الأحد، 9 سبتمبر، 2012

• أطفال غزة.. كيف هي أوضاعهم الصحية في ظل الحصار

     أن طبيعة المواجهة مع العدو الاسرائيلي تختلف عن طبيعة التجارب التي خاضتها الشعوب الأخرى لنيل استقلالها، فالشعب الفلسطيني على مدار أكثر من نصف قرن من الزمان من الصراع مع الوجود الاسرائيلي في فلسطين تعرض ويتعرض للاقتلاع والقهر والتشريد والسلخ عن جذوره وعن أرضه وعن كل ما يمت لوجوده بصلة.
    
وقد أرخت مختلف العلوم الإنسانية تجربة الشعب الفلسطيني الفريدة، فقد سجلت ردود أفعال الشعب الفلسطيني على المستوي الفردي والمستوي الجماعي. ومما لا شك فيه أن تراث البحث الصحى و النفسي والاجتماعي قد غطي كثيرا من الأفعال هذه منذ النكبة في العام 1948م وما تلاها من حروب ومن مذابح ومن حصار ومن إنكار لحقه في الوجود إلي درجة النفي والتغييب، وكما سجلت كتب التاريخ ما حل بالشعب الفلسطيني سجل أيضا البحث الصحى النفسي والاجتماعي الآثار الناتجة عن ذلك.
     أن الآثار الإنسانية للحصار الإسرائيلي المستمر على غزة منذ حزيران 2007 (أطول حصار في التاريخ المعاصر) وخيمة وخطيرة وتطاول كل جوانب الحياة، فبعد عدوان الـ23 يوما كان من المفترض أن تعطى لأهل غزة الفرصة للملمة جراحهم وإعادة بناء وترميم بيوتهم، وإعادة بناء مؤسساتهم التعليمية والإستشفائية التي هدمت على رؤوس المرضى والأطفال، وإصلاح مرافقهم الإنتاجية الزراعية والصناعية المتضررة، وأن يُسمح لهم بإستيراد الورق لطباعة الكتب للتلامذة، وأن يسمح بوصول التجهيزات  لإصلاح الأبار وتجهيز محطات المياه والخزانات وشبكات المياه حتى يحصلوا على المياه التي بدونها تستحيل الحياة، وأن تعود الكهرباء لضخ مياه الشرب وتشغيل محططات التكرير لعدم تلويث الحقول والمياه الجوفية (مصدر المياه الوحيد للشرب ولكل الإستعمالات الأخرى)، وأن يسمح للهبات والمساعدات العينية والمالية أن تصل الى مستحقيها.

     هكذا حدث بعد كل الحروب التي عرفها العصر الحديث حتى حروب الاسرائيليين السابقة في فلسطين وشقيقاتها في لبنان والأردن، مصر وسوريا إلا في غزة. الحصار قبل الحرب والحصار مستمر بعد الحرب.
      لقد ألقت سياسة الحصار وإغلاق المعابر التي يتعرض لها قطاع غزة بآثارها السلبية على الأطفال هناك وتسببت في تردي الأوضاع الصحية للأصحاء منهم، أما حالة المرضى فقد ازدادت تدهورا وسوءًا بسبب نقص الدواء، وضعف إمكانيات المستشفيات عن استيعابهم.

الآثار السلبية
فقر الدم وسوء التغذية
    لم تكن آثار الحصار على الأطفال قاصرة على الموت فقط، فقد ظهرت آثار أخرى دقت ناقوس الخطر لدى المؤسسات الطبية بفلسطين تمثلت في النسبة الهائلة لمن يعانون من سوء التغذية وفقر الدم لدى الأطفال نتيجة فقر أسرهم العاطلة عن العمل بسبب الحصار وعدم قدرتها أيضاً على توفير الغذاء المتوازن لأطفالها، ووفقاً للدراسات والأبحاث الطبية فإن نسبة 75% من الأطفال الفلسطينيين في عمر التسعة أشهر مصابين بفقر الدم، وأشارت وزارة الصحة في دراسة نشرتها مؤخراً أن 600 حالة مرضية من الأطفال رقدوا على أسرة الشفاء في مستشفيات القطاع نتيجة تدهور أوضاعهم الصحية بسبب نقص المستلزمات الطبية والأغذية اللازمة لعلاج أمراضهم بينما شهد العام الماضي ارتفاع عدد حالات الأطفال الوافدين إلى المستشفيات نتيجة إصابتهم بأمراض فقر الدم والكساح إلى 1700 حالة.
     من جانبها أوضحت منظمة "اليونيسيف" الناشطة في مجال حقوق الطفل أن أطفال غزة يعانون بسبب الحصار من نقص كبير في أربعة عناصر أساسية هي الحديد، وفيتامين
A وفيتامين D ومادة الأيوداي "اليود" ما يفسر ارتفاع نسبة الأطفال المصابين بفقر الدم في القطاع، وأشارت المنظمة إلى أن 64% من أطفال القطاع يعانون من نقص في كمية الحديد و 22% يعانون من نقص في فيتامين A و15% يعانون من نقص في مادة اليود ما يؤثر على تفاصيل صحتهم، وأكدت المنظمة أن الآثار السلبية لهذه النسب تتجلى لدى طلاب المدارس حيث يبدون أقل استعداداً وقدرةً على التعلم وفقاً لمشاكلهم الصحية وتزداد الخطورة على مستقبلهم الصحي بضعف قدرتهم على التحدث وتأثر السمع إلى حدٍّ ما بالإضافة إلى ضعف المناعة وزيادة تعرضهم للأمراض وعدم قدرتهم على مواجهتها، وبحسب تقرير المنظمة فإن فقر الدم الناتج عن نقص الحديد يؤثر على نمو الأطفال فتجدهم يعانون من قصر القامة كما ويضعف أدائهم في المدرسة فيعانون من ضعف الإدراك والذكاء.
     ووفقا لدراسات أجريت  يعاني 10.4% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و59 شهرًا من قصر القامة بسبب سوء التغذية.

400 مريض دم وأورام
      في مستشفى الأطفال بغزة لا يمكنك أن ترى سريراً فارغاً من طفل يئن وجعاً يستجدي ضميراً عربياً أن ينقذه من ألم الحصار وظلم الاحتلال، هناك تتراوح حالات المرضى الأطفال بين بسيطة وخطيرة وأخرى على حافة الموت هم 400 طفل مصاب بأمراض الدم والأورام السرطانية ينتظرون على قائمة الموت بفعل الإغلاق وحرمانهم من السفر لتلقي العلاج..
      أكد مدير مستشفى الأطفال بغزة، قال:"أن الحصار أثمر تدهوراً خطيراً على حالات الأطفال الذين يعانون من أمراض الدم والأورام السرطانية" فالعشرات رقدوا في ظلمة القبور ومازالت القائمة بانتظار المزيد خاصة في ظل منع دخول المستلزمات الطبية والعلاجات والغذاء الصحي اللازم، لافتاً إلى حالة النقص الشديد الذي تعانيها المستشفى في المستلزمات الطبية وقطع الغيار حيث تفتقر المستشفى إلى وجود حاضنات خاصة برعاية الأطفال حديثي الولادة ما يهدد حياتهم بالخطر ويتابع من أصل 24 حاضنة لا تعمل إلا 15 حاضنة بشكل كامل و 7 حاضنات تعمل بشكل جزئي، فيما أشار أخصائي الدم والأورام إلى حالة النقص الشديد التي يعانيها القسم في العديد من الأدوية الكيماوية الضرورية لتشبث الأطفال المرضى بالحياة مؤكداً أن عدم تناول الأدوية والعقاقير الكيماوية في مواعيدها المحددة وفق خطة العلاج الكيماوي تؤثر على المريض من حيث إمكانية الشفاء بالإضافة تزايد فرص الانتكاسة وتجدد المعاناة بشكل مضاعف من المرض.

ثلث الضحايا من الأطفال
     ما يقارب الألف من المرضى الفلسطينيين راحوا ضحايا للحصار المفروض على قطاع غزة بينهم أكثر من300 طفلاً أي ثلث الضحايا تقريباً، الاحتلال حرمهم من السفر للخارج لتلقي العلاج وفي وطنهم حرمهم من الحصول على الدواء الشافي لعللهم نتيجة افتقار المستشفيات له بفعل إغلاق المعابر وخنق القطاع في عنق زجاجة آذنت على الانفجار..
    منذ مدة رحلت آيات أنور.. خطوط عمرها لم تتعد الثمانية أشهر، لكنها رحلت والسبب لا يعدو منعها من السفر ونقص الدواء في مستشفيات القطاع، الطفلة منذ ولادتها عانت من أمراض وتشوهات بالقلب كان من الممكن علاجها بإذن الله إذا ما أتيحت لها فرصة العلاج بالخارج أو توفر الدواء والإمكانيات في مستشفيات القطاع لكن الله قضى أمراً كان مفعولاً، وقبلها رحل عشرات الأطفال لذات السبب لم تستطع أجسادهم الغضة الرقيقة صبراً على آلامها فخمدت أنفاسهم بين ضلوعهم ووروا جمعياً الثرى..

الإعاقات الناتجة عن الحرب:
     لا تتوافر إحصاءات دقيقة عن عدد الأشخاص المعوقين بسبب العدوان لغياب إحصاء شامل لهم. لكن وبحسب المعلومات التي وفرها مسح منظمة الصحة العالمية (حزيران 2009) فإن 221 شخصاً قطع واحد أو أكثر من أطرافهم. وتقدر الدراسة نفسها عدد الجهات التي تقدم الخدمات للمعوقين كالترميم والتأهيل وتعويض الاطراف والأعضاء والعلاج الفيزيائي بـ15 هيئة حكومية أودولية. يشكو هذا القطاع من عدم التنسيق، والإزدواجية، ونقص في بعض الخدمات الأساسية كصناعة الاطراف وصيانتها حيث لا يزال العديد من المعوقين بدون اطراف رغم مرور عام على العدوان.

الأمراض المعدية
     سجل نظام الرصد الوبائي الذي تديره "الأونروا" ويغطي كل سكان غزة زيادة في انتشار الأمراض التالية: الاسهالات الحادة بشقيها المائي والإلتهابي والتهاب الكبد الفيروسي السبب الرئيس للأمراض الإنتقالية المبلغ عنها في تجمعات اللاجئين في غزة حيث تسجل الحالات مستوى مرتفعا على مدار السنة  مع زيادة ملحوظة خلال فصلي الصيف والخريف. المخاطر الناتجة عن الإسهالات هي الجفاف وسوء التغذية خصوصا عند صغار الأطفال (دون 5 سنوات). والسبب الرئيس لإنتشار هذه الأمراض هو تلوث المياه الجوفية ومياه الشرب والتصريف الغير سليم للنفايات الصلبة والسائلة.
     وهذا ما أكده الفحص الدوري لعينات مياه الشرب الذي أثبت تلوثاً في الخزانات وفي الآبار (المياه الجوفية).

نقص الوزن عند الأطفال 9 – 12 شهراً
     بحسب احصائيات وزارة الصحة العامة في مراكزها فإن نسبة نقص الوزن لهذه الفئة العمرية لم تتجاوز ما كانت عليه قبل العدوان مع شيء لافت هو أن تغذية الرضع في هذا العمر تحسنت عما كانت عليه قبل الحصار، وهذا يعود إلى أن الرضاعة من الثدي زاد انتشارها  وتراجع استخدام الحليب المجفف في تغذية الرضع بسبب الحصار والتشجيع على الرضاعة الطبيعية الذي مارسته الجهات الصحية الحكومية والمحلية والدولية.

الهزال والتقزم والسمنة (زيادة الوزن) في الأطفال (6-16 سنة):
     سجل الهزال 1.4 % والتقزم 4.4% دون فوارق بين الأقضية كما سجل ارتفاع في السمنة خصوصاً عند الفتيات في عمر (11 - 16 سنة ) وصل إلى 30% بسبب اقتصار الأكل على النشويات والزيوت والمعلبات والتي تشكل أساس المساعدات الغذائية لـ"الأونروا" وبرنامج الغذاء العالمي) من جهة والنقص الحاد في البروتينات (اللحوم) والخضار والفواكه الطازجة.
     فقر الدم الناتج الناتج عن عوز الحديد: سجل مستوى فقر الدم عند الأطفال في عمر 9 – 12 شهراً 65.5% أي أقل قليلاً من مستواه في سنوات 2006 – 2007. أما عند النساء فقد سجل ارتفاعاً بالمقارنة مع الوضع عام 2009 (37.5% بدل 33.3%)، ونشير الى أن فقر الدم الناتج عن عوز الحديد المتوسط ينتج عنه نقص في حاصل الذكاء 7.5% كما يخفض مستوى المناعة ضد الأمراض المعدية،  ويعود السبب الى أن حليب الأم لايغطي حاجة الطفل من الحديد بعد عمر 6 أشهر، وأن الأغذية التي تقدم للرضع في هذا العمر تفتقر اليها.

الحالة النفسية:
     أجرت منظمات الأمم المتحدة دراسة عن الحالة النفسية للسكان بعد حوالى الشهرين من توقف العدوان  اظهرت أن 1% من السكان يشكون من صدمة نفسية حادة وشديدة بسبب الحرب، و26% من أطفال المدارس يشكون من نقص في التركيز، و23% من تبول لا ارادي، و13% من قلق وأحلام مخيفة، أما عند السكان بشكل عام فإن 34% منهم يشكون فقدان الشهية وقلة في التركيز، و27% يعانون من أحلام مخيفة و35% من كآبة وحزن شديدين، و9% غير قادرين على القيام بحاجاتهم اليومية بأنفسهم (الحمام، اللباس، عدم الذهاب الى العمل في حوالى نصف الأيام في حين قال47% من البالغين المستجوبين أنهم تمكنوا من العودة الى عملهم كالمعتاد). وفي دراسة لمنظمة الصحة العالمية أعتمدت معايير قياسية للصحة النفسية اظهرت أن 37% من الذي يرتادون خدمات الرعاية الصحية الأولية يشكون من اضطرابات نفسية دون فوارق بين الذكور والإناث، ولكن مع فوارق بين المناطق بحسب شدة العدوان. والنسبة وصلت الى 70%عند كبار السن. وهذه نتائج تتقارب مع نتائج الدراسات اللبنانية بعد عدوان 2006. كما أفاد الاستطلاع إلى أن هناك حاجة ماسة لتوفير خدمات الرعاية النفسية التي تماثل الحاجة للغذاء والماء". وفي الختام يبقى العلاج الأفضل للأطفال من صدمة الحرب يتمثل بعودتهم الى حياة شبه طبيعية، ومكان آمن ينامون فيه، وملعب يلعبون فيه وذهابهم الى المدرسة!!

مواجهة الأزمة
دور الأمم المتحدة:
      "الأونروا": وهي العمود الفقري لمنظمات الأمم المتحدة في غزة، تلعب دورا أساسيا في كسر الحصار لأنها مسؤولة عن رعاية حوالى مليون ومئة الف لاجىء في غزة، اي ثلثي السكان تؤمن لهم الرعاية الصحية الأساسية والتعليم الأساسي والحصص الغذائية كما تلعب دورا مساعدا  في تأمين السكن ومياه الشرب.
     برنامج الغذاء العالمي يقدم حصصاً الى 70% من سكان غزة من غير اللآجئين. منظمة الصحة العالمية تقود وتنسق عمليات الرعاية الصحية الى جانب "اليونيسف" والصليب الأحمر الدولي واكثر من 60 منظمة دولية غير حكومية تقوم بأعمال رائعة مكملة لدور الحكومة المحلية ومنظمات الأمم المتحدة.
     الحملة الأوروبية لرفع الحصار عن غزة حذّرت بدورها مراراً من تداعيات الحصار على الفلسطينيين بصورة عامة، والأطفال خاصة.
حملات اخرى من مؤسسات غير حكومية سواء محلية أو دولية.
     الإستنتاج الذي يمكن أن نتوصل اليه يعني أن هناك عناصر قوة تساعد غزة على البقاء على قيد الحياة  والصمود.
     ما هو معروف أن السبب الرئيسي لكل ما نمر به هو الاحتلال و ما تبعه من أغلاق، حصار...الخ، لذلك يجب تظافر كل الجهود المحلية و الدولية و على كافة الاصعدة لأنهاء الاحتلال و حل الأزمة السياسية بدلا من تلقي المعونات من هنا و هناك.
     ولكن في ظل وجود الأزمة لابد من الحفاظ على التوازن الانساني و الكرامة الانسانية في المناطق المحتلة بتوفير المستلزمات الاساسية من حق الاكل و التعليم و الرفاه، آخذين في الاعتبار استغلال كافة الجهود المحلية و الدولية و استثمار كل حدث لمصلحة هذا الشعب.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق