الثلاثاء، 11 ديسمبر، 2012

• كمال ناصر.. ضمير الشعر المستتر



          في اليوم العاشر من أبريل عام 1924م ولد كمال ناصر، وفي العاشر من أبريل عام 1973م مات كمال ناصر.. وبين التاريخين عاش هذا الشاعر حياته منغمسًا في الشعر والنضال تحت ظلال لافتة فلسطين، قبل أن يستشهد تحت ظلال اللافتة نفسها. فكانت القصيدة طريقه إلى الحياة وكان النضال طريقه إلى الشهادة وكانت فلسطين في القلب دائما،  قلب الشعر وقلب الشاعر وقلب الحياة.

          عندما اخترقت الرصاصات الصهيونية جسد كمال ناصر، وجسدي رفيقيه في رحلته الأخيرة الشهيدين كمال عدوان ومحمد يوسف النجار، وهم في شقتهم البيروتية في يومهم الأرضي الأخير، كان مطلقوها يعتقدون عندما أفرغوا رصاصهم أولاً في فم الشاعر أنهم سيسكتونه إلى الأبد، لكن الأبد تواضع كثيرًا أمام قدرة الشعر على الخلود، وظلت القصائد شاهدة على أبدية الإبداع.
          مع أنه من أسرة تنتمي لمدينة بير زيت فإن كمال بطرس إبراهيم يعقوب ناصر ولد في مدينة غزة، حيث كان يعمل والده وتقيم أسرته آنذاك. وبين مدارس فلسطينية مختلفة قضى حياته الدراسية الأولية، أما الجامعية فقد درسها في الجامعة الأمريكية في بيروت، حيث تخرج فيها العام 1945م بإجازة في العلوم السياسية. وعندما عاد إلى فلسطين بعد تخرجه لم يجد عملاً يناسب العلوم السياسية التي تعلمها فاضطر للانخراط في سلك التعليم قبل أن تستهويه الصحافة فعمل فيها وساهم في إنشاء عدة صحف، وبعدها انتقل للعمل السياسي المنظم تحت جناح حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي ساهم في إنشائه أيضًا. ومن هنا بدأت رحلته الحقيقية مع النضال في تجلياته المختلفة، فقد قاد العمل السياسي المنظم كمال ناصر إلى السجن أكثر من مرة، كما قاده إلى البرلمان الأردني أيضًا نائبًا عن رام الله عندما كان ذلك البرلمان يضفي جناحه على الضفة الغربية في فلسطين. وعندما انتكس العمل البرلماني الأردني فضّل كمال ناصر أن يتوجه إلى دمشق ثم إلى مصر، منتشيًا بحلمه القومي في ظلال الوحدة بين مصر وسورية آنذاك لكن الوحدة سرعان ما تلاشت، وتلاشت معها أحلام الشاعر الذي أرخ لكل مراحله الشخصية ومراحل أمته القومية من خلال قصائده ذات السبك الكلاسيكي رصين اللغة ثائر الهوى. فالمتلقي لشعر كمال ناصر يلاحظ بسهولة أنه زاوج بين كلاسيكية مفعمة بروح القصيدة العمودية وطرائقها، ورومانسية توسلت قصيدة التفعيلة في مزاجها العام ولذلك يمكن الإشارة إلى كمال ناصر باعتباره أحد أهم رموز القصيدة الجديدة في الفترة التي بدأ فيها النثر الشعري.
          وفي كل قصيدة كان القراء يستدلون على اتجاه بوصلة الشاعر ورأيه فيما يحدث لفلسطين تحديدا. ولم يكن القراء بحاجة إلى سماع قصيدة أخرى كي يعرفوا أن كمال ناصر توجه إلى المعتقل مودعًا هواه البعثي تحت وطأة انكسار هذا البعث في ذاته.
          هرب الشاعر من السجن بتشجيع من حراس السجن المتعاطفين مع نضالاته وقصائده، فذهب إلى بيروت ومنها إلى باريس لكنه لم يستقر في العاصمة الفرنسية طويلاً، فقد عاد إلى حضن فلسطينه ولم يتركه إلا بعد نكسة العام 1967م، حيث رحل إلى بيروت وانتخب عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1969م وتولى رئاسة دائرة الإعلام والتوجيه القومي فيها وأصبح الناطق الرسمي باسمها، مستحقًا لقب "الضمير" الذي صار بديلاً عن اسمه في كثير من الأحيان، فكان ضمير الثورة المعلن وضمير الشعر المستتر في الوقت نفسه. لكن روحه التي أنهكتها الخلافات والاختلافات تاقت للشهادة فأخذ يتلمسها في كل إشارة نضالية جديدة. وعندما شارك في تشييع جنازة رفيق دربه الإبداعي والوطني غسان كنفاني تمنى لو أنه يحظى بمثلها وكان له ما تمنى، ونفذت وصيته بفرادتها المثيرة حيث دفن، هو المسيحي في مقبرة الشهداء الإسلامية في بيروت ليكون إلى جانب قبر غسان كنفاني.
          وعلى الرغم من أن كمال ناصر لم يصدر في حياته إلا مجموعة شعرية واحدة صدرت عام 1960م بعنوان «جراح تغني»، فإنه ترك وراءه قصائد كثيرة بعضها منشور في الصحف والمجلات وبعضها مخطوط بين أوراقه وبين أيدي أصدقائه، وقد جمعت هذه القصائد، أو ما وجد منها، بعد رحيله في مجلد كبير ضم كل أعماله الشعرية بالإضافة إلى مجلد آخر للمقالات الصحفية الكثيرة التي كتبها الشاعر الراحل، فضلاً عن مسرحية فكرية صدرت في كتاب مستقل بعنوان «الصح والخطأ».. وكان كمال ناصر أحد الشعراء القلائل الذين عرفوا الصح والخطأ ورحلوا مطمئنين لمعرفتهم.

تابعونا على الفيس بوك

www.facebook.com/awladuna

إقرأ أيضًا:
إبراهيم طوقان.. شاعر له عينا زرقاء اليمامة
ديكِ الجن.. ديك الشعر الفصيح
مالك بن الرَّيـْب.. يرثي نفسه




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق