الخميس، 13 ديسمبر، 2012

• خالد الفرج.. شاعر الخليج العربي كله


          على قلق كأن الريح تحته ..كان الشاعر الكويتي خالد الفرج وهو ينتقل من قطر الى آخر حاملاً همومه القومية المغلفة بإطار شعري إبداعي واعٍ، ليسجلها في إبداعاته الكتابية المتنوعة، ولتصبح فيما بعد تاريخه المضيء على امتداد الخليج العربي كله، وربما أبعد من ذلك الخليج أيضًا.

          الكويت، الهند، البحرين، السعودية، سورية، لبنان.. هي البلاد التي تنقل بينها الشاعر الكويتي الذي يحلو لبعض مؤرخي الأدب اعتباره سعوديًا، على الرغم من أنه لم يكن ليهتم بتحديد تلك الهوية فقد بقي طوال حياته عربيًا حالمًا بالوحدة وعاملاً على تحقيقها ليس في أشعاره ومقالاته وحسب، بل أيضًا في مفاصل عملية مهمة في حياته الوظيفية. لكن الفرج عرف بلقب «شاعر الخليج» وهو اللقب الذي أطلقته عليه بعض الصحف التي كانت تنشر مقالاته وقصائده حتى عرف به بين القراء.
          ولد  خالد الفرج آل طراد الدوسري في الكويت  في العام 1898 م لأسرة ميسورة الحال عهدت به إلى الكتّاب ليبدأ رحلة تعليمه الأولى. وعندما افتتحت أول مدرسة نظامية في الكويت وهي المدرسة المباركية، أبدى نبوغًا مبكرًا فيها ولفت انتباه أساتذته الذين رشحوه ليصبح معلمًا في المدرسة ذاتها بعد سنوات قليلة جدًا قضاها فيها، حيث كان أحد أصغر المعلمين عمرًا في تاريخ الكويت، لكن العمل في التدريس لم يرض طموح الفتى المتوثب فاستغل أول فرصة له للسفر إلى الهند، فسافر إلى هناك على عادة كثير من الكويتيين في ذلك الوقت، وما أن استقر في بومباي حتى عمل موظفًا لدى أحد التجار الكويتيين المقيمين في الهند، وقد أتاحت له تلك الإقامة أن يتعلم اللغة الإنجليزية وبعض اللغات الهندية. وكانت موهبته الشعرية تتفتح في ذلك الوقت، وتتعزز ثقافته بقراءاته المتنوعة بالعربية وبما تعلم من لغات أخرى، وقد ظهرت في قصائده الأولى بعض الأطياف الفكرية والفنية لتلك اللغات والثقافات.
          ولم يبق خالد الفرج في الهند طويلاً، بل هي سنوات خمس تقاطع فيها العمل الوظيفي التجاري بالعمل الثقافي، والذي توجه بإنشائه للمطبعة العمومية هناك لطباعة الكتب العربية. إلا أن الحنين إلى مرابع الطفولة والصبا قد بلغ أوجه فعاد الى الكويت ليقضي فيها بعضًا من الوقت قبل أن  يتجه إلى البحرين التي استقبلته بحفاوة تليق باسمه كمثقف كان قد بدأ يعرف في المنطقة كلها.
          وفي البحرين عمل الفرج في الوظائف التي سبق أن عمل فيها، فبدأ مدرسًا في مدرسة الهاداية الخليفية ثم موظفًا في إدارة المعارف. وكان أثناء ذلك يكتب المقالات وينظم القصائد التي حملت طابعًا ثوريًا ضد الاحتلال الإنجليزي لدول الخليج في ذلك الوقت.
          واستغل الفرج علاقاته الثقافية الواسعة مع كثير من رموز الصحافة العربية آنذاك في نشر تلك المقالات والقصائد بالإضافة إلى الأخبار التي تتناول شؤون الاحتلال وتحرض عليه، في المجلات العربية وخصوصًا في مصر. فكانت تلك الكتابات التحريضية ذات النفس القومي الواضح السبب الذي دعا الإنجليز للغضب منه. ومع أنه كان مقربًا من الأسرة الخليفية الحاكمة في البحرين، حيث عينه حاكمها أنذاك عضوًا في المجلس البلدي، ومعززًا من قبل أبناء أعمامه الدواسر المقيمين هناك، فإن البلاد كلها كانت تئن تحت وطأة الاحتلال الإنجليزي والذي سرعان ما اشتدت قبضته على البلاد  مما دعا كثيرين ومنهم الشاعر للنزوح إلى البلدان المجاورة. وفي حين قام أبناء  عمومته  بعبور البحر متجهين إلى مدينة الدمام  فضل الشاعر أن يعود إلى وطنه الكويت ليتنفس قليلاً من عبق الأهل، وليعود إلى كتاباته الشعرية والقصصية والصحفية أيضًا.
          وكعادته، فكر مجددًا في الرحيل، وكانت وجهته هذه المرة  القطيف بدعوة من رجال الملك عبد العزيز بن سعود الذين أرادوا الاستفادة من خبراته الوظيفية العالية بالإضافة إلى ثقافته الواسعة وعلاقاته المتعددة. وقد أكرم الملك الشاعر وعهد إليه برئاسة بلدية الأحساء ثم القطيف، بالإضافة إلى تكليفه بالإشراف على الإذاعة السعودية وإعداد بعض برامجها الثقافية.
          ولم تشغل كل هذه المهام الإدارية الشاعر عن مواصلة شغفه الأول في الكتابة والبحث بالإضافة إلى الشعر.
          وعندما تكاثرت عليه المهام الوظيفية فضل الشاعر أن يتفرغ للكتابة وحدها، فاستقال من كل تلك المهام وأقام في الدمام بين كتبه وأوراقه، وبالقرب من مطبعته التي أسسها في تلك المدينة باسم المطبعة السعودية، وطبع فيها عددًا كبيرًا من الكتب.
          وقبل وفاته بعامين انتقل خالد الفرج  الذي لا يطيق الاستقرار في بلد واحد سنوات طويلة إلى الإقامة في دمشق، ومنها توجه إلى بيروت للعلاج قبل أن يرحل في العام 1954م، وفي جعبته الكثير من الأوراق التي لم تخرج في كتب كما كان يتمنى ويخطط.
          ومن خلال استعراضنا السريع لسيرة حياة هذا المبدع المتعدد المواهب في الكتابة يتضح لنا أنها سيرة تكاملت في البلاد التي توزعتها سنوات عمره، فكانت صورة عن فكرته القومية التي أمن بها ودافع عنها، ورسخها في قصائد  انتظمها وجد عربي وحدوي. ولم يكتف الفرج بالقصيد ليعبر عن ذلك الوجد بل كان هو الموضوع الأول لكل كتاباته الأخرى وبتجليات مختلفة في القصة القصيرة، والتي كان له قصب السبق في كتابتها في الكويت من خلال نشره لقصة قصيرة «منيرة» والتي يتذكرها مؤرخو الأدب باعتبارها أول قصة قصيرة نشرت في الكويت في العام 1930م.
          ومن عناوينه الأخرى بالإضافة إلى ديوان شعره؛ كتاب «علاج الأمية في تبسيط الحروف العربية»، وكتاب «أحسن القصص»، وهو ملحمة شعرية في جزأين ترصد سيرة الملك عبدالعزيز منذ ولادته حتى وفاته. وله أيضًا كتاب «رجال الخليج» الذي يترجم لعدد من رجال الخليج العربي، و«ديوان النبط» وهو عبارة عن مجموعة من الشعر العامي في نجد، والخبر والعيان في تاريخ نجد وما يجاورها، بالإضافة إلى بعض العناوين الأخرى.

تابعونا على الفيس بوك


www.facebook.com/awladuna

إقرأ أيضًا:
إبراهيم طوقان.. شاعر له عينا زرقاء اليمامة
ديكِ الجن.. ديك الشعر الفصيح
مالك بن الرَّيـْب.. يرثي نفسه





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق