمية ونفسية واجتماعية واقتصادية، تقوم بإجراء الدراسات المحلية في كل المجالات العلمية والإنسانية، لتوفير كمية كبيرة من المعلومات التي توجه الكادر الفني العلمي والديني، لوضع الخطط والاستراتيجيات لمعالجة كل مشاكل وقضايا الأفراد والمجتمع وفق الخصوصية الثقافية لشعوبنا، وبالتالي نكون في موقع علمي قادرين فيه على أن نبدع نظريات وفلسفات علمية وإنسانية، تساهم في نشر الأمن النفسي والسعادة الداخلية في مجتمعاتنا، بحيث يمكن أن تكون قدوة للمجتمعات البشرية عمومًا.
          جـ - مرض نفسي جسمي: حيث نلاحظ علميًا وعمليًا أن العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية مفردة أو مجتمعة، تؤثر على البناء العضوي للكائن البشري بدءًا من حياته الجنينية وحتى مرحلة الشيخوخة، وعلى مستوى جميع الأجهزة العضوية، وهذا ما يبحثه الطب النفسي الجسمي الذي ينظر إلى المرض على أنه شخص وليس رقمًا أو عضوًا سقيمًا في المجتمع، بل هو موجود إنساني ذو تاريخ طويل، وفي ماضيه آلاف من الحالات النفسية والجسمية، الشعورية واللاشعورية، فهناك وراثته ومزاجه وتربيته وعائلته وبيئته المدرسية والاجتماعية والدينية وعمله ونجاحاته، فقد كان له طفولته ومراهقته وأسلوب تكيفه وجنسيته وزواجه، فهو الطب الذي ينظر إلى الأزمات النفسية والرضوض الاجتماعية والعوز الاقتصادي والعوامل الانفعالية كالقلق، الحقد المزمن، التشاؤم، الخوف، البطالة، على أنها عوامل حقيقية فعالة في إحداث الاضطرابات الجسدية كالجراثيم والسموم على حد سواء لأن الإنسان وحدة نفسية جسمية اجتماعية متكاملة متوازنة إذا أصيب فيه عضو تأثرت له سائر الأعضاء.
          د - مرض حضاري (مرض ثقافي حضاري): وهو أهم الأمراض التي تصيب البشرية نظرًا لخطورته على المجتمعات والبيئة والثقافات، وتاريخيًا نلاحظ أنه أخطر على الإنسان من الزلازل والبراكين وكوارث الطبيعة الأخرى.
إن الإنسان يعيش في الحياة ضمن معادلتين:
·       المعادلة البيولوجية الطبيعية (الفطرة البشرية): وهي المعادلة الخام لكل إنسان على وجه الكوكب الأرضي، وهي خيرة ومحبة للحياة الإنسانية ومنسجمة مع البيئة والطبيعة، وتميل بشكل عفوي إلى الاعتقاد بوحدانية الله تعالى كخالق للإنسان والكون، وهذا ما بحثه الفلاسفة والحكام في كتبهم وتأملاتهم على مر التاريخ.
·       المعادلة الاجتماعية الثقافية: وهي المعادلة الصناعية أو المكتسبة لكل إنسان وهي تميل إلى الصحة أو الاعتلال حسب البرنامج الثقافي الحضاري للمجتمع الذي يبرمج الأفراد عبر الأسرة والمدرسة وبقية مؤسسات المجتمع، بحيث يصطبغ الأفراد من مختلف المستويات العمرية والشرائح الاجتماعية بالأفكار والمبادئ والفلسفات المحتواة ضمن البرنامج الثقافي للمجتمع فعندما تكون وجهة هذا البرنامج إنسانية إيجابية، فيحدث انسجام بين الفطرة البشرية والتنشئة الاجتماعية، فتسود روح الإخاء والمحبة والمساواة والعدالة والسلام على مستوى الأفراد والمجتعات والدول.
          أما عندما تكون وجهة هذا البرنامج عدوانية سلبية، فيحدث اعتلال الفطرة البشرية وسوء التنشئة الاجتماعية، فتنتشر حوادث الإجرام والعنف والإرهاب والانتحار والمخدرات والظلم الاجتماعي واستعباد المواطنين واستغلال الشعوب وسرقة مواردهم الطبيعية واستعمار أراضيهم، وهذا ما فعلته وتفعله الآن الحضارة الغربية الأوربية الأمريكية في العالم، وسوف نستعرض جدولاً موضحًا لبعض الأمراض الحضارية عند الأفراد والجماعات والمجتمعات والثقافات والحضارات والدول:

الحالة الثقافية الحضارية في حالة اعتلال أو صحة الفطرة والتنشئة عند الأفراد والجماعات والمجتمعات والثقافات والدول.


الصفة
المرض الحضاري
(اعتلال الفطر والتنشئة)
السواء الحضاري
(صحة الفطرة والتنشئة)
الأفراد
- أمية أبجدية وثقافية
- جهل.
- حقد.
- انتحار.
- معرفة.
- تعلم.
- محبة.
- استقرار نفسي.
الجماعات
- تسلط وقهر.
- عنصرية وتعصب.
- عدوانية وعنف.
- صراعات وإجرام
- تشاور ولطف.
- مساواة وتسامح.
- معاملة حسنة ورفق.
- سلام وأمن.
المجتمعات
- استعباد.
- استغلال.
- أحادية السلطة.
- عدم قبول الرأي الآخر.
- حروب واعتداء.
- حرية.
- عدالة اجتماعية.
- تعددية سياسية وتداول السلطة.
- تعددية فكرية وحوار هادئ وهادف.
- سلام وأمن.
الثقافات
- فلسفات غربية مريضة (وجودية، نازية، فاشية، شيوعية، رأسمالية، صهيونية) التي تدعو الحروب والصراعات والتطهير العرقي).
- أديان سماوية وفلسفات شرقية إنسانية تدعو إلى نشر الرحمة للعالمين والتعارف بين الشعوب والأخوة الإنسانية والأمن العالمي وتطلب الحكمة من أي مكن وجدت.
الحضارات
- حضارة القوة الغربية المريضة التي أدت إلى حروب عالمية وحركات استعمارية ونهب الموارد الطبيعية وتلوث البيئة ومجازر جماعية وإبادة السكان الأصليين.
- حضارات الحكمة والأديان السماوية التي تدعو إلى المساواة والإخاء البشري وقبول الآخر وحمايته والمحافظة على الطبيعة والبيئة واحترام الموارد الطبيعية للشعوب كافة).
الدول
- الدول الصناعية المتقدمة تكنولوجيًا وصناعيًا والمريضة إنسانيًا والتي تعمل على استغلال الشعوب وقتل الجائعين بعد نهب مواردهم وخيرات بلادهم وإشعال الحروب الأهلية كما في أفريقيا.
- الدول النامية المتأخرة تكنولوجيا والمتقدمة إنسانيًا والتي تحاول تطوير وتنمية مجتمعاتها لنشر العدل والأمن الاجتماعي والاقتصادي لمقاومة جشع الدول الرأسمالية الغربية التي تحاول بكل الوسائل السياسية والعسكرية نهب وقهر الشعوب النامية.
































ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق