الاثنين، 16 يوليو، 2012

أبو القاسم الشابي إرادة الحياة واستجابة القدر

أبو القاسم الشابي إرادة الحياة واستجابة القدر
          أبو القاسم الشابي، أو الشاعر الذي اختصره القراء العرب في بيتين من الشعر صارا عنوانه الدائم، وموجز سيرته الشعرية أيضا. فمن فاته أن يدرس هذين البيتين الشهيرين وهو على مقاعد الدراسة لا بد أنه سمعهما ورددهما فيما بعد، في إحدى المظاهرات الطلابية، أو الندوات السياسية الجماهيرية، وفي أضعف الإيمان لا بد لمن فاته من أمر البيتين كل هذا أن استمع لصوت غنائي أنيق، عبر الحنجرة الخالدة للفنانة سعاد محمد وهي تغني بروح طربية حماسية تليق بسمات الستينيات العربية من القرن العشرين:
إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر
ولابد لليل أن ينجلي
ولابد للقيد أن ينكسر

          وعلى الرغم من أن الشابي الذي ولد في 26 فبراير 1909 بمدينة «توزر» الواقعة في الجنوب الغربي لتونس، رحل في 9 أكتوبر العام 1934 ولمّا يتجاوز من السنّ الخامسة والعشرين، أي قبل أن ينجلي الليل وينكسر القيد ويستجيب القدر لإرادة الشعب العربي، التي كانت آنذاك قد بدأت للتو تبحث عن مسارات جديدة وحقيقية لها على طريق التحرر والاستقلال بعد سنوات من الاحتلال الأجنبي، فإن مكانه في ديوان الشعر العربي كان قد تحدد للأبد شاعرًا حقيقيًا، ورائدا تجديديا للقصيدة العربية عبر ما تركه من آثار شعرية نثرية عديدة بالنسبة إلى سنوات عمره القليلة.
          فأبو القاسم الشابي الذي ولد في بلدة «الشابية» من ضواحي «توزر»، عاصمة الواحات الخضراء في الجنوب التونسي، كان مؤهلا منذ البداية لأن يحتل تلك المكانة الفريدة في مساحة الشعر العربي المعاصر، فقد كان أبوه شيخاً وقاضيـاً، تنقل في معظم أنحاء البلاد التونسية، مما أتاح لأبي القاسم أن يتثقف ثقافة مجتمعية وإنسانية، ساعدته فيما بعد على تكوين شخصيته، وفقا لمعطيات تلك الثقافة التي دعمها تعليم أخذ مبادئه الأولى على يد والده، فتعلم أصول اللغة العربية وحفظ القرآن الكريم قبل أن ينضم إلى صفوف إحدى المدارس الدينية، التي كانت منتشرة آنذاك، فتخرج شيخاً مثقفاً وهو دون العشريــن من عمره، لكنه لم يكتف بذلك حيث تاقت روحه المتحفزة لولوج بوابة العصر عبر التعليم الجامعي، فالتحق بجامعة «الزيتونة» لدراسة الحقوق، وهناك اطلع على الأدب العربي القديـم، وعلى الأدب المهجري فتأثر بجبران خليـل جبران، وبشعراء جماعة الديوان في مصر، وبشعراء المدرسة الرومانسية العرب ككل. كما افتتن الشابي بالأدب الغربي الذي اطلع عليه مترجما إلى اللغة العربية، وليس عبر لغاته الأصلية.
          وحاول الشابي أن ينتج قصيدته الخاصة مزيجا من كل ما اطلع عليه وأحبه من الشعر دون أن تفقد تلك القصيدة خصوصية استمدتها من روح الشاعر الثائرة، وظروفه الإنسانية التي رسمت له شخصية متقلبة المزاج، حادة الطباع، تتأثر بما حولها من مظاهر اجتماعية وإنسانية متخلفة، وتدعو لأسى الشاعر ذي الطبيعة المفرطة في حساسيتها دائما، تلك الحساسية التي تفاقمت بتوالي المصائب عليه، وخصوصا بعد أن فشل حبّه الأول وفقد فتاة أحلامه التي اختطفها الموت باكرا، واضطراره للزواج - على غير رغبته - بمن لم يخترها، ثم وفاة والده الذي كان يعتبره سنده الأول والأخير في الحياة، لكن مآسيه تضاعفت بعد ذلك عندما أصيب بداء عضال، كان سببا في الأسى الكبير الذي ظهر في أعمال الشاعر قبل أن يتسبب في وفاته وهو ما زال في ريعان صباه.
          وإذا كان الشابي قد وصف بالرومانسية تارة، وبالرمزية تارة أخرى من قبل الكثير ممن درس تجربته الشعرية من النقاد، فإن الكثيرين يتفقون على أثره الكبير في رسم صورة مميزة لتونس في خريطة الشعر العربي، مازال البعض ينظر للشابي - وبعد مرور أكثر من سبعين عاما على رحيله - على أنه أبرز عناصرها ومكوناتها على الإطلاق، خاصة أنه لم يكتف بإنتاج النص الشعري، وإنما حاول ولوج بوابات أخرى نحو عالم الكتابة والأدب.
          وينظر البعض إلى محاضرته النقدية الشهيرة التي ألقاها عام 1928 بعنوان «الخيال الشعري عند العرب» باعتبارها قدمت صورة دقيقة لملامح الشابي الفكرية، خاصة أنه في هذه المحاضرة كان واضحا إلى حد القسوة في هجومه على العقليات العربية المحافظة، باعتبارها سببا في تأخر الأمة، مما ألب عليه أصحاب هذه العقليات ومن تبعهم، الأمر الذي أشعره بالضيق من حدود مجتمعه الثقافي التونسي، فلجأ إلى خيارات أخرى للانطلاق أهمها مجلة «أبولّو» التي كانت تصدر في القاهرة آنذاك، فاتخذها منبرا لنشر معظم قصائد ديوانه «أغاني الحياة»، والذي كان يستعد لنشره، لولا أن الموت كان أسرع، فنشر بعد وفاته، كما نشرت له بعض آثاره الأخرى. وقبل عدة سنوات أعادت مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين نشر كل ما كتبه الشاعر - وما كتب عنه أيضا - في ستة مجلدات ضخمة.


تابعونا على الفيس بوك

www.facebook.com/awladuna

إقرأ أيضًا:
إبراهيم طوقان.. شاعر له عينا زرقاء اليمامة
ديكِ الجن.. ديك الشعر الفصيح
مالك بن الرَّيـْب.. يرثي نفسه




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق