الثلاثاء، 11 ديسمبر، 2012

• لبيد بن ربيعة



          هل ترك لبيد بن ربيعة قول الشعر فعلا عندما دخل في دين الإسلام؟ ولماذا فعل ذلك إن فعل، وهو الذي أنشد بيته الخالد نبي الإسلام محمد (صلى الله عليه وسلم) إعجابًا؟ ولماذا فعل إن فعل وهو يدرك أن الدين الجديد لا يحرم الشعر؟ ولماذا فعل إن فعل وهو الذي نشأ شاعرًا منذ طفولته تقريبًا؟

          هل أعياه قول الشعر في شيخوخته بعد أن انقاد له طويلاً فاحتال على أمر العي بالامتناع الكلي والذي أوحى للآخرين أنه اختيار حر؟
          إحدى حكاياته الصغيرة مع ابنته التي أمرها ذات يوم أن تقول الشعر نيابة عنه في موقف من المواقف المحرجة، تشير إلى ذلك، ويبدو أنها محقة ونحن نقرأ سيرته الحياتية الحافلة بالشعر وسيرته الشعرية الحافلة بالحياة..
          إنه لبيد بن ربيعة بن مالك أبو عقيل العامري. ولد في نجد، لكن كتب الأدب لم تتفق على تحديد سنة مولده الموغل في تاريخ ما قبل الإسلام على الرغم من أنه أدرك الإسلام وأسلم إلى أن توفاه الله في العام 14 للهجرة (166م).
          وفي الحكاية التي تروى عن الشعبي ما يشير ليس إلى ذلك الاختلاف في تحديد سنة مولده وحسب بل أيضًا إلى النظرة شبه الأسطورية التي نظر بها الكثيرون إلى حياة هذا الشاعر المخضرم وتحولاته العمرية كما رصدها القراء والمؤرخون في قصائده المتواترة: فيروى أن الشعبي قال لعبدالملك بن مروان تعيش ما عاش لبيد بن ربيعة. وذلك أنه لما بلغ سبعًا وسبعين سنة أنشأ يقول:
باتت تشكي إليّ النفس مجهشة
                             
وقد حملتك سبعًا بعد سبعينـا
فإن تزادي ثلاثًا تبلغي أمـلاً
                             
وفي الثلاث وفاء للثمانـينـا
          عاش حتى بلغ تسعين، فقال:
كأني وقد جاوزت تسعين حجة
                             
خلعت بها عن منكبـي ردائيًا
          ثم عاش حتى بلغ مائة وعشرًا قال:
أليس في مائة قد عاشها رجل
                             
وفي تكامل عشر بعدها عمر
          ثم عاش حتى بلغ مائة وعشرين، فقال:
ولقد سئمت من الحياة وطولها
                             
وسؤال هذا الناس كيف لبيد؟..
          وعلى الرغم من أن أبياته الشعرية تتوقف عند سن المائة والعشرين فإن الروايات لا تتوقف، بل تندفق حتي ليقول مالك بن أنس: بلغني أن لبيد بن ربيعة عاش مائة وأربعين سنة. ويقول آخر: مات وهو ابن مائة وسبع وخمسين سنة. وثالث: مات سنة إحدى وأربعين.
          فأي شعر يمكن أن يترقرق ماؤه بين أنهار الحياة كل هذه السنين الطوال ولا يكف عن الجريان؟
          هي على أية حال حكايات من الحكايات الطريفة التي أمتلأت بها سيرة هذا الشاعر النبيل، والذي زاحمت أخبار نبله وكرمه أخباره الشعرية ما بين حياته في الإسلام وحياته قبل الاسلام.
          ولبيد من أولئك الذين طبع اليتم الأبوي حياتهم بطابع مليء بالشجن، فقد فقد والده وهو دون التاسعة، وتربى في رعاية أعمامه لكنه سرعان ما شب عن طوق الرعاية الخانق، فارتحل على عادة الشعراء الذين يرافقون القصيدة في مرحلة مبكرة من أعمارهم نحو من يتوسم فيهم الخير من ملوك عصره. فكان أولهم النعمان بن المنذر الذي أجل قصائد لبيد وقدره عليها وكافأه من أجلها.
          انطلقت قصيدة لبيد بن ربيعة منذ زمن المعلقات لتكون إحداها، فكتبت بماء الذهب وعلقت على جدران الكعبة، وحفظها الحافظون، وصارت واحدة من علامات الشعر العربي في تاريخه كله بثمانية وثمانين بيتا سارت على بحر الكامل وتكاملت شعريتها في أغراض المعلقة التقليدية.
          ولم يجترح لبيد تلك المعلقة إلا بعد أن تلجلجت في صدره طويلاً، واجتازت الامتحان الذي كان يعرض موهبته له في كل مرة يخطر له فيها خاطر شعري. تقول الروايات إن لبيدًا كان إذا قال شعرًا، ردده بينه وبين نفسه طويلا، ثم خطاب روح الشاعر داخله قائلا: «لا تظهر هذا».. في أقسى حكم يمكن أن يتخذه شاعر ضد قصيدته، ولكنه عندما قال المعلقة، اختلفت الأحكام لمصلحة القصيدة ذاتيًا. فبدأ بإظهار شعره للناس واثقًا من تلك القصيدة العربية الرصينة التي صالت وجالت في الزمن الجاهلي طويلاً قبل أن يتحول شاعرًا إلى الإسلام وهو في سن متقدمة جدًا ربما جاوزت التسعين عامًا، فصمت الشاعر كما أشيع، ولم يقل بعد إسلامه إلا بيتًا واحدًا اختلف الرواة فيه من بين أبيات ديوانه الشعري الذي ضم إحدى وستين قصيدة بالإضافة إلى المتفرقات والمقطوعات القصيرة وغير المكتملة على الرغم من تكامل كل أغراض الشعر في هذا الديوان من غزل وهجاء ومديح ووصف ورثاء وحكمة وحماسة.. أزعم أنه لم يكن ليفتخر بها كما افتخر بذلك الشطر الذي خلده نبي الإسلام محمد (صلى الله عليه وسلم)، فيما روى عنه أبو هريرة أنه قال: أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد:
                    ألا كل شيء ما خلا الله باطل...



تابعونا على الفيس بوك

www.facebook.com/awladuna

إقرأ أيضًا:
إبراهيم طوقان.. شاعر له عينا زرقاء اليمامة
ديكِ الجن.. ديك الشعر الفصيح
مالك بن الرَّيـْب.. يرثي نفسه




هناك تعليق واحد: