الثلاثاء، 4 ديسمبر، 2012

• الحصري القيرواني .. يل ليل الصبُّ متى غده؟


        
          يا ليل..!
         
كان نداؤه التنبيهي الأشهر لليل في رحابة القصيدة العربية كلها قبل أن يكمل النداء بذلك السؤال المرنم بالصوت والموسيقى: الصبُّ .. متى غده؟ ولم ينتظر الشاعر الإجابة، وبدلاً من ذلك حاول اختراع إجابته المستحيلة من خلال سؤال آخر: أقيام الساعة موعده؟

          إنه الحصري القيرواني، وهذا البيت مطلع قصيدته الشهيرة التي صارت واحدة من كلاسيكيات الغناء العربي منذ أن شدت بها فيروز، فاستحال السؤال الشعري المنفرد إلى سؤال جمعي لكل عشاق القصيد والغناء على حد سواء.
          ولم تكن أغنية فيروز هي المقاربة الأولى لهذه القصيدة الملحنة في ذاتها، بل سبقها شعراء كثيرون في مقاربتها شعريا بمعارضات لم ترق في أفضلها إلى ذلك السحر الذي نجح الحصري القيرواني في بثه بين ثناياه فاستحالت الكلمات فيها الى نغمات تتراقص بين درجات السلم الموسيقي والعروض العربي  في نفس الوقت.
          إنه أبو الحسن علي بن عبدالغني الحصري الفهري الضرير.. ولد في العام  420هـ في مدينة القيروان التونسية، فأخذ من تلك المدينة لقبه الأخير بعد أن أخذ من صناعة الحصر لقبه الأول.
          وتقول أرجح الروايات التي ترجمت حياته إنه فقد بصره في طفولته ولم يولد كفيفًا كما اعتقد البعض، فاحتفظ ببعض ذاكرته البصرية التي تجلت لاحقًا في قصائد اجتهد في تقطيرها رقة وعذوبة وطراوة في اللغة والأوزان الموسيقية أيضًا.
          وعلى الرغم من أن هذه الصفات تكاد تكون هي الأميز في صفات كل قصائد المغرب العربي والاندلس في ذلك الزمن البعيد مقارنة بغالبية قصائد المشارقة، فإن الحصري تميز بذلك حتى من بين أقرانه المغاربة.. فكانت أبياته تسيل ماءً على الماء. ولولا بعض صناعة تميل للتصنع أبت إلا أن تطل أحيانًا في نهايات أبياته أحيانًا، لَعُدَّ الحصري من الأوائل في تراتبية القصيدة العربية عند من يؤمنون بتراتبية القصيد.
          بدأ الحصري القيرواني حياته الدراسية بحفظ القرآن الكريم وتعلُّم اللغة العربية وأسرار بلاغتها وقواعد نحوها، بالإضافة إلى العقائد والفقه والحديث والقراءات القرآنية على يد رهط من شيوخ عصره، لكنه من بين كل هذه العلوم والفنون الدينية والأدبية انحاز للشعر منذ صغره فتفتحت أزاهير موهبته الشعرية في رعاية من والده ومعلميه، حتى صار معلما في القيروان يعلم الطلبة الأدب، ويلقي عليهم قصائده التي تزيدهم شغفًا بما يدرسون على يديه.
          وقد تأثر قليلا بمجايله المعري بسبب فقدان البصر الذي جمع بينهما، فأحال قصائدهما الى نوافذ مفتوحة على حياة الآخرين المضيئة لتزيدها إشراقًا.
          وإذا كان فقدان البصر جعل من المعري حبيسًا بشكل مضاعف في بيته، فإنه لم يزد الحصري القيرواني الا رغبة في التنقل بين البلاد. فبعد أن اشتهر كشاعر مميز وعبر صيته الحدود، غادر الى المغرب فأقام فترة في مدينة سبتة، وطاب له المقام بين أهلها الذين أقبل الكثير منهم على تلقي العلم على يديه، وخصوصًا علم القراءات، وقد كانت إجادته لهذا العلم القرآني المميز دافعا لهم لنظم قصيدته الشهيرة في قراءة نافع.. إحدى أشهر القراءات المعروفة. وقد مضت عليه عشر سنوات تقريبًا وهو بين  تعليم وقصيد في سبتة لكنه في النهاية اتبع هواه التواق للسفر فعبر البحر يحمله شوقه وقصيدته نحو الأندلس.
          وفي الأندلس تواصل عبر قصائد المديح التي اتقنها بملوك الطوائف، ثم ما لبث أن حل ضيفًا على بلاط المعتمد بن عباد في أشبيلية، التي أصبحت عاصمة إقامته الأندلسية، فيغادرها لمدينة أخرى مما حولها، ثم يعود إليها محملا بالشعر والشغف.. إلا أنه شعر ببعض ما يشعر به الشعراء غالبًا من مكائد تحاك ضدهم ممن ينافسونهم في الوصول الى مراكز القرار، من دون أن يملك ما يملكون من مواهب إبداعية، فلم تعد تستهويه اللعبة كلها ليعود أدراجه إلى المغرب ويواصل عمله القديم بتدريس علمه المحبب الى قلبه في رحاب القرآن الكريم وقراءاته المشهورة.
          وفي طنجة المغربية تكاثر طلاب العلم ومحبو الشعر حول الشاعر الضرير، فكان يراوح بين هذا وذاك معلِّقا روحه على حافة السؤال الخالد عن ليل الصب وغده المنتظر.
          وعندما توفاه الله في العام 488 للهجرة، ترك وراءه رائيته الشهيرة في قراءة نافع، ومستحسن الأشعار وديوان المعشرات وديوان اقتراح القريح واجتراح الجريح، وغيرها من مؤلفات معلومة ومجهولة، كان ذلك السؤال قد تشظى بين الشعراء والمغنين، ليس لمحاولة اجتراح إجابات جديدة له فحسب، بل أيضًا استلهاما له في تخليد الصوت الشعري لشاعر مر على هذه الحياة وغادرها، بعد أن أضفى عليها شيئًا من سحرها الفاتن.

تابعونا على الفيس بوك

www.facebook.com/awladuna


إقرأ أيضًا:
إبراهيم طوقان.. شاعر له عينا زرقاء اليمامة
ديكِ الجن.. ديك الشعر الفصيح
مالك بن الرَّيـْب.. يرثي نفسه




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق