الاثنين، 16 يوليو، 2012

كعب بن زهير.. وبانت سعاد!

كعب بن زهير.. وبانت سعاد!
          ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وشعر أنه انتهى شاعراً وإنساناً، قبل أن تنفرج أزمته المشتدّة حتى مداها الأقصى، حين بانت سعاد قصيدةً لا تشبه القصائد في الفضاء الذي قيلت فيه بين يدي سيد الخلق، لتعيد خلقه شاعراً إنساناً عبر القوافي والمعاني الجديدة الكامنة وراءها، صدى للدين الجديد الذي وجد نفسه يدين فيه بعد تلك القصيدة.
          إنه الشاعر ابن الشاعر وشقيق الشاعر وأبو الشاعر وجد الشاعر.. كعب بن زهير بن أبي سلمى شقيق بجير ووالد عقبة وجد العوام .. وكلهم شعراء، حتى لكأن الشعر يسري في الدماء العائلية ويسكن في الموروثات الجينية لتلك العائلة، التي قدر لها أن تحتفي بالشعر تالدا ووالدا. وقد روي على هذا الصعيد أن زهير بن أبي سلمى كان يمنع كعبا من قول الشعر وهو صغير حتى لا يأتي بشعر لايرقى للمستوى الذي يراه الناس في هذه العائلة الشاعرة، والتي بدأ مجدها الشعري منذ ما قبل الإسلام بتلك المعلقة التي كتبت بماء الذهب وعلقت على أستار الكعبة بتوقيع زهير بن أبي سلمى، وترسخ بتلك القصيدة التي أورث قائلها كعب بن زهير نجاة في الدنيا والآخرة، وبردة نبوية توارثتها العائلة، قبل أن تنتقل لبيوت الحكم الإسلامية جيلا بعد جيل، حتى وصلت إلى بيت الحكم العثماني معززة بتلك الهالة القدسية المشرفة.
          والحكاية يمكن التقاطها من لقطة ضيقة لمشهد واسع  يجلس فيه كعب بن زهير وحيدا، وقد اسودت الدنيا في وجهه، وبلغ أساه مبلغا لم يقدر على احتماله، بعد أن بلغه غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وإهداره لدمه عقاباً له على تشبيبه بنساء المسلمين وهجائه للنبي ولشقيقه بجير الذي أسلم قبله بتلك القصائد ذات المذاق المر.
          ولأن كعباً يعرف حجم ما ارتكبه من إثم وما اقترفه من ذنب في سياق القصيد، الذي لم يكن ليقوله إلا تحدياً للدين المنتصر، وانتصاراً لأساطير أجداده الأولين، ولأنه رأى وسمع ما حل بما غضب عليهم النبي من شعراء قبله، فقد تهاوت جدران المشهد الواسع على ذاته في لحظة شعر بها، وكأنها تساوي الزمن كله، فصار يترمّى على ما يعرف وما لا يعرف من القبائل، التي استطاع أن يصلها لعلها تجيره قبل أن يدركه النبي أو أحد أتباعه من المسلمين فينفذ الوعيد النبوي الذي لا يكذب، لكن الجميع تحاشاه حتى أيقن أنه هالك لا محالة.
          وفيما يشبه الأمل الأخير، جاءته رسالة شقيقه بجير تقترح عليه أن يتوب عن ذنبه ويثوب إلى رشده ويسلم قلبه لله ويقدم على النبي طائعاً مستغفراً.
          فنفذ كعب الاقتراح بحذافيره، حيث اتجه إلى المدينة ونزل على صديق قديم له انطلق به  إلى المسجد، ثم أشار إلى رسول الله قائلا: «هذا رسول الله فقم إليه فاستأمنه»،  فتلثم كعب بعمامته، ومضى نحو الرسول حتى جلس بين يديه، ووضع يده في يده، ثم قال: «يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما، فهل أنت قابل منه إن جئتك به» قال الرسول: «نعم»، وعندئذ كشف كعب عن وجهه قائلا: «أنا كعب بن زهير» وما إن قال ذلك حتى وثب عليه رجل من الأنصار قائلا: «يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه»، فقال الرسول: «دعه عنك فإنه قد جاء تائباً نازعاً».
          وقفها عندها الشاعر التائب وقد أشرقت حياته من جديد بأمل الأمان، فالتقط أطراف ذاته المشتتة ما بين الحياة والموت واستجمعها في لحظة فريدة من لحظات حياته الممتلئة شعراً، وكانت سعاد تتراءى له كقصيدة جميلة فلم يجد حرجاً من الصدع بالغزل في حضرة النبي الكريم، وأمام الجمع المستفز من أصحابه، فكانت تلك القصيدة بلسما للجروح التى سبق للشاعر أن أحدثها في جسد المجتمع المسلم عبر قصائده المؤذية للنبي وأصحابه.
          بدأ كعب قصيدته متغزلاً بمحبوبته سعاد على نهج القصيدة الجاهلية، قبل أن ينتقل من أبيات الغزل في تخلص بديع إلى وصف الناقة التي نقلته إلى محبوبته البائنة، ومنها يصل إلى أبيات القصيد كلها، حيث الثناء إلى الرسول الكريم وأصحابه فيما يشبه الانقلاب على كل ما كتب.
          وكالمنتصر بفيوض الشعر ونزاهة الموهبة، جلس كعب بين أصحاب النبي مطمئنا هذه المرة إلى ما أحدثته القصيدة في نفوس الجميع المتحفز، وبلغت لحظة انتصاره أوجها التاريخي حين قام النبي فألقى بردته التي كان يلبسها على كتفي الشاعر المنتشي تقديراً وإعجاباً، فتضاعفت النشوة، وتمددت في أعطاف الشاعر ونسله على مدى التاريخ كله.
          ولكعب بن زهير، الذي ظل تاريخ ميلاده مجهولا، وترجح كثير من كتب الأدب أنه توفي نحو سنة 662م / 24 هـ، ديوان يحتوي على كثير من المقطوعات القصيرة التي نُظمت في الأغراض المعروفة في عصره من مدح وهجاء وغزل وفخر ورثاء.لكن قصيدته «بانت سعاد» تظل هي الأجود والأشهر وهي تسمى بالبردة نسبة للجائزة النبوية التي استحقها عليها، وقد تناول تلك القصيدة الكثيرون بالشرح والتفسير والتشطير والتخميس والمعارضة والترجمة أيضاً.


تابعونا على الفيس بوك

www.facebook.com/awladuna

إقرأ أيضًا:
إبراهيم طوقان.. شاعر له عينا زرقاء اليمامة
ديكِ الجن.. ديك الشعر الفصيح
مالك بن الرَّيـْب.. يرثي نفسه




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق