الاثنين، 16 يوليو، 2012

وفي الليلة الظلماء يفتقد.. أبو فراس الحمداني

وفي الليلة الظلماء يفتقد.. أبو فراس الحمداني
          وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر. وكان شاعرنا بدرا حقيقيا في سماء الشعر الحقيقي، وفي زمان الشعر الحقيقي أيضا، إنه الحارث بن سعيد بن حمدان التغلبي الربعي، أو أبو فراس الحمداني الشاعر الأمير، والفارس الأسير، المولود في الموصل سنة 320 هـ / 932 م ـ والمتوفى في حمص سنة 357 هـ / 967 م، والذي مارس حياته القصيرة نسبيا شعرا ونثرا في رحاب القصيدة والميدان، فارسا وشاعرا لا يشق له غبار، في المجالين اللذين بهما تكتمل صورة الرجل في ذلك الزمان العربي الغابر.
سيذكرني قومي
          قالها أبو فراس في قصيدة شهيرة فيما يشبه الرجاء، ولكن قومه لم يذكروه، هكذا كتبنا في إحدى مقالاتنا حول حياة هذا الشاعر المجيد، وأضفنا حرفيا أنهم ربما لم يتذكروه، ولكن قوم أبي فراس الحمداني لم يذكروه، وربما لم يتذكروه إلا بعد سنوات أربع، (وقيل سبع) عجاف بالنسبة له وليس لهم بالضرورة، قضاها وراء قضبان الأسر الرومي، ينظم مديحه قصيدا متينا وشفيفا في ابن عمه الأمير سيف الدولة الحمداني ، المنتشي بمدائح شاعر ملأ الدنيا، وشغل الناس، وأسهر الخلق، اسمه المتنبي، لعله يرق لحاله ويتذكره إذا جد جده مثلا، بالرغم من أن الجد قد جد كثيرا في بيئة سياسية، كانت تعج بصراعاتها التقليدية اليومية تقريبا في بحر من الجدية، التي كان أبو فراس يتمنى أن يغرق فيه قومه ليجدوا فرصة للتذكر، إلا أن الذكرى ليست التذكر. وأبو فراس شاعرا كان قبل أن يكون فارسا، فما كان من الحلم إلا أن يكون منهاجه، حتى وهو يرتب قناعاته في سبيل الرجوع إلى قومه، منذ ليلة الأسر الأولى حتى ليلة الأسر الأخيرة، وكانت الذكرى وسيلته المبدئية، هكذا أرادها، لكي تكون حقيقته في سبيل الحرية، لكن العالم، الغارق في بحار الجدية المشتهاة من قبل أبي فراس فارسا وشاعرا، لا يسير وفقا لمنطق الشعراء حتى لو قرروا ذلك، وهم يخططون لمفردات وتفاصيل بيت شعري سيظل يسكن في الوجدان العاطفي لأمة كاملة على مدى عمرها اللانهائي، وسيظل يتذكره كل مكلوم بظنون الخيانات قابع في الغياب بانتظار الفرج من الآخرين. أما الأمير، فإنه مثل أي أمير ينتشي بأحلام الشعر، ويرتوي بأطياف السماوات القصية، ويطرب لزقزقة العصافير وهي تعلن الصباحات في أوقاتها المعلنة، ويغني حين تصطفق بين أضلعه مشاعر منسلة من سياقاته الإنسانية المحضة، لكنه يقرر سياساته ويسوس دولته ورعيته وفقا لمقدراته السياسية ومعطيات واقعه المادي المحض، متكئا على أجندة الحدث اليومي دون أن يلتفت كثيرا لأبجديات الأحلام الشعرية.
          تقول بعض كتب الشعر والتاريخ عنه، إن سيف الدولة كان يحبه ويجله ويستصحبه في غزواته، ويقدمه على سائر قومه، وقلده منبج وحران وأعمالهما، فكان يسكن بمنبج ويتنقل في بلاد الشام. وأنه جرح في معركة مع الروم، فأسروه وبقي في القسطنطينية أعواماً، ثم فداه سيف الدولة بأموال عظيمة. وتقول كتب أخرى إن سيف الدولة كان يخاف من طموحه الكبير، مما جعله يتباطأ في تقديم فديته وإخراجه من أسره. وأيًا ما كان الأمر فسرعان ما ظهرت أحلام أبي فراس للعلن بعد سنة من تخلصه من الأسر، حيث توفي سيف الدولة وخلفه ابنه أبو المعالي - سعد الدولة - وهو ابن أخت الشاعر. ويبدو أن أبا فراس حاول الاستيلاء على حمص وتجريب لذة السلطة بشكل مباشر، ولكن ابن أخته - سعد الدولة - كان له بالمرصاد، فقد قضى على تلك الأحلام السلطوية بالقضاء عليه شخصيا. ولأبي فراس ديوان شعر ، جمعه له أستاذه ابن خالويه. وقد طبع مراراً، وأفضل طبعاته طبعة الدهان الحديثة، وفيه منظومات في أبواب الشعر المعروفة في عصره. ولكن أشهر ما فيه وأجمله « الروميات»، وهي القصائد التي قالها وهو في الأسر، ومنها تلك القصيدة الشهيرة، والتي يلح فيها على أن قومه سيذكرونه.
سيذكرني قومي...؟
وإذا جد جدهم أيضا؟
          لكن من قال إن القوم يذكرون الشعراء إن جد جدهم؟
          هم يتذكرونهم فقط إن أرادوا أن يغنوا، وبين الذكرى والتذكر ما بين الجد والغناء، كأن الغناء هو نقيض الجد، وكأن الجد هو نقيض الحياة، لكنهما معا اقتراح مبكر لسيرة الماء مندهشا بالرمل وسيرة الماء مفعما بالسماء، لوحة بألوان ممزوجة في رونق البقاء، يرتادها الشاعر والمحارب في أغنية واحدة تتردد منذ الأزل.
سيذكرني قومي...؟
ربما، ربما، من يدري؟!!


تابعونا على الفيس بوك

www.facebook.com/awladuna

إقرأ أيضًا:
إبراهيم طوقان.. شاعر له عينا زرقاء اليمامة
ديكِ الجن.. ديك الشعر الفصيح
مالك بن الرَّيـْب.. يرثي نفسه




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق